ملاحظة مبدئية عن الإنسانوية الزائفة أو “الالتباس على صعيد عالمي”- بالإذن من أخينا سمير أمين

الكاتب: محمد

ملاحظة مبدئية عن الإنسانوية الزائفة أو “الالتباس على صعيد عالمي”- بالإذن من أخينا سمير أمين
محمد شاويش

واقعة اختلاف المجتمعات عن بعضها أمر مقرر طبعاً، بل هو (إن كنت فهمت الآية بصورة صحيحة) سنة الله في خلقه “ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم”.
وفي مكان آخر نرى سنة الاختلاف لا تتناقض مع تقرير معيار التفضيل عند الله عز وجل “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمك عند الله أتقاكم” وهو يعني تقرير حدود للنسبية الثقافية واللغوية فيما أرى تتجاوز ما كنت في مقالات سابقة وصفته بمرحلة “النسبية الثقافية” التي هي أنضج من مرحلة “العنصرية البسيطة” ولكن من المطلوب تجاوزها باتجاه تبني قيم مطلقة.
القضية الآن هي التالية: حين تقفز بلا دراسة للاختلاف العياني بين الثقافات إلى تقرير قيم مطلقة ومعايير تحكم على أساسها فأنت معرض لأن تكون في الحقيقة عنصريا ومتمركزاً حول ذاتك أو حول ذات أنت تبنيتها وظننت أن معاييرها الخاصة تصلح للحكم على معايير كل الثقافات.
ومن ذلك حكمنا على ما هو عليه الغرب على أنه هو “التقدم” وما عداه فهو “التخلف” لا أكثر.
ليس لك أن تحكم على لون العيون الزرقاء أنها “اللون الطبيعي” وما عداه خلل في الطبيعة، والباحث الذي يقرر ذلك من حق الباحثين أن يروه مجنوناً أو عنصرياً مبتذلاً، لكننا نرى هذا بشكل صائب لأننا عاينا عدداً كبيراً من البشر وبمثل هذه المعاينة يتوصل الطب لتقدير القيم المخبرية الطبيعية وحدودها التي تصبح مرضية بتجاوزها.
لا شك أن الحياة الاجتماعية وقواعد السلوك المعقدة وميدان القيم والردود العاطفية والانفعالية على الوقائع هو أعقد بكثير من مثال صفات البشر الجسدية، ومن ذلك أيضاً الفروق في رؤية العالم بين البشر.
تصادر “الإنسانوية الزائفة” على أن البشر يرتكسون بالطريقة نفسها على الأشياء والأحداث وإدراكهم للعالم واحد وقيمهم أيضاً واحدة، فما يراه الفرنسي جميلاً لا بد لنا نحن غير الفرنسيين أن نراه كذلك وإلا كنا غير طبيعيين (مثلاً: “متخلفين”).
الاعتراض على هذا التعميم (الشائع في الثقافة الحديثة السورية التي أعرفها أكثر من غيرها لأنني ابنها ورضعت من لبانها) لم يأت فقط من أطراف عربية دينية اعترضت بداهة على القيم الغربية لتناقضها مع الإسلام أو على أقل تقدير مع فهمها للإسلام، بل هو جاء من أطراف غربية متعددة.
فمنها الطرف العنصري الذي ركز على أن غير الآريين لا يستطيعون بحكم طبيعتهم البيولوجية الوصول لرؤية العالم الآرية، أو للمنجزات الثقافية الآرية. ومن بين أنصار هذا الرأي عندنا مثقفون كثر من “عصر النهضة” وما بعده من أمثال المازني وأحمد أمين، ذلك أن هؤلاء تتلمذوا على وجهات نظر كانت سائدة في النقد الأدبي الأوروبي تقرن بين العرق والإنتاج الثقافي بدون توسط أي أن عرقاً معيناً ينتج أدباً معيناً حكماً بحيث أن ابن الرومي شعره هكذا لأنه من عرق رومي!.
ولكن منها أطراف غربية غير عنصرية أرادت إعادة الاعتبار لمزايا الثقافات غير الغربية ويبدو أن من هؤلاء الباحث اللغوي الشهير بنيامين وورف الذي هو مع أستاذه إدوارد سابير صاغ فرضية “سابير وورف” الشهيرة التي تقول إن الناس لا يرون العالم بطريقة واحدة فما يراه الإنسان من العالم محكوم بلغته.
في جميع الأحوال تعلمنا هذه التأملات المتحفظة على الإطلاقات الإنسانوية الزائفة أن نتمهل ولا نطلق أحكاماً نزعم أنها كلية الصلاحية.
من جهة أخرى علينا دوماً أن ننتبه لظاهرة يهتم بها الفقير لله كاتب هذه السطور كثيراً ألا وهي ظاهرة “الالتباس”.
قد تتخيل أنك وشخصاً آخر تتحدثان عن موضوع واحد ثم يتضح لك بالتجربة أن اتفاق الألفاظ لبّس عليك اختلاف مفاهيمها. وكذلك حين تقرأ نصاً لم تعرف سياقه التاريخي معرفة جيدة، فحين يتحدث الفقيه القديم عن “الحرية” لا تظنّن أنه يتكلم عن “الحرية” التي تعرفها أنت كمثقف سوري حديث!. ومن الضروري إن كنت لا تريد أن يستغفلك أحد أن تسأل عن القصد من تعابير كثيرة. خذ مثلاً تعبير “السلام” أو تعبير “الحرية” أو تعبير “التقدم الاجتماعي” إلى آخره.
على أن الالتباس في زماننا هذا يتجاوز علاقاتنا الداخلية إلى العالم بأسره، وذلك أن العصر الحديث شهد تعميم أشكال التنظيم الاجتماعي الغربية، من نظام الحكم السياسي إلى تنظيم أجهزة الدولة إلى نظام التعليم إلى آخره.
ولكن هذه الأشكال المتطابقة لا تخفي وراءها مضامين موحدة، لأن الوزارة عندنا غير الوزارة عندهم والبرلمان عندنا غير البرلمان عندهم والأحزاب عندنا غير الأحزاب عندهم إلى آخره.
وحين يتعامل الغربيون مع الأسماء الغربية عندنا تحدث مصيبة الالتباس على نطاق عالمي، لأن “حقوق الإنسان” مثلاً وفقاً للرأي الغربي تتضمن عناصر غربية غير موجودة عندنا وفي المقابل تغفل أشياء مهمة توجد عندنا.
خذ “حقوق المرأة” مثلاً: يتخيل الغربي أن أكبر قمع لحقوق المرأة يتمثل في ارتدائها للحجاب، ويغفل عن واقعة أن الحجاب بقية باقية من الزي الوطني المحتشم الذي تركناه نحن رجال أهل الشام بكل انتهازية (لأننا كنا أيضاً نغطي رؤوسنا أيام كنا نرتدي زينا الوطني!) ولبسنا الزي الغربي وطلبنا من نسائنا فقط أن يحتفظن بعلامة تميز زيهن عن زي أهل الغرب ألا وهو الحجاب. في المقابل يغفل الغربي عن الاضطهادات البشعة للمرأة من نوع التمييز بين الذكر والأنثى ضمن العائلة وظاهرة تفضيل مجيء طفل ذكر على مجيء طفلة وظاهرة استقواء بعض الأزواج على زوجاتهم وعدم احترامهن إلى آخره.
وحين يتعلق الأمر “بالديمقراطية” من المألوف أن نعد النموذج الغربي هو المعيار لحرية المجتمع غافلين عن أن الاستبداد عندنا قد يوجد مع وجود المعايير الغربية الشكلية من انتخاب حر ونظام أحزاب وجرائد مستقلة إلى آخره. وفي المقابل قد تجد علامات على فهم أعمق لحقائق السياسة عندنا من أهل الغرب بالذات لأن مواطنينا لا يصدقون الإعلام والجرائد والإذاعة بينما يصدق أهل الغرب التضليل الذي يأتيهم من وسائل الإعلام لإيمانهم العميق أن هذا الإعلام حر!

21 ديسمبر 2009 01:46 ص | مقالات


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 3 على “ملاحظة مبدئية عن الإنسانوية الزائفة أو “الالتباس على صعيد عالمي”- بالإذن من أخينا سمير أمين”

  1. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    ما ذكرته أستاذ محمد يغفل عنه كثيرون, والسبب برأيي هو وقوعهم حتى تأثير خداع معرفي يظنون معه أنهم يعرفون تلك الاختلافات بين الشعوب, ولكنهم ومن دون شعور منهم يعودون للتعميم في إصدار أحكامهم.
    موضوع القيم العالمية أو الأخلاق التي نتصور أنها عامة بين الناس تجد لها مفاهيم مختلفة بين البشر, ودائماً كنت أفكر بالآيات القرآنية التي تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر, وكنت أتساءل عن علاقة المعروف بالعرف السائد بين الناس, واختلاف هذا العرف بين حضارة وأخرى ومجتمع وآخر

  2. جلال يقول:

    هناك لبس مزمن على ما يبدو بين الاستفادة من التجارب الناجحة والتقليد لتلك التجارب .
    وبين الانفتاح على الآخرين بذات منتمية وبين الانفتاح على الآخر بلا ذات .
    بين التقوقع على الذات ورفض الآخر وبين الاستلاب للآخر دون نقاط ارتكاز.
    بين المشترك الإنساني وبين الاختلافات الثقافية والبنيوية بين المجتمعات .
    بين التركيز على مشاكل الداخل العربي ، والتركيز على مشاكل الآخر .
    بين العالمية والغربية .
    بين اللغة النظرية الشاملة واللغة التجريبية المتخصصة .
    لماذا لا نبحث عن أساس يقاس عليه . وأصول يركن إليها حتى يكون الحوار أكثر نفعاً
    ملاحظاتي هذه مستندة للمقال القديم الذي بلغت التعليقات عليه عشرة وبين هذا المقال.
    ودمتم مع المحبة.

  3. رغداء يقول:

    ميّز الدكتور عبد الوهاب المسيري بين الإنسانية المشتركة والإنسانية الواحدة:
    فالإنسانية الواحدة كما قال تعني أن البشر يتسمون بشكل من أشكال التماثل والتشابه والتجانس الكامل, فما يحدث هو عملية مساواة تنتهي إلى تسوية البشر الواحد بالآخر مما يلغي كل الخصوصيات ويصبح النمط الكامل (الذي هو عادة الطرف المسيطر وهو حالياً النموذج الغربي) هو المثل الأعلى وعلى الجميع تقليده, وهذا يعني أن التطور البشري يتبع نموذج أحادي الخط, وبالتالي فإن مسار التاريخ واحد, وسيصل ذروته حينما تهيمن الحضارة (الأعلى) وهي هنا الحضارة الغربية الحديثة وتتبنى كل الشعوب نموذجها الحضاري.
    أما الإنسانية المشتركة التي يطرحها المسيري فهي التي تنطلق كما قال من مفهوم إسلامي ينظر للناس وفق مبدأ (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) فهذه الصياغة تؤكد فكرة المساواة لكنها أيضاً تعترف بالاختلاف, فالعربي عربي والعجمي عجمي لكن ثمة معايير تتجاوز كليهما وهو معيار التقوى, فالإنسان ليس بكائن مادي, والإنسانية المشتركة تستند إلى مفهوم الفطرة الإنسانية الذي هو مفهوم واضح في الإسلام ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)(الروم: من الآية30) فالعقل فيه أفكار كامنة لا تكتسب عن طريق التجربة وإنما تسبقها, فهي ليست معرفة مكتسبة بل مفطورة في العقل الإنساني, وهذا يقف مع النقيض من الرؤية المادية التي ترى العقل باعتباره صفحة بيضاء وكل المعرفة مكتسبة من خلال التجربة.

أكتب تعليقاً