حين يفقد الكلام معناه- بقلم : محمد شحادة

الكاتب: محمد

حين يفقد الكلام معناه

بقلم : محمد شحادة

أذكر أنني سألت مدّرس الفيزياء ـ حين كنت في الصف العاشرـ عن مبدأ عمل مانعة الصواعق. أخذ يشرح لي أن المبدأ هو اجتذاب الشحنة الكهربائية من الجو وتفريغها في الأرض عبر سلك ناقل، وبالطبع تضيع الشحنة نظراً إلى حجم الأرض الضخم الذي يمتص الشحنة مهما كانت شدتها.
لكنني عدت أسأله: لكن أحياناً تكون الشحنة الكهربائية في الصاعقة عظيمة جداً؟
قال: نعم. كما قلت لك، مهما كانت الشحنة كبيرة فإنها ستضيع في الأرض نظراً إلى حجمها الضخم جداً الكفيل بامتصاص أي شحنة مهما كانت كبيرة …
أذكر أن هذا الحوار –إلى جانب بساطته- كان مثالاً واحداً من أمثلة قليلة عن التفاعل في حصصنا المدرسية التي يسيطر عليها التلقين والإلقاء.
لكن ليس هذا هو ما دفعني إلى الكتابة عنه، بل دفعني إلى الكتابة عنه سبب آخر.
أذكر أن ذلك المثال ظل كامناً في نفسي إلى أن خرج في صورة أخرى.
نتفق جميعاً على أن قدرة الله تفوق قدرة البشر وثوابه يفوق ثوابهم وعقابه وعذابه يفوقان عقاب البشر وعذابهم. ومن السهل أن يقتنع أحدنا بذلك ويتصرف على أساسه عندما يواجه تفاصيل الحياة البسيطة.
لكني أرى أن هذه القناعة تتراجع وتضمحل عندما يكون الموقف الذي نواجهه عظيماً أو خطيراً (في نظرنا بالطبع). وهنا يعود إلينا مثال مانعة الصواعق.
فإن طغيان البشر مهما عتا وتعاظم لا يعد شيئاً عند قياسه بقوة الله وعظمته وجبروته… ولن يكون لهذا الطغيان أثر علينا ولن يضرنا شيئاً إذا اعتمدنا على القوة الكبرى، قوة الله عز وجل (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً) كما تمر الشحنة الصاعقة عبر السلك الناقل من أعلى البناء إلى أسفله دون أن تترك فيه أثراً !
لعل ما ذكرني بذلك كلامٌ قرأته لغاندي، منه قوله: “إن الامتثال إلى قوانين لا يقبلها وجداننا هو منافٍ لكرامتنا الإنسانية، ومعناه مخالفة الدين وقبول العبودية… إلا أننا قد ننسى أنفسنا ونساير إلى درجة تجعلنا لا نكترث بأي قانون مهما كان مهيناً. إن الإنسان الذي يدرك جوهر قيمته ولا يخاف إلا الله لا يستطيع إخافته أي إنسان آخر. وليس من الضروري أن يحمي نفسه بواسطة قوانين من صنع البشر … ويكفي المرء أن يعلم بأن خضوعه لقوانين جائرة منافٍ لطبيعته، وعندئذ لن تستطيع أية قوة وأي طغيان بشريين أن يجبراه على الامتثال إلى مثل هذه القوانين”.
سألت نفسي: لِمَ أجد أن كلمات غاندي تترك في نفسي أثراً كبيراً، أثراً لا أجده في نفسي حين أسمع كلاماً مشابهاً من أشخاص آخرين من حولي؟
ربما لا نسمع كلاماً مباشراً ومحدداً كالذي في المقطع السابق، لكن عبارة (إن الذي لا يخاف إلا الله لا يستطيع إخافته أي شخص آخر) نسمعها كثيراً من أهلنا وخطبائنا ومدرسينا، بل ربما من كل إنسان.
وأعود فأسأل نفسي: لماذا أشعر أن كلمات غاندي تركت أثراً في نفسي لا أجده عند سماع كلام مشابه من أشخاص آخرين حولي؟
فكرت بذلك كثيراً، ولعلي وجدت الجواب.
قد يسهل القول: إن السبب هو الانبهار بشخصية غاندي بحيث يقبل كلامه كله ويترك في النفس أثراً كبيراً. لكن هذا التعليل ليس صحيحاً ولا دقيقاً.
السبب فيما أرى ليس في القول بل في الفعل، أو كما يقال في مطابقة الحال للمقال.
فإننا نسمع كلاماً كثيراً عن التوكل على الله والاعتماد عليه وحده والخوف منه وحده والاستغناء به عن كل ما سواه.
كلام كثير، قد أسوق شيئاً منه بعد قليل.
لكننا ننظر إلى حال القائل أو الواعظ فلا نجد لكلامه نصيباً في حاله ومعاشه بل نجده _ إلا من رحم الله _ يلجأ إلى غير الله ويسأل سواه ويرجو رضا كثيرين غير الله ويخشى عذابهم, ويمتنع عن كثير من عمل الخير ويعطل كثيراً من نعم الله عليه إيثاراً للسلامة وبعداً عن (المشاكل).
ولدى رؤية حال هؤلاء الناس – وهم الغالب فيما أرى – تضيع شيئاً فشيئاً مبادئ كثيرة وقواعد كانت أساسية:
فلا تبقى عند الناس قيمة لـ (إذا سألت فاسأل الله) بل نجد غالب الناس يلجؤون إلى شتى الوسائل – بغض النظر عن شرعيتها- من واسطة ورشوة واستغلال منصب أو جاه لتأمين مكسب مادي أو منفعة دنيوية أو دفع ضرر واقع أو متوقَّع. وسرى ذلك التوكل على غير الله إلى شؤون حياتنا كلها: للحصول على وظيفة أو النجاح في مسابقة أو تأمين قضاء الخدمة العسكرية في مكان “مريح” … (ولسنا هنا في مجال ذكر التوسل بهذه الوسائل إلى ما ليس بحق أو الاعتداء على حقوق الآخرين).
وتضيع قيمة (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فهي عند أكثر الناس غير قابلة للتطبيق. وإذا ذكرتها لأحد أو ذكّرته بها، قال: هذا الكلام صحيح لكن ليس هنا أو لكن ليس الآن. وهذه الـ (هنا) امتدت لتشمل كل مكان وكل منحى من مناحي الحياة: المدرسة والجامعة والوظيفة والجيش وحتى البيت، وذاك (الآن) امتد ليشمل كل آن حتى غطى العمرَ كله.
ولا يبقى أثر في حياة كثيرين منا للتوجيه النبوي: (إن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتَب عند الله صدّيقاً) بل نجد الكذب أصبح جزءاً أساسياً من حياتنا تقوم عليه كثير من علاقاتنا ونُنشّئ عليه – بشكل مباشر أو غير مباشر- أبناءنا، حتى أصبحت لدينا قناعة لا تقبل النقاش مفادها أن الالتزام التام بالصدق غير ممكن في هذه الأيام.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد.
بل وصلنا إلى حال أصبحنا نجد فيه الإنكار على من آمن بتلك المبادئ ونذر نفسه للعمل بها ولها.
فبمجرد إعلان شيء منها يسارع الكثيرون إلى الاستنكار والاستهجان أو التسفيه والتجهيل، وإظهار الشفقة على ذلك الإنسان المثالي البعيد عن الواقع الجاهل بشؤون الحياة!!
والإجابات جاهزة على كل حال، فما أسهل الإشارة إلى تغير الزمان وفساد هذه الأيام. والذي لا يقول إن هذه المبادئ غير صحيحة – أو لا يبدي شكّه بصلاحيتها- يعترف بصحتها لكنه يقول إن الأمر يحتاج إلى حكمة، ومن يُؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
وهذه (الحكمة) أصبحت وصفة جاهزة للتعامل مع كل الأحداث والمواقف.
لكن ما هي (الحكمة) في مفهوم عامة الناس وكثير من خاصتهم؟
ليت أن الحكمة تؤخذ من كتاب الله.
ليت الحكمة تكون: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك) (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)
ليتها تكون: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)
ليتها تكون: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه)
أو ليتها تؤخذ من قول الله تعالى: (ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله)
ليتها تكون: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) … (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)
لا … ليست الحكمة عند غالب الناس شيئاً من ذلك.
بل إن الحكمة تحولت وتبدلت حتى أصبحت مجموعة من الأقوال المتداولة والأمثال الشعبية يحفظها الجميع ويرددونها ويؤمن بها كثير من الناس أكثر مما يؤمنون بما في كتاب الله.
فالحكمة هي (العين لا تقاوم المخرز) “وهل يبقى لك كلام بعد هذا المثال المفحم؟!”
والحكمة هي (امش الحيط الحيط وقل يا الله الستر) (الإيد اللي ما بتقدر عليها، بوسها وادعي عليها بالكسر) و (إذا جن قومك لم ينفعك عقلك) و (الباب اللي بيجيك منه الريح سدو واستريح ) ..
والحكمة في أحسن الأحوال هي مجموعة من الآيات استعملت في غير موضعها وعلى غير وجهها الصحيح، أو اجتُزئت من سياقها فالتبس معناها، أو كان يجب قرنها بآيات أخرى تكمل معناها وتوضح المقصود بها، لكنها ذكرت وحدها فتوهم الناس – غفلة أو تجاهلاً- معنى غير المعنى المراد بها، أو آيات تشير إلى الاستثناء من القاعدة، فإذا بها تصبح القاعدة التي لا تحتاج إلى الاستثناء أو التي لا يصح الاستثناء منها.
(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم)

(إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )

( لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها )

فالحكمة ما عادت طريقة صحيحة للتعامل مع الأحداث والمواقف على أساس مبادئ ثابتة وعقيدة واضحة، بل أصبحت (الحكمة) عند كثير من الناس – بوعي منهم أو بغير وعي- الوصفة الجاهزة لتعطيل أي مبدأ وجعله في حال من وقف التنفيذ.
فالحكمة هي الخضوع للواقع – مهما كان هذا الواقع بعيداً عما أراد الله – وهي الاستكانة للظلم – مهما تحدثنا عن عزة المسلم- وهي القعود والكسل وانتظار (فرج الله) كأن الله لم يقل: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وكأن الله تعهد بالنصر والتأييد للقاعدين المتكاسلين المتوكلين على غيره الخائفين من سواه، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
فإن قلنا: ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا؛
ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ألا تخشوا الناس واخشوا الله, فاستجبنا؛
ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ألا تحملنّكم خشية الناس على معصية الله وترك فعل الخير، فاستجبنا؛
ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي أن من يتوكل على الله فهو حسبه، فآمنا,
ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ونوّر لنا طريقنا وسدّد خطانا وآتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.
إن قلنا شيئاً من ذلك أو عملنا به، سارع الكثيرون إلينا منكرين أو مشفقين، مسفّهين أو متعجبين.
بل إن في هؤلاء أناساً طالما سمعنا وسمع الناس منهم ذلك الكلام وطالما وجّهونا به وعلّمونا إياه، فلما “آمنا” واستجبنا وجدنا منهم غير ما كانوا يقولون، وإذا القول شيء والفعل شيء آخر.
لا عجب بعد ذلك كله أن يفقد الكلام كثيراً من معناه وأن تفقد الخطب كثيراً من تأثيرها، بل أن يصبح الكلام خلواً من المعنى والخطب أبعد ما تكون عن التأثير.
وفي ذلك الجو العام من التثبيط والتقعيد، والغفلة عن ذكر الله وعدم قدْرِ الله حق قدره، وفي واقع الانغماس في الدنيا والانقياد وراء الواقع الفاسد وغياب العقيدة الواضحة الدافعة إلى العمل، نفهم قوله تعالى : (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
وفي مقابل البون الشاسع بين القول والعمل – الذي كَبُر مقتاً عند الله- والتناقض الصارخ بين الحال والمقال، نفهم قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُون)
اللهم هبنا حقيقة الإيمان بك حتى لا نخاف غيرك ولا نرجو غيرك ولا نعبد أحداً سواك

15 يناير 2010 11:06 ص | مقالات


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 8 على “حين يفقد الكلام معناه- بقلم : محمد شحادة”

  1. محمد يقول:

    أولا أرحب بمقال أخينا محمد شحاده وأشكر أخي عماد الذي زودني به.
    وأرحب به إن تصادف أن دخل موقع من فتى وأتمنى أن يتحفنا بمقالات أخرى.
    ثانيا: كان عندي تعليق طويل إلى حد ما على استخدام غاندي عند بعض المعجبين به عندنا وإنه ليستحق الإعجاب والثناء طبعا.
    وما سأكتبه الآن عن وضع غاندي عندنا هو خواطر لا علاقة لها بمقال أخينا محمد شحادة ولكن الحديث ذو شجون كما يقال.
    هناك ظاهرة أسميها عادة باسم عام “الالتباس” وهو إساءة الفهم وإسقاط واقع محلي على واقع غريب عنه.
    لفت انتباهي في المعجبين بغاندي في سوريا إهمالهم التام تقريبا لبعد في غاية الأهمية عند غاندي هو بعد “الخدمة” فقد كان يمارس الخدمة بكل معانيها حتى للأشخاص وليست خدمة أرستقراطية مثل خدمة المحامي فقط بل الخدمة الشعبية مثل تنظيف المنازل والشوارع والعناية بالمرضى والتطوع في وقت الجوائح الخطيرة (كالطاعون مثلا).
    هو لم يكن يقرف من مجتمعه وهذا فرق جوهري مع أحد أصحابنا الذي أعلن (وهو معجب بغاندي على أساس :) )أنه حين نال جنسية كندا وتنازل عن الجنسية السورية فقد سار من الأدنى إلى الأعلى.
    أعتقد أن غاندي على كل سلميته كان يمكن أن ينتف شعره إن قيل له إن هذا تلميذ له :)
    أقل شيء كان سيفعله هو إعلان الصوم حتى يزول هذا الظلم :)
    ولو تركنا المزاح جانبا فسألاحظ أن الحالة المأساوية لعلاقة السياسة بالمجتمع عندنا قد جعلتنا مفرطين في التسيس معارضات وحكومات بحيث لا نفهم أي تغيير خارج إطار المواجهة مع السلطة ولأجلها سواء كانت المواجهة من النوع العنيف أو من النوع المسالم.

  2. عماد العبار يقول:

    تفادياً لحدوث أي “التباس” وعلى هامش موضوع المقال وعلى اعتبار أنني ربما هذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها عن شخصية كغاندي أقول أن مسألة الإعجاب تختلف من شخص لآخر ، فالأمر متعلق حتماً بالشخص المعجب أو المتلقي للتجربة ، ففي الوقت الذي تشكل الشخصية التاريخية مثالاً للدراسة والاستفادة من نتائج التجربة ، دراسة علمية تتفهم اختلاف الظروف والوقائع التاريخية دون تجاوز الاختلافات الجوهرية ، قد تكون عند البعض حالة من الاستلاب الذي تتعطل معه كل قدراتهم الإدراكية وهو أمر مذموم حسبما أعتقد سواء كانت الشخصية التي نستلب أمامها شخصية ” محلية ” من رحم واقعنا أم كانت شخصية ” مستوردة ” غريبة عنه …
    الناحية الأساسية التي يؤكد عليها المقال هي حالة فقدان المعنى الذي يعبر عنها فقدان الأثر أو الفعل … وعندما يذكر غاندي أو غيره ضمن هذا السياق فإن الكلام يعبر عن شخص ترك أثراً لايمكن تجاهله ، بل سيفرض احترامه داعياً العالم كله لدراسة التجربة التي تركت ذلك الأثر ، وأستطيع القول أيضاً أن هذا الأثر وتلك الأهمية لا علاقة لهما بكون التجربة سلمية فالأمر نفسه سيحدث مثلاً مع المقاومة الفلسطينية عندما سيقدر لتجربتها النجاح …
    أنا لا أدعو هنا إلى الإسراع بتطبيق هذه التجربة أو تلك على واقعنا دون مراعاة الاختلافات الجوهرية … وكذلك فإنني لا أدعو إلى تبني فكرة اعتبار أن أي تجربة تأتي من خارج حدودنا هي تجربة غريبة وبالتالي فهي غير ملائمة للتطبيق عندنا …
    وفي الحقيقة فأنا أدعو إلى أن يطرح صاحب كل وجهة نظر نظريته مع براهينها التي تثبت ملاءمة تلك التجربة أو عدم ملاءمتها لواقعنا دون اعتبار لأي وصفات فكرية جاهزة تقرر الملاءمة من عدمها …
    هذا ويبقى للحديث بقية …

  3. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    كلامك صحيح أخ عماد إذا كنا نتحدث عن أمر شخصي خاص يتعلق بالإعجاب او الاهتمام الذي لا ينتج عن اهتمام أعم, فكما أعتقد أن المهتمين بغاندي في بلادنا لم يكن اهتمامهم به ناتج عن ميل أو هواية أو ما شئت من مبررات الاهتمام الشخصي الأخرى, ولكنه اهتمام ناتج عن همّ البحث عن النهضة, وعن تلك الأمور التي اعتقدوا أنها تنقصنا وتلزمنا في مجتمعاتنا, فتركيزهم على جانب اللاعنف في مسيرة غاندي يدل على أنهم يركزون على جانب يتعلق بالسياسة بالدرجة الأولى, ودحض تلك الفكرة التي تقول إن الإصلاح لا بد له من عنف.
    وانا أعتقد أن الاهتمام بجوانب أخرى من حياة غاندي لا تقل أهمية عن جانب الساتياغراها أو اللاعنف الذي دعا إليه, منها جانب الخدمة الذي تحدث عنه الأخ محمد, وجانب الانتماء والمواطنة والاندماج في المجتمع, وهذه كلها أمور نحن بحاجة لترسيخها في مجتمعاتنا الباحثة عن النهضة.

  4. محمد يقول:

    غاندي
    كنت قرأت قديما كتابين لغاندي هما “قصة اللاعنف في جنوب أقريقيا” و “قصة تجاربي مع الحقيقة” وقرأتهما طبعا باهتمام ولكن ليس بدون امتعاض من بعض النقاط عند غاندي مثل اهتمامه الكامل بحركات فكرية “غير مهمة” حين يستعرض قراءاته ونقاشاته (وكلها تيارات دينية موجودة في إنكلترا التي مكث فيها بضع سنين لدراسة الحقوق ثم في الهند وجنوب أفريقيا) فالمثقف الذي كنته (ثم عافاني الله وبطلت :) ) كان لا يفهم كيف لا يشير غاندي لا إلى ماركس ولا إلى كانط ولا إلى فرويد لكي لا نذكر لينين وتروتسكي :) .
    وحين أعدت قبل شهر قراءة كتابه الكبير الحجم “قصة تجاربي مع الحقيقة” بعد أن كبرت وعقلت (أو بالأصح قل جهلي قليلا :) ) لفت انباهي وفي اتجاه عاطفي معاكس (أي بإعجاب) أن غاندي لم يكن مثقفا بحال من الأحوال وأن قراءاته كانت محدودة حتى أثار هذا نقد أستاذ له في الحقوق ونصحه بالاطلاع على أحوال العالم!
    ومن سيرته يبدو أنه لم يعمل بهذه النصيحة كثيراً فقد كان رجلا متدينا مهتما بالدين أساسا وحين كان يقرأ كان يقرأ عن الأديان. هذا من حيث “الثقافة” وأهدي هذه الملاحظة للمثقف العربي عموماً والمثقف السوري خصوصا! :)
    غاندي منغرس في الهندوسية وهو هندوسي مؤمن. هذا ما نراه عمليا ويصرح به قوليا على طول الكتاب وعرضه، ولكنه لا يقبل كل ما يمارسه الهندوس بل له نظرته الخاصة التي تريد اجتثاث ما يراه لا أخلاقيا في الهندوسية أو في المجتمع الهندوسي (لمعرفة أي الخيارين صواب لا بد من قراءة عميقة في الهندوسية وفي المجتمع الهندي لعدم الوقوع في الالتباس وببساطة هذه المعرفة غير موجودة عندي وعند العرب الذين أعرفهم من المعجبين بغاندي فاقتضى التنويه!)
    ومن أكثر الظواهر التي يدينها ظاهرة التعامل مع “المنبوذين” وهذا التعامل يصعب علينا فهمه في مجتمعنا فهو يبدو لي أقرب إلى الأمر الديني عندهم ويمكن على ما يبدو لي تشبيهه بتنجيس غالبية المسلمين للكلاب فقد كانوا يتعاملون مع المنبو1ين من هذه الناحية تعاملنا مع الكلاب فقد كانوا يتجنبون الأوعية التي لامسها المنبوذ وبصورة وسواسية فحين كانوا يرون شخصا لا يعرفونه كانوا يبعدونه عن الآبار لأن من الممكن أن يكون منبوذا (راجع “قصة تجاربي عن الحقيقة”).
    وتحريم غاندي للحوم على نفسه، ثم لاحقا جميع المنتجات الحيوانية، ثم مآكل أخرى، له أصل أولا ديني ثم له أصل يصفه مثقفونا بالتقليدي (وهو تعهده لأمه أن لا يذوق لحم البقر في إنجلترا) ثم له أصل أخلاقي يتبدى حين حرم الحليب على نفسه تعاكفا مع معاناة البقر والحيوانات عند حلبها كما بلغته. وأخيرا لدينا تحريمه للعلاقات الجسدية مع زوجته وهي ممارسة تسمى عندهم “براهماتشاريا”.
    ومع هذا الزهد الخارق الذي سمة الحياة فيه الصوم يدخل مبدأ مفعم بالتواضع لعله غير مفهوم في سياقنا الاجتماعي أو لا يكاد مفهوماً هو مبدأ الخدمة وهو لا يتضكن خدمة المجتمع فقط بل الخدمات الشخصية لمن هب ودب وفي أكثر أشكال الخدمة إزعاجاً مما لا يكاد يقوم به عندنا إلا الممرضون و”الزبالون” وبأجر طبعاً.
    ومع هذه المحبة للإنسانية والمخلوقات كلها لعلنا لا نفاجأ بمبدأ الساتيا غراها فهو منسجم مع مجمل التكوين الديني الأخلاقي الشخصي لغاندي.
    إن غاندي لا يكره أعداءه ولا يبرح يعيد مبدأ كره الشر لا كره صانعه! وهو يجتهد لفهم وجهات نظر الخصم (الساتياغراها ليست مقاومة لا عنفية فهو لم يعجبه هذا الاسم الغربي حين اقترح عليه لأن الأخير سلاح الضعيف حين لا يستطيع استعمال العنف ويتضمن كره الأعداء).
    ما تقدم من قول محاولة أولية جدا لوضع غاندي في سياقه ومحاولة جاهدة في مراحلها الأولى لتجنب كل التباس حين الاستشهاد بتجربة غاندي.

  5. عماد العبار يقول:

    كلامك سليم أختي رغداء
    حتى اللاعنف الذي انتهجه غاندي سيكون بلا قيمة فيما لو أن غاندي نفسه تخلى عن جانب الخدمة التي تحدث عنها الأخ محمد أو جانب المواطنة والاندماج …
    بل إن عدم توافر مثل هذه ” القيم ” سيجعل من مثال غاندي أو غيره من الأمثلة غير مناسبة لموضوع المقال .. وعندها ستفقد هذه التجارب معانيها بكل بساطة …
    وأنا حقيقةً لم أكن أقصد الإعجاب الشخصي بمعناه الضيق وربما لم أكن دقيقاً في اختيار التعابير … فقد كنت أقصد ذلك الإعجاب الذي يمثل توجهاً لفئة تسعى نحو النهضة ، والتي ترى في نماذج إنسانية معينة نماذجاً تستحق الدراسة للاستفادة منها …
    قصدت أن ألمح إلى فكر معين يلغي فعالية الكثير من التجارب الإنسانية لدوافع مختلفة منها اختلاف الظروف واختلاف البيئة ومنها أيضاً الاختلافات الفكرية والدينية ، فتلك التجربة أثمرت في الواقع الهندي أو الغربي أو الإفريقي وبالتالي لاتناسب واقعنا العربي ، وكذلك تلك التجارب قامت على أرضية فكرية مسيحية أو سيخية أو بوذية وبالتالي نحن المسلمون في غنى عنها لأنها من المفترض أن تتعارض مع قيمنا في مرحلة معينة وهكذا … والنتيجة واحدة في كل الأحوال
    بحيث أصبحت تلك المقولات في كثير من الأحيان قوانين يتم من خلالها تصفية تلك التجارب وتعطيل فائدتها العملية …
    طبعاً أنا لا أنفي وجود توجهات مقابلة تعامل تجارب معينة على أنها قوانين منزلة لايعتريها الخطأ وقد يكون لها ظروف محددة … ولذلك أنا أدعو إلى دراسة التجارب التي نعتقد بأهميها بدون وجود ميل مبدئي للتعطيل وبدون قرارات مسبقة بضرورة التفعيل أو الاعتقاد بحتمية النتيجة المرجوة في هذا الواقع أو ذاك …
    مع التحية

  6. رغداء يقول:

    كلام سليم أيها الإخوة

  7. أحمد شربجي يقول:

    يا شباب
    غيرتوا مسار الحديث كله إلى غاندي وأعمال غاندي
    وتركتم المقال القيّم للأخ محمد شحادة الذي أحييه من هنا من الكاميرون
    وأقدر جهوده وجهود إخوانه جزاهم الله خيراً وأخذ بأيديهم إلى ما فيه نفع الأمة
    وأتمنى أن أكون أنا أولاً ثم غيري من الشباب على قدر من المسؤولية والهمة العالية كهمة هؤلاء الشباب وأقوالهم وأفعالهم
    أما عن المقال فلا يحتاج إلى تعليق كثير فقد وضعت يديك وقلمك على الجرح ولاحول ولا قوة إلا بالله

    شكراً محمد
    والسلام عليكم

  8. رغداء يقول:

    أهلاً بك أستاذ أحمد
    وأعتقد أن الكلام عن غاندي لا يغير مسار الحديث ولا ينقص من قيمة مقال الأستاذ محمد, بل إن التركيز على أعمال غاندي المتعلقة بالخدمة العامة يصب في مقصد المقال حسب رأيي

أكتب تعليقاً