مشاهدة حيّة
الكاتب: رغداءمشاهدة حيّة
منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات تقريباً سمعت صدفة عن روضة نموذجية لها تجربة خاصة في تطبيق سياسة اللاعنف على أرض الواقع, هذه الروضة هي (نادي الطفولة). وبفضولي التربوي أحببت الاطلاع على هذه التجربة, وكان هدفي هو الاستفادة من طريقتها المميزة بالتعامل مع الطلاب بدون عنف, ذلك أنني كنت أؤمن بهذا وأحاول تطبيقه دائماً مع طلابي, إلا أنني كنت أجد بعض الصعوبة لظروف كثيرة, فقررت الذهاب علني أجد ما يعنيني على تخطي هذه الصعوبات.

ذهبت هناك, فاستقبلتني السيدة حنان لحام, وحدثتني عن روضتها, وعن طريقتهم بالتعامل, ومدى تجاوب الطلاب والأهداف المرجوة من كل هذا.
وفي الحقيقة لقد شجعني وجود هذا التطبيق العملي على أرض الواقع, فقد كنت أظن أن ما أسعى لتنفيذه مازال نظرياً, وقد ساقني ظني للاعتقاد بأن تجاربي المتواضعة في هذا السياق نادرة جداً في الواقع.
سررت جداً من الزيارة وقتها, وكتبت ملاحظاتي, ثم عندما نشرت مقالي (تجربة تستحق التعميم) في موقعنا, جاءتني رسالة من الأستاذ جبر, وفيها مجموعة من الأسئلة تحت عنوان (مقترح لقاء مع الأستاذة حنان اللحام) لتتحدث بنفسها عن هذه التجربة, وطلب صوراً للروضة.
بالطبع طلب كهذا أسعدني جداً, واتصلت بالسيدة حنان واتفقت معها على زيارة روضتها في مقرها الجديد (كانت الروضة في زيارتي الأولى في بناء صغير نسبياً في المزة, أما الآن فهي في قرى الأسد).
وصلت هناك فوجدت بناءً جميلاً, في منطقة هادئة, ذات هواء نظيف, بعيداً عن صخب المدينة وتلوثها.
دخلت فوجدت الأستاذ حسن هلال, وهو زوج السيدة حنان,
إنسان في غاية الذوق واللطف, وهو داعم كبير لنشاطات هذه المربية الفاضلة, بل هو في الحقيقة شريك أساسي في مشروعها التربوي. استقبلني ورحب بي, حتى جاءت الأستاذة حنان, فاستقبلتني بلطفها المعتاد, فقدمت لها الأسئلة, وأطلعتها وزوجها عليها, وقد أبديا إعجابهما بصياغتها التي قام بها الأستاذ جبر.
تحدثنا عن الروضة, وكيف تطبق الطرق التربوية التي تنمي الذكاء الجسدي والعقلي والعاطفي والروحي عند الأطفال, وكيف تعتمد منهج قبعات التفكير الست(1), ومهارات دي بونو للتفكير (2), وكيف يستخدمون اللغة العربية الفصحى في التحدث مع الطلاب, وكيف يطبقون حصص سوام (3) في التعليم, وهدفهم: طفل يعتمد على نفسه, طفل يعبر عن مشاعره, طفل يعرف مواهبه ويستغلها, طفل يعمل صالحاً ويراعي مشاعر الآخرين, طفل يتحدث بالفصحى ويستمتع بالقراءة, طفل يستمتع بالعلم, طفل يستعمل عقله في حل مشكلاته, طفل يتواصل إيجابياً مع أقرانه.
ليست هذه الأهداف حبراً على ورق, بل هي واقع عملي معاش, يبذل القائمون على هذه المدرسة جهدهم الكبير لبلوغه, ويقومون بإعداد الكادر التعليمي القادر على تنفيذ الخطط التربوية, لذلك فقد أخبرتني السيدة حنان بأنهم يقيمون دورات تدريبية مستمرة للمدرسات في الروضة.
ثم اقترحت الأستاذة البدء بجولتنا, فدخلت معها إلى تلك الصفوف الجميلة المغرية التي تنبعث منها رائحة الطفولة البريئة, وشاهدت معها أقسام الروضة, فمن غرفة الألعاب التي وُظّفت توظيفاً تربوياً جميلاً, بحيث صار للعب هدف تعليمي وتربوي مدروس, إلى غرفة التجارب العلمية, التي وضعت فيها تلك الأودات الصغيرة ليستخدمها الأطفال في تجاربهم العملية البسيطة والمشوقة, إلى المكتبة الرائعة, ذات القصص المرتبة والجميلة والهادفة, والتي تتألف من قسم يحوي كتباً ومراجع تربوية لتستفيد منه المعلمات, وقسم يحتوي كتب الأطفال, وقد أخبرتني السيدة حنان بأنهم يشجعون الطلاب على القراءة, ويتبعون طريقة جميلة حيث تم وضع دفتر لكل طالب يكتب فيه تلخيصاً صغيراً للقصة التي يقرؤها, وفي نهاية العام هناك جائزة لأفضل قارئ.
ثم وصلنا إلى قاعة اللغة, وقاعة الحاسوب, والمطبخ الذي كان يجلس فيه مجموعة من الصغار مع معلمتهم يقومون فيه بتقطيع الخضار بأنفسهم, بنظافة وترتيب وهدوء, فسلمنا عليهم, ثم سألت السيدة حنان بلغة عربية فصحى: ماذا سنأكل اليوم؟ فأجيبت أيضاً بالفصحى سنصنع بيتزا وسلطة!
ثم خرجنا إلى ساحة الروضة لأجد فسحة جميلة جداً ونظيفة, فيها مسبح يلعب فيه مجموعة من الصغار, وفيها ألعاب ومكان للجلوس وأشجار جميلة تبعث في النفس إحساساً بالراحة والجمال.
عادت السيدة حنان لتجيب عن الأسئلة, ورحت أنظر للمكان بنفسي, كانت المدربات تلعبن مع الطلاب, وكان الطلاب مشغولون بفرحهم ومرحهم بلتقائية جميلة, أصواتهم تشبه زقزقة العصافير, ومدرساتهم تخاطبنهم بالفصحى وبهدوء, لم أسمع كلمة بنبرة عالية, لم أسمع صراخاً أو شجاراً!, كانت المعلمة إذا أرادت أن تنهى عن فعل لا تقبله تقول بهدوء: أنا لا أسمح بذلك, هذا ممنوع!
ثم جاءت طفلة سعدت جداً بسماعها تقول لمدرستها بفصحى جميلة: لو سمحت أريد كأساً من الماء!. أعطتها المعلمة ما طلبت ثم عادت للعبها.
كنت أشاهد كل هذا وأنا بغاية السرور والانشراح, أخيراً أحس بأنني في مكان إنساني يحترم الإنسان, ويعلمه احترام نفسه والتعبير عن ذاته بحرية وأدب.
بعد قليل جاءت طفلة باكية (يبدو أنها كانت جديدة) سارعت إليها معلمة صغيرة واحتضنتها, وراحت تتحدث معها بلطف لتهدئتها, حتى سكتت الطفلة وصارت رفيقة تلك المعلمة ثم أدخلتها للإدارة فاستقبلتها السيدة حنان وقدمت لها السكاكر والكعك مما أزال وحشتها وغربتها.
بالمناسبة, لقد علمت أن هذه المعلمة الصغيرة هي ابنة هذه الروضة, ( وهي بالإضافة إلى ذلك حفيدة السيدة حنان واسمها سنا دركل) وهي شاعرة وكاتبة للقصة القصيرة, هي الآن نجحت إلى الصف الثاني الثانوي, وقد قدمتها لي السيدة حنان على أنها نموذج لطلاب الروضة المتخرجين منها, والذين وصل بعضهم للجامعة وهم متفوقون بأخلاقهم وتحصيلهم, وقد اطلعت على قصة منشورة لها في إحدى المجلات بعنوان المعطف تستطيعون قراءتها في الموقع.

كان المكان أشبه بخلية نحل, مرتبة وجميلة, تعج بالنشاط والحركة. ولفت نظري تلك الرسومات الجميلة التي زينت الجدران, والتي لم تكن مرسومة رسماً على الجدران وإنما كانت مصنوعة من الأوراق الملونة, وعندما سألت عنها أخبرتني السيدة حنان بأن هذا من عمل مشرفة موهوبة عندهم ترسم وتفصل وتقص وتبدع أفكاراً تربوية جميلة, وعندما دلتني عليها كانت تلك المعلمة تتابع الأطفال, فطلبت تصويرها فقالت أتصور مع الأطفال, فنادت عليهم تعالوا لنتصور, فجاء الأطفال فرحين والتطقت لهم بعض الصور.
اطلعت أيضاً على تسجيلات صوتية لأغنية لطيفة من كلمات الشاعر سليمان العيسى بعنوان لغتي الفصحى, وقد قامت الروضة بتلحينها وتسجيلها وتدريب الأطفال على حركات جميلة مرافقة لها, وقد قدم الأطفال هذه الأغنية في أحد المراكز الثقافية في دمشق, ونالت استحسان الجمهور. 
انتهى اليوم سريعاً, دون كلل أو ملل, وسلمتني السيدة حنان إجاباتها وانصرفنا وأنا أفكر بأنه من الممكن أن توجد مدارس غنية بأثاثها وبنائها, ولكن وجود مدارس غنية بأفكارها وأهدافها هو أمر نادر, ولكنه ولله الحمد ليس معدوماً في بلدنا, أحمد الله على وجود هذا المكان وهؤلاء الأشخاص في بلدي, داعية الله أن تصبح كل مدارسنا مثل هذه, لتخرج بناة صالحين لهذا الوطن الغالي.
رغداء زيدان
(1) ـ قبعات التفكير الست: اداة تفكير فعالة تشجع التفكير المتوازي الذي يعني عدم وجود خلاف في وجهات النظر أو تعاكس بينها , وهي برنامج تدريبي يمنح متلقيه المعرفة و المهارة لاستخدامه و الاستفادة منه, وقد أوجدها الدكتور إدوارد دي بونو, واستخدم القبعات لتعليم التفكير الإبداعي, حيث وجد أن هناك علاقة ارتباطية شرطية ما بين التفكير والقبعات, فنحن نخلع القبعات ونلبسها بسهولة وكذلك بالنسبة للتفكير, وقد اختار ست قبعات لكل واحدة لون معين (بيضاء وحمراء وسوداء وصفراء وخضراء وزرقاء), ولكل واحدة منها مزايا معينة تعبر عن مزايا التفكير الإبداعي.
(2) ـ دي بونو: طبيب مالطي, أسس أمانة الأبحاث الاستعرافية, التي اشتهرت بـ (كورت) وهي تختص بوضع مناهج وبرامج تعليمية, وقد شارك في تأسيس مدرسة التفكير, واختص بالتفكير الإبداعي.
(3) ـ نموذج سوام: يقدم نموذج سوام برنامجا تتناغم فيه استراتيجيات التعليم مع النموذج الذهني للمتعلم بحيث يكون المتعلم هو محور العملية التعليمية. ويشمل نموذج المتعلم الذهني: أنماط تفكيره, و أساليب التعلم المفضلة لديه, وأنواع ذكاءه, وجوانب التميز والموهبة لديه, وميوله واهتماماته, ومنطقة النمو الحدي.
22 يونيو 2009 10:30 م | بوح و على الأرض
نسخة الطباعة
23, يونيو, 2009 - 3:41 م
عافاك الله
الموضوع غاية في الغنى وأتمنى أن نتوسع في التقنيات المستخدمة القبعات الست ومهارات دي بونو وسوام
فقد يستفيد من هذه التقينات باحث أو راغب بالتجربة
وما أمله بالفعل نقل التجربة فهذا هدف كبير ومهم أن يعلم أبنائنا هذه السويات من التعليم
وهذا قمة الأمل أن يؤسس على جيل يحمل هذه القيم
وادعو بدوري خريجي المدرسة من شباب وشابات إلى نقل انطباعتهم وأرائهم بالنادي وما استفادوه وما تمنو وجوده
الأرض ستكون أغنى وأبهى بهم
جبر
25, يونيو, 2009 - 11:13 ص
الموضوع فعلاً هام و ضروري جداً مناقشة كثير من أبعاده و قد سبق لي أن أكدت لحضرتك أن هكذا روضة و على نموذجيتها التي أتمنى أن تعمم في كل دور المعرفة و على إختلاف الأعمار و المستويات ليست إلا قفصاً زجاجياً رائعاً و لكنه هشٍ للغاية و هي أشبه بنتاج تجربة مخبرية غاية في المثالية و التي لا تلبث أن تقزم للأسف على أرض الواقع لماذا؟؟
لأنها لا تتعامل مع أرض الواقع الحقيقية … لأنها بعيدة كل البعد عن أسباب العنف الحقيقية …لأنها سرعان ما ستذوي مع نظرة لداخل البيوت العربية … مع ثقافة التربية الحالية .. كيف سيتصرف طفل لا يحب العنف مع الأطفال ( الذين يشكون من ظاهرة العنف )في وسطه الذي يعيش فيه ؟لعلنا سنتفق أنها خطوة في الإتجاه الصحيح لن يجعلها واقعية على الإطلاق إلا معالجة أسباب العنف التي تعصف بحياتنا اليومية
لن يعالجها حقيقةً سوى مراجعة طرق تربيتنا
بصراحة لسنا كلنا مؤهلين نفسياً أو تربوياً أو حتى إقتصادياً لنتمكن من دفع ثقافة العنف التي تعصف بحياتنا ،فلنأمل بجيل جديد كالذي أثق أنك أحد صانعيه مع أولادك مع النشء الذين هم أمانة بين يديك حتى نطرد شبح العنف الذي يتربص بحياتنا و يلازم كوابيسنا فالخطوة الأولى إذاً هي التربية المنزلية التي أصبحت غائبة و بعدها سنجد مجتمعنا يبدأ باسترداد العافية شيئاً فشيئاً… أشكرك جزيل الشكر على ايجابيتك الرائعة أختي الكريمة
25, يونيو, 2009 - 11:59 ص
تعليق الأخ عبد الكريم طبعا ناجم عن اهتمام صادق بالتغيير ولكني أجده وحيد الجانب إلى حد ما.
هو يتخيل أن الحل يتم بخطوات منفصلة: نعمل أولا تربية منزلية ثم نعمل روضة!
ولكن الحل متداخل ويتألف من خطوات كثيرة متداخلة
الأولاد هؤلاء سينتج عنهم آباء وأمهات مختلفات السلوك عن السائد
ولو كثرت هذه التجارب فهي ستساهم في التغيير
25, يونيو, 2009 - 11:06 م
السلام عليكم
أهلاً أستاذ عبد الكريم
أنت تعلم أن التربية لها أثرها الكبير, وهذه التجارب لن يذهب أثرها هباء, الإنسان له عقل وروح, وبالتالي فإن هذه البيئة سيبقى أثرها وستنعكس على تصرفات من عاشوها في المستقبل.
ثم ألم يحن الأوان لكي نعمل بدل أن نقول لا شيء سينجح؟
شكراً لك
رغداء
28, يونيو, 2009 - 7:36 م
أرحب بالسيد عبد الكريم وبرأيه والعقل الناقد أساس في أي عملية نهضوية وبدون نقد لن تتضح الرؤية ، من المؤكد أن تجربة الاستاة حنان والاستاذ هلال ليست كاملة لكن المهم البناء بجانبها وبطريقة موازية لها ، واللاعنف قد تبدو فكرة مثالية ولا أدري نتاج ذلك على الطلبة الخريجين ومن وصلوا إلى المراحل الجامعية من خلال أرائهم هم وليس من خلال انطباعتنا كمراقبين ، لذلك ندعوهم للمشاركة .
المسألة هي في العمل والفعالية والنتاج ، ادعو الأخ عبد الكريم إلى تقديم حلول أو اقتراحات لحلول لظواهر كثيرة تغزو مجتمعنا منها السلوك العنيف وليس آخرها ، ما نسعى له تراكم لتجاربنا ومؤازرة لجهودنا ، وتكاتف لخطواتنا عسى أن نتقن العمل جماعة ، والخطو إلى الامام بثقة
احترامي الكبير لوجهة نظرك
جبر مراد
29, يونيو, 2009 - 6:24 م
السلام عليكم
أود أن أتحدث عن أهم ما أراه في هذا الموضوع وهو الهدوء بالتعامل مع الأطفال
أنا لي تجربة بسيطة جداً جداً وهي مع أخي الصغير وأخي ليس صغيراً وولكنه أصغر أفراد الأسرة كنت دائماً أفكر في كيفية التعامل معه وقد رأيت من تجربتي أن الإحترام هو أنسب ما يمكن أن يفعل
طبعاً توصلت لهذا بعد تجربة سيئة مع أختي التي تكبره التي وللأسف فقدتها كصديقة لأني كنت دائماً أعاملها من منطلق الوصي عليها وعلى أفعالها فكنت دائمة التوبيخ وأحياناً يصل بي الأمر حد الضرب طبعاً لم أستطع حتى بعد أن تحسنت أخلاقي مد جسور التواصل مع هذه الأخت ولكني أحمد الله أني فقت إلى نفسي قبل أن أفقد أكثر من أخ
الاحترام هو أساس التعامل إذا أردت أن تتقرب من شخص ما وجب عليك أن تحترمه أولاً وبهذا هو سيحترمك
وهذا ما حدث في هذه الروضه كما أرى. أنا متاكدة أن المعلمة عندما ستقول للأطفال أنا لا أرضى بهذا الفعل سوف ينتهون عنه وسترى النتيجة أكثر من أن تقترب من الطفل وتضربه أو تصرخ بوجهه