مكارينكو يكتب قصيدته التربوية

الكاتب: رغداء

مكارينكو يكتب قصيدته التربوية

(الطريقة التربوية لأنطون مكارينكو, عرض ومناقشة)

 محمد شاويش

  1 ـ عن الرجل ومكانته بين أعلام التربية:

أظن أنني لا أبالغ عندما أقول إن “أنطون سيمونوفتش مكارينكو” (1888 ـ 1939) هو واحد من أعلام التربية الأكبر عبر القرنين الأخيرين, بل هو أتى بطريقة تربوية جديدة لم يكن لها مثيل سابقاً, وهي طريقة أعطت نجاحات باهرة لا تكاد تصدق في ميدان إعادة تربية وتأهيل الأحداث الجانحين والأطفال “الصعبي التربية”. والشيء الجديد حقاً عند مكارينكو هو أنه لم يأت بنظرية تربوية جديدة من “بنات أفكاره” و”مخيلته” ناتجة عن تأملات فرد منعزل (شأن نظرية الفيلسوف الفرنسي الكبير “جان جاك روسو” مثلاً), بل جاءت نظريته التربوية عبر ممارسة يومية طويلة أنشأ خلالها (وشارك في) جماعة إنتاجية منظمة تنظيماً داخلياً ديمقراطياً رفيعاً من شباب يتمتعون بوعي اجتماعي (وأخلاقي) رفيع شكّلوا بحق إحدى أرقى جماعات المجتمع السوفييتي, ولم يكن هؤلاء الشباب سوى “الأحداث الجانحين” و”الأطفال الصعبي التربية” سابقاً. وعندما تولى مكارينكو لأول مرة إدارة إصلاحية للأحداث الجانحين (وهي المسمّاة “إصلاحية غوركي”) عام 1920 في أوكرانيا لم يكن يملك نظرية جاهزة ولم يجد ما يريد من معلومات مفيدة في كتب التربية, وهو يقول عن تلك الفترة: “في حياتي كلها لم أقرأ من الكتب التربوية بقدر ما قرأت في شتاء عام 1920……..كانت الفائدة التي جنيتها من تلك المطالعات هي الاعتقاد الذي سرعان ما انقلب يقيناً راسخاً بأنها ـ أي المطالعات ـ لن تضع بين يدي أي علم أو نظرية وأنه يجب استقاء هذا من حصيلة الحوادث الواقعية التي تمر تحت ناظري. ومع هذا فلم أفهم في أول الأمر ولكنني رأيت مجرد رؤية أنني لا أحتاج إلى صيغ كئيبة لا يمكنني أن أستفيد منها في العمل, بل أحتاج إلى تحليل فوري مباشر وعمل فوري مباشر” (ق. ت, ج1, ص34)([1]).

وربما وجب علينا لأجل الدقة أن نقول إن مكارينكو صاحب “طريقة تربوية” قبل أن يكون صاحب “نظرية تربوية” وآراؤه النظرية التي صاغها بعد سنين من تبلور طريقته إنما كانت تعميمات للممارسة التربوية القيادية في إصلاحية غوركي (من 1920 إلى 1928) وفي كومونة “دزيرجينسكي” (من 1928 إلى 1935) وقبل أن نعرض لبعض تعميماته النظرية نرى من الأنسب أن نبدأ بتلخيص تجربته العملية في إصلاحية غوركي وهي التجربة التي بلورت أفكاره التربوية, وقد تحدّث عنها في مؤلفه “قصيدة تربوية” بأسلوب أدبي ممتع.

 

2 ـ تجربة مكارينكو التربوية في “إصلاحية غوركي”

 

كلّف مدير مصلحة التعليم العام في خاركوف ـ أوكرانيا, مكارينكو أن ينشء ويدير إصلاحية للأحداث الجانحين. كان ذلك في أيلول 1920. وكان مكان الإصلاحية الجديدة قبل ثورة 1917 معتقلاً للجانحين القاصرين ثم أُغلق بعد ذلك وظل مكاناً خرباً. ومن المفيد أن ننقل ما قاله مكارينكو عارضاً كيف كانت “الطريقة التربوية” في هذا المعتقل: “إن النظّار ـ الذين اختيروا من ضباط الصف المتقاعدين ـ كانوا يشغلون المناصب التربوية الرئيسية فيه. وكان عملهم يقوم على أن لا يتركوا الأحداث يغربون عن أنظارهم في ساعات العمل كما في ساعات الراحة …….إن الطرائق التي كان يعمد إليها هؤلاء النظّار لتكوين تلاميذهم, لم تكن لتتميّز بتعقيد شديد, فالعصا البسيطة كانت رمزاً لهذه الطرائق” (ق.ت, ج1, ص15).

ومثل هذه “الإصلاحية” التي يسخر منها مكارينكو, والتي تقوم بكل شيء عدا الإصلاح, والتي كثيراً ما يزداد فيها الأحداث الجانحون تمرساً وتعمقاً في درب الجنوح بدلاً من أن يسلكوا درب المواطنة المستقيمة, مازلنا نراها الآن مع الأسف في كثير من البلدان المتخلفة.

وشمّر مكارينكو عن ساعد الجد وحاول بقدر ما يستطيع أن “يركز” في البناء المعد لاستقبال النزلاء ما يسميه بسخرية “قيماً مادية” أي الاحتياجات الأولية كالطعام وما شابهه من المستلزمات التي لا بد منها ولم يحصل إلا على القليل.

وهكذا افتتحت إصلاحية غوركي نشاطها في جو فقر مدقع (وكانت في هذا على أي حال مماثلة لجو البلاد السوفييتية كلها آنذاك). وفي الرابع من كانون الأول وصل أول ستّة من الفتيان مصحوبين بإضباراتهم. كان أربعة منهم في الثامنة عشرة من العمر وقد أرسلوا إلى الإصلاحية لارتكابهم جرم سلب المنازل بالسلاح. وكان الاثنان الباقيان أصغر سناً وهما متهمان بالسرقة. وكانت هيئة المربين التي استقبلتهم تتألف علاوة على مكارينكو من امرأتين ووكيل الشؤون الاقتصادية (ولم يقبل أحد غيرهم الاشتراك في هذه المهمة التربوية الشاقة). وألقى مكارينكو على الفتيان خطبة “حول الحياة الجديدة, حياة العمل التي سوف تنفتح بعد اليوم لهم, وأنه يجب السير إلى الأمام, دائماً إلى الأمام”, وتبددت هذه الكلمات الرائعة في الهواء معطية فكرة متشائمة عن جدوى الخطب (والمواعظ) في التربية. فلم يكترث الفتيان بالخطب وبالمعاملة الإنسانية الجادة التي عاملهم بها المربون. ورفضوا جلب الماء من البحيرة بفظاظة وكانوا كل مساء يتغيبون عن الإصلاحية ليعودوا في الصباح “فيستقبلون بابتسامات مهذبة التوبيخ المؤثر الذي كنت أبديه وفقاً لفكر التربية الاجتماعية” ورفضوا حتى تنظيف الممرات من الثلج ثم زادوا في تصرفاتهم الوقحة فضايقوا المربيتين وأخذوا يشهرون سكاكينهم الحادة أمام المربين وخربوا السقف الخشبي لإحدى الغرف وأخيراً طفح الكيل فبعد أن طلب مكارينكو من أحدهم (وهو لاحقاً سيغدو شخصية بارزة في الإصلاحية واسمه زادوروف) أن يمضي لقطع أحطاب للمطبخ رفض هذا ورد عليه بإهانة مباشرة فثار غضب صاحبنا وضربه. وكان هذا الضرب نقطة انعطاف في العلاقة مع النزلاء.

ونجد هنا أنفسنا مضطرين للإيضاح للقارئ العربي أن الضرب كان ممنوعاً ويعرّض مكارينكو للتوقيف. والأهم من التوقيف أنه كان مداناً أخلاقياً كفكرة شعبية شائعة (أي أنه لم يكن محرماً نظرياً فقط) ولا بأس من إيراد رد فعل المربين على هذه الحادثة: “ومع ذلك فتجب الملاحظة بأنه ما من لحظة كنت أفكر فيها بأن أجد في العنف طريقة تربوية قوية كل القوة, لقد كلفتني حادثتي مع زادوروف أكثر مما كلفته هو, فقد أخذت أخشى أن أخوض ميداناً أقل مقاومة. أما من جهة المربيتين فقد شجبتني ليديابيتروفنا علناً دون أن تتغاضى عن ذلك. وفي ذاك المساء نفسه حدثتني وهي واضعة رأسها بين كفيها الناعمتين فقالت لي: ـ لعلك وجدت الطريقة الآن؟ كما في المدارس الدينية؟ هكذا؟ ـ عفواً يا عزيزتي ليديا! ـ لا…قل لي هذا هو الأفضل… هل سوف نشرع بالضرب؟ وهل هذا مسموح لي به أيضاً أم أنه لك فقط؟ (…..) وظلت إيكايترينا غريغوريفنا عدة أيام تقطب حاجبها, وتكلمني بلهجة المجاملة الرسمية. ولم تسألني إلا بعد خمسة أيام (…….) ـ ولكن أتعرف أحزن شيء في تلك الحادثة؟ (……..) أحزن شيء هو أن هؤلاء الأولاد يتحدثون عن بطولتك بحماسة إلى حد أنهم مستعدون أن يعبدوك وأولهم زادوروف في ذلك. ماذا يعني هذا؟ أنا لا أدري. أهذا تعود على الاستعباد؟, وفكرت قليلاً ثم قلت لها: ـ لا…. إن الاستعباد لا شأن له هنا فالأمر يبدو بشكل آخر, حللي الأمر تحليلاً جيداً, إن زادوروف أقوى مني, وكان في وسعه أن يجندلني بضربة واحدة, ومع ذلك فلا يخاف شيئاً, وكذلك بورون والآخرون, ففي هذا الحادث كله لا يرون الضربات إنما يرون الغضب والرجل الذي ينفجر. فقد فهموا فهماً كاملاً أنه كان في مقدوري أن لا أضرب زادوروف بل أستطيع أن أعيده كشخص لا يمكن إصلاحه, إلى لجنة “الأحداث الجانحين” فأسبب لهم كثيراً من الإزعاج ولكنني لم أفعل ذلك واخترت خطة سلوك خطرة بالنسبة إلي, إلا أنها إنسانية وليست شكلية, وإنه لمن الجلي أيضاً أنهم مع ذلك يحتاجون إلى الإصلاحية, وهذا أكثر تعقيداً, وعلاوة على ذلك أنهم يرون أننا نعمل كثيراً في سبيلهم. إنهم بشر على كل حال وهذا هو الأمر الأساسي” (ق.ت, ج1, ص46). وسنرى بعد قليل على أي حال أن الأحداث كانوا أحراراً في ترك الإصلاحية وسنرى الأسباب التي كانت تدفعهم للبقاء.

وفي آذار 1921 كان عدد الأحداث في الإصلاحية قد بلغ الثلاثين وزاد عدد المربين أيضاً. وظل الجميع, أحداثاً ومربين في حالة جوع وعري أيضاً. وبعد حادثة “زادوروف” قام الأحداث دون اعتراض, بل ببعض المتعة أيضاً بقطع الأحطاب في الغابة, وتوقف الغياب الليلي بدون إذن من مكارينكو لأنه هددهم بأن من يغيب منهم سيطرده ولن يسمح له بالعودة إلى الإصلاحية, وقد ظهرت بوادر نشوء جماعة متحدة يغار أفرادها على المصلحة العامة. وقد ظهرت هذه البوادر عندما سرق من مكارينكو مبلغ من المال ثم توالت سرقات أخرى فقام الأحداث من تلقاء أنفسهم بالتعاون مع المدير لإيجاد السارق (رغم أنهم هم أيضاً ما كانوا قد توقفوا عن السرقة!) وعندما توصلوا إلى اللص كانت عقوبة التوقيف لمدة ثلاثة أيام طعامه الخبز وشرابه الماء وكانت هذه سرقته الأخيرة فقد وفى بتعهده أن لا يسرق أبداً.

وفي النضال الذي خاضه (هؤلاء اللصوص القدماء!) سكان الإصلاحية ضد العصابات اللصوصية التي كانت منتشرة في المنطقة وضد التجاوزات على القانون التي كان يقوم بها الفلاحون بقطع أشجار الغابة “هذا النضال المليء بالمصلحة والنظام العملي الصرف” كان سكان الإصلاحية قد أخذوا يذوبون في “كل واحد اسمه إصلاحية غوركي” . لقد بدأ السكان يعتبرون مصلحة تطور الإصلاحية مصلحتهم الخاصة. وعندما تملكت الإصلاحية أبنية ومزارع مجاورة كانت تملكها عائلة من الملاكين الذين ذهبوا مع “البيض” أخذ الأحداث يخططون بحماس لبناء الإصلاحية في هذا المكان الجديد الغني.

وفي الربيع حصلت الإصلاحية على حصان قوي وبدأ النشاط الزراعي إثر ذلك ثم ظهرت في الإصلاحية ورشتا حدادة ونجارة, وفيها أخذ الأحداث تحت إشراف معلمين يصنعون الأبواب والنوافذ للإصلاحية الجديدة السالفة الذكر في ممتلكات “آل تريبكي”, وأخذت الورشة تصنع بعض الأشياء للفلاحين مقابل أجرة أيضاً ثم أنشئ أيضاً معمل لصنع الدواليب أخذ يدر بعض الأرباح, ومع الزراعة و”الصناعة” تحولت الإصلاحية إلى مؤسسة إنتاجية حتى أنها أخذت تشعر بنقص في اليد العاملة وقد سدّ هذا النقص تباعاً الأحداث الجانحون الذين كانوا يصلون الإصلاحية بعد تصفية عصاباتهم اللصوصية, وكان الأعضاء القدماء يتولون إطلاع الجدد على تاريخ الإصلاحية ويدمجونهم في الجماعة, وما كان أحد منهم يبدي اعتراضاً صريحاً على العمل الشاق والحرمان وما كانوا يرون في المربين قوة معادية لهم.

ويرى مكارينكو أن “السبب الرئيسي في هذا الوضع يكمن بشكل أكيد في عمل مربينا فما من شك بأنه كان شاقاً جداً يقوم به المربون بتفان يستدعي بطبيعة الحال الاحترام. لهذا السبب كان أولاد الإصلاحية دائماً ـ ما عدا حالات نادرة جداً ـ على علاقة طيبة معنا, وكانوا يعترفون بضرورة العمل والتعلم في الصف” (ق.ت, ج1, ص134) ويقول أيضاً: “إن مسألة المعرفة, هذه المسألة لم تكن بطبيعة الحال من المسائل التي تجد الجواب عليها في الخطة التربوية وحدها. ففي عام 1921 كانت تسود فيها المجاعة, فالحياة في المدينة كانت قاسية جداً ويمكن القول إن الناس كانوا جياعاً. زد على ذلك أنه في السنوات الأولى لم نتلقًّ أولاداً مهجورين حقاً قد اعتادوا على التشرد في الشارع, فإن غالبية أولادنا كان لهم أسر لم يقطعوا صلاتهم بها إلا منذ وقت قريب” (ق.ت, ج1, ص 135)

وكما قضى مكارينكو على السرقة داخل الإصلاحية فكذلك قضى على العنف المتبادل بين السكان, ثم كافح بنفس النجاح وبالاستعانة مع العناصر الواعية التي كان يزداد عددها باضطراد بين الأولاد ظاهرة شرب الخمر, بل تولوا القضاء على أجهزة تقطير الخمر في القرية المجاورة للإصلاحية أيضاً, وبعد ذلك تعامل بحزم, و”بمساندة شعبية” أيضاً مع ظاهرة القمار. وأرى من المفيد ليعرف القارئ طبيعة العلاقة شبه الندية بين المدير والأحداث (وهي علاقة تبدو في البلاد العربية مستحيلة!) أن ننقل حوار مكارينكو مع “بورون” زعيم ألعاب القمار في الإصلاحية, وبورون هو نفسه السارق الذي ذكرناه قبل قليل, مكارينكو يتحدث إلى الأحداث: “ـ لنتفق فيما بيننا على أنه لن يعود أحد إلى لعب القمار. فهل تستطيعون أن تعاهدوني عهد شرف على ذلك. ولكنني أخشى فقط……حول هذا الموضوع ألا يكون كلامكن وعهدكم عهد ثقة وشرف, فهذا ما يبدو لي: أعطى بورون عهداً……

فهجم بورون إلى الأمام: ـ هذا خطأ يا أنطون سيميونوفيتش, إنه لمن المعيب عليك أن تقول أشياء لا صلة لها بالحقيقة, فإذا بدأت تختلق الأكاذيب والأباطيل فأنا لم أعط عهداً بالنسبة للقمار.

ـ وأنا معك أعتذر, هذا حق, وأنا مخطئ إذ أنني لم أفكر بأن أطلب العهد منك بصدد ذلك وكذلك بصدد الفودكا…(…) وتقدم كارابانوف ببطء (وهو حدث آخر, الملاحظة لنا) إلى الصف الأول….. ـ هذا جلي واضح, أيها الأولاد إن تنظيف الرفاق لاعبي القمار ينبغي أن لا يتم. ولعلكم ستسخطون مني ولكنني سأكون ضد لعب القمار وأريد أن أقول لكم: إنني لن أتجسس على أحد, ولكن بالنسبة إلى القمار لن أحجم عن هذا فسوف أتدخل بنفسي وآخذ بتلابيبكم” (ق. ت, ج1, ص179).

وأثناء ذلك نشأت في الإصلاحية (في الأمسيات) مطالعة جماعية نشيطة. كان الأولاد يستمعون إلى قراءة أحدهم ويعلقون على أحداث القصة وقد شغفوا خصوصاً بكتابات مكسيم غوركي, ربما لأن حياة غوركي في الطفولة التي عرضها في بعض مؤلفاته كانت تمت بصلة إلى طفولتهم هم. وهكذا ترسخ تدريجياً اسم الإصلاحية الذي اختاروه بأنفسهم “إصلاحية غوركي” وغدا غوركي بالنسبة إليهم مثلاً أعلى, وكانوا يراسلونه ويرد عليهم (وكان آنذاك في إيطاليا, وعندما عاد إلى الإتحاد السوفييتي زار الإصلاحية) ونرى من تأريخ مكارينكو لحياة الإصلاحية أنه كما أن العمل الإنتاجي لم يمنع الأحداث من الدراسة في المدرسة الموجودة في الإصلاحية (إذ كان اليوم ينقسم عندهم بين دراسة وعمل في وقتين متساويين) فكذلك لم يمنعهم من أخذ نصيب من الثقافة العامة والرؤية الاجتماعية والسياسية أيضاً (وسيترسخ هذا بعد إنشاء فرع للكومسمول في الإصلاحية).

ومع ازدهار الإنتاج الصناعي والزراعي في الإصلاحية (وبالنسبة للإنتاج الأخير فقد ازدهر بدخول الطرق الفنية إليه مع حصول الإصلاحية على مهندس زراعي نشيط) تطورت “الأجهزة الإدارية” لجماعة الأولاد لتتحول إلى جماعة إنتاجية منظمة تدير نفسها بنفسها, وتم هذا مع اختراع نظام “الكتائب الإنتاجية” (أو اكتشافه تقريباً) ويقول مكارينكو إن الفكرة بدأت عندما كلفت مجموعة من الأولاد بقطع كمية من الحطب للتدفئة, وسميت هذه المجموعة “كتيبة” وتأثر اختيار الاسم بالجو السائد في أوكرانيا آنذاك إذ كانت مقاومة أعمال “الثورة المضادة” و”الحرس الأبيض” تقوم بها آنذاك كتائب متفرقة. ولاحقاً تم تقسيم أولاد الإصلاحية كلهم إلى “كتائب” موزعة بحسب نوع العمل الإنتاجي (فالكتيبة رقم واحد كانت مثلاً لصناع الأحذية ورقم إثنين لعمال خدمة الخيل وهكذا) ومن بين أفرد الكتيبة كان يختار واحد يتمتع بميزات النشاط والقدرة على إدارة العمل ويسمى “قائداً” وما كان القائد يتمتع بأية مزايا مادية في الأجر أو في العمل والراحة. ولأجل القيام بأعمال الزراعة والأعمال المؤقتة والطارئة نشأ نظام “الكتائب المختلفة” وهي كتائب مؤقتة (يعين لها قائد أيضاً) تحل بمجرد إنجاز العمل الموكل إليها. وبفضلها مارس أغلب الأولاد أعمال القيادة أيضاً وتعودوا على مبدأ طاعة الرفيق في العمل وقيادته بآن واحد, ومكارينكو يعتبر التوصل إلى هذا النظام فتحاً مبيناً. يقول: “كان هذا التدبير يؤلف في الواقع اكتساب أكثر شيء جوهري لمجتمعنا طيلة الثلاثة عشر عاماً من تاريخه. فقد كان هذا الاكتساب وحده هو الذي أتاح لكتائبنا أن تذوب في مجتمع حقيقي قوي موحد يعرف التمييز في العمل والتنظيم ويعرف الديمقراطية في الاجتماع العام, والخضوع إلى الأوامر وامتثال رفيق إلى رفيقه, ولكنه ما كان ليتشكل في وسطه أرستقراطية في ظل أشكال طبقة القواد” (ق. ت, ج1, ص 498)

وتشكل من “القادة” مجلس هو “مجلس القادة” تولى الإدارة الداخلية للإصلاحية. وفي ظل هذا المجتمع المتطور حقق مكارينكو هدفه الصعب. لم يكن هدفه “إصلاح السلوك” وكفى: “فبالنسبة لنا قلما كان لنا شأن في “إصلاح السلوك”, وإنما كان علينا أن نعيد التربية لمعنى السمو بها بحيث ليس فقط لا يكون (الحدث…ملاحظة لنا) خطراً على المجتمع فحسب بل ينبغي له أن يصبح مواطناً فعالاً في العصر الجديد” (ق. ت, ج1, ص537)

وكما اهتم مكارينكو بـ “مضمون” الجماعة ـ إن جاز لنا القول ـ فقد اهتم بـ “شكلها” ونعى عليه رؤساؤه في دوائر التربية (وكان ينعى عليهم ضيق أفقهم وتمسكهم بمقولات وصيغ محفوظة جامدة معزولة عن الحياة) “شكليته” فكان يرد عليهم: “أنت تتصورين الشباب أو لنقل الأطفال بشكل علبة صغيرة, لها شكل خارجي وهو الغلاف إذا شئت ثم الداخل وهو الأحشاء. فحسب رأيك ينبغي لنا أن نهتم فقط بالأحشاء. ولكن بدون غلاف كل هذه الأحشاء الثمنية تتبدد”(ق. ت, ج3, ص 539) والاهتمام بالشكل يبدأ من النظافة (بل الأناقة أيضاً) إلى طريقة المشي وقد كان مكارينكو يعلم أربّاءه المشي العسكري والاصطفاف وراء العلم وتنفيذ الأوامر بالقول: “سمعاً وطاعة” إلى إصدار التعليمات بالبوق لا بالجرس وهو ما دعاه رؤساؤه في مديرية التعليم بالنزعة العسكرية متهمينه بتحويل الإصلاحية إلى ثكنة إلخ……

وبعد مدة قصيرة من إنشاء الإصلاحية توقف مكارينكو عن الاهتمام بماضي المنضمين الجدد إلى الإصلاحية وطلب من الدوائر التي ترسل الفتيان إلى الإصلاحية عدم إرسال الإضبارات التي تحتوي تفاصيل الأعمال الجانحة التي قام بها الحدث يقول: “كنت أقدر أن إعادة تربية أحداث جانحين ينبغي لها قبل كل شيء أن تتخذ الجهل الكامل للماضي أساساً لها. ولا سيما الجهل للجرائم الماضية. ولكن تطبيق هذا المبدأ تطبيقاً حازماً لم أتوصل إليه إلا بصعوبة بالغة, وكان علي أن أتغلب على طبيعتي, أنا, في جملة ما أتغلب عليه. كنت على الدوام مولعاً بأن أعرف لماذا أرسل إلينا الولد, وماذا صنع, زد على ذلك أن المنطق المألوف لتربيتنا كان يبذل جهده آنذاك ليقتدي بمنطق الطب, وكان يسيء استخدام الأدلة والأقيسة العقلية باتخاذه وضع الفطنة والذكاء, تلك الأقيسة التي تقول: لا بد لمعالجة المرض من معرفته. هذا النوع من المنطق الذي استهواني حيناً من الدهر كان يستحيل إلى سحره بشكل خاص زملائي وجهاز التعليم العام (…) ومنذ 1922 رجوت اللجنة بأن لا تعود إلى إرسال أي إضبارة. وكففنا بأخلص شكل عن الاهتمام بأخطاء الأولاد الماضية وكانت النتيجة طيبة جداً, حتى إن الأولاد أنفسهم كانوا ينسونها بسرعة. كنت أبتهج كثيراً إذ أرى كل اهتمام بالماضي يمحى وتزول من حياتنا انعكاسات الأيام المليء بالقذارة والألم والمقت بالنسبة لنا. وبهذا الشكل بلغنا المثل الأعلى: حتى أولاد الإصلاحية الجدد كانوا يتضايقون من سرد مآثر أعمالهم الماضية فلم يعد لهذا الأمر ذكر (ق. ت, ج1, 540)

وعلى كل حال فبعد حين ما عاد الجانحون والمشردون فقط هم الذين ينضمون إلى الإصلاحية فقد صار ينضم إليها أيضاً بعض شباب القرى الذين هم في خلاف مع أهلهم وبعض الفتيات الأجيرات اللاتي يستغلهن أرباب عملهن بوحشية. وبتوسع الإصلاحية وبروابطها الإنتاجية مع القرى المجاورة (كالطحن فللإصلاحية طاحونة وتصليح أدوات الفلاحين بمعامل الإصلاحية) وبروابطها الفنية مع تلك القرى أيضاً (فقد كان للإصلاحية مسرح يعمل فيه الأولاد بنفس نظام الكتائب الإنتاجية!) وأخيراً بروابط الحب بين فتيان وفتيات الإصلاحية وأترابهم بين الفلاحين غدت الإصلاحية قوة إجتماعية مؤثرة في محيطها, لقد أصبحت “جماعة فعالة في العصر الجديد” كما أصبح الفرد فيها “مواطناً فعالاً”.

هذه الجماعة الفعالة ستغدو بعد ذلك “مربياً جماعياً” إن صح التعبير, فقد أوكلت إليها مهمة تغيير وضع مزر كانت تعيشه “إصلاحية” (تسمى بهذا الاسم زوراً) في منطقة “كورياج” وباندماج الجماعتين غدت إصلاحية غوركي النواة التي حطمت الفساد الذي كان الجانحون والمشردون يعيشون في ظله في كورياج. لقد كان هذا هو الظفر النهائي والأعظم للإصلاحية. لقد غدا الآباء مربين.

آثرنا هنا أن نذكر خطوطاً عريضة لتجربة مكارينكو في “إصلاحية غوركي” ويجد القارئ في كتاب مكارينكو “قصيدة تربوية” عرضاً مفصلاً وممتعاً.

 

3 ـ مناقشات:

 

أ ـ عن “مصادر” الطريقة التربوية لمكارينكو:

كنا قد قلنا في مطلع هذه الدراسة أن مكارينكو لم يجد في كتب علم التربية التي قرأها ما يريد, وقد عيره خصومه في جملة ما عيروه “بالضعف في النظرية” فمن أين استقى الرجل إذن طريقته التربوية؟ إنه يجيب بتواضع وبوضوح: (ـ لقد جئنا خصيصاً من أجل التحقق من طريقتك ـ أحتج احتجاجاً قاطعاً, فأنا ليس لي أي طريقة خاصة ـ وأي طريقة تتبع؟ ـ الطريقة السوفييتية العادية) (ق. ت, ج2 , ص383)

كان العصر عصر ثورة وآمال كبيرة على خلق مجتمع جديد بعلاقات جديدة وبمفاهيم جديدة لعلنا لا نجد في أوروبا مشابهاً له ولو من بعيد إلا ذلك العصر الذي مر على الفرنسيين منذ قرنين, أيام روبسبير ودانتون وسان جوست ونرى أثر المفاهيم البلشفية بدون صعوبة في المفاهيم العامة التي تستند إليها طريقة مكارينكو التربوية ليس فقط في الاهتمام بالبنية التحتية التي تصوغ علاقات اجتماعية ومفاهيم تناسبها (ومن هنا اللجوء إلى بناء قاعدة إنتاجية للتربية وهو أمر يثير استغراب التربويين في في البلاد الرأسمالية!) بل أيضاً في عدم الاهتمام بالشخصية الفردية بتلاوينها الخاصة وتجربتها المتفردة والاهتمام بعكس ذلك بخلق جماعة تتبع في سلوكها وفعاليتها الاجتماعية “الخط السوفييتي” وإن تنظيم هذه الجماعة ما هو إلا التنظيم الشائع للجماعات الإنتاجية في ذلك العهد. إن نمط “الكومونة” الذي أخذ به مكارينكو كان هو النمط المعتمد آنذاك في التجمعات السوفييتية كل على حدة وفي الدولة بأسرها فقد كان المنظر السوفييتي الأكبر يرى أن الكومونة هي نمط إدارة المجتمع الاشتراكي. ولم تكن “الأفكار الثورية” حكراً على نخبة ضئيلة من المجتمع آنذاك بل كانت أفكاراً شائعة ومتداولة. وبالجملة فقد كانت شائعة ومسلماً بها عند نزلاء الإصلاحية (أو شغيلتها بالأحرى). مثلاً يقص مكارينكو بأسلوبه الفكه كيف جادل أحد الأحداث صاحب معمل الحدادة الذي صادرته الإصلاحية: “ـ لقد أصبحتم سادة كسائر الناس, وسلبتموني أوائلي. وها أنتم أصبحتم أولي الأمر! ولم يكن بيلوخين (أحد الأحداث) رجلاً يتأثر من أمثال هذه الأحاديث, فلم تضع سدى قراءته للكتب ورؤيته للعالم, فابتسم في وجه غولوفان (صاحب معمل الحدادة… ملاحظتنا) ابتسامة الفرح والارتياح وقال له: ـ إنك لمواطن قليل الوعي يا سوفرون! لقد مضى عليك أكثر من عام وأنت تعمل عندنا ومازلت لا تفهم الأمر: هذه أدوات للإنتاج. ـ ولكن هذا ما أقول….. ـ والعلم يقول: إن أدوات الإنتاج يجب أن تكون ملكاً للبروليتاريا, والبروليتاريا, أنظر, ألا تراها أمامك؟ وأراه أولئك الممثلين الحقيقيين الأحياء لطبقة البروليتاريا المجيدة: زادوروف وفيرشنيف وكوزماليشي (أحداث الإصلاحية ….ملاحظتنا)” (ق. ت, ج1, ص 370).

وبالفعل فقد كان الهدف من الإصلاحية لا تحويل الحدث إلى شخص عديم الضرر وحسب (كما أشرنا) ولكن تحويله إلى بروليتاري يمتلك وعياً سياسياً إجتماعياً رفيعاً. ولم يكن هذا غريباً على النظرية البلشفية العامة فهي تتكلم عن تحول الشرائح الاجتماعية إلى بروليتاريا وشروط نمو وعيها المتلائم مع وضعها الطبقي الجديد الذاتية (دور الطليعة) والموضوعية (الوضع الفعلي في الإنتاج).

 

ب ـ جدالات مكارينكو مع “سكان أو ليحب التربية الاجتماعية”:

كان المشرفون على إصلاحيات الأطفال في قسم التربية الاجتماعية في دائرة التعليم العام آنذاك يتبنون مجموعة من التأملات النظرية المجردة المحلقة فوق الواقع وقد أسماهم مكارينكو “سكان الأوليمب” تشبيهاً لهم بأولئك الإغريقيين الخالدين المنعزلين عن بني البشر في جبلهم. ومن المفيد عرض بعض نقاط الجدال بين مكارينكو وبينهم فمفاهيم مثل مفاهيمهم (أو أوهامهم) نجدها عندنا بكثرة: نعى مكارينكو عليهم عدم اهتمامهم “بالتكتيك” التربوي فمفاهيمهم المجردة كمفاهيم جان جاك روسو كانت تفترض أن الطفل هو أساساً وبالطبيعة والغريزة قابل للتطور الذاتي بالاتجاه المطلوب, كل ما هنالك أنه يجب عدم عرقلته ” وفي “السموات” كان الصبي يعتبر مخلوقاً مملوءاً بغاز مركب لم يخترع له اسم. وكان الأمر على الدوام يستهدف هذه الروح نفسها ذات الطراز العتيق والتي يجرب عليها الأحبار. كانوا يفترضون (فرضية عمل) أن هذا الغاز يمتلك قابلية تطور ذاتي وأنه يكفي أن لا يعرقل سبيله وكتبت كتب كثيرة في هذا الموضوع بيد أنها في الواقع كانت تردد جميعها مبادئ روسو: “عامل الطفل بإجلال” “حذار أن تعرقل سبيل الطبيعة” كانت العقيدة الأساسية لهذا الدين تتألف من هذا الأمر وهو: أنه ينبغي للشخصية الشيوعية أن تنمو بشكل إلزامي في هذه الشروط المنوه عنها من الإجلال والتقدير تجاه الطبيعة ومن ذلك الغاز المذكور آنفاً. وفي الواقع في حالة الطبيعة الصرف ما كان ينبت سوى ما يمكن أن ينبت بشكل طبيعي أي أعشاب الحقول الضارة العادية” (ق. ت, ج3, ص344) ويرى مكارينكو (مثلاً على هذه الحقيقة) أن الطفل ” من تلقاء نفسه” سيحاول الهروب من العمل عند محاولة جعله يعمل كما فعل في إصلاحية “كورياج” في أول عهدهم بعد اندماجهم بإصلاحية غوركي (دون أن تفلح قناعتهم الراسخة مع ذلك بضرورة العمل!) إن “أسلوب الحياة” المطلوب لم يتكون لديهم بعد وهو أسلوب لا يتكون تلقائياً كما يحلم “أهل الأوليمب” “إن الأسلوب يتكون تكوناً بطيئاً لأنه لا سبيل إلى إدراكه بدون تقاليد, أي بدون مبادئ وعادات يكتسبها لا الضمير المجرد, ولكن من طريق الاحترام الواعي لتجربة الأجيال القديمة والسلطة العظمى لكل المجتمع الذي مضى على وجوده بعض الوقت” (ق. ت, ج3, ص342).

ويجادل رجال التربية الاجتماعية في “التكنيك” “إن التكنيك لا يمكن أن يستقى إلا من التجربة. إن قوانين قطع المعادن ما كان لها أن توجد لو أنه ما من أحد قطع المعادن في التجربة الإنسانية (….) إن إنتاجنا التربوي لم ينظم وفق منطق التكنولوجيا بل وفق منطق الوعظ الأخلاقي” (ق. ت, ج3, ص 346).

وكان “رجال التربية الاجتماعية” يرون أنه لا يجوز منح الولد أجراً لأنه “يحل دوافع خارجية للعمل بدلاً من الدوافع الداخلية” أما مكارينكو فكان مع فكرة الأجر “فإن الأجرة كانت شيئاً هاماً جداً. فبفضلها يتعلم الصبي أن ينسق المصالح الخاصة مع المصالح العامة ويندفع إلى العباب الصاخب للمشروع الصناعي والمالي وللدخل التجاري والمورد, وينفذ إلى جهاز الاقتصاد الصناعي السوفييتي ويقف مبدئياً على مستويات مشتركة مع أي عامل آخر, ويتعود أخيراً على تقدير الأجر ولا يغادر بيت الأطفال ولا يملك غير “المثل العليا”. ” (ق. ت, ج3, ص366).

وكما اهتم مكارينكو بتنمية مطمح فردي عند أحداثه فكذلك اهتم بتنمية مطمح جماعي “إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في هذا العالم ما لم يكن نصب عينيه هدف براق. والدافع الحقيقي للحياة البشرية إنما هو فرحة الغد. وفرحة الغد هذه هي من الأشياء الأساسية التي يعمل لأجل بلوغها التكنيك التربوي (….) لا بد من تنظيم مطامح جديدة بالاستفادة من المطامح الموجودة آنفاً وأن يخلق منها تدريجياً مطامح أثمن وأغلى. ويمكن الابتداء من طعام جيد ومن زيارة سيرك ومن تطهير بركة ماء, غير أنه يجب دائماً الإيقاظ والتوسيع بشكل تقدمي للمطامح ذات القيمة للجماعة كلها ثم نقلها إلى صعيد الاتحاد كله. أصبح عيد الحصاد لجماعتنا أقرب مطمح بعد اجتياح كورياج وأخذها” (ق. ت, ج3, ص369).

 

4 ـ مفاهيم وتقنيات:

 

أ ـ مفهوم الجماعة:

لا غرو أن يكون لمفهوم “الجماعة” أهمية قصوى عند مكارينكو, لأن جوهر عمله كان تحويل “أفرادهم الأحداث (أو غيرهم) إلى جماعة”, فما هي الجماعة؟

في مقال بهذا العنوان([2]) يرفض التعريف التالي للجماعة: ” هي مجموعة من الأشخاص المتعاونين المجمعين على الاستجابة لهذا المؤثر أو ذاك” فهو يرى أن هذا التعريف لا يجعل من كومونة دزيرجينسكي جماعة (وهو إصلاحية أخرى أدارها مكارينكو) لأنه ليس جميع أفرادها يتعاون الواحد منهم مع الجميع (الإصلاحية كما رأينا فروع إنتاجية مختلفة) ويرى أن هذا التعريف ينطبق على الأناس الموجودين الآن في شارع معين فهم “يستجيبون بشكل جماعي : ينعمون بالنهار المشمس, يتجنبون السيارات ويخضعون لإشارة رجل المرور………” (ج. ت. ش, ص 74).

ويرى مكارينكو بالمثل أن الجماعة ليست هي كل مجموعة إنسانية تجمع بين أفرادها مصلحة ما. الجماعة برأيه يجب أن تكون واعية “لسيادة الكل الاجتماعي” وليس الفرد الواحد. ويستنتج أن “الجماعة” بهذا المفهوم لا تقوم إلا على المبدأ الاشتراكي: “ولكن الوحدة الاجتماعية فقط, القائمة على المبدأ الاشتراكي, يمكن أن تسمى جماعة. واللغة الروسية على الأقل, تراعي هذه الحقيقة بتحديد ودقة. فنحن نقول ونكتب “جماعة مصنع جرارات خاركوف يجب أن تقدم للبلاد مائة جرار” ولكننا لا نستعمل أبداً تعبير “جماعة مصنع فورد”…. وإذا كانت الأسرة السوفييتية التي تقوم على المشاركة المتكافئة لأفرادها في رأسها أب طاغية لا يمكن أن تكون جماعة ولا الأسرة النبيلة التي نفترض أنها تقضي بالمساواة بين أعضائها ولكنها في علاقتها بالمجتمع كله تقف ضمن الجماعات الاستهلاكية (….) وفي رأينا أن الجماعة هي مجموعة من الاتصالات قائمة على المبدأ الاشتراكي للارتباط. وفي علاقتها بالشخصية الفردية فإن الجماعة تؤكد سيادة الجماعة الكلية” (ج. ت. ش, ص 80)

 

ب ـ مفهوم “الانضباط” وتقنياته:

يرى مكارينكو أن “الطريق الرئيسي السليم لغرس وتنمية الانضباط هو مجمل العملية التربوية. فالانضباط هذا قبل كل شيء ليس وسيلة تربوية بل نتيجة تتحول بعدها إلى وسيلة” (ج. ت. ش, ص321).

ويرى مكارينكو (مستشهداً بتجربته) أن خرق الانضباط في جماعة متماسكة منظمة أمر غير وارد “فطول ثمان سنوات لم يكن هناك في الكومونة انقطاع ولا حتى يوم واحد ولا أي فزع ولا أية حوادث مخيفة. وهذا وحسب ما يجب أن يكون ولا يمكن إلا أن يكون كذلك في جماعة أطفال سوفييتية” (ج. ت. ش, ص322).

وخلافاً لآراء “أوليمب التربية الاجتماعية” كان مكارينكو يدافع عن ضرورة العقاب أحياناً ولكنه يرى أن العقاب المطلوب من نوع جديد فهو لا يجب أن يضع في اعتباره التسبب في الألم فما هو إذن جوهر العقاب؟

“جوهر العقاب هو أن الإنسان يتأثر من أن المجموع يدينه, مدركاً أنه تصرف تصرفاً غير سليم, أي أنه لا يوجد في العقاب ضغط وإنما هناك لا تأثر بالخطأ, هناك تأثر بالانعزال عن المجموع ولو للحد الأدنى. ولهذا لا يجب اللجوء إلى العقاب إلا عندما تكون المسألة واضحة من الناحية المنطقية, وإلا عندما يكون الرأي العام في جانب العقاب” (ج. ت. ش, ص 246)

فالعقاب بالتهديد لا يجوز أن يكون (إلا في فترة بداية نشوء الإصلاحية وقد رأينا هذا في عرضنا لنشوء إصلاحية غوركي في بداية الدراسة).

ولاحقاً سار مكارينكو على مبدأ يبدو غريباً وهو مبدأ “العقوبة للجيدين”, معاقبة الجيدين أول الأمر ثم يأتي دور السيئين في النهاية أو لا يعاقبهم على الإطلاق “وحين تعرف الجماعة بأن الجيدين من بينها يتعرضون للمحاسبة قبل غيرهم, حينئذ يكتسب العقاب مسحة سوفييتية حقاً. فالعضو الجديد يلتحق بالإصلاحية ثم يسرق فيؤنب ولكن لا يعاقب وإذا سرق مرة ثانية وثالثة ولم يعاقب أيضاً عندئذ يبدأ العضو يحلم بذلك الوقت الذي تبدأ الجماعة معاقبته وذلك لأن العقاب سيكون تعبيراً عن الثقة في شخصيته الإنسانية” (ج. ت. ش, ص323).

 

ج ـ في مسألة العلاقة بين الجنسين والتربية الجنسية:

كان في الجماعات التي رباها وأدارها مكارينكو كلا الجنسين وقد واجه بعض الأحداث المتعلقة بحياة الفتيان الجنسية ويقول “لقد انتهيت إلى الاقتناع بأن الحب ليس إلهاماً روحياً, كما أنه ليس وليد الصدفة والصدفة غير السعيدة, بل إنه أمر عادي يحتاج إلى التنظيم. ولهذا فإنكم بتربيتكم منظمين جيدين إنما تربون محبين جيدين. فالمقدرة على تنظيم السلوك يؤثر أيضاً من ناحية الحب. فالمآسي الكبرى تنتج عن الإحساس بعدم المسؤولية” (ج. ت. ش, ص325).

ويرى مكارينكو من المفيد الحديث المباشر في هذا الموضوع مع الشاب ومع الفتاة كل على انفراد.

ويجد قارئ الكتاب الذي أرخ فيه مكارينكو قصة حياة إصلاحية غوركي “قصيدة تربوية” حوادث كثيرة عن حالات علاقات حب وعلاقات جنسية كان أربّاؤه طرفاً فيها, ولم يكن مكارينكو يتخذ لا موقف الغافل المحايد الذي لا يتدخل ولا موقف المتسلط القامع بل كان يحاول التعامل مع كل حادثة بما تستلزمه من تدخل تقتضيه ضرورات التربية وضرورات مصلحة الجماعة فعندما أحبت إحدى ربيباته فلاحاً شاباً فقيراً يسكن بجوار الإصلاحية قامت الإصلاحية بنفقات الزواج وسكن الزوج في الإصلاحية (أنظر: ق. ت, ج2, الفصل العاشر) ولكنه عارض زواج ربيب آخر لأنه يتناقض مع ضرورة أن تكمل الفتاة تعليمها (والفتاة نفسها كانت تعارض في الزواج) (ق. ت. ج2, الفصل السادس) وعندما حملت ربيبة ثالثة دون زواج ودون شعور بالمسؤولية رفض أن يساعدها على الإجهاض. ولاحقاً تحملت الفتاة مسؤولية الطفلة وتزوجت أباها (ق. ت, ج3, الفصل الثاني عشر).

 

5 ـ خاتمة:

 

حاولنا في هذه الدراسة تقديم عرض ملخص لطريقة مكارينكو التربوية ولبعض تقنياته العملية ومفاهيمه النظرية آملين أن ننساهم في إيصال تجربة هذا المربي الكبير (أو إيصال الاهتمام بها) إلى المهتمين بالتربية في بلادنا, ولا شك أننا إن كنا لا نستطيع (أو لا نريد) تطبيق أساليبه التربوية كلها, فإننا نستطيع الاستفادة (فوائد جليلة في نظري) من تجربته وتنظيره أيضاً.

  

 


(1) ـ اعتمدنا في عرض تجربة مكارينكو في إصلاحية غوركي على النسخة العربية المترجمة من كتابه “قصيدة تربوية”, ترجمة كامل ناصيف, 3 أجزاء, نشر دار التقدم, موسكو, 1971م (رمزنا للعنوان في المقال بـ ق.ت ولكلمة “جزء” بالحرف ج).

(2) ـ انظر كتاب مكارينكو “الجماعة وتكوين الشخصية” وهو مجموعة مقالات. اعتمدنا على النسخة العربية الصادرة عن دار التقدم, موسكو, 1978, ترجمة أسامة الغزولي (رمزنا للعنوان في المقال بـ “ج. ت. ش”).

24 أغسطس 2009 01:52 م | تاريخ ينبض و على الأرض


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

تعليق واحد على “مكارينكو يكتب قصيدته التربوية”

  1. جبر يقول:

    عافاك الله اخي محمد على هذا الجهد الكبير في تلخيص وإضاءة لمدرسة مكارينكو في تربية الجماعة

أكتب تعليقاً