مع الواقعية مع نطق الواقع

الكاتب: رغداء

بمناسبة الحوار الذي أجرته الحياة اللندنية مع أدونيس, وعبارته التي قال فيها إن قصيدة محمود درويش “أحن إلى خبز أمي” أثارت عنده الضحك! لأنها على ما يبدو “ليست حداثية”!, تذكرت هذا المقال للأستاذ محمد شاويش, كان قد نشره في القدس العربي عام 1992م, وأحببت أن أعيد نشره هنا للفائدة (رغداء)

مع الواقعية مع نطق الواقع

محمد شاويش

في مقال عن رواية “البلدة الأخرى” للكاتب العربي المصري إبراهيم عبد المجيد يلاحظ الشاعر “أمجد ناصر” أننا نعرف عن الشخصية المصرية أفضل بكثير مما نعرفه عن الشخصية السعودية (*) يقول: “لماذا نعرف كثيراً عن الشخصية المصرية ولا نعرف عن الشخصية السعودية إلا خطاطات سياسية رسمية؟ الجواب ببساطة يجد تفسيره في حضور الكتابة وغيابها”.

إنها ملاحظة دقيقة يحسن بنا أن نعممها فنرى أهمية الأدب الواقعي (خصوصاً الأدب القصصي والمسرحي وفن السينما المقترن بهما, في إضاءة الجوانب الأساسية ذات الدلالة الكلية في المجتمع. هذه الجوانب التي تظل خرساء فلا ينطقها إلا الأدب. وقد دعوت مراراً إلى محاربة الأوهام الفوق ـ حداثية التي ترى أن المدرسة الواقعية عندنا قد استنفدت إمكانياتها وهي فكرة ضارة عملياً وحمقاء نظرياً. فما أكثر البلدان العربية التي لم تزل تنتظر من يكتب “ثلاثيتها” أو “زقاق مدقها” تحتاج إلى هذا الأدب الواقعي الغزير الذي يصف المجتمع وصفاً هو أدق بما لا يقاس من وصف الأيديولوجيا السياسية الموجودة أو حتى الأبحاث العلمية (لكي لا نتحدث عن الدعاية الرسمية الفجة!).

(2)

أعتقد أننا لا نحتاج إلى برهنة “أمبيريقية” على عزلة النصوص القصصية أو المسرحية الفوق ـ حداثية عن الجمهور العربي الفاعل إجتماعياً وسياسياً فهي ظاهرة أوسع من أن يتجاهلها أحد. بالمقابل تجد النصوص الواقعية قراءها الكثيرين وتأثيرها الفاعل في الطلائع السياسية (ولكم إن شئتم أن تتذكروا انتشار وتأثير روايات محفوظ قبل ثلاثة عقود وانتشار وتأثير روايات عبد الرحمن منيف الآن) وأنا شخصياً أؤمن أن الواقعية هي بطبيعتها رافد من روافد النظرة الديمقراطية الصحيحة التي تحاول أن تتفهم التركيب الاجتماعي لتحل بدلاً منه تركيبة بسيطة مبنية على الرؤية الأيديولوجية المسبقة أو “الطوبى” ـ “على ما يجب أن يكون”

(3)

من المفيد في هذا المجال أن نتذكر تاريخ تلك المدرسة الواقعية العظيمة: الواقعية الروسية. لقد وئدت هذه الواقعية في عهد ستالين مع رفع شعار “الواقعية الاشتراكية” التي عنت عملياً استبدال الوصف الواقعي الواسع لجوانب الحياة الاجتماعية بنص روائي ضيق هو أقرب إلى وصف ما تريده السلطة الشمولية عن الواقع. ولا غرو فالواقعية الحقيقية هي من حيث المبدأ في تناقض مع المحاولة السياسية الشمولية. وباستعارة تعبير “غوته” الشهير (وكان لينين معجباً به) فإن الواقعية هي شجرة الحياة الخضراء أما النظرة الشمولية فهي رمادية اللون!.

(4)

الواقعية بطبيعتها ناقدة, غير أنها لا تتفق مع الراديكالية الشمولية التي تضع المجتمع القائم بكل ما فيه بين قوسين بانتظار قلب تام وفق وصفة جاهزة تكون نتيجة محاولة تطبيقها مأساة إنسانية مروعة. على أن الواقعية لا تتفق بطبيعتها أيضاً مع النظرة المحافظة التي ترى في الأوضاع القائمة “الممكن الوحيد” إن الواقعية ببساطة تترك للواقع بالذات أن ينطق وهو الذي يقول: أين توجد بنى إجتماعية آن أوان تغييرها وأين توجد بنى راسخة لا يمكن تغييرها (أو لا يجب تغييرها)

(5)

إنها لمهمة طويلة ولكن لا بد منها للفكر الديمقراطي العربي! بدلاً من الطرق الساذجة القديمة التي اتبعتها السياسة التقدمية العربية التقليدية يجب أن نعبر عن ممكنات الواقع (أو بحسب تعبير “لوسيان غولدمان”: “الوعي الممكن”). هذا يعني عدم الدفاع عن كل شيء في هذا الواقع ولكنه يعني عدم فرض تصوراتنا الإيديولوجية (أو الطوباوية) على هذا الواقع, وهذا يعني قبل كل شيء جعل الواقع بكل غنى محتواه ينطق وأن ننطق معه لا فوقه ولا بالرغم منه!

وأرى أنه للواقعية العربية في الأدب دوراً جليلاً تلعبه في هذا المجال!.

(*) أمجد ناصر: “البلدة الأخرى” الإقصاء والعزل, “القدس العربي” عدد 29 / 5/ 1992م.

القدس العربي 24 آب 1992م

25 مايو 2010 10:41 م | أدب و وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 6 على “مع الواقعية مع نطق الواقع”

  1. مجد شاويش يقول:

    لازالت كتابات البعض من المثقفين تغرد في واد و الشعب في واد اخر و صار من المعيب مثلا ان تقول انني لم افهم نصا او لم اعجب بنص لمحمود درويش على سبيل المثال مع اني متأكد من ان اكثر من ثلاثة ارباع الشعب العربي سوف ( يتلبك ) بفهم الحديث من قصائده و أصبح الكاتب المعاصر هو الذي يتفنن بما يصعب على الفهم و الحقيقة احيانا يصبح هم الكاتب و هدفه ليس الفكرة و انما التصعيب و الغموض. كذلك يالتأكيد من أسوأ أصناف الكتابة ( و ليس الأدب ) كتابة كالواقعية الروسية حيث هي مجموعة أوامر من السلطة المستبدة يجب فرضها على الشعب المسكين دون اعطاءه القدرة على النقد أو ابداء الرأي. في النهاية لا أريد ان احابي ادبا على حساب اخر و أتمنى من العرب أن ينتجوا في كل صنف. و على ذكر الواقعية فهي حققت نجاحا كبيرا في العالم العربي و كذلك في العالم أجمع و يجب هنا ذكر النجاح الواسع الذي حققته الواقعية السحرية لكتاب أمريكا اللاتينية

  2. محمد يقول:

    ألف شكر للأخت رغداء على التذكير بهذا المقال ولعلي أعود للتعليق بعد وهلة وجيزة.

  3. محمد يقول:

    أتفق معك يا مجد في الإعجاب بالواقعية السحرية كونها تبدو لي تعبيرا أصيلا عن مجتمع كولومبيا مثلا (هو مجتمع الكاتب الشريف المناصر للحق العربي أكثر من مثقفين عرب كثر وهو ماركيز).
    ولكني أظنك قصدت بالواقعية الروسية الواقعية السوفييتية.
    والواقعية الروسية هي اسم يطلق عادة على كتابات الكتاب قبل الثورة من أمثال غوغول ودستويفسكي وتولستوي طبعا.
    وهذه الكتابات لا ينطبق عليها التوصيف الذي ذكرته فأحسبك تعني الأدب السوفييتي.

  4. محمد يقول:

    المقال قديم كما يرى من أراد القراءة من القراء. وبعض التعابير فيه لم أعد أستعملها. وإن كان الفقير لله يومها على أبواب “تحول تأصيلي” له علامة في المقال هي مقولة أن الواقع في بلادنا أخرس لا ينطق عن نفسه وصادر أهل الاتجاهات القائمة صوته.

  5. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    مع أن المقال قديم كما قال الأستاذ محمد لكنه يصف حالة سادت ومازالت للأسف منتشرة بين الأدباء, بل إنها اليوم اتجهت ليس إلى الفوق ـ حداثية فحسب, لكنها اتخذت اتجاهاً إباحياً بالغ الفجاجة بحجة الحرية والتعبير عن الذات, وصارت (قلة الأدب) مثالاً على الأدب (الواقعي لديهم طبعاً) وليس الأدب الواقعي المعبر عن المجتمع

  6. جلال يقول:

    بالتأكيد إن حال القصة والفنون يشبه حال اللوحة التشكيلية فهي غير آبهة بالحس العام والحس الجمالي المجتمعي ، لمست أخي محمد هذا الأمر عند قراءتي رواية للمرحوم هاني الراهب . أثارني كثيراً عنوانها ” كتبت خطاً على الرمال ” وهي تتكلم عن تجربته في الكويت من خلال عمله كأستاذ جامعي ، كنت أتوقع قبل قراءة القصة أن يصور الواقع الحقيقي والذي يغص بالمفارقات والعجائبيات والأساطير الواقعية تماماً ، لكني تفاجأت وخاب أملي عندما قرأت الرواية . فالواقع أكثر عجائبية من الخيال والتحليق الفني الذي اعتمده الكاتب في روايته . ووجدت أن النزوع للتميز بين الكتاب طغى عند أستاذنا هاني الراهب على وضيفة الأدب العامة ” الاجتماعية ” .
    أعتقد ” والله أعلم ” أن مجمل الكتاب الروائيين والقصاصين والشعراء ينزعون لأخذ المشروعية وشهادات التقدير من بعضهم ومن النقاد فقط ولا يولون اهتماماً للأثر . هذه العزلة أرى هي من نتائج الصدمة الحضارية أو الاستلاب على حد تعبير الصديق محمد .

    في مرحلة البراغماتية هذه من تاريخ العالم أرى أن الموجة عمت كتابنا أيضاً بكونهم وضعوا أولوية التميز الشخصي الضحلة مقترنة بالإبداع المزعوم مكان الوظيفة الاجتماعية المقترنة في الحقيقة . .
    الهوة تتسع بين المثقفين وبين المجتمع حتى أنهم ” على اختلاف توجهاتهم ” أصبحوا يشكلون كنتونات مغلقة محصورة عليهم . ربما الأمر يحتاج إلى إعادة نظر عامة في معنى الثقافة ووظيفتها .

    أعادتني روح المقالة المكتوبة عام 1992 إلى مرحلة كانت الأصالة فيها والإبداع الحق وخصوصاً عند المنتمين أمثال محمد إلى مشاعر تكاد تتلاشى مشاعر من الحضور والدفء والمعنى .
    شكراً أخت رغداء على هذا المقال
    وشكراً لأخي محمد على هذه الروح الدافئة

أكتب تعليقاً