هل هو عصر احتضار الحس الإنساني ؟!

الكاتب: رغداء

هل هو عصر احتضار الحس الإنساني؟

محمد ثبت الجنان

كنت جالساً على أحد الكراسي في مجلس عزاء لأحد أبناء بلدتي التي أسكن عندما راودتني هذه الفكر والتساؤلات ؛

كانا طفلين وامرأة غادروا هذه الحياة ، وأما وسيلة المغادرة فهي حادث مفجع على الطريق السريع الذي يوصل دمشق بباقي المحافظات .

سرحت أتأمل في ذلك المجلس ، بعض المستأجرين يرتدون لباساً موحداً يجولون بين الحاضرين وبيدهم مصبات القهوة المرة مع بطاقة على الصدر للتعريف باسم مكتبهم المتخصص في خدمات مجالس العزاء !!!، خيمة منصوبة على الأغلب هي من نفس المكتب وكراسٍ فرشت فيها ، وفي صدرها وضعت أرائك يجلس عليها من تولوا مهمة قراءة القرآن الكريم ( وربما يتبعون لنفس المكتب ) طبعاً مع التجهيزات الإذاعية ومكبرات الصوت ( من نفس المكتب على الأغلب ) لأنه مكتب متخصص !!!

ومن هنا لمع ذلك التساؤل في ذهني ، تساؤل نتج عن مقارنة بسيطة بين ماض وحاضر ، الحاضر الذي صارت فيه حتى وسائل التعبير عن الأسى والحزن خاضعة لمفهوم مادي تجاري ، حاضر صار فيه مجلس العزاء من الشكلية والمادية ما طمس مفهوم الحس والتعاطف الإنساني .

هذا العصر الذي صار فيه من يقومون بشأن مجلس العزاء هم أناس مستأجرون بالنقود لا يعنيهم شيء في ذلك المجلس إلا أن يقبضوا المعلوم المتفق عليه مسبقاً مع أهل الميت المفجوعين بميتهم !! بينما لو رجعنا إلى زمن سابق عن هذا العصر ، ذلك الزمن الذي كانت فيه الحارة أو الحي كالجسد الواحد وكان أهل ذلك الحي إذا أصاب أحدهم مكروهاً انتفض الجميع ليجعلوا حزنه حزنهم وليعبروا عن أسمى صور التعاطف والحس الإنساني تجاه ذلك الشخص ، وتجد أن الجميع تعاضدوا وتكاتفوا ليقيموا له مجلس عزاء يكونون هم بحسهم وتعاطفهم وعميق حزنهم القائمين على إقامة ذلك المجلس .

استطردت في إجراء المقارنات ، وأخذت هذه المرة مثالاً معاكساً فوجدت أنه حتى أساليب التعبير عن الفرح صارت في زماننا هذا شكلية ومادية ، فلو أخذنا مثلاً العراضة التي كان يقيمها أهل الحارة سابقاً لأحد أبنائهم إحتفالاً بعرسه وتعبيراً عن أسمى صور المشاركة بفرح ذلك الشخص والتفاعل مع ذلك الفرح ، صارت العراضة اليوم تشرى بالمال !! وصار هناك مكاتب متخصصة بإقامة العراضة والمفارقة العجيبة  أن نفس المكتب المتخصص بشؤون العزاء يقدم لك خدمات العراضة أيضاً !! وهو بالتأكيد لا يعنيه فرحك مهما ردد على مسامعك جملة ( جبنا العريس وجينا وجبنا العريس ببهجة ) بقدر ما يعنيه ما ستضع بيده بعد طقس النفاق ذاك  .

خرجت من مجلس العزاء برفقة صديقي الذي جعلني أنفجر بوجهه بحديث طال مسافة طريقنا بعد أن تحدث بشيء لم يرق لإحساسي الإنساني وكان ذلك بعد أن وجهت له ملاحظة ونحن في المجلس أن لا يظهر التبسم أو الضحك ، وهو بالطبع برر لي أنه لا يتعمد ذلك ، ليأتي عند خروجنا ويتحدث لي بشيء وصل إلي على أنه وجوب عدم اكتراث من فجع بعزيز بذريعة ضرورة متابعة الحياة ، وهنا انفجرت بوجهه بعد أن كنت مشحوناً بالحنق من مقارناتي التي أجريت وخاصة ان صديقي ذاك يدرس الطب ، وتحقيقات سيريا نيوز عن الفجائع التي يسببها الأطباء بإهمالهم وعدم اكتراثهم لا زالت تحز في قلبي ، ليبدأ هو بالدفاع عن نفسه ويبين لي صحة مقصده وموافقته على ما أقول لنصل سوية إلى تساؤل مشترك وهو لماذا ؟؟!!

لماذا يحدث ذلك الانهيار المتتابع لأخلاق الجماعة ؟؟

لم شُدد الخناق على ذلك الحس الإنساني وجعل رهينة لمصالح مادية فردية ؟؟!!

لماذا وصلنا إلى زمن صار فيه إنقاذ حياة إنسان رهن حفنة من المال ، حتى يرفض مشفى خاص استقبال شخص أصيب بحادث مميت لأنه لا يملك دفع فاتورة المشفى !!!

لماذا وصلنا إلى زمن قلبت فيه المفاهيم زمن صار فيه من المتوجب على أهل الميت المفجوعين أن يسعوا ليرضوا الناس بشكليات صار من العار عدم الالتزام بها !! زمن صار فيه أهل الميت المفجوعين ملزمين بأن يطبخوا نفيس الطعام يوم دفن ميتهم وهذا ما يسمى طعام التنزيلة ليطعموا أصحاب الكروش الذين ما جاؤوا إلا ليملوا بطنهم !!!

وهل هي الحداثة والمدنية هكذا تحمل في طياتها كل هذا الوبال العظيم الذي يسحق الإنسان وكرامة الإنسان  !!

تساؤلات لا أفتأ أرددها مذ كنت في مجلس العزاء ذاك وتوكد ذلك  وأنا أقرأ نعوة الطفلين الذين قضيا في ذلك الحادث المفجع لأقرأ في نهاية النعوة من الأسفل اسم المكتب الذي قام بطباعتها والذي يعرض خدماته بكل نشاط وثقة بالنفس : كراسي ، قرآن ، قهوة مرة ، عراضة ، طباعة نعوات … مع ذكر الهاتف والعنوان ، ليراودني التساؤل : أتصنعون دعاية لأنفسكم على حساب أولئك المفجوعين ؟.

ترى ما هذا الزمن الذي صار فيه حزن الإنسان وفرحه وألمه  وسيلة للتجارة وربح المال بهذا الشكل الوضيع الذي لا يحمل أدنى شعور إنساني !!!

28 فبراير 2010 07:23 ص | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 2 على “هل هو عصر احتضار الحس الإنساني ؟!”

  1. جلال يقول:

    إن العصر الذي نحن فيه والمستقبل الذي نمشي باتجاهه فيه شيء كبير من العبث والتشتت ، برأيي إن جوهر المشكلة فكر انتشر انتشار النار في الهشيم ، وهو الفكر البرااغماتي الوضعي ، وسمات هذا الفكر هو الفردية المفرطة أي أن الرائز هو النجاح وأي نجاح؟ النجتح الشخصي ، المهم هو السعادة ، وأي سعادة ؟ السعادة الشخصية . المهم أنا ومن أنا ؟ ذاتي المتكومة على جسدي . هذا الفكر أخذ تجلياته بما حزنت له ويأخذ تجليات كثيرة منها على سبيل المثال مكاتب الدراسات السياسية . أتدرين أن احتلال العراق تم وفق خطة وضعها مكتب خاص للاستشارات السياسية في واشنطن ، وإن القوة الضاربة في الحرب على العراق كانت بواسطة شركات خاصة عابرة للقارات مثل بلاك ووتر . سابقاً كانت السياسة مقترنة بإيديولوجيا ما ، أما الآن فإن العقول العارفة بالسياسة أصبحت تقدم خدماتها لأي جهة مقال المال وبحياد مهني وبغض النظر عن أخلاقية الدراسة أم لا ، إنه يشبه مكتب الأفراح الذي يمكن له أن يقدم خدمات خاصة بالعزاء الأمر لا يعنيه فرح أو كره الأمر منوط لديه بالمال ، لاحظي أنه فضلاً عن مكاتب الاستشارات السياسية ، فإن جيش كالبلاك ووتر تديره شركة خاصة أول ضاهرة في التاريخ الإنساني أن يشكل جيش كامل يقاتل ليس وفق قضية ولكن بسبب المال ، كان في الماضي مرتزقة ولكن تشريع المرتزقه وفق الفكر الوضعي البراغماتي هو السابقة التي لم تكن قبل .
    إن السبب وراء ذلك برأيي هو تسيد النمط الامريكي في العالم . تلك الإمبراطورية الغريبة فهي لا تشبه الإمبراطورية الرومانية حيث أن الأخيرة كانت تمتلك يوتوبيا خاصة لخلاص البشرية وكمالها ، وليست كالإمبراطورية الإسلامية التي كانت تربط الإنسان بالمطلق وتقيم الميزان ، وليست كالاحتلال البريطاني أو الفرنسي الذي كان هدفه توسيع رقعة. مجده والاستفادة من خيرات البلاد المحتلة وبيان تفوقه من خلال نشر العلم الغربي .
    الإمبراطورة الامريكية تنشر ثقافتها الوضيعة والسطحية بعاملين قوتها، وقبولنا لأساليب القوي .
    أنا لا أدعو بتاتاً لنقد تلك الامبراطورية بهدف جعلها مشجب لفشلنا ، وتلك أحد طرق العجز التي لدينا ولكن أدعو إلى بناء منضومتنا ، أدعو أن يقوم مثقفينا بواجبهم اتجاه مجتمعهم أن يعود الحداثيون من المستقبل الافتراضي ، ويعود الماضويون من دهاليز الماضي ، ويتواجدو في الآن وهنا.

  2. محمد يقول:

    مع اتفاقي مع جلال في الرأي عموماً لكن الموضوع في اعتقادي يجب أن لا نوسعه إلى درجة تحويله لبعد عالمي.
    هناك “بعد عالمي” (إن شئنا تلمس الأبعاد العالمية!) هو التنظيم البيروقراطي الدقيق الذي له محاسن ومساوئ. لماذا لا يوجد عندنا إلا البيروقراطية دون التنظيم الدقيق؟ لماذا لم نأخذ من الغرب الدقة وإتقان العمل؟
    مقال “ثبت الجنان” (مؤقتا بانتظار أن يتحفنا باسمه الحقيقي) هو ملاحظة صائبة عن فساد أخلاقنا الاجتماعية ورجوعها إلى الوراء (تقدمياً :) ) وفي هذه الصفحة ندعو إلى التقدم إلى الأمام (رجعيا :) ) أي عبر العودة إلى أخلاق صحيحة سليمة كانت أفضل وأكثر إنسانية.

أكتب تعليقاً