وقفات مع كتاب (4)

الكاتب: رغداء

الوقفة الختامية

نور الهدى

من هو د.هوستن سميث؟

هوأستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية وصاحب مؤلّف “أديان العالم” الأكثر مبيعاً ورواجاً.كان المؤلّف يُعرب عن رفضه الشديد لفكرة انحصارية النجاة في المسيحية التي تتردّد كثيراً في أوساط البروتستانتية، معتبراً إيّاها جهلاً ذريعاً بحقيقة أديان العالم الكبرى وما تتضمّنه من عُمق روحيّ أصيل، إذ كان يرى أنّها جميعاً طرق مختلفة توصل لنفس الحقيقة المطلقة وتُحقّق خلاص الإنسان ونجاته إن سار على نهجها بإخلاص، لأنّ جوهرها النهائيّ واحد يتلخّص في أن يُعامل الإنسان الآخرين بالمحبة والعدل والإحسان، تماماً كما يحبّ أن يعاملوه كذلك. وقد ذكرت حوارات أُجريت معه أنّه منذ 26 سنة يُصلّي باللغة العربية خمس مرات في اليوم، كما أنّه يمارس اليوغا كل يوم صباحاً، هذا مع استمراره بروتستانتياً ميثودياً. وعندما سئل عن ذلك أجاب مستعيراً التشبيه التالي: “وجباتي الأساسية هي المسيحية ولكنني أومن جداً بضرورة إضافة الفيتامينات المقوية وهي التي آخذها من أديان العالم المختلفة كالبوذية والكنفوشية والهندوسية والإسلام واليهودية، والطاوية والديانة الأمريكية البدائية ( للهنود الحمر)”

فكما هو مُلاحظ؛ يبدو أنّه شخص غير عادي. وهذا التنوّع في الديانات بارز في كتابات الدكتور..

إنجازاته:

دافع كثيراً من خلال كتاباته ومحاضراته عن الدّين وضرورته الحتمية في حياة البشر، وركّز على “بيان روح وحكمة أديان العالم وفلسفتها وجوهرها المشترك، ومخاطر عصر العلم والحداثة في ابتعاده عن الإيمان وخوائه الروحي الذي أغرق الغرب في نفق المادية المظلم وسجن الفردانية والأنانية التعيس.” كما يُلخّص ذلك مترجم الكتاب.

أهمّ أفكار الكتاب:

لا يخفى أنّ هدف الكتاب الرئيسي هو تبيين قُصور التفسير المادي العلمي للعالم واقتناع صاحبه أنّ التفسير التقليدي (الديني) للعالم هو التفسير الأصحّ. فقد سعى الكاتب لحجد البراهين والنماذج الشاهدة على صحّة ما ذهب إليه.

فقد شبّه النظرة العلمية المادية للعالم بهذه الصورة وهذه الحكاية التي أرى ضرورة إيرادها هنا لأنّها تُلخّص ما أراد الكاتب أن يُوصله فيما يخصّ هذا التفسير:

الصورة:

تصوّر نفسك في بيت شعبي (من طابق واحد) في شمال الهند ، وأنت أمام شباك زينة يُطلّ على منظر مدهش لجبال الهمالايا؛ إنّ ما فعلته الحداثة، في الواقع، مُشابه تماماً لكونك تقوم بإسدال ستارة أمام تلك النافذة حتى مقدار بوصتين فقط فوق عتبتها (أرضيّتها). عندما أُمِيلت أعيُننا نحو الأسفل أصبح كلّ ما يُمكننا أن نراه الآن من الفضاء الخارجي هو الأرض التي بُنيَ عليها البيت. في تشبيهنا هذا تُمثّل الأرض العالم الماديّ، ولكي نُعطي الأمور حقّها عندما تستحق ذلك بجدارة، نقول: إنّ العلم قد أظهر لنا العالم رائعاً جداً بشكل لا يُصدّق. ولكن مع ذلك فإنّ هذا العالم الذي يظهر لنا، ليس جبل ايفريست.

الحكاية:

يُخبرنا “إي إف سكيوماخر” في كتابه: “دليل الحائر” عن تيهه وضلاله الطريق بينما كان يُشاهد معالم مدينة موسكو في العهد الستاليني. وبينما كان يبحث مرتبكاً محتاراً في خريطته، اقترب منه مرشد سياحي وأشار بأصبعه على الخريطة ليُبيّن له المكان الذي كانا يقفان فيه، فاعترض “سكيوماخر” قائلاً:

- “ولكن أين تلك الكنائس الكبيرة التي نراها حولنا؟؟”

- أجابه المرشد السياحي بكل جفاف: “إنّها ليست مبيّنة على هذه الخريطة، نحن لا نُظهر مواضع الكنائس على خرائطنا.”

- “ولكن هذا غير صحيح، إنّ الكنيسة الموجودة هناك في زاوية الشارع، نجدها مُشاراً إليها في الخريطة.” أصرّ “سكيوماخر” معترضاً.

- أجابه المرشد السياحي: “أوه، هذه كانت كنيسة فيما سبق، أمّا الآن فهي متحف.”

ويُواصل “سكيوماخر” قائلاً: حالتنا تشابه هذه القصة تماماً. إنّ أغلب الأشياء التي اعتقد بها معظم البشرية، لا تظهر على خريطة الحقيقة التي حَصَلْتُ عليها من تعليمي في جامعة أكسفورد، أو لو ظهر شيء من تلك العقائد على الخريطة فإنّه يظهر كإشارات إلى متاحف، أي إلى أشياء اعتقد بها الجنس البشري في عهد طفولته (قبل أن ينضج)، ثمّ عندما بلغت البشرية سنّ الرشد، لم يَعُد الناس يؤمنون بها (صاروا ينظرون إليها كآثار الأسلاف كما ينظرون لآثار القدماء في المتاحف)” !!

إنّ الغرض من هذه الحكاية ومن الصورة التي سبقتها: أن نستحضر في أذهاننا حقيقة أن العلم “في عملية إمطارنا بالمنافع المادية والمعرفة الهائلة بالكون المادي الطبيعي” محا وأزال الأمور الفائقة على المادة والسامية، من خريطتنا للحقيقة.”

- يعتبر الدكتور هوستن سميث أنّه من بين الأفكار المبتكرة في كتابه، والذي تولاّه إثر ابتكارها شعور كالشعور الذي يحصل للإنسان عندما تأتيه بصائر ومثل الإحساس الذي انتاب أرخميدس عندما صاح قائلاً: وجدتها، وجدتها. وهذه الفكرة تنصّ على أنّه في استطاعتنا أن نسيطر ونتحكّم بالأشياء التي هي أدنى منا مرتبة فقط. ويقصد بالأعلى رتبة والأدنى رتبة: كل معيار ممكن من معايير الجدارة والإستحقاق وربّما بعض ما لا نعرفه منها. فالمجرات أكبر منا، والزلازل أشدّ قوة، ولكننا لا نعرف شيئا أكثر ذكاءً وحرية منا نحن البشر، أو أكثر شفقة ورحمة مما يمكننا أن نكونه. فالعلم يمكنه أن يُسجّل ما هو أدنى منا فقط.

- يقول أيضا: ” عندما ينكر العلماء –الماديون المقتنعون بالمادية- وجود أيّ شيء سوى الأشياء التي يمكنهم أن يُشغّلوا أدواتهم العلمية عليها، يجب أن يُوضّحوا أنّهم إنّما يُعبّرون في هذا الأمر عن آرائهم الشخصية كأيّ شخص آخر، ولا يدّعون حجية العلم في رأيهم هذا. ومن جهة أخرى، يجب على المتديّنين ألاّ يتدخّلوا في العلم طالما كان علماً أصيلاً لم يُنمّق ويُزخرف بالآراء الفلسفية التي هي من حقّ كل شخص.”

في خاتمة كتابه توجّه د.سميث بانتقادات لاذعة، على شكل نداء، للعلميين الذين يعتبرهم مجرّد شرذمة قليلة يريدون أن يُعوّضوا بحماسهم الإنفعالي ما ينقصهم من حيث العدد. ذكّرهم في ذلك بعظماء بينهم أفضل منهم يحترمون الدين ويولونه أهمية. فعليهم إذا أن يحترموا الدين كما يحترم المهتمون بالدين العلم.

ملاحظات جانبية:

- أعتقد أنّ أكثر ما يجلب انتباه القارئ العربي في الكتاب هو أنّ الكاتب كثير الإستطراد في سرد تجاربه الشخصية لأجل توضيح أفكاره ونتائجه التي يُريد الوصول إليها ممّا يجعل الفهم سهلاً في بعض الأحيان و مستعصياً في أخرى.

- الشيء الجديد بالنسبة لي هو منهجه في الإستعانة بالكتب في معظم الفصول والمباحث التي ألّفها؛ فيختار لكل فصل كتاباً يدعم فكرته ومن خلال مناقشته للكتاب يُوصل رأيه بسهولة ويُسر. فهو يُضفي على النص ثراءً ويعرّف القارئ بعناوين جديدة. هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على سعة الإطّلاع لدى الرجل – في مجالات عديدة وليس المجال الديني فحسب- والبناء على التجارب السابقة عِوضاً عن إعادة نفس الكلام.

- فيما يخصّ الفصول التي تحدّثت عن مساهمة الإعلام والتعليم الجامعي والقانون في تكريس النظرة المادية للعالم، فهذه الفصول تُعطي فكرة مجملة عمّا وصل إليه التفكير في المجتمعات الغربية حول الدين والإيمان. وأعتقد أنّها من بين أهم الفصول الواردة في الكتاب.

- من بين الكتب التي تبدو مهمة وقد أورد الكاتب مقاطع مهمة منها، كتاب: “الألفية الثالثة” لديفيد وولش، تحدّث فيه عن نظرية داروين:

” إنّه مؤشّر خطر، دائماً، أن تلعب نظرية علمية دوراً أعظم خارج نطاقها التطبيقي، مما تلعبه ضمن ذلك النطاق….لا عجب أن نرى “نظرية داروين” تتلقى انتباها أقلّ بشأن حقيقتها العلمية ومدى وزنها العلمي (من الإهتمام الذي حظيت به بسبب آثارها الميتافيزيقية). وهو وضع شاذّ بقي سائداً عمليّاً حتى وقتنا الحاضر….ولكنّ استحواذ نظرية التطوّر لإعادة النظر في تلك النظرية تُواجه مستويات من المقاومة لا تتناسب لا من قريب ولا من بعيد مع مضمونها. لا أحد يجرؤ على محاولة إزالة جثة الميتة الإيديولوجية خوفاً من نتائج الرفض الشامل…وبعبارة أخرى إنّ الخوف من عودة “الله” إلى المشهد هو الذي يحُول بين مجتمع علماء الأحياء وبين رفضهم النظريّة بشكل مفتوح جداً، نظرية هم أنفسهم توقّفوا منذ مدّة طويلة عن احترامها عملياً.”

- أختم هذا العرض، الفوضوي ربّما !، بكلام ثمين للدكتور هوستن:

” هذه القراءة الخاطئة للعلم هي المسؤول الأوّل والرئيس عن إدخالنا في النفق (نفق المادية المظلم)، لأنّها تُقلّل من شأن الفن والدين والحبّ ومعظم الحياة التي نعيشها على نحوٍ مباشر عندما تنكر قدرة تلك العناصر على أن تعطينا أية بصائر، نحتاج إليها لإكمال ما يمُدّنا به العلم. هذا الموقف يُشبه أن نقول إنّ أهمّ ما في الإنسان هيكله العظمي كما يظهر على لوحة الأشعّة السينيّة !. إنّ خروجنا من النفق يتطلّب من العلم أن يُشارك في مشروع المعرفة مع سائر المناهج والطرق المعرفيّة الأخرى بدرجة متساوية لا سيما مشاركته (كما في الكتاب) منهج المعرفة الذي يتّبعه “طالبو الله”.

إلى هنا ينتهي هذا العرض المختصر في أمل الرجوع إلى الكتاب في وقت لاحق لمزيد استفادة.

28 أكتوبر 2009 10:41 م | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 2 على “وقفات مع كتاب (4)”

  1. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    بارك الله فيك أخت بية على هذا العرض المفيد.
    ولعل أهم ما عرضه الكتاب كما قدمتِ هو خطأ القراءة الحالية للعلم, والتي أوصلت الغرب إلى نفق المادية المظلم. وأكثر ما نخشاه في مجتمعاتنا الإسلامية هو مرض الاستلاب الذي يجعلنا ننظر لقدسية العلم بذات النظرة الخاطئة التي سار عليها الغرب المادي, والتي تجعلنا ننتسب اسماً للدين ونفترق عن تعاليمه ونظرته للكون عملياً.

    ملاحظة جانبية أود عرضها بخصوص د. هوستن ونظرته للدين, صحيح هو يعلي من شأن الدين ولكنه يتعامل مع الأديان تعاملاً (خليطاً) إن صح التعبير, وهو بهذا يدل على أنه لا يلمس إلا الإطار العام للدين (على اعتباره قوة روحية تجعل الحياة أجمل, فوجبته الأصلية مسيحية ولكنه يحتاج فيتامينات!), وليس على اعتباره نظام حياة, ومنظومة فكرية تبحث عن السنن الكونية التي تجعل من الدين قوة محركة للعالم بحضاراته المختلفة, وهنا نقطة مهمة برأيي وهي أن قبول الاختلاف لا يعني جعل الأمور (شوربة) ولكنه يعني التعامل مع الآخرين من منطلق رؤية كونية ومنظومة فكرية مميزة قائمة على اختيار واعِ وُجد بعد دراسة واقتناع, وليس من باب أخذ من كل بستان زهرة كما يقولون, وإلا فإننا وقتها سنجعل الأمور كما وصفها المسيري رحمه الله (سائلة) مختفية المعالم, وغائبة الرؤية.

    تحياتي
    رغداء

  2. بية الاطرش يقول:

    السلام عليكم أختي رغداء
    بارك الله فيك على ما تقومين به من جهود وشكرا جزيلا لنشر مقالاتي في موقعكم الرائع.
    أوافقك تماما فيما ذهبت إليه. فطريقة د.سميث في تعامله الشخصي مع الأديان مثيرة حقا ولم أكن أتوقّعها. لست متأكّدة إن كان حقا “لا يلمس إلاّ الإطار العام للدين” أم أنّ اقتناعه الشخصي أوصله إلى ما هو عليه بعد البحث والمراجعة، ذلك لأّنّه كتب قبل هذا الكتاب كتابا مفصّلا حول “أديان العالم”.
    شكرا مجددا

أكتب تعليقاً