مولدات الملل
الكاتب: جلالكتب : جلال مراد
كثيراً منا اختبر هذا الشعور ، وربما أن الكثير الكثير منا قد عايش هذا الكائن مراراً وتكراراً وفي أغلب الأيام ، رغم أنه يفضل أن يزورنا في أيام الاستراحة والأعطال ولكنه قد يباغتنا أيضاً في أيام العمل، إنه كائن يتسلل إلينا مثل النعاس دون أن نشعر به إلى أن يتمكن منا ولا نستطيع الإفلات منه .
ولكن من هو هذا الكائن وكيف يستطيع أن يتحكم بحياتنا وما هو جوهره ومعدنه .
جوهر الملل :
من المؤكد أن الملل شعور إنساني أي أن الحيوانات الغير إنسانية لا تقابل هذا الكائن ، ولكننا إن حاولنا بيان الملل فإننا سوف نلاحظ أن الملل في اللغة النفسية عبارة عن عدم الاهتمام العاطفي ، فعندما يمر بنا الزمن دون أن يكون هناك انهماك أو تركيز في عمل ما سواء أكان هذا العمل عمل ذهني أو عمل جسدي يظهر الملل كشعور مسيطر يحيلنا إلى حالة من الارتباك والفوضى العبثية .
والحال إننا نلاحظ أن هذا التعريف للملل ليس جامعاً ومانعاً وذلك عائد ببساطة إلى أننا في كثير من الأحيان نكون فيها قائمين بنشاط ما ولكننا في نفس الوقت نشعر بالسأم والملل ، فعلى سبيل المثال فإن الكثير من الطلبة قد يشعرون بالملل وهم يذاكرون دروسهم ، والكثير من الراشدين يشعرون بهذه الشعور رغم أنهم يقومون بأعمال ما .
وهنا نستنتج أن التعريف السالف الذكر للملل لا يوفي بالغرض ، ويتوجب أن نزيد عليه شيء ما ليكون مكتملاً ، والحال أننا في الأعمال المحببة لدينا لا يمكن على الإطلاق أن نشعر بالملل بينما في الأعمال الغير محببة لدينا نشعر بهذا الشعور .
إذاً فإن الملل هو الشعور الذي ينشأ لدينا نتيجة قيامنا بنشاط ما غير محبب لدينا . وهنا نرى أن التعريف أصبح أكثر دقة ومنه نستطيع أن نصنف الأعمال والنشاطات التي نقوم بها إلى صنفين وفق المقياس السابق :
- أعمال نقوم بها دون اهتمام وجداني أو عاطفي .
- أعمال نقوم بها باهتمام وجداني أو عاطفي .
لنلاحظ أن منبع المشاعر والعواطف إنما يتموضع في العقل الباطن أو كما يرى علماء التشريح في النصف الأيمن من الدماغ .أما الأفكار المنزوعة من العاطفة والمشاعر فهي متواجدة في العقل الواعي أو النصف الأيسر من الدماغ .
ولنلاحظ أيضاً أن الطاقة مرتبطة شرطياً مع العقل الباطن ومكوناته فإننا إن لم نقرن الفكرة أو السلوك الناتج عنها بمشاعر موجودة أصلاً في عقلي الباطن فإن السلوك المنبثق عنها سيكون سلوك غير مليء بالطاقة كما إنه بالضرورة غير مرتبط بالمشاعر والعواطف .
وربطاً بما بدأنا به فإننا نلاحظ أن الملل هو شعور ينشأ من عدم ارتباط المشاعر مع النشاط الذي يقوم به الإنسان ومثله كمثل لمبة البطارية في السيارة التي تضيء عندما لا يتواجد طاقة كهربائية كافية لتشغيل السيارة .
الطاقة والملل :
ضمن هذا السياق نلاحظ أن الملل هو إحساس ينشأ من ارتداد الطاقة المتحررة من العقل الباطن دون أن تتحرر على شكل فعل حركي أي سلوك ، والحال أن جميع الأعمال التي لا أرغب بها تلك الأفعال التي لا تعبر عن نزوعي وتوجهي ورغبتي الحقيقية هي سلوكيات من وجهة نظر الطاقة تعبر عن حواجز تحجب اندفاعات الطاقة نحو التحقق العياني الملموس. لذلك تتموضع هذه الطاقة على شكل إحساس بالملل . بينما السلوكيات التي تتوافق مع توجهاتي ورغبتي تجعل الطاقة المتحررة من العقل الباطن تأخذ الطريق السلس والمريح نحو التحقق وهنا تنشأ مشاعر المتعة ولا تظهر على الإطلاق مشاعر الملل .
عبر سيغمود فرويد عن المتعة في كتابه ” ما فوق مبدأ اللذة ” بأن المتعة هي من الواجهة الفزيولوجية انخفاض التوتر ، فعلى سبيل المثال إن رغبة الطفل في أن يأخذ لعبة تؤدي إلى تحرر توتر فزيولوجي لديه، هذا التوتر الذي لا يهدأ إلى إذا حقق الطفل موضوع الرغبة أي حصل على اللعبة وهنا يظهر شعور المتعة لديه ، والأمر عينه بالنسبة إلى الراشد . لكن في موضوع مقالنا فإن الملل يعبر عن توتر وانحباس للطاقة نتيجة فقدان الموضوع الرغبوي ، فإن سألت أي أحد يشعر بشعور الملل ما بك ، فإنه سيجيبك “لا أدري أشعر بالملل” . وكلمة ” لا أدري” هي التعبير الحقيقي عن عدم وجود موضوع الرغبة .
البحث عن الترياق :
لنلاحظ أن الرغبة لا تمثل كما هو شائع المشاعر الجنسية والمشاعر المقترنة بالغرائز الأساسية لدى الإنسان فقط ، لكن الرغبة تمثل كل ما نرغب به سواء كان هذا الشيء ينتمي إلى عالم الأشياء أو عالم الأشخاص أو عالم الأفكار والمعتقدات والأخلاق .
وبالتالي فإن الرغبات لدى كل شخص هي كثيرة جداً وربما لا تحصى ولكن مع الأسف فإن القليل القليل من الأشخاص الذين يعرفون فعلاً ما الذي يرغبون به على وجه الخصوص ، وربما يخلطون بشكل كبير بين ما يرغبون به وما يريد الناس من حولهم أن يرغبوا به ، وأغلب الأشخاص الغيريين الذين تتواجد أناهم في الآخرين لا يستطيعون على الإطلاق أن يعرفوا رغباتهم الحقيقية وهم قادرين بشكل جيد على معرفة وتفهم رغبات الآخرين غير أنهم لا يستطيعون تبين رغباتهم فضلاً عن تحقيقها .
نلاحظ من هذا الاستعراض أن الترياق الذي يمكن أن نتخلص بواسطته من الملل هو أن نسأل أنفسنا ” ما الأشياء التي إن فعلتها سأكون سعيداً “
والحقيقة إن القيام بهذه الأشياء يحولني من شخص سائم إلى شخص مبتهج ، ولكن يبقى السؤال قائماً ” ماذا لو بقي الشخص غير قادر على تحديد ما يراه أنه يحقق له البهجة لا سيما أن لحظات الملل تحيل الإنسان النشيط إلى إنسان بليد بطيء وكأن طاقته معدومة ولا يقوى على الحراك .والأمر أن هذا الانخفاض للطاقة وارد جداً فكما نوهنا في مقالات سابقة أن هذا الشكل من هدر الطاقة الإنسانية يكون هدر كبير جداً وفي وقت قصير . والحال إننا لو تساءلنا عن الأشياء التي يمكن أن تقدم لي المتعة في لحظات الملل فإننا لن نصل إلى أي نتيجة تذكر وذلك بسبب اضطراب الأحاسيس وتبعثر الطاقة والتركيز في اتجاهات متعددة .
وأفضل طريقة علينا القيام بها قبل أن نسأل أنفسنا ” ماذا نرغب ” هي أن نقوم بأي عمل عضلي وعلى الفور دون أن نسأل أنفسنا لماذا نقوم بهذا العمل ، والحقيقة إن هذا الفعل العضلي المباشر يقوم بتحفيز مولدات الرغبة لدينا وبنفس الوقت يقوم بشحن المزيد من الطاقة في أجسادنا مما يؤدي إلى تمكننا بعد هذا النشاط من أن نعرف ونقرر ما الأمر الذي يبهجنا كي نقوم به .
طريق لا يؤدي إلى روما :
رغم صحة المثل القائل ” كل الطرق تؤدي إلى روما ” في عموم الأمر غير أن الطريق الذي يستخدمه عامة الناس للهروب من الملل طريق لا يؤدي إلى الوصول إلى روما أو الهدف المنشود الذي هو المتعة أو البهجة !!
إن أغلب الناس تسعى في أوقات الملل إلى القضاء على الوقت و على الزمن ” وهو اصطلاح متعارف عليه بالعامية ” يستخدم الناس أساليب متعددة من النشاطات منها ما هو نشاطات إيجابية تقوم بتحسين المستوى الجسدي والنفسي والعقلي للشخص ، ومنها نشاطات غير سليمة تقوم بإيذاء هذه المستويات عند الشخص فضلاً عن أنها تؤذي البيئة الاجتماعية المحيطة ، وهذه النشاطات السلبية نستطيع أن نصفها بصنوف الإدمانات ، ولكن ما الذي يفعله الإدمان للتخلص من الألم.
الدكتور برشوت والمخطط المنحدر :
أوضح الدكتور باراشنت في محاضرة له حول الملكية والإنسان إلماحة مهمة عن موضوع الإدمان إذ أنه يرى أن الإنسان عندما يريد أن يرفع طاقته إلى مستوى عالي -( لنلاحظ أن أوقات الملل هي الأوقات المناسبة لذلك حيث تكون الطاقة في مستو منخفض جداً مما يؤدي إلى تعاظم هذا الهاجس برفع الطاقة ) – يقوم إما بالتدخين أو لعب السوليتير أو الدخول إلى الإنترنت أو تعاطي عقار مخدر أو القيام بشرب الخمر … الخ والحال أن هذا الأمر يقوم برفع الطاقة عند الشخص لفترة من الزمن وذلك من خلال تحرر مادة ” السيروتينين” التي تنشط التواصل الكهربائي بين الخلايا العصبية في الدماغ ، لكن هذه الطاقة بعد فترة من الزمن تنخفض إلى مستوى أخفض من المستوى التي كانت عليه قبل الارتفاع الأول . وهنا تنشأ الرغبة في القيام بموضوع الإدمان من جديد ، وعند القيام بموضوع الإدمان من جديد ( خمر.. مخدر .. إنترنت.. سجائر … الخ ) فإن الطاقة تزداد ولكنها هذه المرة لا تصل إلى المرحلة التي وصلت لها في المرة الأولى من تعاطي موضوع الإدمان ،وبعد فترة من الزمن نلاحظ أن الطاقة قد انخفضت إلى مستوى أكثر انخفاضاً من المرة السابقة ، وعند تكرر العملية عبر الزمن فإننا نلاحظ أن أعلى قيمة يمكن أن تبلغها الطاقة عند التعامل مع موضوع الإدمان بعد مضي فترة طويلة من الزمن تكون متدنية جداً بالنسبة إلى الحالة الأصلية عندما أصاب الشخص الملل أول مرة .
ماذا عن المجتمع :
من الطبيعي أن نرى الملل في المجتمعات المبنية على الاستهلاك مجتمعات تغص بمشاعر الملل والسأم ، فما الاستهلاك بحد ذاته سوى ضرب من الإدمان ، والتسوق في مجتمعات الاستهلاك هو عادة و(إدمان ) اجتماعي مبرر ، كما إن هناك عامل على غاية من الأهمية يؤدي إلى تعاظم انتشار هذا الشعور( شعور الملل) ، وهذا العامل هو أن أغلب الأعمال والسلوكيات التي يقوم بها الفرد في مجتمعاتنا أعمال مغتربة عن طبيعة الإنسان ومواضيع رغباته ، فمن الشائع أن نرى على سبيل المثال أن المهندس يرغب في كتابة القصة،غير أنه مجبر بشكل من الأشكال على ممارسة عمل لا يتواءم مع رغائبه ، والطبيب يهوى العمل كمدرس ولكن هذا الهوى وهذه الأمنية تبقى طي الكتمان ويمارس عمله كطبيب بسأم وملل ، والأدهى من هذا وذاك أننا نلاحظ أن الطفل ربما لا يستطيع أن يعبر عن طفولته وعليه أن يبدو في حضرة الراشدين كراشد مثلهم .
إن الأعمال والسلوكيات المغتربة عن الذات كما ذكرنا هي أعمال وسلوكيات منزوعة من الرغبة أي لا تحتوي في جوفها عاطفة أو مشاعر لذلك فإنها جوفاء لا يمكن أن تعبر عن شيء حقيقي أو أن تنتج شيء حقيقي ، والحال أن انتشار الملل يعبر بشكل أساسي من خوفنا من الحرية وخوفنا من أن نكون ذواتنا ، وإنما يعبر عن هروبنا من الاستماع لما تقوله ذواتنا لنا . هل هناك إنسان يتهرب من مسؤوليته اتجاه نفسه؟ للأسف هذا هو واقع الحال نحن في أغلبنا نهرب من مسؤوليتنا اتجاه أنفسنا وبالتالي فقدنا الاتصال مع ذواتنا وفقدنا القدرة على سماع ماذا تريد هذه الذوات .
الهواية والعمل :
يقول جان جاك روسو عندما يتحول العمل إلى لهو فإننا نحصل على إنسان منسجم سعيد يقوم بعمله وهو مبتسم . والحقيقة أن هذا الطرح لا يخلو من الخيال لروائي يحاول أن يمارس الفلسفة ، لكن ما أراه أن الإنسان إن استطاع أن يحول موضوع هوايته إلى عمل فإنه سيكون أكثر سعادة وأقل مللاً وأكثر إنتاجاً في الكم والكيف أي الجودة . وما أراه في مجتمعاتنا أن المحددات التي تحكم عملنا هي الصدفة وقوانين المجتمع وربما رغبة المقربين والأهل . وأذا ما أخذنا أيضاً بالحسبان الفرع الجامعي الذي يختص به أحدنا بعد إنهاء المرحلة الثانوية فإننا نرى أن المحدد هي المحصلة التي حصلت إليها لأتدرج وفق الاختصاصات المتاحة طب فهندسات ..الخ .
والأمر أن حالة الاغتراب والجبرية التي نشأنا بها في مجتمعاتنا تجعل هذا الكائن المدمر ” الملل ” يجوب طرقاتنا وأحيائنا وعقولنا دون أي رادع .
17 يوليو 2010 01:25 م | مفاهيم و وعي
نسخة الطباعة
8, نوفمبر, 2010 - 12:55 ص
مشكورين جدا – الله يبارك فيكم