نظرة إلى العادات

الكاتب: رغداء

نظرة إلى العادات

رغداء زيدان 

تعبّر العادات والتقاليد الاجتماعية عن الجو السائد في مجتمع ما, وهي ترتكز إلى مجموعة من القيم والمعتقدات التي يؤمن بها أفراد هذا المجتمع من جهة, وإلى ما تمليه متطلبات وضرورات العيش الجغرافية والبيئية من جهة أخرى.

وتعطي هذه العادات والتقاليد لكل مجتمع ميزته التي تميزه عن غيره من المجتمعات الأخرى, وترسم هويته الخاصة, وتعبر عن ثقافته وحضارته. ويعتبر تغيرها وتبدلها وتطورها دلالة على حراك اجتماعي, فهي مؤشر واضح على ما يطرأ في المجتمع من تبدلات وتأثيرات وتطورات.

ولظهور عادة ما وانتشارها أليات وأسباب, ولست الآن في معرض تناولها بالشرح والدراسة, ولكني أود التركيز على نقطة مهمة وهي أن للعادات الاجتماعية سلطان قوي على أفراد المجتمع, والالتزام بها يدل على انتماء الفرد للمجتمع واندماجه فيه, لذلك يصبح الخروج عنها ومخالفتها أمراً صعباً على الرغم من أن العادات والتقاليد قد يصيبها ما يصيب الإنسان نفسه أحياناً من أمراض وترهلات وانحطاطات, فقد نجد عادة ما وقد تحولت إلى عبء كبير على بعض الأفراد, ولكنهم مع ذلك لا يملكون القدرة على تحديها أو عدم الالتزام بها.

وبرأيي فإن المجتمع إذا كان يعاني من انحطاط وانحدار حضاري فإن العادات الاجتماعية فيه تصبح مؤشراً على انحطاطه وانحداره هذا, وتتحول إلى أعراض لأمراض اجتماعية خطيرة يعاني منها المجتمع. بل إنها في أحيان كثيرة تخرج عن مقصدها النبيل وتنتج آثاراً سلبية تزيد من انحدار المجتمع وانحطاطه.

ولتوضيح الفكرة نستطيع أن نستعرض معاً بعض العادات الاجتماعية المنتشرة في مجتمعنا المريض حضارياً والتي تعبر بصورة واضحة عن الفكرة التي طرحتها:

 

نأخذ على سبيل المثال عادة الاحتفال بمناسبات الزواج والخطوبة, فبعد أن كان التعبير عن هذه المناسبة يأخذ أشكالاً بسيطة تراعي جو المجتمع العام وتستفيد من الإمكانات المتاحة أصبحت هذه المناسبات أكبر مظهر من مظاهر التضخم المادي والرغبة في الاستعراض والمباهاة, وما هذه المبالغات التي نراها أو نسمع عنها إلا دليل على تحول عادة اجتماعية نبيلة إلى عبء كبير, وعَرَض لمرض حضاري خطير.

أخبرتني إحدى النساء الكبيرات في السن أن وليمة العرس قديماً كانت تراعي مستوى دخل الفرد, فمن الناس من كانت وليمته عبارة عن ديك يُطبخ بمرق كثير ويدعى إلى تناوله الأقارب والمعارف, ومنهم من كان يقدم اللحم حسب قدرته المالية, فيأكلون ما تيسر لهم وإن بقي شيء من الطعام وزعوه على بعضهم وعلى فقرائهم دون أن يرموا منه شيئاً, بل إن الجيران والمعارف كانوا يساهمون في التكاليف وذلك بتقديمهم لمواد الوليمة من رز وبرغل وسكر وشاي وما إلى ذلك, أما اليوم فنجد أن الكل مطالب بتقديم ما يعجز عنه من أنواع كثيرة من الطعام واللحوم ونجد أن المدعوين يتبرومون ويعيبون على صاحب الحفل إن قصّر أو قلل وبالتالي فإننا صرنا نجد استهلاكاً مبالغاً فيه للطعام وهدراً كبيراً فلم يعد أحد يرضى بقبول طعام العرس الزائد, بل إنه صار يُرمى كقمامة حتى دون التفكير في توزيعه على الفقراء والمحتاجين.

 

هذا بالنسبة للطعام فما بالكم لو تحدثنا عن مظاهر الاحتفال الأخرى كحجز الصالة وتوابعها ككروت الدعوة ومغني الحفل ولباس العروس وتسريحة شعرها ولباس المدعوات والمدعوين الذي صار يعبّر بصورة واضحة عن استلاب أفراد المجتمع, وكلكم يعرف كيف تغيرت الأزياء وكيف تحول العرس من مناسبة سعيدة إلى مناسبة للاستعراض والمباهاة والتفاخر والتعالي والتقليد, حتى صارت حفلة العرس وتكاليفها من أهم العوائق التي تقف في وجه الشاب الراغب في الزواج هذا فضلاً عن التكاليف الأخرى التي ساهمت في خلق عادات اجتماعية جديدة سلبية في معظمها. والتي أثرت على العلاقات الاجتماعية والترابط بين الأفراد.

 

وقس على عادات الاحتفال وما رافقها من تبدلات وتغيرات عادات أخرى أيضاً خرجت عن سياقها الإنساني الدال على الترابط والمودة بين أفراد المجتمع إلى عادات تدل على تغلغل الثقافة المادية والاستلاب الحضاري الذي يرهقنا جميعاً لأنه يجعلنا نلتزم بأشياء هي فوق طاقتنا, وصار الكل يعاني ولكنه لا يملك الجرأة على التغيير. وبرأيي فإننا بحاجة إلى تلك الفئة القدوة التي تستطيع تقديم نموذج عملي على أرض الواقع يفتح طريقاً للخروج من دائرة الانحطاط التي حُبسنا فيها جميعاً, ويقدم لنا مثالاً حضارياً أرقى وأجمل وأقل تعقيداً ويعبّر بحق عن غاية ومقصد عاداتنا الاجتماعية بالتوادد والتراحم والتكافل الاجتماعي.

 

01 أغسطس 2009 11:28 م | سلوكيات


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 2 على “نظرة إلى العادات”

  1. محمد شاويش يقول:

    من المزعج أنا نجد سرعة الأخذ بعادات سيئة في مجتمعنا بدون تفكير أو محاكمة نقدية. إنه نوع من الهشاشة تجاه آراء الآخرين فكأن الفرد عندنا يحسب حساب أسفه عناصر مجتمعه ويسير وفق مقتضيات إرضاء هذا السفيه!
    مثلا لا ينظر من يقيم عرسا لما يمكن أن يقوله عنه العقلاء فيعمل بمقتضاه بل يعمل بحيث لا ينقده السفهاء!

  2. رغداء يقول:

    المشكلة أننا نجد أن مظاهر المباهاة والتفاخر بالأموال لا تقتصر على الأغنياء, بل إن كثيراً من الناس يرهقون أنفسهم بالتكاليف المادية من أجل أمور تافهة بل ومزعجة, خذ على ذلك مثلاً مسألة الإذاعات المنتشرة في الأعراس والتي تسبب إزعاجات كبيرة للجيران, هذا فضلاً عن تكلفتها المادية, ورحم الله حماتي التي كانت تقول : ألله يهدي فلان دفع مصاري حتى ينسب أبوه!
    وكانت تقصد أن صاحب العرس هذا دفع أموالاً من أجل إحضار إذاعة تزعج الجيران الذين سيأخذهم الغضب وسيبدؤون بشتم والد صاحب العرس.

أكتب تعليقاً