وكأنه عندنا!- دستويفسكي ناقداً الاستلاب اللغوي للأرستقراطية الروسية-محمد شاويش

الكاتب: محمد

وكأنه عندنا!
دستويفسكي ناقداً الاستلاب اللغوي للأرستقراطية الروسية
محمد شاويش

وصف دستويفسكي في مقطع هجائي جميل من “يوميات كاتب” حالة الشعور العميق بالنقص التي كانت تسود عند جانب كبير من الأرستقراطية الروسية والمثقفين الروس تجاه الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية. وما يصفه نجده في روايات “الأدب الكلاسيكي” الروسي في أماكن مختلفة ومنها روايات تولستوي.
وهناك عندنا جانب مجهول من الثقافة الروسية في العهد القيصري هو جانب المدافعين عن الهوية الثقافية الروسية المستقلة (وبعضهم يسمى في كتب غربية “عشاق السلافية” – بالألمانية Slawophilen) فقد اكتسح الساحة عندنا الاهتمام بالروس الثوريين المعجبين بالثقافة الغربية، ولا شك أن الاشتراكيين الماركسيين (البلاشفة والجناح الآخر) كانوا على رأس هؤلاء ولعل القارئ المتابع يذكر هجمات لينين العنيفة على “القروسطية الروسية” ويشبهها بإسطبلات أوجياس التي تحتاج إلى هرقل لتنظيفها، وإن يكن هذا النقد الثقافي العنيف لم يشتهر حتى عند ماركسيينا لأن التركيز كان على الجانب الطبقي الاقتصادي من اللينينية، وهذا البعد الثقافي “التنويري” وفقا لمصطلح المثقف العربي الحالي كان ياسين الحافظ من أول من اكتشفه وسلط الضوء عليه.
في النص الذي أتكلم عنه ويجده القارئ في هذا الرابط:

http://www.manfata.com/%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85/

يسخر دستويفسكي من فرنسية الروس قائلاً إنها متكلفة . إنهم “وسواهم لن يستطيعوا أبداً أن يحوزوا ويتمثلوا كل الخصائص الجنسية الفطرية الأساسية التي تتسم بها اللغة الفرنسية الحية إذ لم يولدوا فرنسيين أصلاً”.
وهو يسخر منهم حين يقلدون الصبيان الفرنسيين الأجراء عند حلاقي بطرسبورغ ويقول بعبارة لاذعة تذكرنا ولا شك بحال جزء لا بأس به من الثقافة العربية المعاصرة بل ومن المجتمع العربي المستلب لغوياً أيضاً “إن الاختيال بكل هذه التبعية الذليلة شيء مقزز”.
ويقول “من البديهي أنهم هم أنفسهم لا يدركون كل رداءة وبؤس هذه اللغة (لا أقصد اللغة الفرنسية، بل تلك التي يتكلمون بها) وبحكم تخلف أفكارهم، وقصر مداها، وضيق أفقها تراهم راضين جداً بنلك الأداة التي آثروها للتعبير عن أفكارهم القصيرة المدى”.
ويروي دستويفسكي الطرفة التي ذكرها تورغينيف عن الروسي في باريس الذي طلب البافتيك بالفرنسية ثم أصيب بالإحباط لأن روسياً آخر طلب البافتيك بتعبير جديد لم يكن قد تعلمه وخاف أن النادلين الفرنسيين سيحتقرونه على ذلك!
ويقول دستويفسكي مشخصاً وضع هذه اللغة الفرنسية الروسية: “إن هذه اللغة أشبه ما تكون بالمسروقة، ولذا ليس بوسع أحد من هؤلاء الباريسيين الروس أن يستحدث في هذه اللغة المسروقة على مدى حياته كلها تعبيراً واحداً من عنده أو كلمة جديدة مبتكرة واحدة يمكن أن يتلقفها الآخرون وتدرج بين الناس. وهذا أمر يقدر على فعله أي صبي أجير عند حلاق”!.
وهذه كما يرى القارئ رمية صائبة في صميم الاستلاب اللغوي والثقافي في أي مكان كان ولا سيما عندنا، حيث تعاني الثقافة العربية المستلبة من فقدان روح الإبداع والقيام بدور “الكمبرادور الثقافي” كما أسميه (أي دور الوكيل المستورد للثقافة توازياً مع “الكمبرادور الاقتصادي” الذي وظيفته القيام بدور الوكيل للمصالح الاقتصادية الغربية).
يقرر دستويفسكي العلاقة الوثيقة بين التفكير واللغة ثم ينتقل إلى القول إن تعلم لغة أجنبية “بقدر ممكن من الكمال” لا يمكن إلا بعد أن نكون قد استوعبنا بالقدر الممكن من الكمال المادة الأولية، أي اللغة الأم.
ولكنه بعد هذا ينتقل إلى تقرير تفوق اللغة الروسية على اللغات الأوروبية! والدليل أن الروسية تستطيع أن تترجم الأعمال الأوروبية أما العكس فلا! “من المخيف القول: إن الروح الأوروبية ربما ليست بالغة التنوع، وهي أكثر انغلاقاً على خصوصيتها من الروح الروسية. على الرغم من أنها عبرت عن نفسها على نحو أكثر كمالاً ووضوحاً من تعبير روحنا عن نفسها. ولكن إذا كان من المخيف قول هذا فلا بد من الاعتراف، على الأقل، والأمل والسرور يغمران روحنا، بأن روح لغتنا هي بدون شك بالغة التنوع وغنية ومتعددة الجوانب وتحيط بكل شيء، وذاك لأنها استطاعت بأشكالها التي لم تستكمل بنيتها بعد أن تنقل نفائس وكنوز الفكر الأوروبي. ونحن نشعر أن هذا النقل دقيق وصادق”.
قلت: في نفسي شيء من هذا الشعور! والفقير لله كما هو معلوم عنده دائماً وسواس الالتباس في تفاهم الثقافات المختلفة.
ولكن دستويفسكي بعد هذا ينتقل إلى الدعوة للعودة إلى الشعب-اللغة، ذاكراً أمثلة من عظام أدباء روسيا الذين اضطروا للتعلم الذاتي لامتلاك هذه اللغة المرتبطة بالشعب ومن هؤلاء بوشكين.
وشعار “العودة إلى الشعب” كما يذكر القارئ كان شعار جملة من الثوريين الاشتراكيين من ذلك الفرع الذي كان يراهن على بناء الاشتراكية على أساس البنية التاريخية للقرية الروسية (وهم “أصدقاء الشعب” الذين نقدهم لينين مهاجماً فكرة “الخصوصية الروسية” وقد تولى تحطيم هؤلاء طرفان متعاديان: الشرطة القيصرية والهجوم الماركسي الروسي الغربي النزعة).
ومحاججات دستويفسكي تذكرنا بوضعنا اللغوي بقوة، وهي تنطبق إلى حد لا بأس به على “الفرنكوفونيين” عندنا، كما تنطبق على أنصار الإنجليزية ولا سيما الأمريكية منها.

18 مارس 2010 10:14 م | مقالات


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

تعليق واحد على “وكأنه عندنا!- دستويفسكي ناقداً الاستلاب اللغوي للأرستقراطية الروسية-محمد شاويش”

  1. رغداء يقول:

    بالفعل كأنه عندنا, ولكن فيودور ديستويفسكي كان يمتلك وعياً لخطر الاستلاب اللغوي يفتقده كثيرون من مثقفينا الذين يرصعون مقالاتهم بكلمات أجنبية بمناسبة وبدون مناسبة فقط لتدل على معرفتهم بتلك اللغة وثقافتهم.

أكتب تعليقاً