<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>من فتى &#187; مفاهيم</title>
	<atom:link href="http://www.manfata.com/category/%d9%88%d8%b9%d9%8a/%d9%85%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://www.manfata.com</link>
	<description></description>
	<lastBuildDate>Tue, 24 Jan 2012 18:43:26 +0000</lastBuildDate>
	<language>en</language>
	<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>http://wordpress.org/?v=3.2.1</generator>
		<item>
		<title>عن ثلاثيّة الكتلة التاريخيّة والسيادة والثروة &#8211; فيصل جلول &#8211; الأخبار</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d8%b9%d9%86-%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d8%b9%d9%86-%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 10 Nov 2011 04:12:42 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=2944</guid>
		<description><![CDATA[عن ثلاثيّة الكتلة التاريخيّة والسيادة والثروة فيصل جلول يجنح الحديث عن الديموقراطية في العالم العربي جنوحاً خلاصياً أي إيديولوجيا، إلى حدّ أنّها صارت هي الحل، على غرار «الإسلام هو الحل»، أو في زمن مضى «الماركسية هي الحل» أو القومية أو الاشتراكية&#8230; إلخ. ويختلف «الحلّ» الديموقراطي عن الحلول الأخرى بكونه شاملاً لا تحدّه طبقة ولا دين [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>عن ثلاثيّة الكتلة التاريخيّة والسيادة والثروة<br />
فيصل جلول<br />
يجنح الحديث عن الديموقراطية في العالم العربي جنوحاً خلاصياً أي إيديولوجيا، إلى حدّ أنّها صارت هي الحل، على غرار «الإسلام هو الحل»، أو في زمن مضى «الماركسية هي الحل» أو القومية أو الاشتراكية&#8230; إلخ. ويختلف «الحلّ» الديموقراطي عن الحلول الأخرى بكونه شاملاً لا تحدّه طبقة ولا دين ولا عرق، بل هو «حل» عابر للأعراق والطبقات والأديان والطوائف. وكغيرها من «الحلول» الخلاصية، تنطوي الديموقراطية على أوهام جذابة، وعلى وعود تسحر ملايين البشر، ليس لأنّها قد جرّبت وبرهنت على صلاحيتها في كل المجتمعات والبلدان،<span id="more-2944"></span> بل لكونها إيديولوجية المنتصرين في الحرب الباردة والنظام السياسي لاقتصاد السوق الذي يسود العالم. ولا عيب في تلك الخلاصة، ذلك أنّ «الأفكار (السياسية) السائدة هي أفكار الطبقات السائدة، بحسب التبسيط الماركسي المعروف. ولو كانت الديموقراطية هي النظام السائد في عصر ابن خلدون، لما اختلف استنتاجه بشأن العصبية السياسية المنتصرة التي تحمل المهزومين على اعتماد زيّها ومأكلها ومشربها. وها نحن بعد قرون على ظهور الخلدونية نعتمد «الخلاص الديموقراطي»، وفي ظننا أنّه فعل خيراً في اشتراطه الغرب المنتصر لقياس تقدم الأمم وتخلّفها.<br />
والمثير في ظاهرة «الخلاص الديموقراطي» في بلداننا العربية أنّها محل إجماع من النخب والأحزاب السياسية والعسكر والسفارات الأجنبية معاً، وبالتالي من الصعب أن تجد «انتحاريين» كثراً يرفضون ذلك الخيار، أو يطرحون أسئلة جديّة عليه، بما في ذلك تيارات الإسلام السياسي التي تخوض مجابهات هذه الأيام تحت شعار «الديموقراطية هي الحل» وليس الإسلام كما كانت تطرح من قبل. وبعضها لا يتردد في الحديث عن تطابق الشورى في الإسلام مع الديموقراطية في النظام السياسي المعاصر. واللافت في هذا الصدد أنّ زعيم «الإخوان المسلمين» في تونس، راشد الغنوشي، أعلن تبنّيه اقتصاد السوق بعيد فوزه في الانتخابات الأخيرة، الأمر الذي أكده أيضاً «الإخوان المسلمون» في مصر بعيد سقوط حسني مبارك. ومن تحصيل الحاصل أن يؤيّده الليبيون الذين يدينون بانتصارهم على العقيد القذافي للحلف الأطلسي، الديموقراطي أيضاً وأيضاً.<br />
ومن دواعي حسن الحظ أنّ الديموقراطية ليست فكرة مقدسة، وبالتالي هي خاضعة للنقاش والجدل والمساءلة، وإن كان نقاشها وطرح الأسئلة بشأنها يثيران الظنون السيّئة حول مرامي السائل وأهدافه. وينطلق السؤال والنقاش عموماً من الادّعاء المتداول عندنا بأنّها هي «الحل» لمشاكلنا المعقدة والمتعددة. فهل تنطوي فعلاً على علاج لمشاكلنا؟ الجواب الأوّلي هو نعم ولا في آن معاً. نعم لأنّها تعني «حكم الشعب لنفسه بنفسه ومن أجل نفسه»، وبالتالي لا تخالف مبدئياً مصالح عموم الناس. و«لا» لأنّها مشروطة بالسيادة والثراء. بكلام آخر، لا ديموقراطية للعبيد والتابعين، ولا ديموقراطية للفقراء. ولكي يتمتع هؤلاء بالنظام الديموقراطي، عليهم أولاً انتزاع السيادة على سياسة بلدانهم، وبناء اقتصاد وطني مفيد لعموم الناس المستهدفين بالنظام الديموقراطي. ولعل ذلك ما يفعله الصينيون حرفياً، فهم يستخدمون أدواتهم السيادية في بناء اقتصاد عملاق، ومن ثم يفكّكون تدريجاً الضوابط الشيوعية التي وفّرت التغطية الضرورية لتلك السيرورة. وهو أيضاً ما فعله الروس في عهد فلاديمير بوتين وديميتري مدفيديف. أثار الأمر حفيظة الغربيين ممّن كانوا يظنون أنّ انتصارهم في الحرب الباردة يستدعي خضوع الروس لإملاءاتهم عبر نظام «ديموقراطي» بلا ضوابط وطنية، تتفتّت فيه السيادة والقرار الوطني الذي تتوزعه مراكز قوى يبحث كل منها عن ولاءات غربية، خارج الحدود، كما شاع إلى حدّ ما في عهد بوريس يلتسين في موسكو، وكما هو شائع في البلدان الفقيرة، ومن بينها ساحل العاج، حيث فصل منذ فترة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في من يكون رئيساً للبلاد: الحسن وتارا أم لوران غباغبو؟ فأفتى برئاسة الأول، وأرسل حملة عسكرية لتثبيته، وقد حصل ما أرادت فرنسا، وليس ما كان يريده نصف أهل البلاد الذين يخافون، محقّين، من أن تمثّل رئاسة الحسن وتارا فرصة لتغليب مصالح نصف البلاد الآخر على مصالحهم.<br />
ليست البلدان العربية على موعد تاريخي مع الديموقراطية الحقيقية، بل المنافقة، وذلك لسببين أساسيين؛ الأول هو أنّ الديموقراطية لا تسود إلا عبر نظام السادة. وذلك حكم رافقها منذ نشأتها في روما القديمة، حيث كان حق التصويت، أي مفتاح السلطة التمثيلية، محرماً على العبيد والفقراء، وهو اليوم حق للفقراء والأغنياء في البلدان الثرية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. لكن تلك البلدان تنجح دائماً في التحكم في اقتراع الفقراء لمصلحة الأغنياء أو من يدافعون عنهم.<br />
والسبب الثاني يكمن في الاقتصادات العربية الوظيفية التابعة للأسواق العالمية، والتي تعمل بشروط تلك الأسواق، لا بشروط القسم الأعظم من أماني أهل البلدان العربية المعنية.<br />
عندما يوافق تيار الإسلام السياسي على شروط عمل اقتصاد السوق في البلدان العربية، فإنّه يتصرف كمن حصل على وكالة أجنبية في بلده تتيح له حق التصرف الحصري في التفويض الخارجي الذي كان محصوراً من قبل بالحكام المعروفين. والواضح أنّ «الديموقراطية» هي المدخل إلى عبور الحكام الجدد إلى السلطة، وهي وإن كانت تنطوي على فرص أفضل لإدارة البلدان العربية، إلا أنّها توفّر في آن معاً فرصاً أفضل للمسؤولين الأجانب في التأثير على اختيار الحكام، عبر مروحة واسعة من الطامحين للوصول إلى السلطة، وفي خلق فضاء محلي للنقاش في مسائل من نوع العلمانية والدين والعروبة والأقلية والأكثرية بين الإثنيات والطوائف. تلك نقاشات فقيرة، ولا طائل منها في إطار ثقافة سياسية لم نتمكن يوماً من توطين مرجعياتها وتكييفها كما تكيّف الدول السيّدة مرجعيات العصر في خدمة استراتيجيات وطنية حقيقية.<br />
ليست الديموقراطية شرطاً مطلقاً للتقدم، وليس غيابها حدّاً لقياس التخلف، ولو كانت كذلك لما تقدمت البشرية من قبل، ولما عرفنا الإنجازات العملاقة التي حققتها الحضارات الإنسانية بدءاً من القرن السادس عشر. بل يمكن القول إنّ القسم الأكبر من الروائع التي لا نزال نستمتع بها في مجالات مختلفة قد أُنجز في عصور غير ديموقراطية.<br />
قصارى القول إنّ «الديموقراطية» ليست «الحل»، بل السلطة السياسية والاقتصادية هي الحل في الدول التأسيسية، كما هي حال بلداننا، ما خلا جمهورية مصر العربية التي تحتفظ بدولة مستمرة منذ مطالع القرن التاسع عشر. والتأسيس يحتاج بالضرورة إلى كتلة تاريخية تتجمع حولها المصالح المركزية وتندفع مكوّناتها في بناء اقتصاد وطني يتيح بدوره حماية البلد من الإملاءات والإرادات الخارجية النازعة دائماً نحو السيطرة، عبر الكولونيالية المباشرة أو غير المباشرة، أو عبر التحكم في عقول النخب المحلية.<br />
التأمّل في حال الصومال يتيح استخلاص درس شديد الأهمية عن أثر «الخلاص الديموقراطي» المصيري على الشعب الصومالي الذي فقد ثلث أبنائه جوعاً، خلال ثلاثة عقود من الحروب الأهلية المستمرة. وللتذكير، فقد بدأت المأساة الصومالية بحديث عن طغيان الديكتاتور محمد سياد بري واستبداده، ووجوب استبداله بحكم ديموقراطي، وانتهت إلى تشتّت الصوماليين «أيادي سبأ».<br />
يحتاج العالم العربي إلى حلول واقعية لمشاكله الصعبة والمعقّدة تمر كلّها في ثلاثية الكتلة التاريخية والسيادة والثروة. أما الديموقراطية فهي بمثابة حبة الكرز التي تزيّن تلك السيرورة.<br />
* كاتب لبناني</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d8%b9%d9%86-%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>طبيعة الازدواج الحديث</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 23 Oct 2011 16:44:33 +0000</pubDate>
		<dc:creator>رغداء</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=2874</guid>
		<description><![CDATA[من علي الوردي إن أبناء الجيل الجديد لم يعودوا يتأثرون بالمواعظ الدينية كما كان يفعل آباؤهم من قبل، بل هم أخذوا يتأثرون بمواعظ من نوع مستحدث هي تلك التي تمطرهم به المدارس ووسائل النشر والدعاية الحديثة كالصحف والإذاعات والأحزاب وما أشبه. يجب ألّا ننسى أن الكثيرين منهم نشأوا في طفولتهم في بيئات محلية قديمة، ولعبوا [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL">من علي الوردي</p>
<p dir="RTL">
<p dir="RTL">إن أبناء الجيل الجديد لم يعودوا يتأثرون بالمواعظ الدينية كما كان يفعل آباؤهم من قبل، بل هم أخذوا يتأثرون بمواعظ من نوع مستحدث هي تلك التي تمطرهم به المدارس ووسائل النشر والدعاية الحديثة كالصحف والإذاعات والأحزاب وما أشبه. يجب ألّا ننسى أن الكثيرين منهم نشأوا في طفولتهم في بيئات محلية قديمة، ولعبوا في الأزقة، حيث اعتادوا فيها على قيم التغالب والعصبية والكسار والشقاوة. فإذا كبروا صاروا يتعلمون الأفكار والمصطلحات الحديثة. <span id="more-2874"></span>ومعنى هذا أنهم وقعوا تحت تأثير ثقافتين متناقضتين، ولا بد أن يظهر فيهم نمط من ازدواج الشخصية ضعيف أو شديد. إن أحدهم قد يتشدق بأرقى ما جاءت به الحضارة من مبادئ ومفاهيم، ولكن ذلك ليس سوى طلاء سطحي حيث تكمن تحته الشخصية الزقاقية، فلا تكاد تمس بعض الأوتار الحساسة منها حتى ينتفض صاحبها (سبعاً) ضارياً كأنه من (أشقياء) ذلك الزمان. مهما يكن الحال فليس جميع أبناء الجيل الجديد على درجة واحدة في هذا الازدواج. فالبعض منهم قد انصهروا في الثقافة الحديثة انصهاراً جعل ظاهرهم وباطنهم متقاربين. ويبدو أن هؤلاء كانوا في طفولتهم غير منسجمين مع الحياة الزقاقية، أو شعروا بالنفرة منها لسبب من الأسباب، فاعتزلوا عنها وأخذوا ينهمكون في دروسهم أو هواياتهم الانطوائية. ولهذا كانوا في كبرهم أقدر من غيرهم على التكيف للثقافة الحديثة. أما الذين كانوا في طفولتهم من أبطال المحلة وقادة المعارك فمن الصعب عليهم أن يتخلصوا في كبرهم من تأثير القيم الزقاقية. فهم سيظلون ((أشقياء)) كما كانوا، غير أنهم يسترون شقاوتهم بطلاء براق من المصطلحات الحديثة، وهم قد يستخدمون تلك المصطلحات أسلحة ضد خصومهم كمثل ما كانوا في طفولتهم يستخدمون الهراوات والأحجار. إن هؤلاء المزدوجين يمثلون إحدى مشاكل المجتمع العراقي الحديث. فهم قد ينالون الشهادات العالية أو يتسلمون مراكز النفوذ والزعامة، فإذا كتبوا أو خطبوا جاؤوا بالمبادئ ((الرنانة)) يمطرونها على رؤوس الناس، وهم قد يغضبون حين يرون أحداً يخالفهم فيها، إنما هم في سلوكهم الواقعي لا يختلفون عن غيرهم من الناس، ولعلهم أكثر منهم انحرافاً عن المبادئ التي ينادون بها. إن المبادئ الحديثة جاءت إلى العراق ((طارئة))، إذ هي لم تنبعث من طبيعة ثقافته الاجتماعية الأصلية. فهي قد اتخذت شكل محفوظات وأناشيد وهتافات وشعارات وما أشبه. والفرد يتعلمها في المدارس، أو يقرؤها في الصحف والكتب، أو يسمعها في الإذاعات، أو تلقى عليه في المظاهرات والحفلات. وهي إذن تبقى فعالة في مجال الكلام والجدل والانتقاد فقط، ومن الصعب أن تتغلغل بتأثيرها في أعماق النفوس. فالفرد قد يجادلك على أساسها إنما هو لا يستطيع أن يغير سلوكه بها إلا في نطاق محدود جداً. لا ننكر أنها ستؤثر في سلوك الأفراد بمرور الأيام، وسيزداد تأثيرها جيلاً بعد جيل، وبهذا يضعف أثر الازدواج فيهم. ولكن ذلك أمر لا يحدث دفعة واحدة، بل هو يجري تدريجياً وببطء شديد، وربما استغرق أجيالاً عديدة. ونحن إذ ندرس طبيعة المرحلة الراهنة لا بد أن نعترف بما يجري فيها من ازدواج في تكوين الشخصية، حيث اعتاد الناس فيها أن يقولوا ما لا يفعلون.<sup>(</sup><a title="" href="#_ftn1">[1]</a><sup>)</sup><strong></strong></p>
<div><br clear="all" /></p>
<hr align="left" size="1" width="33%" />
<div>
<p dir="RTL">(1) د. علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، لندن، ط1, 2007م، ص384- 385.</p>
</div>
</div>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نقد لنقد الجابري للعقل الأخلاقي العربي &#8211; طارق البشري</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d9%86%d9%82%d8%af-%d9%84%d9%86%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d9%86%d9%82%d8%af-%d9%84%d9%86%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 09 Aug 2011 12:41:45 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=2612</guid>
		<description><![CDATA[كلمة من مدخل المقال محمد شاويش: توضح المقدمة النظرية لهذا المقال بصورة ممتازة رؤية &#8220;التيار التأصيلي العربي&#8221; لمفهوم &#8220;الفكر&#8221; بما هو الفكر الممارس في المجتمع وليس مجموع عدد من أفكار الكتب. نقد لنقد الجابري للعقل الأخلاقي العربي - هذه الجدية في النظر، وهذه الصرامة في المنطق، وهذا العكوف على العمل، وهذا الاحترام للنفس كاتباً وللغير [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>كلمة من مدخل المقال محمد شاويش: توضح المقدمة النظرية لهذا المقال بصورة ممتازة رؤية &#8220;التيار التأصيلي العربي&#8221; لمفهوم &#8220;الفكر&#8221; بما هو الفكر الممارس في المجتمع وليس مجموع عدد من أفكار الكتب.</p>
<p>نقد لنقد الجابري للعقل الأخلاقي العربي -<br />
هذه الجدية في النظر، وهذه الصرامة في المنطق، وهذا العكوف على العمل، وهذا الاحترام للنفس كاتباً وللغير قارئاً، هو ما تعودناه مع محمد عابد الجابري، يحتشد للموضوع الذي يبحثه من جوانبه التي تخصص فيها، ويتقدم للقارىء لا بالموضوع الذي يبحثه فقط، ولكن بالأدوات المنهجية التي يتعامل مع موضوعه بها، فيعرضها واضحة بما تستدعيه من منطق ومن أسلوب تدليل ومن ترتيب سياق.<span id="more-2612"></span><br />
والكتاب الذي قدمه إلينا الجابري أخيراً، هو الكتاب الرابع من مجموعة المؤلفات التي خصصها في &#8220;نقد العقل العربي&#8221;. كان أولها عن تكوين العقل العربي، وجاء ثانيها عن بنية العقل العربي، وخصص ثالثها في العقل السياسي العربي، ثم جاء هذا الأخير بحثاً في العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية.<br />
ونحن عندما نتكلم عن أي مجال من مجالات الفكر أو النشاط في تاريخنا السابق، لا نميز كثيراً بين ما هو عربي وما هو إسلامي. والعنصر العربي استوعب في الحضارة الإسلامية، كما استوعب فيها العنصر الفارسي والعنصر التركي، وذلك منذ تداخلت هذه البقاع والشعوب مع انتشار الإسلام وتخلل بعضها بعضاً، في الفكر والثقافة والمكونات النفسية الجماعية، وتداخلت حقباً أيضاً في النخب السياسية والاجتماعية. أقول ذلك لأشير إلى أننا عندما نتكلم عن العقل العربي فإننا نكون باحثين بالدرجة ذاتها عن العقل الإسلامي، أقصد العقل البشري الإسلامي، وعندما ننظر في الحضارة العربية فإننا نكون بالدرجة ذاتها تقريباً ناظرين في الحضارة الإسلامية.<br />
وفي بداية قراءتي للبحث، فإنني أضع بين يدي القارىء عدداً من الملاحظات أجدها ذات سيطرة على طريقتي في التفكير عندما أنظر في أي كتاب أو مؤلف يتحدث عن تاريخ الفكر أو حركة الفكر أو أي من جوانب هذه الأمور.<br />
أولاً: إن البحث في تاريخ الفكر أو حركته، في أي من المجالات النوعية لهذا الفكر، ليس مورده فقط مؤلفات المفكرين الذين اشتهروا في هذا المجال النوعي، إنما مورده أيضا حركة المجال الاجتماعي الذي ينشط فيه هذا الفكر ويتحرك. والناس لا تعبر عن فكرها بالحديث عنه فقط، وإنما تعبر عنه بممارسته وبالتعامل وفقه. فمن يدعو الناس للصلاة نقول إنه صاحب فكر يدعو إلى الصلاة، ومن يبني مسجداً يتعين أن نقول أيضاً إنه صاحب فكر يدعو إلى الصلاة، فإذا كان هذا الذي بنى المسجد ملكاً أو والياً يريد فقط أن يخلد اسمه ببناء المسجد، فنقول إن اختياره بناء المسجد يدل على سيادة فكر يدعو إلى الصلاة في وقته. وقصدي في عمومه، أننا ينبغي ألا نكتفي، في التنقيب عن الأفكار، بالبحث في كتب كبار المؤلفين في المجال التخصصي أو النوعي ذاته لهذا الفكر، إنما يتعين أن نستشرف حركة الواقع وأساليب التعامل ونوعياته ووجوه النشاط، لنستخلص منها ما نكشف عنه من مفاهيم وقيم وأفكار، وما يكمن وراء الأحداث من أي من ذلك.<br />
نحن مثلاً عندما نبحث في حركة التجديد في الفكر الإسلامي الحديث، نجمع كتابات محمد عبده ورشيد رضا والطاهر بن عاشور، ونكتب عن كل منهم وعن نتاجه التأليفي وعن تأثر كل منهم بمن سبقوه من جنسهم وتأثره ببيئته وأثره في اللاحقين من أمثالهم، ويكون هذا هو تاريخ الفكر التجديدي عن الإسلام في العصر الحديث. ولا يكاد يفطن الباحث ولا القارىء طبعاً، أن ثمة مصادر أخرى لحركة التجديد هذه، هي مصادر واقعية وتطبيقية وحركية، نجدها في فتاوى المفتين وفي أحكام المحاكم وفي نصوص التشريعات مثلاً. كما نجدها في مؤسسات قامت على هذا الأمر، مثل دار العلوم بمدرسيها وطلبتها، ومثل مدرسة القضاء الشرعي بمدرسيها وطلبتها&#8230; وهكذا.<br />
وعندما نبحث في تاريخ الفكر العام في الفترة ذاتها، نذكر طه حسين والعقاد وحسين هيكل وشبلي شميل وفرح أنطون وأقرانهم، ونغفل عن أناس في مستويات قريبة منهم كانوا صنواً لهم في حياتهم، وإن كانوا على شهرة أقل وذيوع أضيق نسبياً، ثم نغفل أيضاً عن ما يستفاد من فكر اجتماعي أو سياسي مما يتجمع من مواقف ومعاملات وأحداث وتعليقات يمكن التقاطها من كتب التاريخ والخطب والبيانات والبرامج، وما عسى أن يكون موجوداً من الوثائق ومن المحاضر والمضابط للجمعيات والمجالس وغير ذلك. ولكل عصر، في حدود ما احتفظ التاريخ لنا من وقائعه، أساليب بحث خاصة به في هذا الشأن. ولحسن حظنا فإن حضارتنا العربية الإسلامية عرفت الكثير مما دُون وحفظته الكتب والموسوعات والتفاسير والحوليات والخطط.<br />
ولا ننسى في هذا الصدد أن نصر محمد عارف ذكر في كتاب في مصادر التراث السياسي الإسلامي أنه توصل إلى أن ثمة 307 من المصادر التراثية المباشرة في علم السياسة كما عرفه المسلمون، وأنه لم يطبع من هذا العدد حتى الآن إلا 105 كتب، وأن منها ما لا يزال مخطوطاً في 127 كتاباً، وأن الباقي لم يعرف بعد مكان محدد له. أما بالنسبة لمصادر التاريخ المعاصر فهي في ظني لا تكاد تقع تحت حصر، بالنظر إلى الصحف والمطبوعات، ومحاضر المجالس النيابية والجمعيات وغير ذلك.<br />
ثانياً: اهتم العقل الحديث في الغرب بالتفتيش عن &#8220;النظرية&#8221; وبذل الجهد لإقامة &#8220;البناء النظري&#8221; في أي من مجالات الفكر. وصرنا نتعامل به مع &#8220;النظرية السياسية&#8221;، و &#8220;النظريات الاجتماعية&#8221; و &#8220;النظريات الاقتصادية&#8221; و &#8220;النظريات القانونية&#8221;. وهكذا كثر هذا الوجه من وجوه النشاط الفكري في مجالات المعارف المختلفة، وظهرت الصياغات المتعددة للنظريات من حيث المعايير المختلفة للطابع الذي يقوم عليه كل منها، وللتصنيفات التي تقصد بها، ولرسم العلاقات التي تكشف الإشارة إليها. والنظرية بشكل أو بآخر وفي الإطار العام للتعريف بها، هي تصور ذهني يصاغ في هيئة ترابط منطقي ويعتمد على التناسق بين عدد من الافتراضات أو النتائج المعتبرة، أو التناسق بين عدد من الظواهر والعلاقات التي أسفر عنها التحقق التجريبي أو الاستنباط العقلي.<br />
ما يعنيني في هذه المسألة أن &#8220;النظرية&#8221; نشط الاهتمام بصياغتها في المجالات المختلفة لأنها تساعد في القيام بوظيفتين أساسيتين: أولى هاتين الوظيفتين أن صياغة النظرية تتضمن تعميماً لعدد من النتائج المتحققة والمختبرة أو المتفق عليها، تعميماً إن كان قد جرب استخلاصه بالاستقراء لعدد مما تحقق أو جرب الاتفاق عليه، فهو يفيد في تفريع الأحكام أو تبين العلاقات أو توقع النتائج، فيما لم تجر عليه التجارب وما لم يبلغ الحد الأدنى المعتبر من الاتفاق عليه، أي أنه بما اختبر واعتبر به يصل إلى قواعد عامة، يمكن أن يفيدنا بالنظر إلى ما لم يختبر ولا اعتبر به بعد من ظواهر وحالات وعلاقات.<br />
والوظيفة الثانية، وهي التي تعنيني الإشارة إليها هنا، وما كتبتُ ما كتبتُ إلا لذكرها في هذا المقام، هي أنه بالنسبة لمجال الدراسات الإنسانية، فإن النظريات تقوم بوظيفة مهمة تتعلق بـ &#8220;الإسناد الشرعي&#8221; للظاهرة أو للفعل أو للعلاقة. فمع سيادة النظر الوضعي اللا ديني في الغرب في العصر الحديث، كان لا بد للعقل من أن يفتش عن سند متبلور يجدل منه نظرة إلى الظواهر ويحكم به عليها، فيكون هذا السند هو معيار الاحتكام وهو مورد الحكم بالحسن والقبح. والصياغة النظرية تقوم بهذا الدور الوظيفي، فنحن لا نقول إن هذا صواب وذلك خطأ لأن الله سبحانه أمرنا بهذا ونهانا عن ذلك، ولكننا نقول إنه صواب أو خطأ لأنه الحق الطبيعي أو الأمر المتعارف عليه أو ما اهتدى إليه العقل أو ما أسفرت عنه خبرة الإنسان التاريخية أو ما شابه ذلك. ونحن نحتاج إلى أصل مرجوع إليه، أي مرجعية، تستند إليها وتتفرع منها القيم ومعايير الأحكام ونظم العلاقات والمعاملات والسلوك.<br />
الوظيفة الأولى قام بها ما نسميه القواعد العامة أو الأصول المستقرأة من الفروع دون احتياج إلى هذه الأبنية النظرية الحديثة. ولكن هذه الأبنية النظرية الحديثة تولد الاحتياج الضروري لها، لا لكي تقوم مقام القواعد العامة والأصول الكلية فقط، ولكن لكي تقوم بوظيفة الإسناد الشرعي، عندما استبعد الإسناد الشرعي الديني وحل محله في الفكر الغربي الحديث الإسناد الوضعي، الذي عبر عن ذاته في كل من مجالات العلوم الإنسانية لدى الغرب الحديث.<br />
وقد تكون في هذه الملاحظة إجابة عن سؤال يجول في الصدور كثيراً، وهو لماذا لم يصنع المفكرون المسلمون نظريات، سواء في مجال الفقه الإسلامي أو في مجال فروع المعرفة الأخرى. أقول إنهم كانوا يكتفون بما يسمى بالقواعد الشرعية أو الأصول الكلية أو &#8220;الموافقات&#8221; حسبما أسمى الشاطبي كتابه، و &#8220;الفروق&#8221; حسبما أسمى القرافي كتابه. كانوا مكتفين بهذا الجانب دون الجانب الخاص بالإسناد الشرعي، لأن الدين والموقف الإيماني كانا يؤديان، ولا يزالان يؤديان، هذه الوظيفة في الفكر الإسلامي.<br />
ثالثا: نحن المسلمين أمة خرجت من كتاب، هو القرآن الكريم، ثم الحديث النبوي الشريف، هذا افتراض أولي وهو حقيقة تاريخية أيضاً، فما من فروع من فروع العلوم التي نشط فيها المسلمون، وما من تكوين عقلي ولا من شكل وجداني إلا وكانت العمدة فيه في القرآن الكريم. وإن في تفاسير القرآن وشروحه، وفي فقه أحكامه ودلالات عباراته، وفي تذوق لغته وبيانه، في كل ذلك وغيره أودع المسلمون القدر الأجلّ من ثقافتهم وحضارتهم، ونحن عندما نفتش عن أي أمر يتعلق بالحياة الثقافية للمسلمين وعندما نتفحص سلوكهم وأخلاقهم ومنطقهم ووجهات نظرهم وأنماط علاقاتهم ونماذج معاملاتهم، إنما نبحث عن ذلك في هذه المعارف والجهود الذهنية والوجدانية التي تناقلتها الألسن بالرواية ثم دونتها الأقلام من بعد.<br />
إن معجزة الدين الإسلامي كما استبانها المسلمون كانت في القرآن، وهو كتاب ونص، لذلك فإن عبقرية المسلمين تجلت أوضح ما تجلت في هذه العلوم والمناهج التي تتعامل مع النص المحرر، جمعاً ثم تدويناً، وهو نص الكتاب الكريم المنزل ثم نصوص السنة من بعد، سواء من حيث تكشف أصول الشريعة الحاكمة للجماعة، أو من حيث التبين العقلي لدلالات العبارات النصية، أو من حيث التحقق العقلي أيضاً من صدق العبارات ودرجة الثبوت، قطعية كانت بالتواتر مثل القرآن كله، أو ظنية مما هو دون القطعي مثل الحديث الشريف بدرجاته. وهنا نجد علم أصول الفقه وعلم مصطلح الحديث، وتطبيقات ذلك في اجتهادات الفقه وتحقيقات روايات الحديث. ثم بعد ذلك هذا الوهج الوجداني الذي يملأ القلوب بما يثيره الإيمان من أشواق وأذواق، حسبما نستشعره في التصوف.<br />
وإن الثقافة الإسلامية أو الحضارة الإسلامية أبوابها كثيرة ومتعددة، ولكن أوسع هذه الأبواب في ظني هما بابان: باب الفقه من حيث إنه أجل ما تمثلت فيه العبقرية الإنسانية للمسلمين في نشاطهم العقلي، ومن حيث إنه أيضاً باب يرده جميع الناس مستفتين عن وجوه نشاطهم ومعاملاتهم ومتقاضين حول حقوقهم اليومية. والباب الثاني هو باب التصوف بما فيه من أحوال القلوب ووهج الصدور وما تتغذى به الأرواح من صنوف الفنون والآداب.<br />
وإن الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، على وجه التخصيص، لهما في ظني باب هو من أضيق الأبواب في هذا الشأن، وموضوعه لا ينفتح على الحياة العملية، ورجاله نخبة جد متخصصة، وقضاياه لا تكاد تمس حياة الناس في مجتمع حل مسألة علاقة الفرد بالكون بالموقف الإيماني الديني، وحل مسألة المرجعية الشرعية للنظم والمعاملات بالموقف الديني الإيماني أيضاً. ونحن نلحظ أن المشتغلين بالفقه وأصوله والمشتغلين بعلوم القرآن والحديث يكادون يكونون مستغنين عن الفلسفة الإسلامية موضوعاً وقضايا وفروضاً. ورغم ذلك فنحن نلحظ مثلاً أن فيلسوفاً عربياً كبيراً هو زكي نجيب محمود في كتابه المعقول واللا معقول، عندما يشير إلى الجهود العقلية للمسلمين يركز البصر بما يشبه الانبهار على علم النحو الذي صاغه سيبويه وعلم العروض الذي صاغه الخليل بن أحمد، ولا شبهة في أن ثمة دواعي للانبهار بهذا الضبط العقلي الرصين، ولكن وجه تعجبي أنه لا يكاد يشير إلى دور الفقه وأصوله ودور علم مصطلح الحديث بحسبانهما من علوم العقل الرصين. والحقيقة أن بحوث الجابري وحسن حنفي كانت من أهم ما مهد لانفتاح بحوث الفلسفة الإسلامية على هذه الجوانب.<br />
أما عن التصوف، الباب الكبير، فقد اهتمت به الفلسفة الإسلامية، ولكنها بطبيعة مجال اهتمامها كانت أكثر اهتماماً بجهود المفكرين المتصوفة ذوي النظر الفلسفي مثل الحلاج وغيره بأكثر من جهود المفكرين المتصوفين الموفقين بين &#8220;أهل الشريعة وأهل الحقيقة&#8221; مثل الجنيد، لأن باب الفلسفة الإسلامية، في ما أحسب، باب ضيق لا يكاد يُطلعك على &#8220;صحن المسجد&#8221; إلا من بعض أركانه.<br />
ومن جهة أخرى فإن الأدب في صورة الشعر والنثر الفني، قد تغافل المتخصصون فيه عما يتعلق بالشعر الصوفي وشعر المدائح النبوية، وما يتعلق بالأدعية والأوراد والحكم، وفيها كلها من صور الأدب ما يفوق غيرها كثيراً في الجوانب الأخرى. وقصروا نشاطهم على المدائح والمراثي والغزل وحتى على الفخر والأهاجي، مما كان _لا شك _ جمهوره أضيق كثيراً من جمهور أدب الصوفية.<br />
رابعاً: نحن عندما ننظر في فكر قوم معينين ننظر إلى الأفراد الذين يجمعونه ويدونونه ويستخرجون منه القواعد. وان من يضعون القواعد لواحد من فروع النشاط الفعل أو الإنساني عادة لا يبتكرون هذه القواعد ولا ينشئونها من عدم، وهم في ما يضعون لا يجبرون أحداً على اتباعهم والالتزام بما يقصدون من قواعد، لأنهم في العادة مفكرون لا يجبرون أحداً على اتباعهم والالتزام بما يقصدون من قواعد، لأنهم في العادة مفكرون وعلماء لا يملكون وسيلة جبر ولا إلزام. إنما حجية ما يصنعون لدى الآخرين ترد من أنهم اكتشفوا الموجود وصاغوا ما هو سابق الالتزام به، فهم يعبرون ويقننون ما تعارف الناس عليه من قبل وما تعارف عليه أهل الصنعة في هذا الفرع من فروع النشاط العقلي والوجداني الذي تكلموا فيه.<br />
فمثلاً كان الشعراء ينظمون الشعر نظماً موزوناً وبقافية قبل أن يأتي الخليل بن أحمد بعلم العروض. وان ما صنعه الخليل بعقليته العلمية الرياضية القادرة على التعميم والتصنيف وإدراك الفروق والموافقات بين الظواهر، أنه استخلص من شعر من قد سلف الأوزان التي كانوا جروا عليها، وصاغها في صيغة البحور القائمة على التفعيلات. ومثلاً كان العرب يتعارفون في كلامهم بشكل كل لفظ حسب موقعه في الجملة وبما يفضي إلى المعنى المحدد له، فيرفعون الفاعل ضماً أو بالواو وينصبون المفعول بالفتح أو بالياء، وإن أخطأ القائل في ذلك انقلب المعنى لدى السامع، وكل ذلك جرى بالتعارف والالتزام قبل أن يستخرج سيبويه علم النحو ويصوغه بالعبارات المجردة العامة ويحدد الفروق والموافقات. ومثلاً فإن الفقهاء كانوا يستخرجون الحكم في الحالة غير المنصوصة على الحكم في الحالة المنصوص عليها بجامع اتحاد العلة، وكانوا يدركون نطاق الحكم في عمومه وخصوصه، وذلك قبل أن يضع الشافعي علم أصول الفقه استخراجاً مما كانوا يفعلون وصياغة منضبطة لما كانوا يصنعون، وعبر بالقواعد العامة عن واقع ما يمارسون، وصاغ ذلك في عبارات عامة تترسم قواعد المنهج. والقياس مارسه أبو حنيفة قبل أن يولد الشافعي. ويترتب على ذلك أمر مهم، وهو أن الممارسة تسبق الفكر، والممارسة الفكرية الجزئية تسبق الممارسة الفكرية العامة التي تقوم على تقعيد القواعد، والحركة تسبق التعبير عنها في النشاط البشري، والحركة تجري منضبطة وإلا ما أنتجت تحقيقاً لغاية، وهي تجري منضبطة قبل أن يصاغ وجه الضبط لها في قواعد محددة.<br />
ولذلك فنحن عندما ننظر في الممارسة العقلية، لا يمكننا الزعم بأنها بدأت بمن وضعوا القواعد لها ولا بمن صاغوا التعبير عنها، إنما نستخلصها من واقع ممارسات السابقين. ونعتبر بأقوال المقيدين لها لا بحسبانهم أنشأوا ما قالوا فينسب إلى زمانهم دون من سبقهم، ولكن بحسبان أنهم عبروا عن ممارسات السابقين فيرتد عملهم إلى كونه كشفاً لأفعال من قد سلف، إلا أن تقوم بيّنة على غير ذلك فتذكر. ولهذا الأمر أهمية تبدو لي مهمة في حدود الموضوع الذي نعرضه.<br />
(2)<br />
هذه الملاحظات أردت أن أفتح بها حديثي القصير عن الكتاب الكبير الذي بين أيدينا، لأن الجابري افتتح الكتاب بمجموعة من المقدمات المنهجية التي قامت على أساسها &#8220;عمارة&#8221; الكتاب، من حيث الأساسات والأركان والدعامات وهندسة الإنشاء، ومن حيث تسويغ البدايات وذكر وجوه التتابع. وأقر بأنني في ما ذكرته الآن أختلف مع الكاتب في منهج هيكلته لهذا المؤلف، لأن الكتاب بالمقدمات المنهجية التي أوردها في القسم الأول منه جهد على أن يسوغ للقارىء أن يبدأ النظر في العقل الأخلاقي العربي الإسلامي، بما بعد سنة 140ه‍، وأن يبدأ بعصر التدوين والكتابة، رغم أن العلم وجد قبل ذلك معتمداً على المرويات، وكانت الصحائف المدونة تقوم بدور ثانوي مساعد لنقل العلم بالرواية بالقول والسماع. وكانت المخطوطة المدونة لا يحتج بها إلا بواسطة ثبوت السماع لها من الثبت الثقة العادل غير المجروح، ووجدت الرواية الشفهية مناهجها الخاصة في التثبيت والتوثيق.<br />
فإذا كان الكتاب حصر بحثه في ما أسماه &#8220;الثقافة العالمة&#8221; واضطره ذلك إلى &#8220;اختيار عصر التدوين كبداية ومنطلق&#8221; فإن العلم أو الثقافة العالمة لم تبدأ بعصر التدوين. والتدوين الذي بدأ في سنة 140ه‍ حسبما يذكر الكتاب هو تدوين الحديث الشريف، ولكننا نلحظ أن القرآن الكريم دون في عهد أبي بكر الصديق في السنتين التاليتين لوفاة الرسول (ص) فضلاً عن أن الكتاب الذي نناقشه لم يثبت أثراً للحديث الشريف في العقل الأخلاقي العربي، بمعنى أنه لم يركز اهتماماً خاصاً على هذا المورد في تكوين العقل الأخلاقي عند المسلمين، ولا أفرد لذلك بحثاً مخصوصاً. وكذلك الأمر بالنسبة للقرآن الكريم لا يكاد يلحظ إفراد لذكر أثره التكويني في هذا العقل، ومن ثم فإن الاعتبار بتاريخ تدوين الحديث الشريف كعلامة بدء للبحث في العقل الأخلاقي العربي هو اعتبار لا تؤيده النتيجة المستفادة من هذا التحديد التاريخي، لأن المؤلف انتقل هنا مباشرة إلى الفكر الفارسي، فهو اعتبر بتاريخ تدوين السنة النبوية ليبدأ لا بالنظر في أثرها ولكن ليبدأ منتقلاً مباشرة إلى الفكر الفارسي الفكر الديواني لعبد الحميد الكاتب وغيره وأدب ابن المقفع وغير ذلك.<br />
ثم إن الكتاب في مقوماته المنهجية بدأ بالكتب والمؤلفات، بما رآه ذا دلالة في رسم أسس العقل الأخلاقي، ولم يستخلص سمات هذا العقل من الممارسات العقلية الجزئية والكلية التي يمكن أن نستدل عليها من المأثورة من الأقوال والأحاديث والوقائع التي انتقلت بالرواية طبقة إلى طبقة حتى دونت. وما أظنه بالترجيح، أن الأمر الذي يستفاد من الواقع المعيش يكون أبين دلالة وأصدق تعبيراً وأبعد عن شبهة الاصطناع من الأقوال التي تعد سلفاً للإفادة الصريحة عن ذلك الأمر.<br />
لقد ساغ تصميم &#8220;عمارة&#8221; البحث على أن تبدأ بما بعد سنة 140ه‍، وأن تبدأ بالأثر الفارسي في العقل الأخلاقي العربي بما يستغرق نحو 125 صفحة، ثم الأثر اليوناني بما يستغرق نحو 170 صفحة، ثم يرد التصوف في نحو 60 صفحة، ثم يتلوه الحديث عن &#8220;الموروث العربي الخالص&#8221; في نحو 45 صفحة، ثم &#8220;الموروث الإسلامي..&#8221; في نحو 85 صفحة. بمعنى أن الكتاب أظهر المضاف قبل أن يبين المضاف إليه، وتحدث عن أثر الوافد الخارجي قبل أن يكشف لنا عن الأصيل والموروث الذي تأثر، وهو الذي يقوم بعملية الفحص له والتبيين والتحليل. كما أن الأثر الخارجي على العقل العربي عولج في نحو 300 صفحة، فضلاً عما ورد في التصوف عن هذا الأثر الخارجي. وعولج &#8220;العربي الخالص&#8221; والإسلامي في نحو 130 صفحة في آخر الكتاب، وقد اقتضى تأخيرهما إلى آخر الكتاب 130 صفحة في أوله تشمل القسم الأول من الكتاب، وتسوغ المنهجية التي اقتضت هذه الزحزحة للموروث العربي الخالص والموروث الإسلامي الخالص من أول الكتاب إلى آخره.<br />
إن الكتاب في تفسيره لهذا الأمر يذكر أنه إذا كان &#8220;من الأمور العادية&#8221; أن تلجأ الثقافة إلى نظام القيم الخاص بموروثها، أي موروثها العربي الإسلامي الخالص، فإن الأمر غير العادي أن &#8220;تضطر&#8221; في لحظة ما إلى الاعتماد على موروث آخر فارسي أو يوناني أو صوفي، ويقول إن هذا ما حدث، ثم جاء &#8220;التأليف&#8221; في قيم الموروث العربي الإسلامي &#8220;الخالصين&#8221; باعتباره رد فعل على هيمنة نظم القيم الوافدة.. ولم تتجاوز مرحلة رد الفعل إلى مرحلة العمل الأصيل إلا بعد قرون.. والكتاب الذي نناقشه في هذا التفسير يفترض أنه في ما قبل &#8220;الوفود&#8221; الفارسي واليوناني، كان ثمة فراغ، وأن استدعاء &#8220;الخارج&#8221; كان أمراً غير عادي، وهو طبعاً أمر غير عادي إن كان حدث كما يصوره الكتاب، وكونه غير عادي لا يفسر شيئاً، لأنه يُبقي السؤال قائماً، وهو لماذا حدث هذا الأمر غير العادي، والجواب هو أنه كان ثمة فراغ أو أزمة. اختار الكتاب التفسير بالأزمة.<br />
فأحداث &#8220;السقيفة&#8221; بعد وفاة الرسول (ص) _في ما يذكر الكتاب _ هي أزمة، والفتنة الكبرى على عهد عثمان هي أزمة، وما أسماه &#8220;صراع الغنائم&#8221; على عهد عمر هو أزمة، ثم استطرد إلى ظهور الفرق وصراعات السياسة، ثم رد الأمور كلها إلى السياسة وصراعات المجتمع حتى &#8220;أصبحت القيم الدينية نفسها بل الدين نفسه موضوعاً للسياسة&#8221;وعرض الأزمات في هذا الجزء من التفسير فيه شيء من التناثر الذي لا يفيد متصوراً متماسكاً، ولكن يبقى لدى القارىء الكثير من التحفظات التي تجعله لا يسلم بهذا التفسير. فأحداث السقيفة ليست أزمة إنما هي خلاف حسم في اليوم ذاته، وما بقي منه من آثار ينشىء شيعاً وفرقاً ولكنه لا يثير تمزقاً ولا تفتيتاً. والفتنة التي أفضت إلى مقتل عثمان هي أزمة فعلاً، ولكن عثمان هذا الذي اختلف فيه المسلمون إلى حد القتل واختلفوا بعده إلى حد الاقتتال، هم أنفسهم المسلمون الذين أجمعوا على التصديق بالمصحف الشريف الذي جمعه، وهم أنفسهم المسلمون الذين أبقوا على وحدة الدولة الإسلامية من بعد، ولم يزد الخلاف على حدود ما تصنعه المعارضة السياسية في دولة موحدة.<br />
إن ما يذكره الكتاب تفسيراً للاعتماد على الفكر الوافد دون الموروث، لا يتأتى الاعتبار به إلا بأن يكون الموروث فارغاً أو تكون ثمة أزمة. والأزمة المسوغة لذلك هي الأزمة التي تكون أفضت إلى حد يشبه الفراغ الفكري، وذلك بأن يفضي التهافت والتهاتر في الخصام إلى حد الإفقاد الكامل للفاعلية، فتصير القوى المتخالفة من حدة الخصام ومن تساوي أطرافه مما ينتج العدم. وهذا باليقين لم يكن حال المسلمين وقتها لا على صعيد الفكر ولا على صعيد الفكر ولا على صعيد السياسة ولا على صعيد القيم والأخلاق. والصراع السياسي كان متوقعاً، إذ تنشأ دولة حديثة على أنقاض وحدات قبلية لا تزال آثارها قوية، فضلاً عن فتوحات في بلاد مختلفة الأديان السماوية وغير السماوية، ومختلفة الحضارات الفارسية واليونانية وغيرها، ومختلفة الأوضاع السهلية والجبلية والصحراوية، ومختلفة أنماط الإنتاج الرعوي والزراعي والتجاري ومختلفة اللغات والشعوب والتواريخ، ولذلك فإن بقاء الدولة وبقاء الشعور الجماعي بالانتماء المشترك وبالجماعة هو ما يستوجب الوقوف عنده واستخلاص مدى القوة الفكرية التي عصمت هذه الجماعة ودولتها من الانهيار والتفكك.<br />
إن تعدد القوى السياسية لا يعتبر انهياراً ما بقيت الدولة وبقي الشعور بالانتماء للجماعة الواحدة، والتنوع الفكري لا يعتبر انهياراً ما بقيت المرجعية الفكرية واحدة، وصراع السلطة لا يعتبر انهياراً ما بقيت الدولة واحدة. وكل ذلك لا يعتبر انهياراً للقيم ولا إلغاء للعقل الأخلاقي الضابط للأعمال والتصرفات والمعاملات ووجود النشاط والمنشىء لمعايير الاحتكام وأسس التقويم. والقول بغير ذلك يعني أن نتطلب المستحيل من قيام مجتمع بغير تعدد ولا تنوع ولا تصارع ولا اختلافات فكرية وقيمية ولا فقراء ومترفين ولا معارضة. كما أنه من نافلة القول إن اختلاف أحكام القضاء لا يعتبر أزمة قيم. ولا يكون السند في الاستدلال على شيء من ذلك مما يكتبه ابن المقفع عن القضاء وعدم استقلاله أيام معاوية والأمويين، هو استناد غير كافٍ، وابن المقفع لا يعتمد مرجعاً في التاريخ ولا في الفقه، وإن اعتبر بعض ما يقول عن هذا الشأن فإنما يجري الاعتبار النسبي به بحسبانه دليلاً فرعياً وثانوياً.<br />
إن الكتاب _الذي نناقشه _عُنون الفصل الثاني منه &#8220;في البدء كانت أزمة القيم&#8221;، والأزمة تفيد الفراغ المسوغ للوفود الحضاري والفكري من &#8220;مناطق الضغط المرتفع&#8221; كما يقول علماء الجغرافيا، أي تنحية العنصر الموروث أو العنصر الأصيل. ولم يرد الالتفات إلى المصدرين الأساسيين للقيم وهما القرآن الكريم والسنة النبوية، بل جرت الإشارة إلى السنة النبوية فقط في معرض الحديث وضع الأحاديث الشريفة واصطناعها لخدمة مواقف سياسية. وقد حدث وقتها هذا الوضع فعلاً، ولكن الأحاديث الصحيحة معروفة ومتداولة ولها رجالها وسلاسل رواتها المعروفين والمقدر علمهم وضبطهم ومدى تثبتهم، ولا ينفسح الكلام لبيان أسماء هؤلاء من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن استندت حركة تحقيق الأحاديث من بعد إلى علومهم ومناهجهم في التحقيق.<br />
ومن جهة أخرى فإن القرآن كان مجموعاً وكان مكتوباً مجتمعاً عليه وفيه الأصول الثوابت للقيم التي يتعين على المسلمين اتباعها، والمشتهر من الحديث كان هذا وضعه أيضاً. ولا أدري كيف ساغ عدم التنبه إلى هذين المصدرين عند الحديث عن قيم المجتمع والعقل الأخلاقي لها في القرن ونصف القرن الأولين من بعثة رسول الله (ص) وقد كان الإيمان بهما طازجاً واليقين بهما حاراً والنفوس المؤمنة لا تزال تتنسم عبير الرسالة المحمدية وتقوى بها على أزمات السياسة وجراحات توحيد الجماعات وامتزاجها في أمة واحدة.<br />
يرد الأساس الثاني لتنحية الموروث العربي والإسلامي عن أن يكون له دور في القرن ونصف القرن الأولين، عند الحديث _في الكتاب الذي نناقشه _ في الحرية والمسؤولية، فعرض لبعض من مباحث علم الكلام في الإرادة والحرية والمسؤولية، وفي صفات الله سبحانه، وفي أفعال البشر، بحسبان أنه كلما نسبنا إلى الإنسان أفعاله واتصلت بإرادته وقدرته واختياره، ضاق مجال &#8220;لا فاعل إلا الله&#8221;. ويعرض هذا الفصل لرأي المعتزلة في هذا الشأن بحسبان أن الفعل الذي يقع من الإنسان بعلمه ومن قدرته وبغير ضرورة ولا إلجاء هو ما يقع تحت طائلة المسؤولية الدينية والأخلاقية والقانونية، وأن &#8220;هذه الأحكام تتعلق بأفعال الله وبأفعال العباد&#8221;. ثم يعرض للأشاعرة وموقفهم. ويبدو لي من هذا العرض أنه يرى أن واحداً من أسباب ضعف الحرية والمسؤولية يرد من الابتعاد عن فكر المعتزلة هذا، وأن هذا ما يراه حدث فعلاً لدى الجمهور والعامة على مدى القرون. وقد سيطر على ظن العقلانيين المحدثين هذا الحكم.<br />
وفي ظني أن المعتزلة رغم نفيهم الصفات فهم قالوا بتثبيت الصفات بالنسبة لموضوع الأفعال. إن وضع حكم عام لأفعال الناس وأفعال الله سبحانه وتعريف الفعل الإلهي بما يعرف به الفعل البشري، هو مثل القول في الصفات بأن الله سبحانه سميع وبصير كسمع البشر وبصرهم، أو يده كأيديهم وعينه كأعينهم. التشبيه الأول يرد في الأعضاء والتشبيه الآخر يرد على التصرفات، والتنزيه يجب أن يكون مشمولاً به الجنسان معاً، ونحن نطلق الألفاظ الدالة على شؤوننا الدنيوية ولا نكاد نستبين غيرها، مع وجوب إدراك أن ليست لدينا أهلية التصور ولا صلاحيته لكي نصف أفعال الله سبحانه ونتصورها، فإرادة الله سبحانه ليست من نوع إرادة البشر في الفاعلية، والأوصاف ليست كالأوصاف، والتصرفا</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d9%86%d9%82%d8%af-%d9%84%d9%86%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>السيادة الغذائية-بقلم رامي زريق-الأخبار</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b0%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%b2%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d8%a8/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b0%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%b2%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d8%a8/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 25 Jun 2011 06:03:01 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=2477</guid>
		<description><![CDATA[السيادة الغذائية رامي زريق تتعدد النظريات في موضوع الأمن الغذائي، وإن كان يمكن تقسيمها إلى فئتين شبه متناقضتين. فأتباع النظرية الأولى، وهي الأكثر شيوعاً، يرون أنّ الغذاء سلعة استهلاكية لا تختلف عن سائر السلع المعروضة في الأسواق، وإن كانت الأولوية في الحصول عليه تعود إلى من لديهم القدرة الشرائية الأكبر في أسواق مفتوحة. ويحبذ أتباع [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>السيادة الغذائية<br />
رامي زريق<br />
تتعدد النظريات في موضوع الأمن الغذائي، وإن كان يمكن تقسيمها إلى فئتين شبه متناقضتين. فأتباع النظرية الأولى، وهي الأكثر شيوعاً، يرون أنّ الغذاء سلعة استهلاكية لا تختلف عن سائر السلع المعروضة في الأسواق، وإن كانت الأولوية في الحصول عليه تعود إلى من لديهم القدرة الشرائية الأكبر في أسواق مفتوحة. ويحبذ أتباع هذه المقاربة الإنتاج الزراعي المكثف في مزارع صناعية واستيراد الأغذية الأساسية من الأسواق العالمية والتركيز على الميزة التفاضلية لتشجيع نمط من الإنتاج الزراعي التصديري.<span id="more-2477"></span><br />
أما أتباع النظرية الثانية، الذين يعدّون الغذاء حقاً إنسانياً وليس سلعة، فيلفتون النظر إلى أنّ الأسواق تعمل تاريخياً لمصلحة الأغنياء، ما يؤدي إلى عالم كالذي نعيش فيه، حيث يتفشى الجوع والتخمة جنباً إلى جنب نتيجة الفوارق الاجتماعية السائدة بين الفقراء والأثرياء. كذلك يشير هؤلاء إلى الدمار البيئي الناتج من النمط الزراعي المكثف والكوارث الاجتماعية التي رافقت زوال القطاع الفلاحي. كذلك هناك مشكلة أساسية تنتج من الاعتماد على الأسواق الذي يجعل من الوطن والمواطنين رهائن لهذه الأسواق التي تسيطر عليها دول عظمى، ما يلغي مبدأ السيادة. لهذا السبب، يطلق على هذه النظرية اسم «السيادة الغذائية». وقد ولدت هذه الفكرة من رحم الجمعيات الفلاحية الراديكالية في أميركا اللاتينية وانتشرت في العالم.<br />
ها هي بوليفيا تبنت هذه المقاربة وجعلت منها المبدأ الأساسي لسياستها الزراعية. أما في الوطن العربي، فلا سيادة على شيء، بدءاً من النفط المستخرج محلياً، إلى الغذاء المستورد بنسبة 80% من الاستهلاك المحلي. وإذا كانت مصر وتونس تستعدان للانتقال من حكم الطاغية إلى مرحلة جديدة، ألا يجدر أن تكون السيادة الغذائية أحد عناوينها؟</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b0%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%b2%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d8%a8/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>3</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>في معنى الفتوة-من الرسالة القشيرية</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d9%88%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b4%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a9/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d9%88%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b4%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 12 Jun 2011 16:33:33 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=2446</guid>
		<description><![CDATA[قال الله تعالى: &#8221; إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى &#8221; . قال الأستاذ: أصل الفتوة أن يكون العبد ساعياً أبداً في أمر غيره. قال صلى الله عليه وسلم: &#8221; لايزال الله تعالى في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه المسلم &#8221; . أخبرنا به علي بن أحمدبن عبدان، قال: أخبرنا به أحمد [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>قال الله تعالى: &#8221; إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى &#8221; .<br />
قال الأستاذ: أصل الفتوة أن يكون العبد ساعياً أبداً في أمر غيره.<br />
قال صلى الله عليه وسلم: &#8221; لايزال الله تعالى في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه المسلم &#8221; .<br />
<span id="more-2446"></span>أخبرنا به علي بن أحمدبن عبدان، قال: أخبرنا به أحمد بن عبيد قال: حدثنا به إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا به يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا به ابن أبي حازم، عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عبد الرحمن بن حومز الأعرج، عن أبي هريرة، عنزيد بن ثابت رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: &#8221; لا يزال الله تعالى في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه المسلم &#8221; .<br />
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: هذا الخُلق، لا يكون كماله إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فن كل أحد في القيامة يقول: نفسي.. نفسي، وهو صلى الله عليه وسلم، يقول: أمَّتي.. أمتي.<br />
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول: سمت الجنيد يقول: الفتوة بالشام، واللسان بالعراق، والصدق بخراسان.<br />
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت محمد بن نصر ابن منصور الصائغ يقول: سمعت محمد بن مردويه الصائغ يقول: سمعت الفضيل يقول: الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان.<br />
وقيل: الفتوة: أن لا ترى لنفسك فضلاً عن غيرك.<br />
وقال أبو بكر الوراق: الفتى من لا خصم له.<br />
وقال محمد بن علي الترمذي: الفتوة: أن تكون خصماً لرِّبك على نفسك ويقال: الفتى: من لا يكون خصماً لأحد.<br />
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: سمعت النصراباذي يقول: سُمي أصحاب الكهف فتية؛ لأنهم آمنوا بربهم بلا واسطة.<br />
وقيل: الفتى: من كسر الصنم: قال الله تعالى: &#8221; سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم &#8221; وقال تعالى: &#8221; فجعلهم جذاذاً &#8221; وصنم كل إنسان نفسه؛ فمن خالف هواه فهو فتى علي الحقيقة.<br />
وقال الحارث المحاسبي: الفتوة: أن تنصِفَ ولا تنتصف.<br />
وقال عمر بن عثمان المكيِّ: الفتوة: حسن الخلق.<br />
وسئل الجنيد عن الفتوة، فقال: أن لا تنافر فقيراً، ولا تعارض غنياً.<br />
وقال النصبراباذي: المروءة شعبة من الفتوة، وهو الإعراض عن الكونين، والأنفة منها.<br />
وقال محمد بن علي الترمذي: الفتوة أن يسوي عندك المقيم والطارىء.<br />
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت علي بن عمر الحافظ يقول: سمعت أبا سهل بن زياد يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سئل أبي: ما الفتوة؟ فقال: تركُ ما تهوى لما تخشى.<br />
وقيل لبعضهم: مال الفتوة؟ فقال: أن لا يُميزّ بين أن يأكل عنده ولي أو كافر.<br />
سمعت بعض العلماء يقول: استضاف مجوسي إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال: بشرط أن تًسلم، فمر المجوسي، فأوحى الله تعالى إليه: منذ خمسين سنة نطعمه علي كفره، فلو ناولته لقمة من غير أن تطالبه بتغيير دينه؟! فمضى إبراهيم عليه السلام، على أثره، حتى أدركه.. واعتذر إليه، فسأله عن السبب، فذكر له ذلك؛ فأسلم المجوسي.<br />
وقال الجنيد: الفتوة: كفّ الأذى، وبذل الندى.<br />
وقال سهل بن عبد الله: الفتوة: اتباع السنَّة.<br />
وقيل: الفتوة: الوفاء والحفاظ.<br />
وقيل: الفتوة: فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها.<br />
وقيل: الفتوة: أن لاتهرب إذا أقبل السائل.<br />
وقيل: أن لا تحتجب من القاصدين.<br />
وقيل: أن لا تدخر ولا تعتذر.<br />
وقيل: إظهار النعمة، وإسرار المحنة.<br />
وقيل: أن تدعو عشرة أنفس فلا تتغير إن جاء تسعة أو أحد عشر.<br />
وقيل: الفتوة: ترك التمييز.<br />
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: قال أحمد بن خضرويه لامرأته أم عليّ: أريد أن أتخذ دعوة أدعو فيها عياراً شاطراً كان في بلدهم رأس الفتيان.<br />
فقالت: امرأته: إنك لا تهتدي إلى دعوة الفتيان. فقال: لابد.<br />
فقلت: إن فعلت فاذبح الأغنام والبقر والحُمُر، وألقها من باب دار الرجل إلى باب دارك.<br />
فقال: أما الأغنام والبقر فأعلمُ. فما بال الحُمُر؟ فقالت: تدعو فتى إلى دارك، فلا أقل من أن يكون لكلاب المحلة خير.<br />
وقيل: اتخذ بعضهم دعوة، وفيهم شيخ شيرازي، فلما أكلوا وقع عليهم النوم في حال السماع.<br />
فقال الشيخ الشيرازي لصاحب الدعوة: ما السبب في نومنا؟ فقال: لا أدري!! اجتهدت في جميع ما أطعمتكم إلا الباذنجان، فلم أسأل عليه.</p>
<p>فلما أصبحوا سألوا بائع الباذنجان، فقال: لم يكن لي شيء، فسرقت الباذنجان من الموضع الفلاني وبعته، فحملوه إلى صاحب الأرض ليجعله في حل، فقال الرجل: تسألون مني ألف باذنجانة؟ قد وهبته تلك الأرض ووهبته ثورين وحماراً، وآلة الحرث؛ لئلا يعود إلى مثل ما فعل.<br />
وقيل: تزوج رجل بامرأة.. فقبل الدخول ظهر بالمرأة الجدري، فقال الرجل: اشتكت عيني، ثم قال: عميت، فزفت إليه المرأة.. ثم ماتت بعد عشرين سنة.. ففتح الرجل عينيه، فقيل له في ذلك فقال: لم أعم، ولكن تعاميت حذار أ، تحزن، فقيل له: سبقت الفتيان.<br />
وقال ذو النون المصري: من أراد الظرف فعليه سقاة الماء ببغداد.<br />
فقيل له: كيف هو؟ فقال: لما حُملت إلى الخلفية، فيما نُسب لى من الزندقة، رأيت سقاء عليه عمامة، وهو مترد بمنديل مصري، وبيده كيزان خزف رقاق، فقلت: هذا ساقي السلطان، فقالوا: لا، هذا ساقي العامة.<br />
فأخذت الكوز وشربت. وقلت لمن معي: أعطه ديناراً. فلم يأخذه، وقال: أنت أسير، وليس من الفتوة أن آخذ مكن شيئاً.<br />
وقيل: ليس من الفتوة أن تربح علي صديقك. قاله بعض أصدقائنا، رحمه الله تعالى.<br />
وكان فتى يسمى أحمد بن سهل التاجر، وقد اشتريت منه خرقة بياض فأذ الثمن رأس ماله فقلت له: ألا تأخذ ربحاً؟ فقال: أما الثمن فآخذه، ولا أ؛ملك مِنَّةً؛ لأنه ليس له من الخطر ما أتحلق به معك، ولكن لا أخذ الربح؛ إذ ليس من الفتوة أن تربح علي صديقك.<br />
وقيل: خرج إنسان يدعى الفتوة من نيسابور لى نسا فاستضافه رجل، ومعه جماعة من الفتيان، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم، فانقبض النيسابوري عن غسل اليد، وقال: ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال!! قال واحد منهم: أنا سنين أدخل هذه الدار لم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أم رجلاً.<br />
سمعت منصوراً المغربي يقول: اراد واحد أن يمتحن نوحاً النيسابوري العيار.. فباع عنه جارية في زي غلام، وشرط أنه غلام، وكانت وضيئة الوجه، فاشتراها نوح علي أنها غلام،ولبثت عنده شهوراً كثيرة، فقيل الجارية: هل علم أنك جارية؟ فقالت: لا، إنه ما مسني، وتوهم أني غلام.<br />
وقيل: إن بعض الشطار طلب منه تسليم غلام كان يخدمه إلى السلطان، فأبى. فضربه ألف سوط، فلم يُسَلم، فاتفق أ،ه احتلم تلك الليلة، وكان برداً شديداً، فلما أصبح اغتسل بالماء البارد، فقيل له: خاطرت بروحك، فقال: استحييت من الله تعالى أن أصبر على ضرب ألف سوط لأجل مخلوق، ولا أصبر على مقاساة يرد الاغتسال لأجله.<br />
وقيل: قدم جماعة من الفتيان لزيارة واحد يدَّعي الفتوة، فقال الرجل: يا غلام قدم السفرة. فلم يقدم. فقال له الرجل ذلك ثانياً وثالثاً.. فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا!! فقال الرجل: لِمَ أبطأت يا سفر؟ فقال الغلام كان عليها نملٌ، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل، ولم يكن من الفتوة إلقاء النم من السفرة، فلبثت حتى دب النمل. فقالوا له: دققت يا غلام، مثلك مَن يخدم الفتيان.<br />
وقيل: إن رجلاً نام بالمدينة من الحاجّ. فتوهم أن هميانة سرق، فخرج، فرأى جعفراً الصادق.. فتعلق به، وقال له: أنت أخذت همياني؟ فقال له: ماذا كان فيه؟ فقال: ألف دينار.<br />
فأدخله داره.. ووزن له ألف دينار، فرجع إلى منزله، ودخل بيته، فرأى هميانة في بيته وقد كان توهم أنه سرق؛ فخرج إلى جعفر معتذراً، وردّ عليه الدنانير، فأبى أن يقبلها، وقال: شيء أخرجته من يدي لا أسترده.<br />
فقال الرجل: من هذا؟! فقيل: جعفر الصادق.<br />
وقيل: سأل شقيق البلخيّ جعفر بن محمد عن الفتوة، فقال: ما تقول أنت؟ فقال شقيق: إن أعطينا شكرنا، وإن منعنا صبرنا.<br />
فقال جعفر: الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل!! فقال شقيق: يا إبن رسول الله، ما الفتوة عندكم؟ فقال: إن أعطينا آثرنا، وإن منعنا شكرنا.<br />
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الجريري يقول: دعانا الشيخ أبو العباس بن مسروق ليلة إلى بيته، فاستقبلنا صديق لنا، فقلنا له: ارجع معنا، فنحن في ضيافة الشيخ، فقال: إنه لم يدعني!! فقلنا: نحن نستثني. كما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها.</p>
<p>فرددناه، فلما بلغ باب الشيخ أخبرناه بما قال، وقلنا، فقال: جعلت موضعي من قلبك أن تجيء إلى منزلي من غير دعوة، على كذا وكذا إن مشيت إلى الموضع الذي تقعد فيه منه إلا على خدي، وألح عليه. ووضع خده على الأرض، وحمل الرجل، فوضع قدمه على خده من غير ن يوجعه، وسحب الشيخ وجهه على الأرض إلى أن بلغ موضع جلوسه.<br />
وأعلم أن من الفتوة الستر على عيوب الأصدقاء، لاسيما إذا كان لهم فيه شماتة الأعداء.<br />
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول للنصراباذي كثيراً: إن علياً القوال يشرب بالليل ويحضر مجلسك بالنهار، وكان لا يسمع فيه ما يقال، فانفق أنه كان يمشي يوماً ومعه واحد ممن يذكر علياً بذلك عنده فوجد علياً مطروحاً في موضع، وقدظهر عليه أثر السكر، وصار بحيث يغسل فمه، فقال الرجل: إلى كم نقول فيه للشيخ ولا يسمع؟! هذا عليُّ على الوصف الذي نقول. فنظر إليه النصراباذي وقال للعذول: احمله في رقبتك، وانقله إلى منزله. فلم يجد بدا من طاعته فيه.<br />
وسمعته يقول: سمعت أبا عليَّ الفارسي يقول: سمعت المرتعش يقول: دخلنا مع أبي حفص على مريض نعوده، ونحن جماعة، فقال للمريض: أتحب أن تبرأ؟ فقال: نعم فقال لأصحابه: تحملوا عنه.. فقام العليل.. وخر معنا. وأصبحنا كلنا أصحاب فراشُ نعاد.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d9%88%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b4%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>العلمانية ليست عقيدة دينية جديدة-برهان غليون (مقتطفات من مقال)</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%aa-%d8%b9%d9%82%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d8%b1%d9%87%d8%a7/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%aa-%d8%b9%d9%82%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d8%b1%d9%87%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 08 May 2011 10:24:57 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=2359</guid>
		<description><![CDATA[مقدمة محمد شاويش: اخترت هذا المقتطف من مقال لبرهان غليون http://www.assuaal.net/studies/studies.280.htm وغليون هنا يظهر مرة أخرى تحليله البديع للاستعمالات المنطلقة من منطلق استبدادي معاد للمجتمع لشعار العلمانية وكيف تحولت العلمانية عند بعض دعاتها إلى عقيدة دينية جديدة منغلقة متعصبة معادية للأغلبية. وبهذا يعد غليون في اعتقادي واحدا من مصادر التيار الذي أسميه &#8220;التيار التأصيلي&#8221; والذي [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>مقدمة محمد شاويش:<br />
 اخترت هذا المقتطف من مقال لبرهان غليون</p>
<p>http://www.assuaal.net/studies/studies.280.htm</p>
<p>وغليون هنا يظهر مرة أخرى تحليله البديع للاستعمالات المنطلقة من منطلق استبدادي معاد للمجتمع لشعار العلمانية وكيف تحولت العلمانية عند بعض دعاتها إلى عقيدة دينية جديدة منغلقة متعصبة معادية للأغلبية. وبهذا يعد غليون في اعتقادي واحدا من مصادر التيار الذي أسميه &#8220;التيار التأصيلي&#8221; والذي خاصيته المميزة أنه يدافع عن المجتمع في وجه تغول الدولة الحديثة ما بعد عهد الاستعمار المستندة إلى اتجاه نخبوي تأسس في &#8220;عصر النهضة&#8221; وازداد عداء للمجتمع الأهلي عبر السنين..</p>
<p>المقتطف:</p>
<p>(&#8230;) ومن هنا لا يزال السؤال الذي طرحه كتاب &#8220;المسألة الطائفية&#8221; بصورة جانبية، مطروحا اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى: ما الذي وضع العلمانية العربية، والسورية منها بشكل خاص، في هذا المأزق الذي جعل منها رديف الديكتاتورية ونقيض قيم الثورة السياسية التحررية الحديثة برمتها، وفي المكان الأول حرية الاعتقاد التي تعني تحريم فرض اعتقادات بالقوة على أي إنسان، أو منعه من التعبير عنها؟<span id="more-2359"></span><br />
الجواب من شقين. أولا تحول العلمانية إلى إيديولوجية، أي إلى عقيدة فئة من الفئات الاجتماعية، جعلت منها إطار تماهيها وولائها الخاص، ورمز تفاهمها الذي يوحد عناصرها ويربط في ما بينهم ليحولهم إلى قوة فاعلة وشريك في الصراع الاجتماعي الدائم على الثروة والسلطة والنفوذ والجاه. وهو ما فرض عليها الخضوع لأجندة هذه الجماعة الخاصة ومتطلبات استراتيجيتها الاجتماعية والسياسية. وثانيا تعارض مصالح تأمين نفوذ هذه الجماعة/الطائفة واستقرارها مع مصالح التحرر والانعتاق العام للمجتمع، واضطرارها، في سبيل الاحتفاظ بمكاسبها، المادية والمعنوية، إلى خيانة القيم والمبادئ العلمانية نفسها، ومن ورائها مباديء الديمقراطية. وهذا هو الذي يفسر أن أحدا من رموز هذه العلمانوية، الذين استشهد بهم وائل سواح، لم ينخرط في أي معركة من معارك الحرية، لا الفكرية ولا السياسية، بل إن معظمهم قد وجد في نقد حركة ربيع دمشق فرصة للتعبير عن رفضه لهذه الحرية ومقته لها. وبعض من جذبته الحركة قليلا قصر جهده على الدعوة إلى ليبرالية فجة تستنجد بالقوى الأجنبية وتدعو إلى تعليق الآمال جميعا عليها.<br />
ما كانت لمصادرة فكرة العلمانية من قبل فريق اجتماعي ليحولها إلى رأسمال خاص به إلا أن يقود إلى أمرين. إفساد المفهوم من جهة وتقويض فرص تعميمه وانتشاره في الوعي وفي المجتمع والدولة معا، وبالتالي قطع الطريق على تقدم فكرة الحداثة وترسخها في الوعي الشعبي.<br />
فبقدر ما أصبحت العلمانية ايديولوجية تغير شكلها ومضمونها ودورها الاجتماعي أيضا. فتحولت من مبدأ مؤسسي ناظم لسلوك الأفراد والجماعات، بصرف النظر عن اعتقاداتهم، إلى عقيدة قائمة بذاتها بديلة للدين، أي إلى دين جديد، يتخذ منها منطلقا لبناء رؤية للمجتمع والعالم معادية للرؤية المرتبطة بالدين القديم، ولرجاله وسلطته وقيمه. وككل عقيدة، صارت العلمانية &#8220;دوغما&#8221;، أي مذهبية مغلقة، وحقيقة ناجزة وثابتة لا تتغير ولا تتبدل، لا تحتمل النقاش ولا الجدال، قائمة في مواجهة جوهر آخر مطلق هو الحقيقة، أو بالأحرى &#8220;الخطيئة&#8221; الدينية. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن يربط هؤلاء أو أكثرهم العلمانية بالعلم، وأن يشتقوا مفهومها نفسه منه. هكذا أصبحت العلمانية مساوية للادينية، وراية يجتمع تحتها كل كاره للدين أو داعية للتجرد من تراثه والتحرر منه، في مقابل الإسلامية التي تقف في وجهها وتدعو إلى التمسك بالقيم والمفاهيم الدينية في تقرير كل ما يتعلق بالفرد والمجتمع والتاريخ والحضارة معا. ومن الواضح من مقال وائل سواح وزملائه إلى أي حد تعكس إشكالية العلمانية والإسلامية لديهم الصراع بين العلم، المنظور إليه كرديف للعقل، والدين، رديف الجهل والرؤية الخرافية. ولذلك فإن الاسم الصحيح الذي ينبغي إطلاقه على هذه العقيدة ليس العلمانية وإنما اللادينية أو العداء للدين، التي تختلط مع علموية سوقية، من مخلفات القرن التاسع عشر، تعكس الإيمان الساذج والبسيط بالعلم وبقدرته الخارقة. وهي العقيدة التي تسمح بتذويب جميع إشكاليات المجتمع والسياسة والاقتصاد والتاريخ وإلغائها في عقل مطابق للعلم، يعمل كإله محرك ومبدع، قائم خارج أي زمان ومكان. ومن هنا يأتي تماهي الكثير من المثقفين مع هذه الدعوة التي تسمح لهم بالشعور بالتفوق الطبيعي على الغالبية التي ينظرون إليها ككتلة عددية، جاهلة، تفتقر للعلم وللعقل معا، لا كشعب ولا كأمة تمتلك وعيا وإرادة وقادرة على الفعل أو الانجاز من أي نوع كان. ومن الطبيعي أن تكف العلمانية في هذه الحالة عن أن تكون مفهوما إجرائيا يهدف إلى فهم الواقع وتحليله، يمكن نقده ككل المفاهيم العلمية والاجتماعية، وتعديل مضمونه ودلالاته على ضوء التجربة التاريخية، ومع تغير هذا الواقع أو تقدم المعرفة بدقائقه. فككل عقيدة تتحول إلى مذهب ديني، أصبحت العلمانية في نظر عابديها المخلصين ماهية ثابتة وجامدة، لا يدخل عليها تغيير، وصالحة بالتالي، مثل الدين، لكل زمان ومكان، لأنها قائمة فوقهما وخارجهما، تعيش حياتها بمعزل عن الواقع وعن المجتمعات وعن التواريخ، مهما اختلفت تجاربها أو تناقضت سيرها ومساراتها. ويصبح أي مساس بأسطورتها، أي بقدسية فكرتها، أو تغيير في أسلوب ممارسة طقوسها، أو تشكيك في بعض سيرها واستخداماتها، هرطقة وخروجا عنها. لأنه يشكل مساسا بالهوية، وتهديدا لاستقرار الجماعة الايمانية التي تتحول أكثر فأكثر، في مواجهة مجتمع يستعصي على سيطرتها، إلى عصبة منغلقة عدوانية، تتبنى جميع المواقف التي تتبناها الجماعات الدينية المواجهة لها، وتعلن مثلها جهادها، بجميع الوسائل، النظرية والمادية، الشرعية وغير الشرعية، السلمية والعنفية، لنشر العقيدة التي يكمن فيها خلاص البشرية. ومثلها أيضا، تبني العلموية كنيستها التي توزع بطاقات الخلاص على المخلصين لها وتحرم من تشاء من اعترافها وبركتها.<br />
هذا ما يفسر أيضا الطابع التبشيري الممل للخطاب العلموي، وما يتميز به من الجمود والثبات وتكرار الصيغ والعبارات والشعارات نفسها، دون أدنى مراجعة أو محاولة لتجديد الفكرة أو تعميقها، منذ نصف قرن. فككل المتدينين، يعتقد العلمويون أن أي تغيير أو تعديل في سرديتهم الخاصة بهم، لا بد أن يثير الشك في متانة العقيدة، ويقوض ربما أسس بقائها. وأن كل ما أنتجه هذا الخطاب كان مقالات تمجيدية ودفاعية، تهدف إلى صون الفكرة من التغيير والتعديل، والحفاظ على تماميتها وأصولها، في وجه ناقديها، وتستند على الاسترجاع الأبدي للأفكار نفسها، وإعادة إنتاجها عبر نقد خطابات الخصوم أو من يحولون إلى خصوم، والتشهير بهم وإظهار مروقهم أو خيانتهم. فعندما تتحول الفكرة إلى عقيدة وتصبح منتجة لهوية وانتماء خاص وولاء جمعي، تكتسب قيمة رمزية أساسية، وتصبح بالتالي موضع قداسة، يصعب النقاش فيها أو الحديث عنها خارج دائرة االاحترام والإجلال والتمجيد والتبرير.<br />
هكذا تغير دور العلمانية أيضا في حياتنا السياسية والاجتماعية. فبعد أن كانت مبدأ جامعا، يقرب بين مختلفين، بدعوة الجميع إلا الارتفاع على خلافاتهم العقائدية للاتفاق على شروط ممارسة هذه العقائد جميعا بحرية، وبالتالي ضمان حيادية السلطة التي ترعى هذه الممارسة الحرة وتحافظ عليها، أصبحت بالعكس أداة للتمييز والفصل بين جماعتين، جماعة المتدينين وجماعة المتحررين من الدين. ولم يعد أنصار الفكرة العلمانية ينشدون، كما كان الأمر في الأصل، إقناع الآخرين بالدخول في منطق السلطة الديمقراطية، والانتماء إلى أمة سياسية مختلفة عن الأمة الدينية، توحد جميع الأطراف من أصحاب العقائد المتنازعة، تحت سقف دولة محايدة، تحترم الجميع بالتساوي وتدافع عن حرياتهم الاعتقادية والسياسية والمساواة والعدالة في ما بينهم، وإنما أصبحوا يدافعون عن مكانهم وموقعهم في التركيبة الاجتماعية، بوصفهم أصحاب كنيسة مستقلة ومتميزة، ذات أسرار وطقوس يصعب استيعابها من قبل العامة الجاهلة والأمية. ولذلك لم يعد تحقيق العلمانية بما تعنيه من ضمان الحرية والمساواة والعدالة، هو الذي يعنيهم حقيقة، ولا حتى التبشير بها والسعي إلى نشرها وإقناع الآخرين بفائدتها، وإنما حمايتها من التحريف، كشرط للمحافظة على الملة، التي صارت إليها العلمانية. وهذا ما يفسر النزعة السائدة عند هؤلاء لتصنيم مفهومها وتحويله إلى حقيقة ثابتة ونموذج جاهز وناجز، لا يقترن تحقيقه بأي حيثية، وجعله أقنوما واحدا مستقلا يتقدم على كل ما عداه من الأقانيم. فهي هدف في ذاتها، لا يهم إذا ما ارتبط تحقيقها بضمان حرية الأفراد أو عبوديتهم، ولا إذا كان على حساب المساواة أو التمييز في ما بينهم. فصل الدين عن الدولة أو إخراجه منها، هو الغاية الأولى والوحيدة، والتي يبرر تحقيقها أو الوصول إليها جميع الوسائل الأخرى، بما في ذلك أقسى الديكتاتوريات العسكرية.<br />
 معنى العلمانية<br />
بالمقابل نحن ننظر للعلمانية بوصفها مبدأ من مباديء الثورة السياسية الحديثة التي تقود، في العالم كله، نحو بناء أمم سياسية، ودول/أمم ديمقراطية تعمل على بلورة إرادة هذه الأمم وتؤمن إعادة إنتاجها في الوقت نفسه كجماعة سياسية. ففي موازاة تفكك الإيديولوجيات التقليدية وانحسار المناخات اللاهوتية القرسطوية، سوف يتحلل مجتمع الجماعة الدينية المتراصة، وتبرز الاختلافات والتنوعات داخل الدين الواحد، وليس بين الأديان المختلفة فحسب. بل إن الصراع بين المتدينين وغير المتدينين داخل الدين الواحد سوف يحتل، في مرحلة ثانية، أي ما بعد الطائفية، المرتبة الأولى في الصراع، ويدفع إلى تفاقم الجدل بين تيارات الفكر والاعتقاد وتنازعها. وفي هذا السياق ستظهر العلمانية لتؤسس لنهضة فكرية كبرى أساسها توفير مبدأ أو قاعدة أخلاقية سياسية تسمح للمجتمعات المتحللة والمتفجرة، ببناء الوحدة السياسية مع الحفاظ على التعددية، والاستمرار في الجدال والمناظرة من دون الانجرار وراء الحرب الأهلية. وليس هذا المبدأ الخطير الذي يكاد في نظري يساوي العلمانية أو يستغرق مفهومها، سوى احترام حرية الضمير، بما تعنيه من حق اختيار العقيدة والتعبير عن الرأي والدفاع عن الفكر المختلف. ومن هذا المبدأ وما يتضمنه من اعتراف بأصالة الضمير وتحريم انتهاكه، لأي فرد، سوف يشتق مبدأ المساواة بين الأفراد، بقدر ما تحولوا جميعا لأفراد أحرار وعاقلين، أي يملكون جميعهم ملكة الضمير والوعي والتفكير. ولأنهم متساوين، فعليهم أن يقروا لأنفسهم ولكل واحد منهم بحقوق واحدة أمام القانون، بصرف النظر عن اعتقاداتهم ومذاهبهم وظروف معيشتهم، وأن يكونوا مشاركين في تقرير مصيرهم الجماعي، أي في قيادة الدولة والجماعة، ومتكافلين. ومن هنا أصبحت مباديء الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية التي تعني التضامن والتكافل، مؤسسة لجماعة جديدة، هي الأمة أو الجماعة السياسية، في مقابل الجماعة أو الأمة الدينية القديمة. فإذا أخفقت الجماعة السياسية الجديدة، أي الأمة الممثلة في الدولة، في ضمان حرية الأفراد في اختيار اعتقاداتهم والتعبير عن أفكارهم، أو مارست التمييز بينهم بسبب انتماءاتهم، أو لم تنصف في معاملة بعضهم لحساب البعض الآخر، انتفت إمكانية بناء المواطنة كرابطة سياسية جديدة، مضافة إلى رابطة الدين أو موازية لها، وأصبح من المستحيل على الدولة أن تبني أمة أو جماعة سياسية. وتعثرت ولادة الحداثة السياسية، بما في ذلك قيام دولة قانونية.<br />
والقصد أن العلمانية ليست عقيدة دينية جديدة تنزع إلى الحلول محل العقائد الأخرى أو التعويض عنها، وإنما هي قاعدة لإدارة التنافس بينها، وتنظيم طريقة التعبير عن اختلاف كل منها مع غيرها، بما فيها العقائد اللادينية. وهي تقوم على افتراض إمكانية تحييد الاعتقاد الشخصي والفلسفي في الأمور الجماعية التي تتعلق بإدارة الدولة، حتى يمكن للدولة أن تكون دولة الجميع، وليست دولة جماعة اعتقادية واحدة. لكن تحييد الاعتقاد الديني والفكري في دائرة تعامل الدولة مع مواطنيها لا يعني إدانة أي اعتقاد، أو التقليل من نفوذه، أو تحييده في المجال الاجتماعي، أو تحويله كما يعتقد البعض إلى اعتقاد شخصي، ومنع معتنقي الدين من تكوين روابطهم الجمعية. فالخاص لا يعني الشخصي والفردي. بل بالعكس، إن العلمانية لا تضمن شرعية وجودها إلا مما تقدمه لجميع الأفراد والجماعات العقائدية من حرية أصيلة وجوهرية، لا يخضع مبدؤها للنقاش، في التعبير عن نفسها وتنظيم كيانها والدفاع عن مصالحها أيضا، ضمن شروط احترام مباديء حرية اعتقاد الآخر والمساواة والعدالة. وتفقد العلمانية مبرر وجودها إذا تحولت إلى عقيدة بديلة تحتكر السلطة السياسية، وتمارس الاضطهاد ضد العقائد الأخرى أو تشجع عليه أو تقبل به، أو تدعو للحد من حريات منافسيها وخصومها الفكرية والمذهبية، وتبرر عدم المساواة القانونية أو الأخلاقية تجاههم، أو لا تكترث للظلم الواقع عليهم.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%aa-%d8%b9%d9%82%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d8%b1%d9%87%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>عن السلف و &#8220;السلفانية&#8221;-محمد شاويش</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b4%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b4/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b4%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b4/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 18 Dec 2010 21:55:15 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=2057</guid>
		<description><![CDATA[عن السلف و &#8220;السلفانية&#8221;-محمد شاويش محمد شاويش-برلين العودة إلى الينابيع الأصلية شعار شهدته حضارات مختلفة وحركات حضارية مختلفة، وكثيراً ما يكون هذا الشعار شعار نهضة وتجديد في واقع راكد استنفد إمكانيات وجوده ولم يعد لديه ما يقدمه وصار عائقاً في طريق حياة مقبولة للبشر، وصحيح أن شعار العودة إلى الينابيع لا يبدو من حيث الشكل [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>عن السلف و &#8220;السلفانية&#8221;-محمد شاويش<br />
محمد شاويش-برلين</p>
<p>العودة إلى الينابيع الأصلية شعار شهدته حضارات مختلفة وحركات حضارية مختلفة، وكثيراً ما يكون هذا الشعار شعار نهضة وتجديد في واقع راكد استنفد إمكانيات وجوده ولم يعد لديه ما يقدمه وصار عائقاً في طريق حياة مقبولة للبشر، وصحيح أن شعار العودة إلى الينابيع لا يبدو من حيث الشكل تجديدياً إذ منطوقه دعوة إلى العودة إلى حالة قديمة ولكنه في الحقيقة تجديد لأنه باسم العودة إلى تلك الحالة القديمة يريد اجتثاث بعض مكونات البنية الحاضرة وبناء جديد مكانها، قد يتقنع بأقنعة الماضي ولكنه في حقيقته توجه مستقبلي، هذا هو وضع النهضة الأوروبية التي عادت رموزها الفكرية والأدبية والفنية إلى الماضي الإغريقي والروماني  للتدعي تبني أشكاله ومضامينه كبدائل عن أشكال ومضامين الحاضر الذي هو حاضر  ما انتهت إليه العصور الوسطى في أوروبا.<br />
<span id="more-2057"></span>مثل هذه العودة  شهدها عصر النهضة العربي أيضاً حين ظهرت الحركات التجديدية المختلفة التي  أرادت تغيير واقع المسلمين القائم والعودة إلى ما كان عليه واقعهم في عصور التألق الحضاري.<br />
وإذا أردنا أن نحصر الكلام هنا في بعد الفكر الفقهي الإسلامي فسنجد الفكرة التي اسمها العام &#8220;الفكرة السلفية&#8221; وهي فكرة يجمع تنوعاتها المختلفة توجه عام ينادي بالتخلص من الشوائب التي أتت بها القرون معكرة صفو المنبع الإسلامي الأصلي والعودة إلى هذا المنبع الصافي بعد طرح البدع والانحرافات المختلفة.<br />
والمؤرخ  للفكر العربي المعاصر سيجد أن هذا التوجه الذي اسمه العام &#8220;التوجه السلفي&#8221; كان ذا تأثير بالغ في رجال النهضة السياسية والفكرية، فإليه يمكن لنا أن ننسب شخصيات مختلفة في المزاج وطبيعة الفعل التاريخي إذ منها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده كما منها محمد عبد الوهاب والسنوسي، وقد ظهر أثرها البالغ في حركة الإخوان المسلمين الحديثة ومؤسسها حسن البنا رحمه الله وتلاميذه والحركات التي خرجت من حركته.<br />
وكما في أوروبا فكذلك عندنا كانت الحركة التي أدانت الحاضر إدانة شاملة وأرادت هدمه ثم بناءه من جديد على أساس نموذج مأخوذ من الماضي حركة تولت تهديم أشياء كثيرة في الحاضر لم تستطع بالفعل أن تفهم في غمرة حماسها للهدم  وظيفة هذه الأشياء المهدومة وإن كانت حقاً مجرد عناصر طفيلية سلبية أم هي عناصر ضرورية تبلورت مع الخبرة التاريخية لتقوم بوظائف اجتماعية حيوية يتضرر المجتمع تضرراً بالغاً عندما يجري شطبها بجرة قلم، وتفقد معها خبرات تاريخية ثمينة يضطر المجتمع بفقدانها إلى أن يعود من جديد إلى نقطة الصفر ويحاول السير في الخط الذي كان الأقدمون قد ساروا فيه خطوات هائلة.<br />
إن هذه التجربة جربتها أوروبا كما جربناها نحن وهاهي ذي أوروبا  تعود أخيراً إلى نقد تجربتها التهديمية التي بنت نهضتها الحديثة على أساسها كما نعود نحن كعادتنا متأخرين إلى الشيء نفسه.<br />
هناك أشياء قيمة نتعلمها من السلف بلا شك، لكن وضع هؤلاء الأسلاف بموضع المثل الأعلى في كل شيء، المعصوم عملياً  يتناقض أولاً  مع الحس السليم الذي يستنتج بدون صعوبة أن السلف لا يفيدون في بعض المسائل التي لم يشهدوها، وأنهم من جهة أخرى كانوا يخطّئون بعضهم ولا يرون لأنفسهم العصمة التي يراها لهم من ينتسب إليهم في عصرنا من &#8220;السلفيين&#8221;.<br />
وهو يتناقض ثانياً مع نصوص الشريعة التي تنهى عن التقليد وتنعى على كفار مكة قولهم &#8220;إنا وجدنا آباءهم على أمة وإنا على آثارهم مقتدون&#8221;، وإذا كان نبي الإسلام عليه السلام يستشير أصحابه ويعود إلى رأيهم في مسائل عملية كثيرة، فمن الأولى على المتصدي للشأن العام في عصرنا أن يعود لمعاصريه ولا يصم أذنه عنهم عائداً إلى رجال عظماء بلا شك ولكن زمانهم ذهب وليسوا بالضرورة ممن يستطيع أن يقدم لنا المشورة في شؤوننا.<br />
وهذا النقد للنزعة التي تسمي نفسها سلفية أتبناه أنا ويردده غيري أيضاً ممن يضيق ذرعاً بادعاءات &#8220;السلفانية&#8221; المعاصرة وتضييقها على العقل والخبرة البشرية بدعوى الأمانة للنصوص والأسلاف. ما أحب أن أركز عليه دوماً في مجال نقدي للسلفانية هو أنها تتجاهل الخبرة التاريخية التي هي بالفعل للشريعة بمثابة التطبيق للمبادئ النظرية، وهذا التطبيق هو بحد ذاته يصحح الفهم المغلوط والمعاكس للواقع والعقل الذي قد يخطر على بال من يقرأ النصوص دون أن يجرب تطبيقها على أرض الواقع، وحين نعري هذه النصوص من التجربة نعيد أنفسنا لا إلى نقطة الصفر بلا إلى ما دونها بكثير، ذلك أن الأسلاف حيال النصوص التي نزلت عليهم كانوا على أقل تقدير يعرفون السياق التاريخي الذي خاطبته مباشرة واللغة التي نزلت بها بدلالاتها، وهذا ما فقده المعاصرون.<br />
ولكي لا يظل الكلام نظرياً أريد أن أطرح مثالاً قد يكون الأهم على ما سبق وإن لم يكن المثال الوحيد ألا وهو موقف المسلمين السنة من الطوائف الأخرى.<br />
من المعروف أن المسلمين عالجوا طبيعة العلاقة مع المسيحيين واليهود انطلاقاً من نصوص ومن تجربة النبي وأصحابه، لكنهم بعد ذلك تعاملوا مع أديان أخرى لم تذكر في النصوص، ومنها مثلاً الهندوسية والبوذية، وأنواع من الأديان مثل الماندائية في بلاد ما بين النهرين، بل حتى المجوس الزرادشتيين عوملوا معاملة أهل الكتاب مع أنهم لم يعدوا في القرآن الكريم من أهل الكتاب، واعتمد المسلمون على حديث رواه عبد الرحمن بن عوف، ثم في حالة الهندوسية والبوذية سنوا يهم سنة أهل الكتاب لا اعتماداً على نصوص بل على اجتهاد.<br />
الآن نحن إزاء موقف لا يهتم به أحد من فقهاء السنة ولا الشيعة أيضاً، ألا وهو الموقف من الطوائف الإسلامية الكثيرة الموجودة في بلادنا وتشارك في الوطن بكل قضاياه من حزن وفرح، ورفعة وذل، ونصر وهزيمة.<br />
يجب من غير شك وضع تصور جديد مبني على التجربة الفعلية لا النظرية لوطننا في التعايش بين مكوناته السكانية المختلفة، وإهدار هذه التجربة التاريخية هو دين السلفانية المعاصرة وديدنها إلا قليلاً منها، فترى الواحد منهم لا يقبل ما كان يقبل أبوه وجده وجد جده من تعايش ودي مع الطوائف الأخرى، بل قد يسفه هؤلاء ويبدعهم ويكفرهم أيضاً.<br />
إن كنا نحترم السلف فعلاً ومنهجهم فلنكن على مستواهم في سعة الأفق، ,وقارنوا إن شئتم موقف أحد أهل السلف وهو&#8230;عمر بن الخطاب حين أبى الصلاة في كنيسة القيامة لئلا يتخذها المسلمون بعده مسجداً من موقف &#8220;أنصار السلف&#8221; في الأرض المحتلة الذين ردوا على تصريحات البابا الأخيرة بمهاجمات كنائس أورثوذكسية! إنهم حتى لم ينتبهوا لكون البابا كاثوليكياً- ولعلنا بهذا المناسبة نتذكر المناضل &#8220;الكاثوليكي&#8221; المطران هيلاريون كابوتشي!.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b4%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b4/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>2</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>من الأصل إلى التأصيل:الاستلاب والعودة إلى الهوية في&#8221; قنديل أم هاشم&#8221;-بقلم: محمد شاويش</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d8%b5%d9%8a%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d8%b5%d9%8a%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 06 Nov 2010 14:40:35 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=1970</guid>
		<description><![CDATA[من الأصل إلى التأصيل: الاستلاب والعودة إلى الهوية في&#8221; قنديل أم هاشم&#8221;-محمد شاويش-برلين 1-تمهيد:من بين الأعمال القصصية والروائية العربية العديدة التي تناولت موضوع العلاقة بين &#8220;المجتمع التقليدي&#8221; العربي والحداثة الوافدة تستوقفنا قصة يحيى حقي &#8220;قنديل أم هاشم ،إذ بدا لي أن حقي في هذه الرواية تنبه لجوانب عميقة في الموضوع لم يتنبه لها أغلب الكتاب [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>من الأصل إلى التأصيل:<br />
الاستلاب والعودة إلى الهوية في&#8221; قنديل أم هاشم&#8221;-محمد شاويش-برلين</p>
<p>1-تمهيد:من بين الأعمال القصصية والروائية العربية العديدة التي تناولت موضوع العلاقة بين &#8220;المجتمع التقليدي&#8221; العربي والحداثة الوافدة تستوقفنا قصة يحيى حقي &#8220;قنديل أم هاشم ،إذ بدا لي أن حقي في هذه الرواية تنبه لجوانب عميقة في الموضوع لم يتنبه   لها أغلب الكتاب الآخرون الذين كتبوا فيه.<span id="more-1970"></span><br />
وكل الذين مروا مثلي  بمقرر الشهادة الثانوية في سوريا يعرفون المقطع الذي يعود فيه ابن الأسرة إسماعيل من أوروبا  حيث درس طب العيون فيجد أمه تقطر في عين ابنة عمه الرمداء زيتا مباركا من قنديل مقام السيدة زينب فينظر:&#8221;و فحص عينيها فوجد رمدا قد أتلف الجفنين وأضر بالمقلة فلو وجد العلاج المهدئ المسكن لتماثلت للشفاء، ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي .<br />
فصرخ في أمه بصوت يكاد يمزق حلقه:-حرام عليك الأذية .حرام عليك.أنت مؤمنة تصلين ،فكيف تقبلين أمثال هذه الخرافات والأوهام؟&#8221;.<br />
هذا المقطع استشهد به في مقرر&#8221; الأدب العربي الحديث&#8221;وهو في سياق النقد الاجتماعي للخرافات والتخلف الذي قام به الأدباء ،والشخص الذي استشهد بهذا الصدام بين الطبيب وأمه يبدو أنه لم يكمل الرواية إلى أخرها وتركها  مع طلاب الشهادة الثانوية لاعنا مع إسماعيل هذا الجهل والتخلف،ولعل أجيالا من الطلاب كرروا قول إسماعيل الذي جاء بعد هذا المقطع ،مع أن المقرر لم يستشهد به:&#8221;أنا لا أعرف أم هاشم ولا أم عفريت&#8221; أي أن معلومات معد المقرر والطلاب عن المرحلة التي وصل إليها تطور وعي البطل ،أو&#8221; تطور جدل التقليد والحداثة&#8221; في هذه الحالة العيانية من الوعي(كما قد يقول الفلاسفة)توقفت عند مرحلة النفي المطلق للتقليد ولن يكون ثمة مانع عند هذا المعد( أو عند الطالب النجيب النموذجي الواعي ) أن يذهب إلى القنديل ويكسره إن استطاع معرضا نفسه إلي خطر القتل على أيدي&#8221; الجماهير الجاهلة&#8221;.<br />
ولو أن هذه المرحلة كانت فعلا نهاية المطاف  في مسار تغير وعي البطل لأرحنا أنفسنا والقارئ إذ أن هجاء المجتمع التقليدي و&#8221;أساطيره وأوهامه&#8221; عمل معتاد مكرر لا داعي للانتباه إليه ولهدر الوقت في الحديث عنه .ميزة قصة حقي هذه أن الأمر لم يكن كذلك كما سوف نرى بعد قليل.<br />
كتاب كثيرون تناولوا موضوع الهجرة إلى الغرب وانعكاس القيم الغربية التي تعرف عليها البطل المهاجر على بنيته العقلية والنفسية نذكر من هؤلاء توفيق الحكيم بسطحيته التي هي السمة الفكرية الغالبة عليه وبانبهاره غير المحدود بالمجتمع الفرنسي (مثلا كتبه&#8221;زهرة العمر&#8221;، &#8220;سجن العمر&#8221;،&#8221;مصر بين عهدين&#8221;،وغيرها  لا تختلف منذ أن كلف الآثاري الفرنسي في &#8220;عودة الروح&#8221;  بالدفاع عن الفلاح المصري) ونذكر أيضا الطيب صالح بعصابيته ومبالغاته الفاقعة في &#8220;موسم الهجرة إلى الشمال&#8221;.ويلفت انتباهنا أن هؤلاء الكتاب لم يهتموا &#8220;بالقصة الكاملة&#8221;(كما قد ندعوها)لهذه المغامرة الكبرى لأبطالهم،فهم يذكرون ما جرى للبطل في أوروبا،لكنهم لا يذكرون ما جرى له بعد ذلك ،ولا ما قد يكون جرى له قبل ذلك من الممهدات للصدام الكبير مع هذا الآخر،وبطل الطيب صالح مثلا لم نجد له لا سابقا على مرحلة الهجرة ولا لاحقا أي بعد عودته أية علاقة مع مجتمعه تذكر ،بل تبقى التجربة مع الغرب سرا مخفيا لا يكشف عنه إلا في مذكرات يقرؤها الراوي بعد موته.<br />
في قصة حقي نقرأ &#8220;القصة كاملة&#8221; .فهو يخبرنا عن طبيعة علاقة البطل بالهوية(الممثلة بأهله وسكان حيه)قبل الهجرة وبعدها. وفي هذا المقال أنوي قراءة هذه القصة مع القارئ و تحليلها مذكرا بملاحظة مهمة:إني حين أقرأ رواية ما أحاول أن لا أقع في فخ معتاد يقع فيه النقاد و هو تصديق الكاتب في كل شيء فهم لا ينفكون يستخلصون عبرا من الأحداث الصغيرة و الكبيرة و كأنهم يصدقونها جميعا! أما أنا فأحاول أن لا أغفل عما يبدو لي صادقا و عما يبدو غير صادق في رواية الكتاب للأحداث، و هذا &#8220;كما أرى&#8221; هو الأسلوب الوحيد الذي يقودنا إلى منهج القراءة التأويلية غير المضللة (بفتح اللام الأولى و تشديدها) و هو المنهج الوحيد المناسب للذين يقرؤون الأدب كشهادة على الواقع الاجتماعي و الفكري و النفسي الموصوف فيه.<br />
جميع الاستشهادات من&#8221;قنديل أم هاشم&#8221; مأخوذة من: يحي حقي، قنديل أم هاشم، دار المعارف، القاهرة،سلسلة اقرأ-18،الطبعة السابعة، 1994.<br />
2-الرؤية العامة للقصة: من الأصل إلى التأصيل:<br />
القصة في رأيي تشبه قطعة موسيقية ثلاثية البنية (قل مثلا:&#8221;سماعي&#8221;!) سأسميها على التوالي وفقا للزمن: الأصل، الانخلاع، العودة إلى الأصل. و لو كنت مغرما باستعارة مفردات الفلسفة الأوروبية &#8220;لأتحفت&#8221; القراء بمصطلحات الثلاثية الهيغلية الشهيرة و لكنني سأريح القراء من هذه البهلوانيات المفعمة بعقدة النقص السائدة في الثقافة العربية.<br />
أ-الأصل:<br />
البطل،إسماعيل، و هو عم الراوي، فرع من شجرة لها جذور ممتدة، أما الشجرة فهي العائلة،و أما الجذور فهي المجتمع. هو في وقت واحد ابن الأسرة التي جاورت السيدة و فتحت متجرا &#8220;بورك لجدي فيه-و هذا من كرامات أم هاشم&#8221;، و هو ابن ميدان السيدة و ناسه:بائع للفول أو الحلويات أو غيرهما،&#8221;طرشجي &#8221; و خراط و بائع دقة أعمى لا يبيعك إلا إذا بدأته السلام و أقرأك وراءه الصيغة الشرعية للبيع و الشراء و قهاو و حشاشين و شحاذين رجال و نساء و أطفال. و كل هؤلاء لهم مركز روحي يدورون حوله يحيهم و يشفيهم و ينظم حركتهم: مقام السيدة زينب المضاء بقنديله. و علاقة البطل بالجماهير تصفها القصة هكذا:&#8221;هو خبير بكل ركن و شبر و حجر، لا يفاجئه نداء بائع، و لا ينبههم عليه مكانه. تلفه الجموع فيلتف معها كقطرة المطر يلقمها المحيط. صور متكررة متشابهة اعتادها فلا تجد في روحه أقل مجاوبة. لا يتطلع و لا يمل، لا يعرف الرضا و لا الغضب، إنه ليس منفصلا عن الجمع حتى تتبينه عينه&#8221; و القصة تستطرد هنا استطرادا ذا دلالة تحليلية مهمة:&#8221;من يقول له إن كل ما يسمعه ولا يفطن له من الأصوات ،وكل ما تقع عليه عينه ولا يراه من الأشباح لها كلها مقدرة عجيبة على التسلل إلى القلب والنفوذ إليه خفية ،والاستقرار فيه،والرسوب في أعماقه ،فتصبح في يوم قوامه .أما الآن فلا تمتاز نظرته بأية حياة …نظرة سليمة كل عملها أن تبصر&#8221;-ص4<br />
هذه الهوية منغرسة انغراسا طبيعيا مثل اللغة الأم. إن البطل في هذه المرحلة لا يكتشف المجموعة التي هو منها، لا يكتشف مكوناتها ولا يميزها، بل نستطيع أن نقول: إنه لا يكتشف حتى مجرد وجودها –بمعنى الإدراك الواعي –تماما كما لا يحلل الإنسان مقومات لغته الأم، بل لا يكاد يكون &#8220;مكتشفا&#8221;-بالمعنى الذي ذكرناه للتو-لوجود هذه المقومات .هذه الهوية منسجمة مع نفسها، لا أزمة فيها بعد. وهذا التصوير نراه صادقا (وقد قلت أنني لا أصدق كل ما قد يقوله مؤلفوا القصص أو الروايات غير أنني إن لم أذكر في هذا النص أنني اشك في الصدق فهذا يعني الموافقة الإجمالية  على صدق المعلومات في هذا الموضع المعني).<br />
وهو جزء من عائلة &#8220;عاشت في ركاب الست وفي حماها:أعياد الست أعيادنا،ومواسمها مواسمنا، و مؤذن المسجد ساعتنا &#8220;-ص6.<br />
وابنة عمه فاطمة النبوية فتاة بسيطة لا تتميز عن الأم والأب في شيء، ونظرتها إلى إسماعيل هي نظرة الأبوين عينها، والوعد القديم بتزويجها من إسماعيل صورة من صور استمرار إسماعيل جزءا من هذه الأسرة بلا انشقاق (أو انخلاع) أو قل: إنه رمز وتأكيد لهذا الاستمرار .<br />
ب-الانخلاع:<br />
منذ أن دخل إسماعيل &#8220;المدرسة الأميرية&#8221; (وليس الأزهر) وتفوق فيها بدأت تظهر التمهيدات الأولية  لحدث الانخلاع. والمسؤول عن هذه التمهيدات كان الأسرة نفسها غير أننا لا يفوتنا أن نذكر هنا نقطة الانقلاب الاجتماعي  الهامة التي يمثلها احتقار المؤسسة العلمية الأهلية التقليدية: الأزهر(ممثلا في ملاحقة صبية الميدان للفتيان المعممين بهتافات احتقارية).<br />
ونجابته في مدرسة&#8221;الأفندية&#8221; هذه جعلت أسرته تعلق آمالها به وتعامله معاملة خاصة تمييزية:&#8221; أصبح وهو لم يزل صبيا لا ينادى إلا ب (سي إسماعيل) أو إسماعيل أفندي، ولا يعامل إلا معاملة الرجال. له أطيب ما في الطعام والفاكهة. إذا جلس للمذاكرة خفت صوت الأب، وهو يتلو اوراده، إلى همس يكاد يكون ذوب حنان مرتعش، ومشت الأم على أطراف أصابعها، وحتى فاطمة النبوية- بنت عمه، اليتيمة أبا وأما-تعلمت كيف تكف عن ثرثرتها وتسكن أمامه في جلستها صامتة كأنها أمة وهو سيدها، تعودت أن تسهر معه كأن الدرس درسها (…)-قومي نامي يا فاطمة-لسه بدري ما جاليش نوم. بين حين وآخر تحيل دمعة مترقرقة شخصه إلى شبح مبهم. فتمسحها بطرف كمها وتعود إلى تطلعها.الحكمة عندها تتمثل في كلامه إذا نطق &#8220;-ص8<br />
هذا الإخلاص المؤثر في القلب لم يؤثر على ما يبدو في قلب إسماعيل وعلى العكس:&#8221;وكلما كبر في عينها انكمشت أمامه وتضاءلت&#8221;-ص8<br />
والراوي يخبرنا أن الأب حين وافق على سفر ابنه إلى أوروبا على ما في ذلك من إرهاق مادي له إنما كان مدفوعا بدوافع طبيعية و ليست استلابية &#8220;بلاد بره! ينطق بها الأب كأنها إحسان من كافر لا مفر من قبوله،لا عن ذلة، بل للتزود بنفس السلاح.&#8221;-ص20<br />
و هو يوصي ابنه بالمحافظة على دينه و فرائضه و حيث أن النساء موضوع لا بد من طرحه فهو يقول:&#8221;و إياك أن تغرك نساء أوروبا فهن لسن لك و أنت لست لهن..&#8221;-ص21<br />
و للتأكيد على أهمية موضوع النساء في تقرير بقاء الهوية أو زوالها يصر الشيخ على أن يقرأ ابنه الفاتحة معه إعلانا رسميا لخطبته على ابنة عمه.<br />
موقف الأب هذا هل هو واقعي حقا لم يخترعه الكاتب بلا منطق يفرضه الوضع الاجتماعي الموصوف!<br />
أقول: نعم. فهذه الشريحة الاجتماعية كانت لم تحتك بأوروبا (خلافا لبعض الشرائح المصرية العميلة التي كان الالتحاق بأوروبا-انكلترا تحديدا- أقصى ما تتمناه).<br />
اختار الكاتب أن يجعل البطل يودع ميدان السيدة قبل أن يسافر ليجعلنا نرى بحركة مرتبة مسبقا الفتاة المسكينة نعيمة تنذر للسيدة زينب خمسين شمعة إذا تمكنت أن تعود إلى الحياة الشريفة، و سنرى في الوقت الذي يناسب المخطط أن هذه الفتاة يتوب الله عليها و تفي بنذرها. و المشهد مصطنع بلا شك، و الكاتب (خلافا لعادته في الحقيقة) يجعل الفتاة تنطق بلغة غير لغتها الممكنة.<br />
تصف الرواية مجريات الانخلاع عن الهوية في انكلترا، و قد قامت بدور رئيسي في تحقيق هذا الانخلاع ماري زميلته في الدراسة، و سنذكر في البداية تلخيص الراوي للانقلاب الذي جلبته انكلترا لحياة البطل:&#8221;سبع سنوات قضاها في انكلترا قلبت حياته رأسا على عقب. كان عفا فغوى، صاحيا فسكر، راقص الفتيات و فسق.هذا الهبوط يكافئه صعود لا يقل عنه جدة و طرافة، تعلم كيف يتذوق جمال الطبيعة، و يتمتع بغروب الشمس-كأن لم يكن في وطنه غروب لا يقل جمالا-و يلتذ بلسعة برد الشمال&#8221;-ص28-29.<br />
باختصار، في جدول الخسائر و الأرباح هذا، هبط من حيث الأخلاق الإسلامية المتعارف عليها عند أهله، و صعد في ماذا..؟ في تذوق جمال الطبيعة!. تمتع بغروب الشمس و التذ بالبرد (و هذه اللذة خاصة به إذ أن أهل أوروبا يلتذون على العكس بدفء الشمس كما هو معلوم). و الجملة المعترضة &#8220;كأن لم..&#8221; تستوقفنا قليلا: أهي احتجاج من الراوي، و من ورائه الكاتب؟ أم هي نقد ذاتي لاحق وجهه البطل لنفسه؟<br />
&#8220;ماري&#8221; فتحت له آفاقا يجهلها من الجمال: في الفن، في الموسيقى، في الطبيعة، بل في الروح الإنسانية أيضا. فضت براءته العذراء و نفضت نمطه السلوكي نفضا يعبر عنه أحد الاثنين: إما الراوي و إما البطل فالمقطع يحتمل كونه سردا للراوي أو&#8221;مونولوجا داخليا&#8221; للبطل ،كما يقال: &#8220;أخرجته من الوخم و الخمول إلى النشاط و الوثوق&#8221;-ص29.<br />
و تكفي هذه التعابير المتقابلة: وخم، خمول-نشاط، وثوق لنرى كيف حكمت الذات على نفسها، فالشخصية الأصلية &#8220;وخمة خاملة&#8221; و الشخصية الجديدة البديلة المتناسبة مع معيار ماري الإنكليزي نشيطة واثقة.<br />
أين كان &#8220;الوخم و الخمول&#8221; يتجليان؟ على رأي ماري أو البطل تجليا عنده في الإستناد إلى هدف و برنامج ثابت و في التمسك بشيء &#8220;خارج نفسه&#8221;: الدين و العبادة و التربية، أما &#8220;النشاط و الوثوق&#8221; فيتجليان في رفض الدين و&#8221;العواطف الشرقية غير العملية و غير المنتجة&#8221;، و في انعدام الاندماج بالناس و في الانفصال عن الجموع و مواجهتها، و كانت النتيجة بعد أزمة روحية سببت له المرض أن &#8220;شفي&#8221; على يد ماري و خرج من الأزمة &#8220;بنفس جديدة مستقرة، ثابتة واثقة. إن اطرحت الاعتقاد في الدين، فإنها استبدلت إيمانا (كذا في الأصل) أشد و أقوى بالعلم، لا يفكر في جمال الجنة و نعيمها، بل في بهاء الطبيعة و أسرارها&#8221;-ص32.<br />
بعد هذا التحول هيأ إسماعيل نفسه للعودة إلى مصر التي يحبها وإلى المصريين ليصارعهم ويصارع &#8220;خرافاتهم وأوهامهم وعاداتهم&#8221;.تقرأ في القصة &#8220;كلما قوي حبه لمصر زاد ضجره من المصريين&#8221;–ص34 واستعمال &#8220;الضجر&#8221; هنا استعمال غير محدد المعنى، يحس الذي يقرأ أن هذه الكلمة قابلة للاستبدال بكلمات أخرى أدق مثل: احتقار، امتعاض، وفي النهاية القصوى:تبرؤ! وسوف نرى مصداق هذا في المجريات اللاحقة لعودته إلى مصر وسوف نرى الكره أيضا يواجه به البطل مجتمعه ومعتقداته.<br />
عاد إسماعيل إذن معتدا بذاته الفردية نابذا &#8220;لعواطف الضعف الشرقية&#8221; كافرا بالدين مؤمنا بالعلم، ترك عالم الروح وعالم الغيب وصب كل اهتمامه على الطبيعة  &#8220;ببهائها وأسرارها&#8221;.<br />
عاد إسماعيل فواجه من البداية،والقطار يسير، باعة في ثياب ممزقة، قذارة وذباب،وفقر وخراب، &#8220;فانقبضت نفسه وزاد لهيب الثورة وزاد التحفز &#8220;-ص26<br />
يدخل إسماعيل البيت فتكاد أمه يغمى عليها وهي تضمه وتقبله وتبكي فيخطر لإسماعيل خاطر: &#8220;ليس لها من الشخصية نصيب ! ليست إلا كتلة طيبة سلبية!&#8221; وأضيف أنا، من عندي:  ليست إلا كتلة من &#8220;عواطف الضعف الشرقية&#8221;. أما الأب فيستقبل ابنه بهدوء وقوة،  هذا الأب ضحى بكل رفاهية ولم يتأخر عن موعد إرسال النقود لابنه. الابن يرى المعيشة البسيطة فلا يملك نفسه أن يتساءل &#8220;كيف يستطيع أن يعيش بينهم؟ وكيف سيجد راحته في هذه الدار؟&#8221; أما فاطمة النيوية بقرويتها، بضفيرتها وأساورها الزجاجية الرخيصة فقد علم منذ رآها أنه سيخون وعده ولن يتزوجها.<br />
وفي هذا الموضع سألاحظ أن انخلاع البطل لم يتم إذن على أرضية مبدئية ما، بأي مقياس للمبادئ، فهو لم يختلف فكريا مع مجتمعه، لم يحاول الإصلاح فيحبط الأهالي محاولته فينكفئ قائلا: &#8220;لا نبي في وطنه&#8221;! فها هو ذا يحتقرهم حتى قبل أن يبدأ ثورته المنوية و ها هو ذا يضمر الخيانة منذ البداية، بلا تبرير، وبلا انطلاق من أية قاعدة نبيلة: لقد انطلق من قاعدة الرؤية الفوقية لأهله، وناهيك بها من انطلاقة لا تدلك إلا على أن إسماعيل تماهى بالمعتدي الذي هو الانكليز محققا بهذا أقصى درجات العمالة التطوعية للمحتل: العمالة الروحية. سيبقى كثير من مثقفي &#8220;عصر النهضة&#8221; العرب في هذا الموقع، أمثال سلامة موسى وحسين فوزي وغيرهم كثير أما البطل فقد تغير في الصراع المرير لحسن الحظ.<br />
وينتقل انخلاع البطل بصورة فورية من المرحلة السلبية إلى المرحلة الإيجابية: مرحلة الفعل فما إن يرى  أمه تضع الزيت في عين فاطمة حتى يصرخ فيها ويرمي الزجاجة فيكسرها ثم يتناول عصى أبيه بعد أن أخبرهم أنه &#8220;لا يعرف أم هاشم ولا أم عفريت&#8221; فيأتيه توبيخ أبيه( ونخن نرى أن الأب ظل ممثلا قويا للهوية ولم ينهر تحت وطأة الاستلاب ) قائلا:&#8221;هل هذا كل ما تعلمته في بلاد بره؟ كل ما كسبناه منك أن تعود إلينا كافرا؟&#8221;<br />
ويمضي إسماعيل مسرعا إلى المقام  وفي الميدان  ينقل لنا المؤلف نظرة البطل السلبية إلى الجموع : صخب حيواني وأكل وضيع تلتهمه الأفواه..&#8221;لم ينطق له وجه واحد بمعنى إنساني&#8221;<br />
هؤلاء المصريون: جنس سمج ثرثار، أقرع أرمد، عار حاف.. جمود يقتل كل تقدم-ص44.<br />
و القارئ يلاحظ فورا الإعادة الحرفية للأطروحات العنصرية الاستعمارية على يد هذا الابن المنشق للمجتمع الأهلي، غير أنني أريد أن أركز على نقطة مهمة ذكرها المؤلف (على لسان الراوي) تدل على موهبة تحليلية خاصة عند حقي. في هذه المرحلة من تطور وعي البطل، مرحلة الانخلاع، لم تنطق الوجوه بمعنى إنساني. كأن جميع الحاضرين في الميدان صرعى أفيون أو كأنهم مستغرقون في النوم، هذه النظرة إلى المجتمع من الخارج، النظرة التي تريد هدمه حجرا حجرا لا تستطيع أن ترى معنى لسلوكيات هذا المجتمع، إذ &#8220;المعنى&#8221; إذا اعتقدنا بوجوده يقودنا إلى ارتباطات غير مرغوب بها عندنا إن كنا ننوي هدم بنية معينة، فالمعنى قد يقودنا إلى تفسير أو تبرير أو تحذير بأن عملنا الهدمي سيقود إلى تفاعلات ضارة بنا أو بأحد ما، و المعنى قد يعطي احتراما للخصم نحن لا نريده فمن المريح للفاتحين –من طراز كولومبوس أو رودوس أو جنكيز خان- أن يعدوا لغة شعب الأرض المفتوحة مجرد &#8220;بربرة&#8221; و صراخ بلا معنى. إن إنكار المعنى على البنى الثقافية للآخرين هي مكون بنيوي من مكونات كل أيديولوجيا عنصرية.<br />
و يصل الفعل الإيجابي للانخلاع إلى ذروته: إن إسماعيل يصل إلى القنديل و يكسره فتهاجمه الجموع و تكاد تقتله لولا نجدة خادم المقام صديقه القديم منذ الطفولة: الشيخ درديري.<br />
و يعود إسماعيل و يمر بأيام لا يغادر فيها الفراش و يندم على أنه رفض عرض الجامعة الانكليزية عليه أن يبقى و يعمل في إنكلترا:&#8221;إنه كالطير قد وقع في فخ، و أدخلوه القفص، فهل له من مخرج؟ يشعر بجسمه و قد شد إلى هذه الدار التي لا يطيقها، و ربط إلى هذا الميدان الذي يكره، فمهما حاول فلن يستطيع فكاكا&#8221;- ص48<br />
و لا شك أن الأصل يبقى مكبوتا في اللاشعور (بدون حاجة إلى أي تأويل فرويدي لمصطلحي &#8220;الكبت&#8221; و &#8220;اللاشعور&#8221; هنا) إذ أنه في المواجهة مع الذات الحقيقية، مع الأهل و الوطن، لا يظهر إلى السطح إلا ما نختلف فيه مع هذه الذات، و ما &#8220;نحقد عليها&#8221; لأجله، غير أن الذات الحقيقية أوسع من ذلك بكثير، تماما كما أن ذات الآخر التي نريد في السيرورة الاستلابية أن نتبناها هي أوسع بكثير من السطح البراق: الصفات الجميلة التي نريد اكتسابها. فالذات الحقيقية المترسخة في لاوعي إسماعيل هي أوسع و أعمق من الذباب و القذارة و الباعة ممزقي الثياب. و مع ذلك فإن هذه الحقيقة: أن الذات الحقيقية هي الأرسخ لا تعني أن الاستلاب هو دوما مرحلة مؤقتة يعود بعدها المستلب بصورة حتمية إلى الهوية (أي ما نسميه مرحلة التأصيل) إذ أن إيقاف مفعول الاستلاب يتطلب شروطا خارجية قد تكون هي التوازنات الاجتماعية- السياسية في المجتمع المعني. و في هذه الحالة الخاصة وصل البطل حقا إلى مرحلة التأصيل مدفوعا على الأغلب بقوة جذوره و بمزاجه العصبي الخاص و أخيرا وصل إلى هذه المرحلة بفضل خيبة أمله بما كان يعده أقوى مكونات ذات الآخر: العلم الطبيعي، ذلك أن إسماعيل واثقا من علمه يوقف علاج القنديل و يبدأ علاجه العلمي الذي تعلمه في جامعة لندن و تستسلم فاطمة النبوية لهذا العلاج و لكنه يقودها إلى العمى التام. و هنا يصدم إسماعيل صدمته الشافية لتبدأ المرحلة الثالثة: مرحلة التأصيل.<br />
ج-التأصيل:<br />
يهرب إسماعيل من البيت بعد وصول علاجه لفاطمة إلى تلك النهاية الفاجعة لا يلوي على شيء و يسكن ببنسيون و يجوب الشوارع أغلب الوقت و يستعيد ذكرياته في أوروبا و يتذكر من الاحتكاك اليومي ما يعرفه من سلوكيات شعبه و يتردد فكره بين النقائض: &#8220;تسائل إسماعيل: هل في أوروبا كلها ميدان كالسيدة زينب؟ هناك أبنية ضخمة جميلة، و فن راق، و أناس وحيدون فرادى، و قتال بالأظافر و الأنياب، و طعن من الخلف، و استغلال بكل الوسائل. مكان الشفقة و المحبة عندهم بعد العمل و انتهاء النهار. يروحون بها عن أنفسهم كما يروحون عنها بالسينما و التياترو.<br />
ولكن.لا. لا.لو أسلم نفسه لهذا المنطق لأنكر عقله وعلمه.من يستطيع أن ينكر حضارة أوروبا وتقدمها ،وذل الشرق وجهله ومرضه وفقره؟لقد حكم التاريخ ولا مرد لحكمه،ولا سبيل إلى أن ننكر أننا شجرة أينعت وأثمرت زمنا ثم ذوت وهيهات أن تدب الحياة فيها من جديد&#8221;-ص51.<br />
وهكذا: ساعة يفكر في الهروب إلى أوروبا وساعة يجد نفسه مدفوعا إلى الميدان. و يعود و يحدث نفسه: &#8220;لماذا خاب؟ لقد عاد من أوروبا بجعبة كبيرة محشوة بالعلم، عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة، ليس لديها على سؤاله جواب&#8221; –ص52<br />
و تعود العلاقات مع المكبوت من خلال أشياء بسيطة و لكنها تحمل معها شعورا بوجود &#8220;المعنى&#8221; الذي كان ينكره على ثقافته الأصلية، مثلا من خلال النكات التي كان يسمعها فيبتسم لها. و يأخذ بالإحساس أن هذا الشعب عريق حقا. &#8220;ابن البلد يمر أمامه كأنه خارج من صفحات الجبرتي&#8221;. اطمأنت نفسه و هو يحس بأرض صلبة تحت أقدامه: &#8220;ليس أمامه جموع من أشخاص فرادى، بل شعب يربطه رباط واحد، هو نوع من الإيمان، ثمرة مصاحبة الزمان، و النضج الطويل على ناره. و عندئذ بدأت تنطق له الوجوه بمعان لم يكن يراها من قبل. (التشديد لنا دوما) هنا وصول فيه طمأنينة و سكينة، و السلاح مغمد، و هناك نشاط في قلق و حيرة، و جلاد لا يزال على أشده، و السلاح مسنون&#8221; –ص53.<br />
لقد وصل إسماعيل إلى المرحلة الأخيرة في هذه السيرورة: الأصل- الانخلاع- التأصيل. لقد ذهب الزبد جفاء و بقي في الأرض الأصل النافع، و بانت الذات الحقيقية كذات متجذرة غنية ذات معنى تقف على قدم المساواة مع الذات الآخرى التي ظهرت بوجوه قوتها وضعفها، و ليس بوجوه قوتها و حسب- كما في مرحلة الانخلاع التي هي مرحلة الاستلاب.<br />
و في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر و التي تربى إسماعيل على الإيمان بفضائلها و بمنزلتها يدخل إسماعيل إلى مقام السيدة و يشاء الكاتب أن يجعل الفتاة نعيمة تفي بنذرها بعد أن تاب الله عليها و عادت إلى جادة الهدى في نفس الليلة.<br />
و يأخذ إسماعيل زيت القنديل و هو يقول في نفسه للميدان و أهله: &#8220;أنتم مني و أنا منكم. أنا ابن هذا الحي، أنا ابن هذا الميدان&#8221; و يدخل الدار و ينادي فاطمة &#8220;تعالي يا فاطمة! لا تيأسي من الشفاء. أم هاشم ستجلي عنك الداء، و تزيح الأذى، و ترد إليك بصرك فإذا هو حديد&#8221; و عاد إلى علمه و طبه يسنده الإيمان و تتقدم فاطمة في الشفاء و تتعافى. و يفتتح عيادة بسيطة تستند إلى أساس من العلم دون المبالغة في الآلات و الوسائل مستندة إلى قاعدة من الإيمان، هذا العمود الذي تستند إليه حضارة شعبه، و تشتهر العيادة بين الفلاحين أكثر من اشتهارها بين سكان القاهرة نفسها و يتزوج فاطمة.<br />
3-من الأصل إلى التأصيل:<br />
بعد هذه التجربة الثقافية- النفسية المريرة عاد إسماعيل إلى الانتماء إلى الأصل، لقد توقف عن محاولة قتل المجتمع الأهلي و أبعد من ذلك: لقد أصبح جزءا من هذا المجتمع الأهلي. لقد أصبح مدافعا عنه. غير أننا يجب أن نفرق بين الحالين: &#8220;الأصل&#8221; و يمثله الأب و &#8220;التأصيل&#8221; و يمثله الابن. فالتأصيل تحول نفسي- اجتماعي- ثقافي يقوم به المثقف بعد عملية صراع و جدال طويل مع الثقافة المحلية بكل عناصرها: الغازية و الأصلية. و في مجتمعنا العربي القائم لا نجد &#8220;مثقفا أصليا&#8221; فقد تكفلت بالقضاء عليه لا عمليات التغريب فقط بل عمليات &#8220;الإصلاح&#8221; أيضا، و المراهنة الآن إنما هي على خلق شريحة ثقافية متماسكة من المثقفين التأصيليين، هؤلاء الذين خاضوا تجربة مماثلة لتجربة إسماعيل و استخلصوا نتائجها.و الذي أراه أن مجتمعنا يحتوي شروطا قابلة للمقارنة مع الشروط التي أنتجت التحول الذي أنتج إسماعيل في طوره الأخير. لقد فشلت تجربة التحديث على الوصفات الحرفية المنقولة من الغرب، و نحن نرى بالفعل في الساحة الثقافية العربية بشائر بظهور مثل هذه الشريحة، بشائر ببدء مرحلة التأصيل في الثقافة العربية، هذه المرحلة التي تكرس بدء حقبة جديدة بعد قرن ونصف من الاستلاب.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d8%b5%d9%8a%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>دروب القيمة-بقلم: محمد شاويش</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b4%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b4/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b4%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b4/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 13 Oct 2010 08:41:21 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=1853</guid>
		<description><![CDATA[دروب القيمة محمد شاويش &#8211; برلين طرح السؤال: أثار ابنا جوزيف صقر في قلبي الشجن حين قالا عن أبيهما في تحقيق بسمة الخطيب الذي نشرته جريدة السفير &#8220;وصل جوزيف صقر إلى ذكراه متأخراً هذا العام وكالعادة لم يتح لنا صمته أن نكلمه:رجل إذا تكلم غنى وإذا غنى بدا كأنه لا يغني&#8221; السفير 26/4/2003 راجي(11سنة) و [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>دروب القيمة<br />
محمد شاويش &#8211; برلين</p>
<p>طرح السؤال:</p>
<p>أثار ابنا جوزيف صقر في قلبي الشجن حين قالا عن أبيهما في تحقيق بسمة الخطيب الذي نشرته جريدة السفير &#8220;وصل جوزيف صقر إلى ذكراه متأخراً هذا العام وكالعادة لم يتح لنا صمته أن نكلمه:رجل إذا تكلم غنى وإذا غنى بدا كأنه لا يغني&#8221; السفير 26/4/2003 راجي(11سنة) و زينة (تسع سنوات) قالا: <span id="more-1853"></span><br />
راجي:&#8221;يمكن بابا بطّل مشهور لأن مش كل الناس بيعرفوه&#8221; (&#8220;بطّل مشهور&#8221; أي لم يعد مشهوراً)<br />
زينة: &#8220;صوتو لبابا كتير حلو وكل ما نروح ع المدرسة بنسمع أغانيه بالسيارة. رفقاتي مش كتير بيعرفوا هالأغاني ومش كتير بيعرفوا بابا، انا بغنيلهم اوقات بس هني مش حافظين&#8221;.<br />
لم يثر كلامهما شجني لأنني حزنت على أبيهما &#8220;اللي بطّل مشهور&#8221; بل أثر قولهما فيّ لأنني أولاً أحسست بشكل ما أن الولدين مغبونان حين أقنعهما المحيط أو استنتجا من ردود فعله أن أباهما لم يعد مشهوراً لأنه&#8221;لم يزل مشهوراً&#8221;- عندي!<br />
ولأنني: ثانياً، وقد يكون هذا هو الأهم، أحسست بأنهما وراء شعورهما بأن أباهما  &#8220;لم يعد مشهوراً&#8221; قد استبطنا قناعة بأن عمل أبيهما لم يعد له قيمة. ، أو أن ما قدمه لم يعد له قيمة أو حتى أن أباهما نفسه لم يعد له قيمة. وهذه أحكام ثلاثة توجد معاً كما آمل أن يلاحظ قارئ الفقرات اللاحقة من هذا المقال.<br />
أنا أردت أن أقول لهما: لا يا ابني جوزيف! قيمة أبيكما لم تختف فهي لم تزل موجودة!<br />
كان هذا رفضاً عاطفياً مني لفكرة اختفاء قيمة جوزف صقر ولا شك، إذ هو لم يزل موجوداً في ذاكرتي كمغن ملتزم هو وصاحبه التاريخي زياد، ولم تزل أغانيه الجميلة الحافلة بقيم تربينا عليها في وقت الصبا ،وأدوار مسرحية أداها بعفوية تامة وخفة ظل فريدة تشغل مكاناً حميماً في الذاكرة. ونوعاً من &#8220;التعصب&#8221; له حتى أنني لم أزل إلى الآن أحس بالتضايق من فيروز التي غنت &#8220;هدير البوسطة&#8221; بعد أن غناها جوزيف &#8220;فمنعت &#8221; بشهرة أدائها أداءه الأصلي من أن يسمع وينال ما يستحق من إعجاب وأبقته في الظل وفيما يشبه النسيان، حتى لم يعد يذكره إلا القليلون المداومون على &#8220;حس رجعي&#8221; خاص لا يقبل أن يحل الجديد محل القديم من أمثال الفقير لله!<br />
بل مثل هذه الأعمال هي التي كونت أصلاً النظام المعياري للقيم الأخلاقية والفنية وللتوجه السياسية لشريحة كاملة من الشباب الذي تفتح وعيه على الواقع في نهاية السبعينات.<br />
وحين تأملت قليلاً وجدت أن دفاعي عن جوزف إزاء خصوم متخيلين أقنعوا أولاده باندثار قيمة أبيهم الفنية هو دفاع عن هذه المنظومة القيمية الموجهة الموجودة في الذاكرة بقدر ما هو ولا شك دفاع عن حس العدالة الذي لا يستهان به أيضاً.<br />
ووجدت نفسي أتساءل عن &#8220;القيمة&#8221; بمعانيها الأوسع:<br />
أين توجد هذه القيمة؟ ما هي الدروب التي أوصلتنا إلى مفهوم القيمة أصلاً؟ وكيف نستطع البرهنة على وجودها حين تكون موجودة،ومن الذي يضمن بقاءها؟<br />
هي أسئلة يلف هذا المقال حولها محاولاً تلمس &#8220;مماسك&#8221; لتمسك به القيمة المتفلتة.</p>
<p>&#8220;القيمة&#8221; و &#8220;الشهادة&#8221;:</p>
<p>لعلنا نلاحظ في هذه الحالة الملموسة، حالة جوزيف صقر وجود أمرين متلازمين:هناك &#8220;قيمة&#8221; وهناك &#8220;شهادة&#8221; على وجودها. وهذه الشهادة تتجلى في شكل &#8220;شهرة&#8221; كما أن غياب الشهرة قد يعني للناس غياب القيمة.<br />
والمنطقي أنهما أمران لا يتفقان دوماً فليس لكل قيمة شهادة، وقد يظل عمل ما مجهولاً فترة طويلة بلا شهادة تظهره للعيان، ثم يأتي طرف اجتماعي ما مقتدر فيشهد ويأخذ المجتمع علماً بوجود القيمة بعد أن نالت &#8220;اعتراف&#8221; هذا الطرف المانح للشهادة.<br />
لعلي أذكر من حالات لا تعد ربما حالة واحدة خطرت لي هي حالة الموسيقي السوري الكبير العازف عن الشهرة محمود العجان وأخيه زياد العجان.وهما موسيقيان كبيران لم يشتهرا شهرة تقارن لا من قريب ولا من بعيد بشهرة عدد هائل من أقزام الموسيقى الذين حولتهم الفضائيات وشركات الإنتاج المتنفذة إلى &#8220;نجوم&#8221;.<br />
فلنا إذن أن نتصور قيمة لم يأت من يشهد لها فتختفي في النسيان بدون أن يعرف المجتمع بوجودها.<br />
فهل ظلت القيمة موجودة حقاً؟ أو هل وجدت قط؟ وهل توجد القيمة قبل الاعتراف؟<br />
الأمر المشاهد كثيراً أن ترتبط القيمة بالشهادة حتى إنه بالنسبة لمعظم الناس لا يقرون بالقيمة إلا بعد حصولها على الشهادة، ومن أنواع الشهادات الشهرة!<br />
ولعل القارئ تذكر بمناسبة حديثنا عن &#8220;الشهادة&#8221; الشهادات المدرسية التي تقدمها الهيئات التعليمية المختلفة، والتي تقوم بدور اجتماعي هام هو المصادقة على كفاءة الفرد في مجال محدد، وبهذا لم يترك تقدير هذه الكفاءة لاختلاف الاجتهاد.<br />
وهي طريقة حضارية فعالة ولكنها فيها عيوب واضحة لا تخفى على المهتمين، ومما أذكر أنني سمعته من الشيخ علي الطنطاوي أنه حين أسست جامعة للعلوم الشرعية في السعودية وكان هو من المؤسسين طرحت القضية التالية: ما هي شروط التدريس في الجامعة؟ فاقترح القوم أن يكون المدرس حاصلاً على شهادة الدكتوراه فقال الشيخ لواحد من الحاضرين وكان من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أترى لو كان أبوك حياً كنت تسمح له بالتدريس! أم ترانا كنا مانعين الإمام أحمد بن حنبل من التدريس لأنه غير حاصل على شهادة الدكتوراه!<br />
على القيمة الأدبية توجد &#8220;شهادات&#8221; مختلفة يقدمها النقاد وقادة الرأي الأدبي، ومن أشكال الشهادات المؤثرة الجوائز الأدبية، وهي مثلها مثل كل شهادة فيها عيوب وقابلة للمنازعة في مصداقيتها.<br />
وكلما قل استقلال المرء برأيه لضعف في الشخصية أو لقلة معرفة في المجال المحدد زاد اهتمامه بالشهادات!<br />
وهناك مثال على شهادة لها قيمة مضاعفة هي شهادة  جائزة نوبل.هي عندنا ذات قيمة مضاعفة لأنها أولاً جائزة ولأنها ثانياً أشهر جائزة غربية.والغرب أصلاً هو مصدر قيم ثقافتنا الحديثة وموجهها وواضع نظامها.<br />
عند أكبر المثقفين يسري القانون الذي وضعه العامة البسطاء: &#8220;الفرنجي برنجي&#8221;!ألم تر إلى القيمة التي يضفيها على مقالك ما فيه من أسماء ومصطلحات غربية؟</p>
<p>وجود القيمة ووجود الإنسان:</p>
<p>أيبقى للقيمة وجود مستقل حتى لو فرضنا أن الإنسان لم يعد موجوداً؟<br />
أرأيتم لو كتب شاعر غير هوميروس ملحمة كملحمة الإلياذة في كرة أرضية لا يوجد فيها سواه: أيكون لهذه الملحمة قيمة؟ بوجوده؟<br />
وإذا هو أيضاً لم يعد موجوداً فهل اختفت القيمة مع البشر؟<br />
وكما يعلم القارئ هناك في العصر الحديث من شك أصلاً في وجود قيمة لأي شيء محتذياً حذو &#8220;الجامعة&#8221; في العهد القديم: &#8220;باطل الأباطيل الكل باطل&#8221; وهذه النزعة العبثية الجذرية سأقول هنا مكتفياً بالإشارة أنها لازمة في تقديري للرؤية المادية الإلحادية من غير الممكن أن تتجنبها، فألبير كامو صاحب &#8220;أسطورة سيزيف&#8221;هو الابن الشرعي لا اللقيط لها. ويأخذ التشكيك في &#8220;الجدوى&#8221; أو القيمة أساسه في وسواس نفسي يتسلط على الملحد يقول: ما جدوى الحياة؟ وهو وسواس مرير إن نظرنا إليه بدقة وتمعن سنجد فيه من الناحية النفسية خيبة أمل من قيمة ما كان المظنون وجودها! وفي حالة الملحد منعه الإلحاد من تتبع مكان هذه القيمة. فهو في داخله &#8220;يعرف&#8221; أن هناك قيمة، ولكن منظومة أفكاره تعطيه &#8220;الدليل القاطع&#8221; على أن هذه القيمة غير موجودة مما يدخله في اكتئاب عميق.<br />
على حين يقدم الإيمان الديني حلاً لمسألة ثبات القيمة هو عينه الحل الذي قدمه ديكارت لقضية صحة المعرفة التي تقدمها الحواس: كما أن الله هو ضامن صحة المعرفة الحسية فكذلك هو ضامن القيمة لأنه هو المرجع الأخير المحدد لوجودها والحاكم عليها. فما يعمله المرء لا يضيع لأن هناك حاكماً موجوداً منذ الأزل وإلى الأبد يرى العمل ويحكم عليه وهو الحاكم الحقيقي المطلق غير النسبي الذي لا يخطئ ولا تتبدل معاييره.</p>
<p>القيمة الاقتصادية للسلع:</p>
<p>جاء الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الإنجليزي بنظرية في قيمة السلعة وافق عليها ماركس وطورها لتشمل قوة العمل وليستنتج منها نظريته الشهيرة في &#8220;القيمة الزائدة&#8221;.<br />
ماركس من وراء ريكاردو يرى أن للسلعة قيمة تبادلية وقيمة استعمالية. الثانية هي منفعة السلعة العملية والأولى هي قيمتها في السوق وتعرف بمجموعة السلع التي يمكن مبادلتها بها. و&#8221;القيمة&#8221; تختلف عن &#8220;السعر&#8221; من حيث أن هذا الأخير يتقلب وفقاًَ لعوامل عديدة عرضية كالعرض والطلب إلى آخره.أما القيمة فهي ثابتة تتحدد بالوقت المتوسط المطلوب اجتماعياً لإنتاجها. والسعر لا يتطابق مع القيمة إلا في العموم وكمتوسط للحالات الواقعية فهو يتذبذب حول القيمة.<br />
سنرى في هذه النظرية أن القيمة لها أصل موضوعي ولا تتعلق بالوعي البشري بخلاف السعر! ولكنها ناتجة عن وجود المجتمع وبالذات هي متعلقة بالعمل.<br />
ولتفسير اختلاف قيمة العمل بين مهن ذهنية ومهن يدوية بسيطة قال ماركس إن ثمة فرقاً بين &#8220;العمل البسيط&#8221; و&#8221;العمل المركب&#8221;.<br />
غير أننا ها هنا أيضاً سنرى أن وجود القيمة متعلق بوجود الإنسان وأنه لا وجود مطلق للقيمة يمكن للبشر أن يقروا به فالسلعة نفسها قد تهبط قيمتها إذا انخفض الزمن الاجتماعي اللازم لإنتاجها وتذهب القيمة القديمة أدراج الرياح فلا يستفيد منها صاحبها! </p>
<p>تحولات قيمة المعارف:</p>
<p>المعارف التي قد يحوز عليها المرء ليس لها قيمة ثابتة فهي قد تتحول مع تطور المعرفة أو تغير قيمتها الاجتماعية.<br />
وهذا واضح فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية غير أن بعض المعارف الاجتماعية تتحول قيمتها الاجتماعية بصورة حادة دون أن يكون المبرر قوياً ظاهراً كما كان في حالة المعارف الطبيعية.<br />
فقد انهارت قيمة معرفة أهل الأزهر الفقهية بعد إدخال القانون الغربي وبحيث لم يعد للأزهريين بعد &#8220;إصلاحات&#8221; مطلع القرن العشرين إلا مجال محدود للعمل كان بدوره يتقلص بصورة منهجية.</p>
<p>القيمة الاجتماعية:</p>
<p>يتحدث علم الاجتماع الغربي المعاصر عن مفهوم للقيمة الاجتماعية للفرد اسمه بالألمانية Status وقد نترجمها &#8220;بالمكانة&#8221;أو بكيفية النظرة الاجتماعية له Ansehen وهو يرتبط بوضع Position هو الموقع الاجتماعي للفرد فلكل وضع مكانة.<br />
ومن الطريف أن نتابع محاولات بعض الحركات الشبابية ذات التوجه اليساري لقلب النظام القيمي المحدد لما هو محترم وما هو غير محترم اجتماعياً وبالذات تلك المجموعات من اليسار التي تتحدى سلم القيم والمكانة المعطاة لكل وضع فهي تتبنى في زيها ونمط حياتها قيماً مناقضة للقيم المتعارف عليها.<br />
وما رأيته في الغرب هو اضمحلال هذه الحركات التدريجي بعد زوال الآثار الأخيرة للحركات الطلابية الستينية وصعود اللبرالية الجديدة.</p>
<p>الدرب النفسي للقيمة:</p>
<p>كنت في مطلع حياتي قد طلعت بنظرية تقول إن السمات الجمالية الجسدية البشرية هي مشترك السمات التي تميز الطبقة الأعلى كما أن السمات الجمالية الجسدية القبيحة هي تلك السمات المميزة للطبقة الأدنى. وقد نشرت هذه النظرية في كتاب مشترك مع الأخ حسين شاويش صدر عام 1995 في بيروت عن دار الكنوز الأدبية وقد طورت هذه النظرية في هذا الكتاب لتصبح هذه الظاهرة نتاجاً لواحد من أشكال أربعة حددتها للظاهرة الاستلابية في المجتمع التراتبية (هو الشكل الطبقي للاستلاب،والأشكال الثلاثة الباقية كانت الشكل العنصري والشكل الأخلاقي والشكل التغلبي)<br />
وللقارئ إن شاء أن يعود للكتاب المذكور الذي طبعته الدار المذكورة طبعة كثيرة الأخطاء بسبب البعد الجغرافي للمؤلفين.<br />
ولكني هنا سأستشهد بالرأي الذي أعدت نشره في الكتاب والذي يقول إن القيمة الجمالية على وجه العموم ليست موجودة موضوعياً في الطبيعة فليس من صفات الشيء الموضوعية أنه مثلاً &#8220;جميل&#8221; أو &#8220;قبيح&#8221;<br />
 من صفاته الموضوعية مثلاً أن كثافته كذا وأنه في الدرجة الفلانية من الحرارة يكون سائلاً(أو صلباً إلى آخره..) فهذه الصفات لا تتعلق بوجود الإنسان فهي موجودة حتى لو تصورنا أن البشر كلهم قد فنوا، وهي صفات سيكتشفها الأفراد من البشربصورة متطابقة كلياً مهما اختلفت أماكن وجودهم أو الزمان الذي وجدوا فيه أو طبقتهم الاجتماعية إلخ..<br />
وليست كذلك صفة &#8220;جميل&#8221; أو &#8220;قبيح&#8221; فهي تختلف باختلاف الأشخاص فما هو &#8220;جميل&#8221; في مكان أو زمان قد يكون &#8220;قبيحاً&#8221; في مكان أو زمان آخرين.<br />
وإنما الاختلاف بحسب تلك النظرية يعود إلى أن القيمة الجمالية التي يعطيها البشر لسمات مادية معينة تتعلق بنوع تجربتهم مع هذه السمات وبحسب ذلك الرأي لو كان الزنوج طبقة سائدة لأصبح سواد البشرة جميلاً و بياضها قبيحاً.<br />
وهذه الفصيلة من الظواهر تتألف من الشيء والوجدان النفسي المرتبط به. فالترابط بين السمة والوجدان الذي نسميه &#8220;متعة جمالية&#8221; هو من نوع الترابط بين صفة عرضية وتجربة ما كالترابط بين اللون الأبيض والزواج واللون الأسود والحداد وهي ترابطات جلبتها التجربة البشرية مع الأشياء ولم توجد في الأشياء بذاتها كصفات جوهرية مستقلة عن الوعي.<br />
وهذه الصفة النسبية للقيمة الجمالية تجعل من الممكن تصور وضع لا توجد فيه قيمة جمالية أصلاً(بل بدا لي هذا الوضع الذي يكرهه الشعراء وضعاً مرغوباً به جداً وأكثر إنسانية إذ هو يساوي بين البشر فلا يغبن بعضهم بلا ذنب لقبحه ويكافأ بعضهم بلا عمل صالح لجماله!) </p>
<p>ظهور واختفاء القيمة الأدبية:</p>
<p>هناك قيم فنية في النص الأدبي تتعلق تعلقاً وثيقاً بنصوص أخرى بحيث إذا اختفى العلم بهذه النصوص اختفت القيمة.<br />
ولي أن أسأل القارئ للتمثيل على هذا: خذ البيت الذي يقول:<br />
يا ذا القوام السمهري..فيه الرضاب السكري<br />
عن ثغرك الزاهي اللمى..تروى صحاح الجوهري<br />
في البيت الثاني تورية هي على كل حال وفقاً للقيم الأدبية لعصر معين على الأقل قيمة جمالية (بل يسمونها محسناً بديعياً)<br />
لنفترض الآن أنه فني من الأرض كتاب الصحاح للجوهري مع من يعرفه وبقي البيت بلا شروح. فالقارئ والحال هذه قد يفترض أن البيت لا يحتوي على أكثر من تشبيه الأسنان بالجواهر وهو تشبيه كثير الورود في ذلك الوقت.<br />
ومثل التورية الاقتباس حيث يفترض الشاعر أو الناثر أن المتلقي يعرف النص الذي تم اقتباسه بحيث يكون للاقتباس الماهر جماليته.<br />
فإن لم يعرف الأصل ظهر البيت وكأنه لا اقتباس فيه!<br />
وهذا يماثل النكات الموقفية التي تدور بين الأصحاب وتشير إلى أحداث سابقة بينهم يعرفونها وتفقد طابعها الطريف عند الغريب الذي لا يعرف الأصل المشار إليه.<br />
هناك قيمة في هذه الحالات تأتي وتختفي بحسب معرفة المتلقي بارتباطات القول الأدبي الخارجية فهل هذه القيمة موضوعية أم ذاتية؟</p>
<p>القيمة و المعنى!</p>
<p>موت الإنسان – موت المعنى</p>
<p>أهمية الفرنسي ميشيل فوكو لا تكمن في اعتقادي في تفاصيل تحليلاته ونظرياته (عن &#8220;إبيستمات&#8221; الثقافة الغربية مثلاً) ولكنها تكمن في حدوسه عن تطور علاقة هذه الثقافة مع الإنسان.وهذا يتجلى في إعلانه عن &#8220;موت الإنسان&#8221; كما كانت أهمية نيتشه لا تكمن في أفكاره الوحشية عن الأخلاق وسخرياته العنصرية منها بقدر ما تكمن في تعبيره عن طابع العصر الحديث في أوروبا من الناحية الروحية:إنه عصر العدمية.وقد أعلن فوكو موت الإنسان &#8220;كخطوة متقدمة&#8221; بعد أن أعلن نيتشه موت الإله- إله هذه الحضارة طبعاً الذي هو من البداية إلى النهاية إله زائف كآلهة الجاهلية العربية- ومن هنا نرى تكامل الرجلين (كان فوكو كما هو معلوم معجب بنيتشه إعجاباً كبيراً جداً)<br />
ولا يفعل الفن الغربي المعاصر غير ترجمة هذين الموتين إلى &#8220;أعمال فنية&#8221; وبصورة خاصة يترجم الفن الأحدث الموت الأحدث: موت الإنسان. وفي الحقيقة حيث أن وجود الإنسان في العالم لم يجلب إليه من جديد سوى المعنى فإن موت الإنسان لا بد أن يرافقه موت المعنى ومن المدهش أن نجد منظراً عربياً لهذا الفن الأحدث الذي هو عندهم أصيل يعبر عن تطورهم الروحي وعندنا مستورد لا ينسجم مع نسيجنا العقلي وهو محكوم عليه بالعزلة المزمنة يعبر حقاً عن جوهر هذا &#8220;النص الأجد&#8221; على حد تعبيره بذمه للمعنى الأدبي.</p>
<p>المسألة في بعض التنظيرات النقدية والفلسفية الغربية</p>
<p>هناك مصطلحات متقاربة لها مدلولات مختلفة  عند اللسانيين وبعض الفلاسفة لست الآن بصدد استحضارها واستعراضها، كمصطلحات &#8220;المعنى&#8221; و&#8221;معنى المعنى&#8221; –وهما من مصطلحات عبد القاهر الجرجاني ثم الناقد الإنجليزي الشهير &#8220;رتشاردز&#8221;،ثم &#8220;المغزى&#8221;SINN  لبعض فلاسفة الألمان.<br />
ومن الثنائيات التي اشتكى منها الأستاذ جعفر حسن في مقاله &#8220;في ذم المعنى الأدبي&#8221; (مقال الكاتب البحريني الأستاذ جعفر حسن موجود في &#8220;منتدى الشعر المعاصر&#8221; العنوان:</p>
<p>http://www.werith.net/vb/showthread.php?s=&#038;threadid=3615)</p>
<p>ثنائية &#8220;المبنى والمعنى&#8221;، وهي تذكر بثنائية حديثة هي ثنائية &#8220;الشكل والمضمون&#8221; وقد عني بالبحث فيهما منظروا &#8220;الواقعية الاشتراكية&#8221; وهم يميلون إلى إعطاء الأولوية للمضمون مع وجود علاقة جدلية بينهما.<br />
ومن أشهر من اهتم بثنائية &#8220;الشكل والمضمون&#8221; مدرسة &#8220;الشكلانية&#8221; الروسية وقد عدوا الشكل هو المميز الحقيقي لأدبية النص وقد ورثت هذه المقولة المدرسة البنيوية.<br />
والفيلسوف الوجودي جان بول سارتر الذي كان داعية متحمساً للالتزام بالأدب لأن الالتزام أحسن تعبير عن إبداع الإنسان لماهيته وإثباته للحرية التي هي الصفة الجوهرية الوحيدة للإنسان ، هو نفسه حين بسط نظريته في الأدب في كتابه الشهير &#8220;ما هو الأدب؟&#8221; توقف عند الشعر والرسم فأخرجهما من واجب الالتزام قائلاً إن الشاعر مادته الكلمات لا الأفكار والرسام مادته الألوان لا الموضوع الخارجي! وبهذا التقى عملياً مع جزء مهم من منظري الشعر الحديث والفن الحديث والنقد الحديث لكليهما! ويظهر هذا في قول مشهور لفنان معاصر &#8220;إن الموضوع في اللوحة هو مجرد حجة&#8221; أي أن القيم التشكيلية الخالصة هي المهمة في اللوحة أما الموضوع فهو مجرد ثوب خارجي لعرض هذه القيم .وفي اعتقادي إن مقولة المدرسة الشكلانية &#8220;الشكل كل شيء المضمون لا شيء&#8221; تتوضع في القاعدة التي تستند عليها كل المدارس النقدية التي تنظر للفن الحديث و&#8221;النص الأجد&#8221; الذي يتحدث عنه الأستاذ جعفر.<br />
ولكن هذه المقولة لا تلبث مع ذلك أن يعكر صفوها تسلل &#8220;عناصر مضمونية&#8221; لا شك فيها إلى المنظومة النظرية للمنظرين كما تسللت نظرات صوفية إلى نظريات أدونيس وسنلاحظ الظاهرة نفسها عند الأستاذ جعفر.<br />
ولو أردنا جمع ما هو عام في تنظيرات هذه المدارس على اختلاف عباراتها لقلنا بعد أن نتذكر الثنائية الأساسية المكونة للعلامة :الدال والمدلول إن هؤلاء منشغلون حصراً بالدال وتشكيلاته وإمكانياته المختلفة تاركين المدلول في موقع ثانوي.<br />
لعل أصلاً بعيداً لهذه النظرية نجده في جماليات هيغل الذي كان يرى  أن الفن الأخلص هو الموسيقى لأنه التعبير الخالص عن الروح بدون أي اغتراب في الأشياء والمواضيع ولعلنا من هنا نرى أن العداء للواقع من سمات هذه المدارس الحديثة التي لا زالت تسعى منذ بول فاليري و &#8220;شعره الصافي&#8221; إلى تقطير الفن الخالص من المزيج المتنوع من شوائب العادية..و&#8221;المعنى&#8221; هو من هذه الشوائب!</p>
<p>&#8220;إنجازات&#8221; التخلص من المعنى</p>
<p>هذه النزعة للتخلص من المعنى عبر عنها الأستاذ جعفر في عنوانه الجدير حقاً بأن يتحول إلى مثل ولكنه يذكرني تذكيراً حزيناً بمقولة فوكو عن &#8220;موت الإنسان&#8221;  وهي في الحقيقة ليست استنتاجاً فلسفياً من الوجود البشري بذاته بل هي تعبير مجازي عن الاختيار الذي سارت فيه الحضارة الغربية المعاصرة وهي تجر إليه شعوب المعمورة كلها.<br />
ذلك أن المعنى مترابط كل الترابط مع الإنسان ومن هنا قالوا &#8220;الإنسان حيوان عاقل&#8221; أي ميزته أنه يتعامل بالمعنى!<br />
والميل لأخذ الدوال بعين الاعتبار وإهمال المدلولات نجده في الملاحظة الصحيحة شكلياً من الناحية الرياضية البحتة التي يقارن فيها الأستاذ جعفر حسن في مقاله المذكور آنفاً بين &#8220;دائرية الأعداد المكونة من عشرة أرقام وإمكانياتها المفتوحة&#8221; واللغة العربية التي لم يتصادف قط فيها أن كتب مقال أو قصيدة &#8220;بذات الكلمات وذات التركيب  وبنفس النسق والترتيب&#8221; وهذه الملاحظة وجيهة وإنني لأقرنها مع ملاحظة الأستاذ جعفر الثاقبة عن &#8220;اللغة في درجة الصفر البلاغي&#8221; وهي &#8220;اللغة معادة التعريف&#8221; لأقول إن الأستاذ جعفراً كان يستطيع أن يتحفنا بدراسة منطقية قيمة فيها الجديد الممتع لولا أنه ويا للأسف عكر علينا صفو استمتاعنا (&#8220;بمعنى&#8221; كلامه!) حين قرر أن يدير ظهره للمنطق منذ البداية ذاماً المعنى الأدبي، وموجهاً كتابته باتجاه الدفاع  بلا قيد ولا شرط عن ادعاءات  أنصار &#8220;قصيدة النثر&#8221;. وإنني لأقرأ منذ سنين ما يقولون فلا أجد في الغالب إلا تأكيدات غير مبرهنة على إنجازات تشبه إنجازات حكامنا التي تسمع عنها في إذاعاتنا الرسمية ولا تراها فكأنها من عالم الغيب المطلوب من المؤمن الإيمان به والتسليم بلا معاينة ولا دليل على وجوده!<br />
يمكن أن تغمس فرشاة بمحبرة وتنفضها على &#8220;نوتة موسيقية&#8221; فتتناثر على الأسطر بقع الحبر كاتبة &#8220;لحناً&#8221; إن لم ينتم إلى المقامات المعروفة قديماً فهو بالتأكيد سينتمي إلى السلم المعدل الحديث الذي اختفت منه الظاهرة المقامية(من نوع مدرسة استرافنسكي صاحب &#8220;عصفور النار&#8221;).<br />
ويمكن لطائر أفلته في الغرفة أن يقلب أوعية الدهان الملون على قماشة بيضاء راسماً &#8220;لوحة&#8221; فازت بالفعل مرة في إحدى المسابقات بأمريكا ولكن من حقنا نحن أهل العقول أن نتوقف مدافعين عن &#8220;فكرة رجعية&#8221; هي فكرة المعنى وسائلين عن القانون الذي نظم هذا &#8220;العمل&#8221; أهو بالفعل إبداع واع أم مجرد عبث من &#8220;الفنان&#8221; وتوهم لعلاقات وصور وتجاورات وتعاكسات إلى آخره من  المتلقي صاحب &#8220;الحساسية الجديدة&#8221;!<br />
بمجرد أن نترك المعنى نترك المجال للعبث، وحتى التداعي الحر للأفكار الذي يعول عليه فرويد للوصول إلى معنى الأحلام والأعراض العصابية ليس له قيمة فنية وإن زعم السرياليون غير ذلك ،لأنه ببساطة لا فن إلا فيما هو ذو قيمة عامة مشتركة بين البشر من تجارب واقعية وروحية كبرى ذات دلالة، ففي النهاية ليس كل حادثة تستحق أن تصبح قصة ولا كل تداع حر للأفكار يصلح أن يعطينا شيئاً عميقاً عن الإنسان!<br />
ومن الادعاءات التي أشرت إليها ما ورد على لسان نصير ذكي لقصيدة النثر و&#8221;النص الأجد&#8221; هو الأستاذ  جعفر في مقال &#8220;ذم المعنى&#8221; المذكور:<br />
&#8220;القصيدة الحديثة تعتمد على تجاور وتشابك الفضاءات الإبداعية&#8221;.<br />
&#8221; في هذه القصيدة تقنيات لربط العلاقات المتباعدة بين عناصر الوجود والثقافة هي التي تخلق تلك الطاقة الإيحائية للصورة في القصيدة&#8221;<br />
&#8220;القصيدة الحديثة تشارك المتلقي في الإبداع وتجعله طرفاً فاعلاً&#8221;<br />
والأستاذ جعفر يشبّه من يحاول استخلاص معنى ما من الصورة الفنية بشخص &#8220;يحاول بأدوات العصر الحجري أن يقوم بعملية دقيقة في قرنية العين. العملية ستنجح والعين ستفقأ!&#8221;<br />
كنت ذكرت قبل قليل كيف تسلل المضمون والمعنى إلى تنظيرات أدونيس وها هو ذا يتسلل إلى &#8220;ذامّ المعنى&#8221; أخينا الأستاذ جعفر.<br />
إنه يرى أن الشعر يغني تجربتنا الحياتية بحقائق لم نستطع اكتشافها لولا الشعر &#8220;إنه ذلك الفعل الإنساني الذي يرتقي بالإنسان إلى آفاق رحبة من الإنسانية عير لمس المضامين الجديدة.وعلى القارئ العزيز أن يدقق في المضمون وليس المعنى مع أن المضمون سيحيل إلى المعنى لكنه أوسع مدى بحيث يتحمل وضع أشكال التخييل فيه&#8221;<br />
عاد الأستاذ جعفر إذن إلى المعنى الذي أراد في مقاله ذمه عودة لها مغزى لعله لم يفكر فيه بقدر كاف.أنا أذكره باحتقار منظري الفن الحديث للمعنى ولمن يطلبه وقد ظهر هذا الاحتقار عنده أيضا في بداية المقال  وفي تشبيهه من يطلب المعنى من الصورة بمن يحاول إجراء عملية على القرنية بأدوات العصر الحجري. الآن عاد إلى مشروعية البحث عن معنى ولكن مع هذا الشرط وهو &#8220;السماح بالتخييل&#8221; فلو شئت أن أستعمل تشبيهه السابق لقلت إن القصيدة الحديثة تسمح لصاحب أدوات العصر الحجري بإجراء العملية مع احتمالات عديدة منها أنه قد يفقأ العين ولكن منها أن لا يفقأ العين ويخرج المريض صحيح العين معافاها، بل قد يخرج بعيون إضافية لم توجد من قبل!<br />
والحقيقة التي أراها أن المعنى لا يمكن الهروب منه إذ العقل الإنساني مركب على مبدأ البحث عن معنى في كل ما يرد إلى الحواس من معطيات خارجية ، وما من دال بلا مدلول ،ويبقى أن ننظر في صحة ادعاءات هذا &#8220;النص الأجد&#8221;: ما الذي يضمن لنا أن هذه &#8220;الفضاءات المتجاورة&#8221; وهذه &#8220;العلاقات المتباعدة بين عناصر الوجود والثقافة&#8221;  ليست اعتباطية، وأن الشاعر كان بإمكانه أن يضع أية &#8220;علاقات متباعدة&#8221; و &#8220;فضاءات متجاورة&#8221; لمجرد العبث، ثم ينشغل المتلقي &#8220;بتصوره&#8221; و &#8220;إحاطته&#8221; و &#8220;إدراكه&#8221; و &#8220;رؤيته&#8221; و &#8220;استبطانه&#8221; و &#8220;تفكيكه وتركيبه&#8221; و &#8220;سبره&#8221; و &#8220;تأمله في الجمال واستمتاعه به&#8221; و &#8220;تخيله الفاعل والإيجابي&#8221; ليقوم بعمل جاد في &#8220;التلقي الفاعل&#8221; لعمل هازل عابث؟<br />
وقد قام بذلك ذات مرة بالفعل مجموعة من أدباء الشام منهم علي كنعان وممدوح عدوان وأرسلوا قصيدة ملفقة إلى مجلة شعر فنشرتها مع تقريظ مطنطن ثم نشروا هم قصة القصيدة!<br />
والتجربة ذاتها قام بها حكم البابا في جريدة تشرين الدمشقية واشتهرت معطية نتيجة مماثلة فلم يجرؤ على التشكيك في القصيدة من النقاد غير واحد هو شوقي بغدادي لم يشكك بل قال صادقاً إنه لا يفهم في هذا النوع من الشعر! أما الآخرون فانهالوا &#8220;بقراءات&#8221; مستندة إلى الوهم الخالص من النوع الذي يبدو أن الأستاذ جعفر يفتح الباب له.<br />
والعبد الفقير قام قبل البابا بتجربة أعطت النتيجة نفسها. وإنني لأدعو الأستاذ جعفر أن يجرب فيضع &#8220;علاقات متباعدة&#8221; و &#8220;فضاءات متجاورة&#8221; بصورة عشوائية  اعتباطية ثم لير كيف &#8220;يبدع المتلقون في القراءة والتصور واستخلاص المعنى مع السماح بالتخييل&#8221;.<br />
هذا &#8220;النص الأجد&#8221; هو عند غير المخلصين دجل واستسهال وعند المخلصين من أمثال الأستاذ جعفر توهم في اعتقادي ناتج عن هيبة المرجع العالمي الذي اخترعه وروج له وهو الثقافة الغربية.<br />
وبالمناسبة التقيت مراراً بمثقفين غربيين يرون رأيي أن هذه المدارس الفنية تعبير عن بلوغ الاستلاب عند الإنسان الغربي ذروته وهم يبحثون عن بدائل ولعل هذا التيار سيظهر قريباً بصورة أوضح من ضمن التيارات التي يموج بها &#8220;عصر ما بعد الحداثة&#8221; في الغرب.<br />
أعرف أصدقاء جربوا التجربة التالية: أخذوا من &#8220;النقد الحديث&#8221; ثلاثة &#8220;تعليقات نقدية&#8221; على ثلاث لوحات حديثة لنقل بالشكل التالي:التعليق ت1 للوحة ل1،التعليق ت2 للوحة ل2،التعليق ت3 للوحة ل3، وخلطوها وطلبوا من &#8220;ناقد&#8221; أن يحدد &#8220;التعليق المناسب&#8221; لكل لوحة فأخطأ! ولو أن الأستاذ جعفر أخذ ثلاثة نصوص من نوع &#8220;النص الأجد&#8221; ن1،ن2،ن3 وطلب لكل نص تعليقاً من ناقد فتجمع عنده ثلاثة تعليقات لثلاثة نقاد ت1، ت2، ت3 ،ثم عرض النصوص والتعليقات مخلوطة على ناقد رابع فسيرى أنه لن يفلح في معرفة الربط بين النص والتعليق-شرط أن لا تحتوي التعليقات طبعاً على استشهادات أو كلمات من النصوص بل تكون من النوع العام.<br />
الفن الحديث والنص الحديث هما ناتج عما دعاه فوكو &#8220;موت الإنسان&#8221; في الحضارة الغربية المعاصرة فهي حضارة وصلت إلى الحد الأقصى من الاغتراب وتشييء الروح بحيث أن الأشياء استقلت بذاتها وسيطرت على صانعها البشري حتى فقد الإنسان الإحساس بالمعنى والاكتئاب العميق هو الأب الروحي لهذا الفن على حين تميز الفن قبل ذلك (ولا زالت ميزته هذه موجودة في فننا التقليدي) بأنه فن نابض بالانفعالات والعواطف والحيوية.وأمام الثقافات غير الغربية واجب حتى تجاه الإنسان الغربي الضائع هو أن تقدم نموذجاً مغايراً لفن لم يتشياً بعد ولكيلا لا يرى القارئ أن هذا مطلب مستحيل سأذكره بمثال واضح هو مثال الرواية.<br />
لقد انعكس الاغتراب العميق للإنسان الغربي في الروايات الجديدة من &#8220;تيار الوعي&#8221; وخصوصاً روايات الفرنسيين ألان روب غرييه وناتالي ساروت. وفجأة وفي هذا الوضع الخانق وفدت إلى أوروبا من شعوب سمراء لها تاريخ ثقافي مختلف هي شعوب أمريكا اللاتينية روايات تطرح رؤية مختلفة وشكلاً جديداً :الواقعية السحرية التي ماركيز أشهر ممثليها واستطاعت هذه الرواية أن تفرض وجودها في أوروبا بدون أي تملق للقيم الغربية تعودت الروايات المكتوبة بقصد الترجمة التي كتبها عرب وغير عرب من بلدان عالم ثالثية أخرى  أن تقوم به.<br />
فلنصبر قليلاً ولنحاول استنباط أشكالنا الخاصة وصدقوني: بهذه الأشكال وحدها يمكن لنا أن نعبر عن أنفسنا وليس ذلك وحسب: بها وحدها يمكن لأدبنا أن يصبح عالمياً!<br />
وهذا يوصلني إلى النقطة الأخيرة التي أريد إيرادها في هذه المداخلة: خلافاً لما قد يكون نتج من انطباع عند قارئ السطور السابقة أنا لا أدعو بالضرورة إلى الجمود على أشكال أدبية معينة. ومحاججتي انطلقت من مبدأين:<br />
أولاً: إن الأشكال الغربية ليست قدراً مقدوراً ولا هي تتمتع بأي تميز خاص أو مشروعية تاريخية.التقدم موجود في العلم الطبيعي وفي التقنية ولكنه لا يسري بنفس الطريقة على عالم الأدب فها هنا لا نعد الأدب الغربي متقدماً على العربي كما أن ساروت غير &#8220;متقدمة&#8221; على ماركيز.<br />
ثانياً: إن أشكالنا نحن نحتفظ بما نشاء منها ونغير فيما نشاء على أساس حاجاتنا وتجاربنا الخاصة ولا تتمتع الأشكال الغربية بأي إجبارية وهي ليست ا&#8221;لأفضل&#8221; أو &#8220;الأكثر تقدماً&#8221;.<br />
ومن الأمثلة التي أضربها مثال الرواية والأشكال الحكائية التراثية: إن كلاً من الروائيين جمال الغيطاني وأميل حبيبي استطاع أن يبدع  رواية حديثة عربية استمدت من التراث العربي ولكنها لم تنسخه ولم تنسخ النماذج الغربية.<br />
وإنني أرى أن الشعر العربي أيضاً عليه أن يقدم نموذجاً مماثلاً للتجديد الأصيل.</p>
<p>هل من طريق لنظرية معنوية في الفنية؟</p>
<p>لعل التأكيدات المعادية لدور المعنى في تحديد فنية النص الأدبي تجد مجالاً معقولاً في الشعر أكثر مما تجده في نوع أدبي آخر هو الرواية هو بالمعنى ألصق!<br />
وبالفعل: أليس الفرق في الفنية بين أديب عظيم كدستويفسكي و&#8221;أديبة&#8221; تافهة من نوع أجاثا كريستي عائداً إلى ما يزيد على مجرد أن يكون قضية شكلية؟<br />
وكيف نفسر الفارق في العظمة الشعرية مثلاً بين المتنبي وابن المعتز، مع أن الأخير بالمناسبة كان يحكم نفسه بهاجس الشكل أما الأول فكان يهتم بالمضمون الفكري.<br />
أنا لا أقول طبعاً إن المضمون الفكري لوحده هو الذي يحدد القيمة الفنية ولكنني أرى أن التيارات الجديدة في النقد بالغت كثيراً في تقزيم أهمية المضمون في تحديد الفنية.<br />
ومن هنا تقوم في رأيي ضرورة &#8220;ردة&#8221; معاصرة إلى المضمون ودوره في الفنية ولكن بطريقة نظرية صائبة تحدد الآليات التي تربط الأفكار العظيمة بالفن العظيم وتبرهن على المسلمة التالية التي أنا مقتنع بصحتها: كل فن عظيم يحمل مضموناً عظيماً والعكس ليس بالضرورة صحيحاً!</p>
<p>القيمة بين المطلق والنسبي:</p>
<p>كل ما تقدم من مقاربات ومحاورات مع هذا الشيء المتفلت الذي سميناه &#8220;قيمة&#8221; قد يوحي لي بافتراض:<br />
القيمة هي شيء له علاقة بالفعل بالوجود البشري ولا يتصور بدونه.<br />
ولكنه مفهوم ليس له طابع نسبي وحسب بل هناك ضمان مطلق له.وهذا الضمان المطلق موجود في الغريزة ويعرفه الإنسان بلا تجربة ومن هنا يعتقد كل إنسان عادي اعتقاداً ضمنياً راسخاً لا يخطر له إن لم يكن &#8220;مثقفاً&#8221; أن يبرهن على صحته أن هناك &#8220;قيمة مستمرة&#8221; كما أن الحياة نفسها مستمرة وأن عمله يقاس بمقياس مطلق ووفقاً لهذا المقياس المطلق تتحدد قيمة خالدة كما أنه هو أيضاً خالد<br />
قال أبو العلاء:.<br />
خلق الناس للبقاء وضلت..أمة يحسبونهم للنفاد! </p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b4%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b4/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>نحو رؤية ثالثة لمسألة الحجاب:إشكالية زائفة وأفكار شائعة خاطئة-بقلم: محمد شاويش</title>
		<link>http://www.manfata.com/%d9%86%d8%ad%d9%88-%d8%b1%d8%a4%d9%8a%d8%a9-%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%a5%d8%b4%d9%83%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%b2/</link>
		<comments>http://www.manfata.com/%d9%86%d8%ad%d9%88-%d8%b1%d8%a4%d9%8a%d8%a9-%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%a5%d8%b4%d9%83%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%b2/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 27 Sep 2010 07:19:55 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مفاهيم]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.manfata.com/?p=1792</guid>
		<description><![CDATA[نحو رؤية ثالثة لمسألة الحجاب: إشكالية زائفة وأفكار شائعة خاطئة محمد شاويش-برلين تمهيد عام: لقد تخبط العقل المسلم في القرنين الأخيرين في مسائل هي في الأصل زائفة كلياً ولا تمت بصلة إلى منظومة أفكاره الخاصة التي تتوافق عناصرها مع بعضها وتحل إشكالاتها من داخلها. إنها شبكة عنكبوت ضخمة يراها المسلم هائلة لا مخرج منها لأنه [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>نحو رؤية ثالثة لمسألة الحجاب:<br />
إشكالية زائفة وأفكار شائعة خاطئة<br />
محمد شاويش-برلين</p>
<p>تمهيد عام:</p>
<p>لقد تخبط العقل المسلم في القرنين الأخيرين في مسائل هي في الأصل زائفة كلياً ولا تمت بصلة إلى منظومة أفكاره الخاصة التي تتوافق عناصرها مع بعضها وتحل إشكالاتها من داخلها.<br />
إنها شبكة عنكبوت ضخمة يراها المسلم هائلة لا مخرج منها لأنه هو ضعيف فاقد الفاعلية فاقد الثقة بنفسه، ولو أنه تحول إلى وضع الفاعلية الحضارية من جديد لأدرك أن كل هذه الإشكاليات المفروضة عليه من خارجه تستحيل إلى غبار وهباء <span id="more-1792"></span>بل ستظهر على أنها إما سوء فهم من الآخر أو سوء نية،وستبدو شبكة العنكبوت التي جعلته الإشكاليات الزائفة يتخبط فيها إذن على حقيقتها: إنها ليست أكثر من بيت عنكبوت وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت!.<br />
من هذه الإشكاليات الزائفة التي ظهرت في العصر الحديث إشكالية &#8220;الحجاب&#8221;، ولعل  كل من فرّغ نفسه لقراءة متمعنة في تطور المفاهيم التي شكلت الثقافة العربية المعاصرة سيهوله أن يرى كيف تراكمت مفاهيم مغلوطة تناطح المنطق، مفاهيم  فرضت نفسها ليس على خصوم الإسلام فقط بل على أنصاره المفترضين أيضا،ً وإنني لآمل أن قارئي العزيز غير المتعجل سوف يرى في السطور اللاحقة من هذا المقال مثالاً على ما ذكرته الآن وهو المثال المتعلق بهذه الإشكالية الزائفة المفروضة التي سموها &#8220;مشكلة الحجاب&#8221;.<br />
لعل مسألة الحجاب هي أوضح عرض من أعراض مرض عدم الانسجام في مكونات البنية الثقافية العربية المعاصرة، والمشاكل المقترنة بقضية الحجاب تكاد تلخص كل مأساة الوضع المقلقل لهذه الثقافة في العالم.إنها ثقافة تتعارض عناصرها المكونة وتتحارب حرباً داخلية مستمرة ليس على الصعيد السياسي فقط بل حتى على الصعيد النفسي الفردي، إن مكونات هذه الثقافة تشكو من الازدواجية والتعارض،إذ أن قيمها الجمالية تعارض قيمها الأخلاقية،والمميز الجوهري لهذه الثقافة هو انقسامها الفريد إلى ثقافتين:واحدة سائدة هي ثقافة الغالبية الأهلية، وواحدة مسيطرة هي ثقافة النخبة المتملكة لزمام السلطة.ولا تظهر ازدواجية هذه الثقافة في مثال أوضح من مثال الحجاب.<br />
كانت حلقة من برنامج تلفزيوني (حلقة خاصة من برنامج  &#8220;الحياة حلوة&#8221; في قناة &#8220;اقرأ&#8221; الفضائية قدمها الأستاذ جاسم مطوع بعنوان &#8220;بنات لبنان&#8221;-الجزء الثاني(1)) مجرد مناسبة وجدتها لمناقشة مفاهيم مغلوطة شائعة تتعلق بالحجاب سمعتها من فتيات حسنات النية ناصرن الحجاب كموقف عقدي مبدئي في سبيله رضين بشتى الإزعاجات بل أنواع التمييز ضدهن، وهن بهذا مستحقات لكل تقدير، وردد هذه المفاهيم أيضاً مشاركون آخرون في البرنامج.</p>
<p>1- ظهور إشكالية &#8220;الحجاب&#8221; في العصر الحديث:</p>
<p>لم تظهر إشكالية حجاب المرأة قبل العصر الحديث، ولم تكن هذه الإشكالية طبيعية،وخالطها كثير من الزيف، وحشر بها الإسلام حشراً.<br />
لنلاحظ أن دعاة &#8220;تحرير المرأة&#8221; عندنا بدءاً من قاسم أمين واجهوا وضعاً خاصاً للمرأة هو وضعها كما خلفه عصر الانحطاط، وما رافقه من انهيار اجتماعي عام للرجل والمرأة معاً، وفيه ابتعد المجتمع المسلم ببناه السياسية والاجتماعية عن مقاصد الشريعة الإسلامية، ولكن المعركة التي دارت بين &#8220;المجددين&#8221; و&#8221;المحافظين&#8221; آنذاك كان الإسلام بعيداً عنها في كثير من الحالات.<br />
فأما &#8220;المجددون&#8221; فلم يبنوا تجديدهم في الحقيقة على مسعى داخلي لإصلاح الوضع الاجتماعي المنحرف على قاعدة نهضوية أصيلة تعيد للإسلام كل بهاءه الأصيل وسعة أفقه وتجربته العظيمة، بل بنوا دعوتهم على قاعدة الانبهار بالتجربة الغربية.<br />
وأما خصومهم الذين افترض بهم الدفاع عن الإسلام فقد بنوا دفاعهم على الأغلب على مفهومهم هم للإسلام كما وصل إليه التطور النازل للمجتمع الإسلامي في عصور الانحطاط، وما دافع عنه هؤلاء كان وضع المرأة لا كما كان في عصور الإسلام الأولى: وضع المرأة التي تستطيع أن تكون عالمة ومجاهدة وقائدة رأي عام،وضع خديجة وعائشة وفاطمة وزينب  وخولة ونسيبة والخنساء والفارعة بنت طريف وغزالة الحرورية!، بل كان مثلهم الأعلى وضع المرأة الأمية الجاهلة التي لا نفع منها لمجتمعها ولا حتى لعائلتها، الوضع الذي أوصلتها إليه ظروف العصور المتأخرة القاسية، عصور الخمود الحضاري والاستبداد والطغيان وانفلات الجنود في طرقات المدن بلا وازع(هذا الوضع الأخير يفسر تحول حارات المدن إلى قلاع وصعوبات ظهور المرأة خارج منزلها، إلى آخره.. مما نشهد بقايا من علاماته في حارات مدننا القديمة الضيقة التي كانت تغلق بواباتها في الليل،فانعدام الأمن كان له تأثيره المدمر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية).<br />
سأذكر للقارئ هنا أن قاسم أمين لم يركز دعوته على مطلب نزع &#8220;حجاب المرأة&#8221; بمعنى الحجاب الذي استجد بعد عهده، بل ركزها  على مطلب  خروج المرأة من البيت إلى المدرسة والمجتمع .<br />
وخصومه سموا هذه الدعوة &#8220;دعوة إلى السفور&#8221; وإن كان مؤيدو الدعوة أيضاً لم يمانعوا في مصطلح &#8220;السفور&#8221; أيضاً بل كانت في مصر هناك مجلة اسمها &#8220;السفور&#8221; .<br />
يستعمل مصطلح &#8220;الحجاب&#8221; في أيامنا هذه بأحد معان ثلاثة: 1- غطاء الرأس، 2- لباس معين لكل الجسد والرأس، 3- حالة شاملة للمرأة تحتجب فيها المرأة في بيتها وتنعزل عزلة مطلقة عن بعض القطاعات الاجتماعية.<br />
حين أقول إن إشكالية &#8220;الحجاب&#8221; إشكالية حديثة أعني أن المجتمع الإسلامي قبل غزو القيم الغربية الذي جاء به العصر الحديث ما كان مضطراً &#8220;لابتكار&#8221; هذه الإشكالية، فهي جاءت حصراً على أرضية وضعية نشأت حديثاُ مع الغزو الثقافي القيمي الذاتي (سميته غزواً ذاتياً لأنه لم يثبت لي ولا أظنه يثبت لأحد من الباحثين أن الاستعمار الغربي فرض بالقوة إلغاء الحجاب بل كان العامل الرئيسي التقليد المنبهر المستلب لشرائح ثقافية اجتماعية قائدة عندنا).<br />
وقبل عصر الغزو هذا كان للمرأة المسلمة أوضاع مختلفة باختلاف الزمان (اختلف وضع المرأة بين عصر الصحابة والعصر الأموي والعصر العباسي وعصور الانحطاط) واختلاف المكان (اختلف وضع المرأة بين الريف والمدينة والبادية، واختلف أيضاً بعض الاختلاف مع اختلاف الشعوب الإسلامية في تقاليدها المحلية)  ولكن في جميع الحالات كان هناك معيار شرعي لثياب المرأة وثياب الرجل يلتزم بديهياً (وهو المعيار المعروف الذي يوجب أن لا يكون الثوب يشف أو يصف).<br />
هذا المعيار (وهذا من البديهيات المنسية في عصرنا) لم يكن يعني زياً محدداً &#8220;موحداً&#8221; كأزياء الجنود للمرأة وللرجل، فهو لم يمنع من وجود أزياء مختلفة (صرنا الآن نسميها &#8220;تقليدية&#8221;) بين الشعوب الإسلامية المختلفة والشرائح المختلفة في كل شعب (عندنا في بلاد الشام كان هناك زي للبدو وزي لفلاحي المناطق يختلف من منطقة لأخرى وزي للمدن)، فلا معنى في الحقيقة للخطأ الشائع الذي يزعم أن زي المرأة المسلمة لا يجوز أن يكون إلا على شكل واحد هو مثلاً ما يسمى &#8220;الجلباب&#8221;، وهو زي مبتكر لا يتجاوز عمره بضعة عقود، ولا علاقة له ضرورية بالجلابيب المذكورة في القرآن،وهو مجرد زي جائز يفي بالمعيار الشرعي للزي الإسلامي ولكنه &#8220;جائز&#8221; فحسب وهو ليس &#8220;واجباًً&#8221; بحال من الأحوال!<br />
 ولا يوجد لا نص قرآني ولا نص من السنة يفرض على  المرأة أن ترتدي زياً محدداً في عرض البلاد الإسلامية وطولها!فشروط الزي الشرعي لا تستلزم التفصيلة نفسها على طريقة واحدة كأزياء الجيش! وفي اعتقادي أن أي منصف سيرى أن لباس المرأة الحورانية مثلاً الذي لا تزال ترتديه النساء في جنوب بلاد الشام من كبيرات السن كان لباساً إسلامياً لا غبار عليه وفيه جمالية خاصة وبصمة أصيلة جلبتها تلك المنطقة من مناطق عالم الإسلام كأنها &#8220;غرزة&#8221; خاصة في السجادة الإسلامية الخالدة! ( ولا تتعارض الجمالية مع الإسلام بالضرورة!، ولا أعرف من أين جاء المحدثون بهذه الفكرة التي تزعم أن الإسلام يشجع على قبح الثياب! ما أبعد الفارق بين مفهومي &#8220;الثياب المحتشمة&#8221; و&#8221;الثياب القبيحة&#8221;! وبسبب الدمج بين هذين المفهومين نشأت هذه الظاهرة المحزنة التي سأتكلم عنها بعد قليل وهي ظاهرة التذمر من الحجاب عند المحجبات وعده قيداً أو بأحسن الحالات تضحية كبيرة تقوم بها المرأة) وفي هذا الزي شخصية مميزة، وكذلك لباس المرأة الشركسية إلى آخره، فهذه الأزياء كانت منظومات متكاملة متناسبة مع الاعتبارات جميعها: الاعتبار الشرعي، والاعتبار العملي المتعلق بالمناخ والعمل، والاعتبار الجمالي، والاعتبار الثقافي الذي يميز كل ثقافة محلية عن الأخرى.إن الأزياء المحلية التي صرنا نسميها الآن &#8220;أزياء تقليدية&#8221; للرجال والنساء كانت هي نسخة المنطقة الخاصة من الزي الإسلامي، بحيث يفي بالمتطلبات الشرعية لزي المسلم والمسلمة ويحمل بصمة الذوق المحلي ونكهته الجمالية الخاصة!<br />
وبخلاف العصر الحديث كان هناك تقاليد صارمة موجهة للجنسين كليهما فيما يتعلق بموضوع ما يجوز ظهوره وما لا يجوز ظهوره من الجسم، وهي في مجملها طبعاً لا تنزل عن الحد الأدنى المطلوب شرعاً للستر ولكنها قد تزيد عليه وهذا لا يخص النساء فقط بل يخص الرجال أيضاً، ولعلي أذكر للقارئ هنا ذلك الخلاف الطريف الذي يضرب في كتب الفقه القديمة مثلاً على اختلاف الأحكام في الزمان والمكان وهو اختلاف المعايير لمفهوم &#8220;المروءة&#8221; (الذي يطلب مثلاً للشاهد أو القاضي) بين الشام والمغرب،  فقد قيل أن كشف الرأس عند أهل الشام كان كافياً للحكم على الرجل بعدم المروءة لأن تقاليد القوم كانت على هذا! على حين أن كشف الرأس ما كان يخل بالمروءة في المغرب لأن القوم هناك جروا على هذا.<br />
فالعصر الحديث جاءنا بمفهوم &#8220;الحجاب&#8221; كلباس خاص يميز المرأة المسلمة،واستعمل المفهوم من قبل خصوم الشريعة والمشنعون عليها وناصرهم ضيقوا الأفق الذين يحسبون أنفسهم أنصارها للزعم أن الإسلام يخص المرأة حصراً بزي يميزها، والحقيقة أن كلا المرأة والرجل لزيه شروط شرعية لا يجوز له الخروج عليها! وفي هذا المفهوم من العيوب ما أراه يغيب عن عيون أنصار الحجاب من الجنسين، وهذه العيوب ستتجلى في الفقرات اللاحقة حين أناقش بعض أقوال المشاركين في حلقة برنامج &#8220;الحياة حلوة&#8221; المذكورة ولكنني سأذكر هنا واحدة من هذه العيوب الخطيرة:<br />
لقد أقر المسلمون في البلاد التي قبل رجالها استيراد اللباس الغربي لأول مرة بنوع من المعايير المزدوجة تعامل المرأة  بما لا تعامل به الرجل، فحين لبس الرجل اللباس الغربي (الذي هو للعلم لا يتناسب مائة بالمائة مع المتطلبات الشرعية للباس الرجل أيضاً!) فإنه &#8220;حرم&#8221; المرأة من أن تحتذي حذوه فتقلد لباس المرأة الغربي! .<br />
هذه النقطة أراها في غاية الأهمية وإني لأدعو القارئ العزيز إلى التمعن فيها ملياً:<br />
حين صار اللباس الغربي عندنا يعتبر هو &#8220;الطبيعي&#8221; وهو &#8220;المعياري&#8221; فإن هذا تضمن بصورة منطقية لا محيد عنها أن كل لباس غير غربي هو &#8220;غير طبيعي&#8221; وهو بالتالي &#8220;شاذ&#8221; و &#8220;خارج عن المألوف&#8221;!. ومن هنا تنظر البلاد التي تبنى رجالها اللباس الغربي ببعض الاستغراب إلى بلاد أخرى حوفظ فيها على &#8220;اللباس التقليدي&#8221; كبلاد الخليج وليبيا والسودان وهذه النظرة هي عينها ينظر بها إلى المرأة التي خرجت على &#8220;المألوف&#8221; أي الزي الغربي فارتدت الحجاب .<br />
قال المثل المعروف: &#8220;أكلت يوم أكل الثور الأبيض&#8221; وهذا المثل الذي نضربه هذه الأيام كثيراً في ميدان السياسة يمكن لنا في اعتقادي أن  نضربه في مجال آخر هو مجال الحجاب. إننا حين تنازلنا عن لباسنا التقليدي كرجال سهّلنا اضطهاد المرأة التي ترفض السير وفق &#8220;مألوف&#8221; اللباس الغربي!<br />
لقد أصبح نظام الثياب عندنا نظاماً هجيناً يعكس هجانة كل نظامنا الفكري والاجتماعي والسياسي والمرأة المسلمة كانت أبرز ضحية من ضحايا هذا الوضع الهجين.<br />
وبسبب التمييز في المعاملة بين المرأة والرجل في موضوع الأزياء، حيث وحدها المرأة منعت من التطابق التام مع المعيار الغربي، ظهر عند المرأة الشعور بأنها &#8220;مستهدفة&#8221; وأنها قيدت بقيد حين طلب منها الحجاب، وهذا ما سهّل أيضاً (وهذا ما لا يذكر أيضاً في النقاشات حول هذا الموضوع)  للغربيين أن لا يروا في الحجاب إلا تمييزاً ضد المرأة ما دامت المرأة لوحدها ارتكبت &#8220;وقاحة&#8221; مخالفتهم في الزي! ولو كان رجال المسلمين حافظوا على أزيائهم التقليدية لصار اضطهاد الزي الإسلامي بتشكيلاته العديدة (التي ذكرتها قبل قليل) أصعب، ففي هذه الحالة لا يوجه الاضطهاد إلى أفراد من جنس واحد بل إلى شعوب كاملة!<br />
ولهذا لم يعجبني تماماً جواب المسلم الذي أجاب دكتورة غربية على اتهامها للإسلام باضطهاد المرأة حين فرض عليها قيد الحجاب وهو الجواب الذي أعجب معد برنامج &#8220;الحياة حلوة&#8221; الأستاذ مطوع،قال المسلم للدكتورة المذكورة: ألست حين تذهبين إلى السهرة يطلب منك منظموا السهرة فستان سهرة محدداً؟وكذلك حدد الله للمرأة التي تريد الذهاب إلى الجنة &#8220;ثوب سهرة&#8221; للجنة هو الحجاب! لم يعجبني الجواب كل الإعجاب لأنه تأكيد لفكرة أن المرأة لوحدها دون الرجل هي التي خضعت في الإسلام  لقواعد تحدد لها زيها! </p>
<p>2- الحجاب &#8220;العادة&#8221; و &#8220;العبادة&#8221; ، هل من تناقض بينهما؟</p>
<p>في البرنامج المذكور أعلاه ذكر المشاركون مراراً باحتقار &#8220;من ترتدي الحجاب كعادة لا كعبادة&#8221;، ووضع العادة في موضع التناقض مع العبادة خطأ شائع فادح يدلني وأقولها بكل أسف عل سطحية مفاهيم كثير من المتدينين في عصرنا.<br />
لأذكر هؤلاء بداية أن أفضل أشكال السلوك الحسن ما انقلب إلى عادة! ومخالفة العادة أصعب بكثير كما هو معلوم من مخالفة ما ليس بعادة!<br />
ومن المفيد للتوضيح هنا ذكر النساء من أمهاتنا وجداتنا اللواتي كان تغيير الزي عندهن بزي غربي أمراً مستحيلاً، لأذكر أن &#8220;عادتهن&#8221; تلك لم تكن متناقضة مع معتقداتهن الدينية بل كانت تعبر عن أن هذه المعتقدات منغرزة عميقاً في اللاشعور.  وفي الحقيقة لا يتحقق نجاح من يدعو المجتمع إلى سلوك معين تحققاً نهائياً حتى يتحول هذا السلوك إلى &#8220;عادة&#8221; !<br />
&#8220;العادة&#8221; يا سادة يمكن لنا من الناحية النفسية أن نرى فيها نمط حياة محمياً بروابط انفعالية وعاطفية قوية جداً يصعب قطعها، فليس السؤال الصحيح هو: &#8220;كيف نقضي على العادة ونحولها إلى عبادة؟&#8221;، وطرح القضية على هذا النحو يحمل رائحة احتقار المجتمع عند بعض الدعاة التي حذر العبد الفقير منها مراراً، ومثلاً أعيد القارئ إلى مقال لي نشر في العدد 1444 من مجلة  &#8220;المجتمع&#8221; الكويتية بعنوان &#8220;إجحاف بعض الدعاة بحق المجتمعات الإسلامية&#8221;، بل السؤال هو على العكس: &#8220;كيف نحصن العادات الإسلامية في المجتمع فكرياً ونفسياً بحيث يضاف إليها عنصر الدفاع الفكري العقدي الشعوري الواعي؟&#8221;. وما دامت القضية تطرح على هذا النحو فسأقول لهؤلاء الأخوة: إن امرأة &#8220;متعودة&#8221; على لباسها الإسلامي ومقتنعة به هي أبعد بكثير جداً من إمكانية الارتداد عن هذا اللباس من امرأة مقتنعة به ولكنها غير متعودة عليه!<br />
لقد شنت هجمات كثيرة على العادات والتقاليد في القرن الماضي ولو قرأتم هذه الهجمات بعناية لرأيتم أن معظمها كان يهدف في الحقيقة إلى اجتثاث تلك الروابط العاطفية والانفعالية اللاشعورية المتينة التي &#8220;تموضعت&#8221; فيها العقيدة الإسلامية و&#8221;تجسدت&#8221; على شكل مؤسسات اجتماعية وعلاقات بين الأفراد وأنماط سلوكية، ومساهمة الدعاة الإسلاميين المتهورة غير المتبصرة في الهجوم المعمم بلا تحديد وتعيين دقيق على العادات والتقاليد ما كان من شأنها إلا أن تحرم هذه النواة الصلبة للعقيدة الإسلامية المتجسدة من غطائها الفكري ودفاعها النظري! لقد اتخذت بعض العادات والتقاليد المناقضة لنص الشريعة وروحها مقاصدها ذريعة لهجوم شامل على المجتمع الأهلي زلزلت طابع هذا المجتمع المنبني أساساً على قاعدة تاريخية مما أسميته &#8220;الإسلام المتموضع أو المتجسد&#8221;،ولم يسأل في بعض الحالات من ساهم في الهجوم نفسه عما إذا كان في الحقيقة سيصل إلى الهجوم على الإسلام نفسه بوصفه من &#8220;العادات&#8221; و&#8221;التقاليد&#8221;!</p>
<p>3- الحجاب &#8230; أهو &#8220;جميل&#8221; أم &#8220;قبيح&#8221;؟</p>
<p>من الأفكار الشائعة، ولكنها هذه المرة مضمرة لا يجرؤ أحد أن يعلن عنها إلا،ربما، بعض خصوم الحجاب، أما أنصاره فهم مقتنعون بها ولكن لا يعلنونها، فكرة تقول: إن الحجاب يقبّح المرأة (بتشديد الباء:أي يجعلها قبيحة) ولكنه فرض من الله عليها أن تمتثل له ولو كان فيه هذه المشقة العظيمة التي هي القبول بزي قبيح، تماماً كما أن المسلم يقبل بصوم رمضان حتى ولو كان فيه مشقة ما دامت محتملة لا تهدد الحياة أو الصحة!<br />
سأقول بداية أن هذا الاعتقاد يناقض بوضوح نصوصاً ثابتة من القرآن والسنة تؤكد أن جمال المظهر أمر مستحب فهو من الفطرة والإسلام دين الفطرة!<br />
فكيف نقبل عقلاً أن يأتي فرض يتناقض مع هذا التوجه الفطري؟<br />
ولأنتقل الآن إلى تفسير الظاهرة النفسية- الاجتماعية التي ظهرت في العصر الحديث وهي استقباح الأزياء الإسلامية.<br />
إن زياً محدداً بحد ذاته لا يحمل صفات جمالية جوهرية، فهذه الصفات يضفيها عليه المجتمع، والثقافة المسيطرة هي التي تقدم النماذج التي ستعد &#8220;جمالاً&#8221; وتلك التي ستعد &#8220;قبحاً&#8221;.<br />
لو تخيلنا وضعاً تكون فيه المذيعات والممثلات والنساء الناجحات في المجتمع القادرات على إثارة إعجاب المواطنة العادية محجبات فإننا سوف نشهد تحول الحجاب إلى موضة، كما أن عدم الحجاب هو الموضة في مجتمع كل النماذج التي تقدم فيه على أنها معيار للجمال غير محجبة.<br />
والقارئ الذي سيسألني: &#8220;من أين لك أن المحجبات يرين الحجاب قبيحاً؟&#8221; سأجيبه أن دليلي على ذلك هو سلوك هؤلاء المحجبات حين  يوجدن في بيئة نسائية خالصة، فالمشاهد أن غالبية منهن يسارعن إلى نزع الحجاب، ويجرين تحولاً في مظهرهن بحيث يصبح مطابقاً بنسبة تطابق تصل إلى مائة بالمائة النموذج المسيطر &#8220;للمرأة الجميلة&#8221; وهو ببساطة النموذج الذي تعرضه السينما والتلفزيون والدعايات، وهذا يدل بمنتهى الوضوح في نظري على أن هؤلاء النسوة لا يعتبرن أنفسهن جميلات بالحجاب، وسأعود هنا لأذكّر بما كان عليه وضع نساء &#8220;حجاب العادة&#8221; المحتقرات عند بعض أخواتنا وإخواننا، فقد كان الزي التقليدي كما نسميه الآن الذي يمكن أن ترتديه المرأة في عرس مثلاً هو أيضاً &#8220;زي محجب&#8221; إن أردنا استعمال هذا المصطلح الذي لم تكن تلك النسوة يعرفنه!<br />
لأعد الآن لموضوع غطاء الرأس الذي هو ليس جزءاً رئيسياً من اللباس الغربي المعاصر(القبعة لا تشغل فيه جزءاً مهماً) ومن هنا يبدو غطاء الرأس لمثل هذا اللباس جزءاً زائداً لا ضرورة له ،بل هو بالأحرى &#8220;تشويه&#8221;!<br />
في الزي التقليدي الذي كانت ترتديه المرأة في حوران أو السويداء أو إدلب أو المرأة الشركسية(ذكرت نماذج أعرفها) كان غطاء الرأس جزءاً جوهرياً من اللباس لا يكمل اللباس بدونه، و&#8221;التشويه&#8221; في هذا النوع من الزي يكون بفقدان هذا الجزء الجوهري!<br />
وقد يبدو هذا القول لمن تعود على عد منظومة اللباس الغربية &#8220;بديهية&#8221; غريباً ولكنني أذكر القارئ بمنظومة أزياء لم تزل موجودة بالفعل:منظومة أزياء المرأة الهندية والسيريلانكية التي تحتوي على غطاء الرأس كجزء جوهري ،ناهيك عن لباس الراهبات الغربيات.<br />
ولكنني سأذكر مثالاً هو بعد أقرب للقارئ العربي: إنه مثال أزياء الرجال!<br />
في مناطق الفلاحين في بلاد الشام (حوران وفلسطين) كانت الحطة والعقال جزءاً جوهرياً من لباس الرجل لا يخرج بدونه،ولو ذهب إلى محفل عام فإنه سيحس بأنه شوّه (بل أهين) إن أكره على خلع غطاء رأسه!<br />
فليس عد غطاء الرأس إذن تشويهاً أمراً بديهيا، وهو ليس كذلك إلا لأن منظومة الزي التي أخذناها لا غطاء رأس فيها!<br />
المعيار الجمالي الحقيقي إذاً، وهذه هي الفكرة الجوهرية لهذه الفقرة، في مجتمعنا القائم هو بالذات المعيار الغربي المستورد، إنه المعيار المستبطن حتى في قسم كبير من قطاع النساء المحجبات، وهذا بالفعل خطر هائل على الحجاب، إذ سيظل الحجاب على كف عفريت كما يقال طالما ظلت مرتدياته مقتنعات بأنه في الحقيقة ليس زياً جميلاً، وإنما هو يرتدى طالما لا يمكن ارتداء &#8220;الزي الجميل&#8221;!.<br />
لنلاحظ هنا كيف أن ما يستحق وصف &#8220;المجتمع الإسلامي&#8221; هو أكثر بكثيرمن مجرد مجتمع تسوده قناعات معينة! ليس المجتمع الإسلامي هو فقط المجتمع الذي أفراده مقتنعون بالإسلام! إنه المجتمع الذي معاييره الجمالية هي أيضاً معايير مأخوذة من داخله. وفي الحقيقة إن ما تقدم من قول ليس مجرد تحليل نظري لا توجد له تطبيقات عملية، فلأذكر هنا أمثلة واقعية من المجتمعات الموجودة: ألا نشاهد مجتمعات الهند وسيريلانكا وباكستان والسودان والصومال وأقطار أفريقية أخرى التي تحافظ نسوتها على ثيابهن التقليدية! أليس المعيار الجمالي في هذه المجتمعات إذاً رغم كل العولمة وغزو الثقافة الغربية ما زال داخلياً؟<br />
 فأن يحوز مجتمع على معيار جمالي داخلي هو إذاً أمر غير مستحيل!<br />
المثال الثاني الذي سأضربه هو بعض القنوات الفضائية التي ترتدي مذيعاتها الحجاب كما في بعض القنوات الخليجية (الشارقة وغيرها) وقناة &#8220;المنار&#8221; اللبنانية، ولا أشك في أن هذه المذيعات قادرات بالفعل على خلق نموذج معاكس للنموذج السائد تقترن فيه صفات النجاح العملي والذكاء والحشمة بالمعيار الجمالي البديل! </p>
<p>4- الحجاب والمسيحية العربية:</p>
<p>من المعتقدات الشائعة التي صارت في زماننا تعد بديهية أن الحجاب في بلادنا لا يخص إلا المرأة المسلمة، وأن &#8220;الوضع الطبيعي&#8221; للمرأة المسيحية هو أن لا تكون محجبة.<br />
وكما في أماكن عديدة جداً من كتابات العبد الفقير كاتب هذه السطور، سأعود هنا أيضاً إلى &#8220;المجتمع التقليدي&#8221; لأفحص هذه الفكرة إن كانت صحيحة أم لا!<br />
سأعود إلى هذه المنطقة التي ذكرتها قبل قليل، وهي ريف جنوب بلاد الشام &#8220;حوران&#8221;، البلد العربي العريق بلد الغساسنة، وفي قرى حوران عاش المسلمون والمسيحيون سوية إلى الآن، ويستطيع القارئ لحد الآن أن يزور هذه القرى ليرى النساء كبيرة السن،المسلمات والمسيحيات معاً، يرتدين الزي الحوراني الجميل الذي يجمع الأصالة والشخصية المحلية المميزة والحشمة المتطابقة تماماً مع المتطلبات الشرعية للباس الإسلامي.<br />
المفيد هنا أن نرى كيف &#8220;تطور&#8221; لباس المرأة الحديثة في حوران:<br />
لقد تطور بالفعل وللمرة الأولى في التاريخ على أسس الانتماء الديني ولكنه تطور مؤسف جداً في نظري وليتأمل القارئ فيما جرى:<br />
أما المرأة المسلمة التي غزي مجتمعها بنمط الزي الغربي فتركت زيها التقليدي الذي وصفناه وقلنا إنه هو الإبداع المحلي المتميز للهوية العقدية الاجتماعية الإسلامية، وبدلاً من هذا الزي التقليدي نشأ زي هجين يحاول أن يرضي متطلبات متعارضة: الحشمة و التقارب مع السمات الشكلية للثياب الغربية. وعند المتدينات الملتزمات تم تبني الزي الحديث الذي سمي &#8220;الجلباب&#8221; والذي لا يقدم من ناحية متطلبات الشريعة الإسلامية أي شيء يزيد على ذلك اللباس العريق الأصيل للمنطقة.<br />
وأما المرأة المسيحية الجديدة فتبنت الزي الغربي بتعديلات أقل من تعديلات المسلمة على هذا الزي، ليس لأنها اقتنعت بأن مسيحيتها لا تتعارض مع التغيير الثقافي الشامل باتجاه التبني غير المشروط للقيم الغربية، بل لأن المسيحيين العرب خطأ أهملوا وعدوا أنفسهم (بالبناء للمعلوم) وأهملوا وعدوا (بالبناء للمجهول) نصيرين طبيعيين للقيم الغربية بجيدها وسيئها ،ولا شك أن ثمة دوافع انتهازية تشجع المسيحي ،كما تشجع المسلم أيضاً، أن يتبع حكمة الفئران فيغادر السفينة الغارقة إلى السفينة الطافية! (ولحسن الحظ حتى في أسوأ الحالات ظلت بقايا من القيم الأصيلة للحضارة الإسلامية موجودة، فليس من السهل اقتلاعها بقرار) ،ولكن المسيحية بحد ذاتها لا علاقة لها بالخلاعة المميزة للأزياء الغربية الحديثة، (كما نراها في صرعات الأزياء، وللعلم فإن جزءاً كبيراٍ من نساء الغرب يرفضن العري نظرياً وعملياً) بل المسيحي المتدين هو أيضاً ضد هذه الخلاعة.<br />
لن أكتفي بضرب مثل المرأة الحورانية، بل سأضرب مثل المرأة اللبنانية وبالتحديد المرأة البيروتية ما دمنا تطرقنا إلى هذا الموضوع بحافز مباشر هو حلقة برنامج تلفزيوني عن &#8220;بنات لبنان&#8221;:<br />
يقول الدكتور حسان حلاق في كتابه عن بيروت في العهد العثماني:&#8221;بعض نساء بيروت في القرن التاسع عشر كنّ يلبسن الإزار الأبيض أو الملاءة (الملاية) الحرير وعلى وجوههن المنديل الإسلامبولي أو ما يسمى الفيشة، وهن النساء المسلمات خاصة، كما أن النساء المسيحيات يشبهن النساء المسلمات من حيث لباسهن، باستثناء بعض التغييرات التي طرأت على هذا اللباس، حيث يلبسن الفساتين الواسعة وعلى رؤوسهن الطرح الرقيقة، أو البرانيط الأوروبية، وبعضهن مكشوفات الوجه&#8221;(2)<br />
ظاهرة الحجاب الشامل للوجه في المدن المشرقية كانت معروفة عند المسلمات كما هي عند المسيحيات واليهوديات،ولاتخاذ الحجاب هذا الشكل في المدن عوامل لا تتعلق حصراً وفقط بالشريعة الإسلامية كما يظن بعض الجهلاء، بل لها أسباب أشرنا إلى بعضها في موضع آخر، وإلا فإن الشريعة كانت تحتمل أشكالاً أخرى من زي المرأة! وهذه الأشكال الأخرى رأيناها بالفعل عند المرأة الريفية والمرأة في البادية.<br />
الحضارة الإسلامية كانت حضارة أسسها الإسلام وقادها، ولكنه بتسامحه الفريد وسعة أفقه التي لا مثيل لها استطاع أن يستوعب الأديان الأخرى، وهكذا نجد علماء وفلاسفة المسيحية والصابئة بل واليهود كعناصر مشاركة في بناء صرح هذه الحضارة العظيم، وباستثناء الشعائر الدينية كان سلوك أبناء تلك الأديان منظماً تلقائياً وفق القواعد التي بني عليها المجتمع المسلم، وهذا بالمناسبة ليس غريباً فهو من سنن الحضارات، ولننظر مثلاً إلى المجتمع الغربي كيف تتكيف الأجيال الجديدة فيه من المهاجرين الذين جاؤوا من ثقافات مختلفة مع سلوكياته ولغته وعقليته، بحيث أن المسلم أو البوذي أو السيخي الذي تربى في هذا المجتمع لا يماثل في العقلية أخاه في الدين في المجتمع الأصلي!<br />
لذلك سأقول إن تبني المسيحيين العرب للقيم الغربية تم مبدئياً وفق نفس القوانين التي تبنى فيها المسلمون تلك القيم!، ولم يكن المسيحيون العرب منذ الأزل مغتربين في القيم عن مجتمعهم كما تخيلت مثلاً تلك التي اتصلت ببرنامج &#8220;الحياة حلوة&#8221; من لبنان وقالت إنه في لبنان توجد حضارتان ولا نستطيع نحن المسلمين أن نقنع &#8220;الحضارة الأخرى&#8221; (أي المسيحيين!) بتبني سلوك خاص بالمسلمين هو الحجاب! إن هذه الفكرة التي تبدو بديهية للغاية للعرب  المعاصرين هي فكرة في غاية الخطأ والزيف، إذ لا توجد &#8220;أزياء مسيحية&#8221;، والمسيحيون العرب لا يسيرون في أزيائهم الحالية وفق متطلبات الدين المسيحي، بل يسيرون مثلهم مثل قطاع كبير من المسلمين على ما يتطلبه الزي الغربي، وهذا الزي الأخير لم يقتنع المنتمون إلى الثقافات الأخرى به على أسس دينية (بالمناسبة إن كنا نريد الحديث عن تأثير للدين المسيحي على الأزياء فسنلاحظ أن هذا التأثير خلافاً للأفكار السطحية السائدة يقرب هذه الأزياء من الأزياء الإسلامية كما نرى بشكل واضح في أزياء الرهبان والراهبات!) ولا شك انه ما من مسيحي متدين كما قلت سيرضى عن طابع العري الذي تتميز به بصورة متزايدة أزياء المرأة الغربية التي يتم الترويج لها من قبل دور الأزياء ووسائل الإعلام  وأعتقد أن هذه المسألة بالذات هي نقطة التقاء مهمة في الحوار الإسلامي المسيحي، سواء منه الحوار الإسلامي المسيحي العربي أم الحوار الإسلامي المسيحي الغربي الذي يؤيده كاتب هذه السطور ويدعو إليه. </p>
<p>5-مصادرة الإسلام،مصادرة المسلمين،مصادرة المجتمع الأهلي</p>
<p>نوع الزي الموجود في مجتمع معين وكيفية ارتداء هذا المجتمع لزيه يتحدد بعوامل معقدة، منها الدين، ومنها التقاليد الموروثة التي لها علاقة بالدين ولكنها مستقلة نسبياً عنه، ومنها المناخ،ومنها أخيراً الطابع الرمزي للباس كعلامة على الانتماء السياسي-العقدي.<br />
في حالة الحجاب تمت مصادرات عديدة تنصب كلها في قالب واحد يميز وضع المجتمع الأهلي ضمن الثقافة الحديثة:إنه مجتمع مصادر،لا ينطق بل ينطقون بالنيابة عنه.<br />
حين نضع الحجاب في إطاره الشامل،أي في إطار تشكيلة العوامل التي نتج عنها والتي عددت بعض المهم منها،نكون قد وضعناه في إطار &#8220;الحضارة&#8221; فهو يعبر عن حضارة أو حضارة جزئية (من حضارة أشمل).<br />
ولكننا إذا لم نر في الحجاب إلا أنه تعبير عن التدين أو تعبير عن انتماء سياسي فإننا نكون صادرنا الحضارة بأسرها بأن اختزلناها في بعد واحد وحشرنا الأفراد من المجموعة المستهدفة في خانة انتماء قسري ضيق وحيد البعد، وهذا الاعتداء الصارخ يتم في عصرنا من أطراف مختلفة على المجتمع الأهلي ممثلاً في نسائه.<br />
لقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة عملية اختزال كبرى تمت في العالم بأسره: اختزل الإسلام في &#8220;الحركات الإسلامية&#8221; ،ثم اختزل المسلمون في &#8220;الإسلاميين&#8221; وبمبرر الصدام مع الأخيرين اضطهد الإسلام بشموليته كحضارة واضطهد المسلمون.<br />
إن هذا الاختزال لا يقل في بشاعة نتائجه الفعلية عن بشاعة النظرة القومية المتطرفة (الشوفينية) التي تحمل الشعوب جرائر حكامها ومدعي النطق باسمها.وقد نظر &#8220;الإسلاميون&#8221; إلى الموقف عملياً النظرة ذاتها التي نظرها أعداؤهم،وبين النظرتين ضاعت حقوق المجتمع المسلم فهو لم يعترف بوجوده لأنه اختزل في رموز علاقته بها محدودة بحدود علاقة المجتمع بأي أيديولوجيا سياسية كانت. ولم نشهد إلى الآن نشوء تلك الحركة الفكرية الشاملة التي تدافع عن التجربة الحضارية الإسلامية بشموليتها،لا باقتطاع جزء منها وإعادة تأويله بفصله قسراً عن التجربة التاريخية الحضارية.<br />
إن المرأة عندنا من حقها أن ترتدي زيها التقليدي دون أن ينظر إلى زيها التقليدي أنه يحمل أي معنى سياسي أو أيديولوجي خاص! وإن الإصرار على حرمانها من هذا الحق البسيط هو اعتداء يشبه الاعتداء على المدنيين في الحرب ثم تبرير الاعتداء كذباً بأنهم جنود!<br />
هذا طبعاً مع إقرارنا بحق المرأة الذي لا جدال فيه في أن ترتدي إن شاءت الزي كتعبير عن انتمائها السياسي الأيديولوجي أيضاً.<br />
والمصرون على حرمانها من هذا الحق هم بآن واحد: أنصار &#8220;التيار الإسلامي&#8221; الذي لا يعترف إلا بالحجاب الأيديولوجي، ولا يرى في الحجاب إلا طابعه الديني الضيق، ولذلك بصم هؤلاء بكل ضيق أفق على أن زي المسيحيين العرب &#8220;الطبيعي&#8221; ولا سيما المسيحيات هو الزي الأوروبي، وهي غفلة من غفلات هؤلاء تماثل غفلتهم في ميدان العلاقة مع الجزء المهم من مجتمعنا وهو الجزء المسيحي، فقد استبعده هؤلاء من المجتمع واعتبروه منتمياً حكماً إلى الحضارة الأخرى، وخصومهم من الحكومات  يوافقون على ادعاءات هؤلاء عن ضيق أفق أو عن خبث وسوء طوية واستغلال مقصود لغباء الخصم وضيق أفقه، ومن هذه الحكومات ما هو &#8220;وطني&#8221; كالحكومة التركية، ومنها ما هو أجنبي كالحكومة الفرنسية.<br />
ومصادرة هذا الرمز المكون من رموز المجتمع الأهلي لصالح &#8220;الحركة الإسلامية&#8221; من قبل الطرفين المتصارعين كما رأينا في المثالين الفادحين لتونس وتركيا،ولصالح المصادرة القائلة إن الحجاب هو حصراً تعبير ديني كما في مثال فرنسا مع الطالبات المحجبات، هو واحد من مظاهر مصادرة حق هذا المجتمع في الوجود المستقل وفي أن ينطق باسمه الخاص.وقد نتج عن هذه المصادرة مضاعفة في درجة اضطهاد المجتمع الأهلي على يد النخب الحاكمة الحديثة لم يسبق لها مثيل من قبل، فلأول مرة في تاريخنا صرنا نشهد ظواهر منع المرأة من لبس غطاء الرأس في الجامعة والمدارس والعمل، بل صرنا نرى نزع زعران السلطة في بعض بلادنا وزعران العنصريين في المجتمعات الأوروبية لهذا الغطاء بالقوة أيضا عن رؤوس نساء لم ينزعنه قط لا هن ولا جداتهن منذ ألوف السنينً، وبالمقابل ظهرت أشكال فرض زي معين على المرأة من قبل &#8220;الحركات الإسلامية&#8221; التي رأت وفقاً لسلفية مزعومة ونزعة عسكرية لتوحيد الزي أن المجتمع الإسلامي بمفهومها لا يحتمل إلا شكلاً واحداً يوافق ما تراه هي.  لقد وصل صدام النخب بجميع أطيافها مع المجتمع الأهلي إلى درجة أنها قررت أن تحطمه بالقوة وتزيل رموزه وإشاراته. </p>
<p>هوامش</p>
<p>(1)لا يخفى أن العنوان &#8220;بنات لبنان&#8221;  بعيد عن التوفيق، وفيه إيحاءات غير مستحبة وإثارة لإحن إقليمية جاهلية بين أقاليم الأمة كنا نتمنى لو تجنبها المعدون للحلقة واختاروا اسماً آخر!<br />
(2)الدكتور حسان حلاق-بيروت المحروسة في العهد العثماني-الدار الجامعية-بيروت-1987-ص158.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.manfata.com/%d9%86%d8%ad%d9%88-%d8%b1%d8%a4%d9%8a%d8%a9-%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%a5%d8%b4%d9%83%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%b2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>7</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>

