وقفات مع كتاب (3)

الكاتب: رغداء

وقفات مع كتاب: “لماذا الدين ضرورة حتمية”

الحاجة إلى بديل

نور الهدى

ص226

لا شكّ أننا نحتاج إلى بديل…

” يُخبرنا توماس تشارلمز أنّ فكرة هذه الخُطبة- خطبة أشار إليها سابقاً- أتتْه عندما كان على متن عربة خيول تسير بهم في طريق جبلي. عندما وصلت العربة إلى طريق ضيّق على حافة منحدر شديد، بدأ الحوذيّ (سائق العربة) بضرب خيوله بالسوط بشدة، الأمر الذي بدا لـ”تشارلمز” عملاً خطيراً، لكن قائد العربة أوضح له أنّه كان عليه فِعْل ذلك ليصرف انتباه الخيول عن الخطر المُحدِق بهم في ذلك الطريق. إنّ لدغة السياط جعلتهم ينشغلون بشيء آخر يُفكّرون به.

ومضى تشارلمز يقول في عِظته: إنّ الأمر لا يختلف بالنسبة للبشر. إنّ الناس لا يتخلّون أبداً عن عاداتهم المألوفة (السيّئة) بقوّة العقل ولا بقوة الإرادة، إنّهم يحتاجون إلى شيء جديد يُفكّرون به ويستجيبون له.”

تبدو هذه اللفتة منطقية إلى حدّ بعيد.. وقد أوردها د.هوستن في معرض استدلاله عن رأيه القائل: بدلاً من تضييع الوقت في تفنيد نظريات فرويد، فإنّ في فهم روعة البديل الآخر ما يُغنينا عن ذلك تماماً كما فعلت لدغة السياط بالخيول.

لكن مامدى واقعيّة هذا الكلام؟

- في دعوة الأنبياء: قام الأنبياء عليهم السلام – بأمر من ربهم- بدعوة أقوامهم إلى دين التوحيد (البديل الصحيح) في سبيل التخلي تدريجياً عن دين الشرك.

- في سبيل تغيير المفاهيم الخاطئة والسلبية التي هي متطفّلة على الإسلام وفي سبيل إزالتها من أذهان الناس: نجد العلماء أصنافاً؛ منهم من يكتفي بمجرّد النقد ويبدي السخط على الواقع وعلى الحال الذي وصل إليه بنو جلدته، ومنهم من يواصل التقدّم خطوة نحو الأمام بعد النقد فيبحث عن منبع تلك المفاهيم السلبية والأسباب التي جعلتها منتشرة بين الناس. لكن الوقوف عند هذا الحدّ لا يُجدي نفعاً. فمن العلماء القلّة من يجاهدون في سبيل تقديم فهم أصحّ وأنسب مع واقع الناس وروح عصرهم. وفي تقديم بديلهم هذا يكونون قد وضعوا أقدامهم على الطريق الصحيح في سبيل تحفيز الناس على ممارسة إسلامهم بشكل أفضل بعدما يكونون قد تخلّوا – لاشعورياً- عن مفاهيمهم الخاطئة والسيئة.

لكنّه جدير بالتذكير أنّه ليس كلّ حلّ جديد يمكن أن نسمّيه بديلاً. فيمكن أن يكون البديل سيّئاً وأكثر ضرراً مقارنة بالوضع القائم. كلامنا هنا عن البديل الصحيح المُخلص دون غيره.

- البديل في التفكير: حولنا أشخاص يُفكّرون تفكيراً سلبياً للغاية، يُفكّرون في أخطاء وزلّات غيرهم- التي لن تنتهي للأسف-، يُفكّرون في كونهم مظلومين، محسودين…ماذا لو استبدل هؤلاء هذه الطاقة المُهدرة بالتفكير في قدراتهم الكامنة وفي مواهبهم الخاصة؟ ماذا لو صرفوا جهدهم نحو استخراج المكنون داخلهم وتفتيقه؟ ماذا ستكون النتيجة؟، الصنف الأوّل: إنسان عالة على الناس. الثاني: بعدما استبدل تفكيره الفاسد بآخر صالح أصبح شخصاً فعّالاً ونافعاً في عالمه.

أليس من الآثام أن يترك شخص الطاقات التي وهبه الله إيّاها، التي ليست عبثاً – حاشاه خالقي أن يفعل ذلك- بل دوماً لحكمة، ويصرف نظره إلى مشاكل صغيرة يبيت ليل نهار يُقلّب فكره – الخاسر- فيها. ألا يكون أكثر تعقّلاً حين يُحوّل (يُبدّل) تفكيره إلى المشاكل الكبرى التي تعتري أمته الإسلامية خاصة والإنسانية عامة؟

استبدل الرسول عليه الصلاة والسلام، الحاجة إلى نبذ جوّ الشرك الذي كان يُحاصره من كل مكان بممارسة رياضته الروحية الخاصة وهي التأمّل والإبتعاد عن الناس.

عندما يكون البديل أسوأ:

“إذا سعى شخص ما إلى صُنع مصيدة للفئران أفضل من المصائد المتوفّرة حالياً فإنّ هدفه مفهوم ومحترم ولا نملك إلاّ نتمنى له التوفيق. ولكن إذا سعى أحدنا إلى صُنع مصيدة للفئران أسوأ من الموجود حالياً، فإنّ مسعاه قد يحتاج إلى تفسير يُقدّمه لنا طبيب نفساني. إذا نقلنا هذه الإستعارة إلى الميتافيزيقيا، فإنّ المعنى هو التالي: سواء كان التصور التقليدي للعالم حقاً أم باطلاً فإنّه تصوّر واضح وقابل للفهم على نحو شفّاف. أمّا التصوّر العلمي للعالم فإنّه ليس كذلك، لأنّه طالما أقصى العلة الأولى والنهائية من حسابه مطلقاً، فإنّه يضعنا أمام طريق مسدود بشأن أسئلة ليس لديه أي إجابة عنها.” ويعلّق المترجم على هذا الكلام شارحاً: لدينا تصور قديم للعالم يعطينا إجابة عن كل شيء. سواء آمن به العلميون أم لم يؤمنوا، لا يحق لهم أن يطالبونا باستبداله إلاّ إذا كانوا بصدد إعطائنا تصوراً أفضل منه.

في الحقيقة فإنّ البديل الأفضل ما هو إلاّ نتيجة  منطقية يتطلّبها التخلّي عن العادات السيّئة. فبعد التخلّي يأتي التحلّي.

08-10-2009

26 أكتوبر 2009 06:28 ص | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 4 على “وقفات مع كتاب (3)”

  1. محمد يقول:

    جوهر هذا التأمل في غاية القيمة: بدلاً من عادتنا السيئة في الانشغال بالتذمر من الحال وجعل التعبير عن هذا التذمر كل “عملنا” علينا أن نعمل على بناء البديل الصحيح. ولعل كثيرا من مواطنينا الممارسين لما أسميه “السلوك الانحطاطي” سيتأثرون بسلوكنا البديل ويغيرون سلوكهم لأن الإنسان ليس مهديا لسلوك واحد فقط “وهديناه النجدين” صدق الله العظيم.

  2. عماد العبار يقول:

    وأنا أتفق أيضاً مع الأستاذ محمد في مدى قيمة وفائدة ذلك التأمل في الانتقال من التذمر إلى البناء على كل المستويات …
    أحب أن أتوقف وقفة تأمل بسيطة أمام مسألة البدائل ومدى إيجابيتها وسلبيتها … فأتفق مع الكاتب في وجود الكثير من البدائل السيئة أمام البعض الجيد منها … ولكن عندي توجه ربما لايزال ضمن النطاق النظري أنه لابد من السعي وتحفيز السعي لتقديم بدائل متجددة وعدم الركون لما لدينا وأن لا يجرمنّا وجود الاقتراحات الغريبة نوعاً ما عن التفكير بالمضمون الإيجابي فيها ، وقد يكون ذلك الإيجابي على اضعف تقدير هو مجرد فكرة السعي نفسها ليس إلا …
    وكتعليق على كلام المترجم في حاشية الكتاب … أعتقد أن مقولة ( إن تصورنا عن العالم القديم يعطينا إجابة عن كل شيء ) مقولة غير دقيقة ، والتي أطلقها على مايبدو كمقابل لكلام من يقول أن التصور العلمي للعالم يعطي إجابة عن كل شيء …
    بدليل بسيط وهو أننا لازلنا حتى اليوم وفي كل يوم نستند على الإكتشافات العلمية لمعرفة معاني آيات معينة لم يقدم لها السلف تفسيراً دقيقاً ضمن الأدوات التي توافرت لهم … ونضعها ضمن إطار الإعجاز العلمي للقرآن .. وهي كذلك ولا شك لكنها تحمل بالإضافة لإعجازه العلمي إعجازاً آخر في إظهار مدى تخلفنا نحن أبناء القرآن !
    ولا أريد أن أزكي التصور العلمي أو أن أرتفع به فوق المعقول فهو في النهاية نظريات وبرهنة ( أي بمعنى آخر هو أحد أشكال السعي الذي يتحدث عنه الكاتب )… ولكني لا أريد أيضاً أن أهول من مدى فهمنا للكون من خلال النص المقدس … إذ لو كان فهمنا دقيقاً ما كان هذا حالنا ….

  3. جلال يقول:

    بالفعل بيه فالأمر يتعلق بالتركيز فإن ركزنا بتفكيرنا على ما هو سلبي فسوف يستدعي من الذاكرة والواقع أيضاً ما هو سلبي ، وإن ركزنا على ما هو إيجابي فإن الذاكرة والواقع على السواء سوف يقدم ما هو إيجابي ونافع .
    هذه طريقة مهمة في التعديل السلوكي للفرد والجماعات ، بالإضافة لأهمية طرق أخرى منها أن كل سلوك بالإطلاق يستند على معتقد داعم وسواء كان هذا المعتقد معروف لدينا أم لا فهو قابع في عقلنا وقد صنع من خلال خبرتنا الحية في الحياة ، إن تحليل هذا المعتقد ( وليس الاستغراق به كما يقدم لنا التحليل النفسي ) سيؤدي إلى سحب الدعم النفسي الذي يغذي السلوك .
    الحقيقة إن العقبة الكأداء أمام التغيير فضلاً عن المعتقدات السلبية الداعمة هو موضوع العادة ، لأن العادة وتكرارها تؤصل السلوك وتمنحه مزيد من القوة . ومن أجل تغيير عادة ما علينا بأحد طريقين والله أعلم الأول هو التغيير من خلال الكثافة الحسية العالية ( إن احتراق واحد من النار كفيل بتعليمنا أن نبتعد عن النار دوماً
    أو من خلال التكرار فالتكرار يجعل الطاقة البيولوجية أقل مع ازدياده
    وأنا أميل مع الكاتب بشكل شخصي على أن الأفضل من تحليل ما هو سلبي أن نركز على شيء آخر فالنافع في النهاية سيمحو اللانافع

  4. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    تقول بية: “في سبيل تغيير المفاهيم الخاطئة والسلبية التي هي متطفّلة على الإسلام وفي سبيل إزالتها من أذهان الناس: نجد العلماء أصنافاً؛ منهم من يكتفي بمجرّد النقد ويبدي السخط على الواقع وعلى الحال الذي وصل إليه بنو جلدته، ومنهم من يواصل التقدّم خطوة نحو الأمام بعد النقد فيبحث عن منبع تلك المفاهيم السلبية والأسباب التي جعلتها منتشرة بين الناس. لكن الوقوف عند هذا الحدّ لا يُجدي نفعاً. فمن العلماء القلّة من يجاهدون في سبيل تقديم فهم أصحّ وأنسب مع واقع الناس وروح عصرهم. وفي تقديم بديلهم هذا يكونون قد وضعوا أقدامهم على الطريق الصحيح في سبيل تحفيز الناس على ممارسة إسلامهم بشكل أفضل بعدما يكونوا قد تخلّوا – لاشعورياً- عن مفاهيمهم الخاطئة والسيئة.
    لكنّه جدير بالتذكير أنّه ليس كلّ حلّ جديد يمكن أن نسمّيه بديلاً. فيمكن أن يكون البديل سيّئاً وأكثر ضرراً مقارنة بالوضع القائم. كلامنا هنا عن البديل الصحيح المُخلص دون غيره.”

    وأقول: في هذا الكلام كفاية, وهو على غاية من المنطقية والواقعية.

    شكراً بية, وبارك الله فيك

أكتب تعليقاً