يوم ماراتوني

الكاتب: رغداء

يوم ماراتوني

أكرم العفيف

استيقظ الصباح عندي السابعة .. لبست ثيابي ورحت راجلاً نحو عملي ألبس ثوباً جديداً بلا سيارة. وبدأت أتصفح وجوه الناس والطريق والأرض بعد يوم ماطر, ولفت انتباهي وجوه المارة, الناس من حولي منهم من يلقي التحية ومن لا يلقيها وصوت العصافير الباحثة عن طعام لأفراخها أو لها .. وخطر في بالي أن أقوم بقراءة وجوه الناس في ذلك اليوم. ولفت انتباهي تجهم وجوههم وحاولت أن أقرأ في أخاديدها المجهدة التي تحمل هموم الدنيا وتمنيت للحظة لو أن نهر الدموع انفلت على تلك الأخاديد سقياً بصدق المشاعر وصولاً ربما لربيع أو إملاء لتلك التجاعيد فرح محبة.

هذا أخاديده متجعدة للأسفل حاملة معاناته وهمومه وآماله وأحلامه, وبعضهم لعدم قبض رواتبهم لأشهر من شركتهم…..وذاك للأعلى راسمة ضحكة ملؤها الحزن…..

هذه المشاهد التي رأيت هي الوحيدة الصادقة في عصر أصبح جسده منهوباً بالكذب والنفاق والمظهريات الخادعة, وخجل الناس من كونهم وما هم ….وكون اللعبة أعجبتني رافقتني طيلة النهار وقرأت وجوه من أعرف وحاولت أن أسقط ما أعرف من مشاكلهم على تلك التجاعيد ووجوه من لا أعرف واجتهدت في التخمينات مما ظهر من تلك التجاعيد وصولاً لذلك (الختيار) الذي يكاد يلصق بطنه بظهره وظهره انحناء للأرض تقريباً, والذي تعجز نكات الأرض أن ترسم على وجهه ابتسامه, وعندما  انتهى دوامي… وعدت للبيت عابراً نفس الطريق مستقبلاً تحيات المارين وشاكراً لوقوفهم ليقلوني إلى بيتي وأنا أرفض ماشياً على طريق أضع عليه كرشي بما يسمى رياضة المشي, ولي مع الكرش قصة طريفة فابن أخي الصغير لديه قناعة غير قابلة للعكس بأن الأمهات ينجبن البنات والآباء ينجبون الذكور وعليه فهو ينتظر أن أنجب له ابن عم صغير ويسألني بمناسبة وبدون مناسبة عن تاريخ المولود حيث لا يستطيع أن يتصور أنا ما ببطني هو طعام وشحم ولحم.

وصلت لبيتي لأقرأ وجوه أسرتي فأولادي وجوههم متجهمة لأنني بعت السيارة وزوجتي لأنني تزوجت عليها ثانيةً بغير عقد رسمي وأجلس مع ضرتها أضعاف مرات جلوسي معها بل وأكاد لا أجلس معها إلا لمعالجة موضوع غالباً ما ينتهي بخلاف وأزمة فلا كانت هذه الجلسة ولا كان هذا الحوار, أما ضرتها التي بدأت تتمنى لو أن العالم لم يوجدها فهي الكومبيوتر والانترنيت…

وفي عصر اليوم نفسه ذهبت للحلاق لأقص شعري ولدى الحلاق مرآة ميزاتها أنك تستطيع أن ترى رأسك من الخلف وانتبهت فوجدت أن شيبي الأربعيني من الأمام أضعاف مضاعفة عن شيبي من الخلف وتساءلت عن السبب وبلا تردد أتاني الجواب من داخلي (اللي عما يشوف هيك خلق كل يوم عدة مرات ما بدو يشيب؟ وأقصد نفسي) فضحكت بيني وبين نفسي وسط دهشة الحلاق وارتباكه من ضحكتي غير المبررة.

وفي السهرة على الانترنيت وفي نهاية اليوم وحيث يجب أن أذهب للأحلام السعيدة أعدت قراءة المشهد اليومي بعين متفائلة, لقد استيقظ صباحي في السابعة والماء البارد على وجهي منعش لدرجة الحياة وصباح الخير من الأولاد ومن الشمس التي أطلت على وجهي منذ فتحت باب البيت,  دخلت المطبخ فوجدت رغيف مغطوطة وكم أحب المغطوطة وكسرت عادتي بالفطور ففطرت وشربت الشاي وخرجت متصفحاً ورقات الطريق المبتل بالمطر والأرض التي بدأت تبتسم عن خضرتها والصباحات والتحيات من المارة (صباح الخير أبو ميلاد… صباح النور … بوصلك أبو ميلاد … لا شكراً .. كيفك اليوم؟ … الله يسلمك … وينك يا زلمة … شوية مشاغل وشوية غشمنة ….) وصولاً لمجرى العاصي ونهر البارد وقد زادت مياههما بعد المطر الذي نزل فرحاً وعشقاً لأرض طالما انتظرته, وقبلها إلى قرب منزل أخي وابنته في الروضة هديل التي ركضت نحوي لتلوذ بصدري كحمامة بيضاء وبدأت تغني لي أغنية علمتها إياها (أمي نامت ع بكير وسكر بيي البوابي وأنا هربت من الشباك وجيت لعيد العزابي) وتجهد نفسها ويديها الناعمتين لتمثل نوم أمها وكيفية تسكير البوابة من أبيها وشباكها المفتوح وحركة الستارة خاصتها والهواء يلوحها.  وفي العمل …. وبعد صباح الخير لعمال الشركة … (ولك …. ليش عابسين …؟ وضحكة مع أحد النكت اللي بيحبن قلبكن واللي ما بينحكو هون…) وفي العودة تكرر مشهد الناس المحبين الرائعين وتحياتهم ومحاولاتهم لتوصيلي ولقاء ابن أخي قرب منزله ليسلم ويسألني ذاك السؤال وشتمت أباه وتابعت وصولاً لبيتي, وفي السهرة قراءة بقصائد مغضوب عليها لنزار قباني وتغني ابنتي هدى … لتستسمح الحاكم أن يعطيها حرية النباح ونضحك حتى عملنا مسابقة من يستطيع تأليف أكبر كذبة وأسماع الشباب (ويلاه ويلي لا أهل … ولا طلع الخبر …) وخلال تصفحي الانترنيت مزيد من الصور العجيبة والأخبار المضحكة التي نتفرج عليها مجتمعين… وتساءلت من أنا؟ من هذان؟ أم أنني الاثنين معاً؟  سؤال وجيه وانتهت الحكاية…

لا تؤاخذوني يا شباب إذا لم تعجبكم الحكاية اعتبروها نكتة وإذا لم تعجبكم تعرفون قانون النكتة (البايخة) فإذا لم تعجبكم النكتة اضحكوا على صاحبها, لكن لا تعبسوا, (والله ميلل خلقي من اللي عيبسين وخاصة أنا مضطر طلع بوجهي عبر المراي لأربع خمس مرات على الأقل)
أكرم العفيف

19 مايو 2010 05:09 م | أدب و على الأرض


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 7 على “يوم ماراتوني”

  1. اكرم العفيف يقول:

    الأخت رغداء أنا تعمدت ان اكتب ( استيقظ الصباح عندي السابعه ) وهو برايي تشبيه بليغ كنت اتمنى ان لا تبدل العبارة وشكرا” لك

  2. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    يا سيدي أعتذر عن التبديل, وقد أعدت العبارة كما كانت. بالمناسبة المقال جميل شكراً لك

  3. اكرم العفيف يقول:

    شكراً لك أخت رغداء على تواضعك وهذا ليس بالغريب على من كانت تمتلك مثل ثقافتك وكما قيل : ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤسهن شوامخ
    اشكرك ثانية على اعادة العبارة والثناء على المقال

  4. محمد يقول:

    أخي أكرم عندي سؤال فضولي:
    عن جد بطل القصة متزوج على زوجته؟ :)
    “استيقظ الصباح عندي” على أن الصباح فاعل في الجملة تعبير جميل.
    لكن ما إعراب “السابعة”؟ :)

  5. اكرم العفيف يقول:

    أخي محمد بطل القصة هو أنا وهو يوم عادي من أيامي بل هو ككلها ولكنني عشت فيه تأملاً يعيشه أي منا في أيامه من خلال ما رأيته وسمعته في ذلك اليوم وهي واقعه في يوم واحد حقاً ولا ادري ان كانت وصلت الفكرة التي أردت أن أوصلها ولكنني أستطيع أن أوجزها في صدر بيت الشاعر أو عجزه لست أدري : كن جميلاً ترى الوجود جميلا
    أما إن كان البطل متزوجاً على زوجته فالجواب لا بل يعني علاقته بالحاسب والانترنيت الذي يجالسه طويلاً أما عن إعراب السابعه فلست أدري ولست من الضليعين في اللغة وستجد ذلك جلياً من خلال بعض أو الكثير من الأخطاء في مقالاتي فأرجو من حضرتك عدم التدقيق ولكني أقدرها : استيقظ الصباح عندي في السابعه ؟ فأعتقد أنها اتضحت أشكر لك مرورك ورقي تعاملك أخي وأستاذي الكبير

  6. محمد يقول:

    شكرا أخي العفيف.
    ما رأيك في تقليل هذه الألقاب بيننا؟
    سرني والله أن البطل لم ينزوج على زوجته إلا الكمبيوتر وهو مع أنه شر لكنه أخف :) .
    أما عن اللغة فما هي بمشكلة خاصة بك إذ هي كما تعلم مشكلة عامة للأسف :(
    وإن كان المضمون أهم فمضمون مقالاتك لا يعلى عليه.

  7. اكرم العفيف يقول:

    شكراً أخي محمد على مرورك أما عن الألقاب فمعك حق إذا كانت من باب التكلف على مبدأ قول الإمام علي كرم الله وجهه : شر الناس من تكلف له ولكني أجدها في موقعها الطبيعي عندما أتكلم عنك
    كما أعتز بشهادتك بمقالاتي
    أما عن الزواج على الزوجة فالله يستر من آخرتها ؟؟؟؟

أكتب تعليقاً