ما هو “الوعي السياسي” ؟
الكاتب: محمدما هو “الوعي السياسي” ؟
محمد شاويش
1-”الوعي المناسب” كمصطلح في مقالات الفقير لله:
المجتمع لا يكون واعياً “وعياً سياسياً مناسباً” لمجرد متابعته للأحداث السياسية وتحديد موقف من ذلك الحاكم وهذا الزعيم وتلك الدولة بل “الوعي المناسب” في مقالاتي مصطلح أعني به الوعي الذي له صفة جوهرية هي أنه وعي تحول إلى نمط حياة وعادة وسلوك يمارسه الإنسان تلقائياً حتى بدون تفكير، مثلاً إذا كانت نظافة المدينة مهمة ملحة على المدينة فأقول إن الوعي بمسألة النظافة عند سكان المدينة هو “وعي مناسب” إن كانوا: 1- محسين بالأهمية البالغة للموضوع وأنه لا يجوز إهماله 2- مع هذا الإحساس هم يمارسون كل ما يؤدي بالفعل إلى نظافة المدينة أو على أقل تقدير يمارسون ممارسة لا تجعلهم يساهمون هم بأنفسهم في سلوكهم بزيادة وساختها 3- هذه “الممارسة المناسبة” تحولت إلى عادة لا شعورية ولم تبق على مستوى السطح أي مستوى الممارسة التي لا يقوم بها الإنسان إلا إذا تذكرها أو ذكر بها! فهي مثل عادة الاستيقاظ المبكر عند الفلاحين لم تعد مسألة قناعة نظرية يعظ بها الإنسان نفسه وجاره (عبر التأكيد على فوائد الاستيقاظ المبكر) ولا هي مسألة ممارسة إجبارية يجبر بها المرء نفسه نتيجة لقناعته ولكنه يجاهد نفسه ويحس بأنه يقوم بعمل شاق بسبب سيره على هذه الممارسة! بل الفلاح الناشئ في بيئة والدي رحمهما الله مثلاً لا يستطيع أصلاً أن يتأخر في النوم حتى لو أراد! فقد تحول هذا السلوك إلى عادة وهي كما يقال “طبيعة ثانية”. “الوعي المناسب” هنا سميته بهذا الاسم لأنه يجعل الإنسان في حالة سلوك يقود لحل المهمة (أو المشكلة) التي تواجه المجتمع أو هو سلوك يجعل المجتمع على الأقل في أفضل حالاته وأقربها إلى الحل.
ولننظر في هذا المثال في أشكال من الوعي ليست هي “الوعي المناسب”: مثلاً ليس وعياً مناسباً أن نقر بصحة السلوك النظيف نظرياً ثم لا نمارسه، وليس وعياً مناسباً أن نظل ليلاً نهاراً ننقد المؤسسات القائمة على النظافة ونطالب بتقديمها للمحاكمة وتنصيب قائمين جدد على النظافة دون أن نفعل نحن شيئاً في حال أننا عاجزون عن تغيير هذه المؤسسات.
وثمة ملاحظة منهجية أخرى أراها مهمة: لقد سميت هذا الوعي “وعياً مناسباً” وأعني بذلك أنه ليس وعياً خارقاً لحدود الزمان والمكان وجامعاً مانعاً وكلي الصحة بحيث أنه كما يقول إخواننا المصريون “ما يخرش المية” فقد تكون النظافة الزائدة مثلاً مضرة بقوة المناعة في أجسام المواطنين! وقد لا تلائم التوازن النباتي في البيئة المحيطة إلى آخره. إنه “وعي مناسب” بمعنى أنه الوعي الذي يستطيع مواجهة المهمات الملحة على المجتمع بأكبر قدر ممكن من الفاعلية.
ويقوم هذا “الوعي المناسب” على “تفسير مناسب” للمشكلة الملحة يقول إن السلوك الاجتماعي هو الذي يسبب نشوء هذه المشكلة وبقائها.
هذا “التفسير المناسب” ليس صحيحاً كلي الصحة من الناحية المجردة فقد تكون للمشكلة عوامل نشوء عديدة لم تؤخذ بعين الاعتبار، بل “التفسير المناسب” قد لا يكون تفسيراً أصلاً فهو اقتراح للحل على شكل تفسير!
ومثال على هذه الحقيقة الأخيرة أطروحة أخينا الجليل مالك بن نبي رحمه الله عن “القابلية للاستعمار” كسبب يفسر نجاح الاستعمار في أهدافه. إن ظهور الاستعمار نفسه إن أردنا تعليله بدقة هو عملية معقدة الأسباب ونجاحه أيضاً أمر تدخل فيه عوامل كثيرة.
ثم إن “القابلية للاستعمار” ليست تفسيراً للاستعمار بل هي في الحقيقة مفهوم مناسب للفعل الاجتماعي يؤول إلى الاعتقاد التالي: إذا أردنا أن نجعل الاستعمار في أقل درجات قدرته على النفوذ إلينا فعلينا أن نزيل تلك العناصر الاجتماعية لدينا التي تسهل مهمة الاستعمار.
ومن أهم أنواع “الوعي غير المناسب” هنا هو في اعتقادي القناعة السائدة أن الحرب مع الاستعمار هي حرب عسكرية أولاً وآخراً وهو ما يمكن أن ندعوه “الوعي المقاوم الشعبي” أي بنسخته السائدة التي لا ترى شيئاً غير البندقية والقنبلة لحل مشكلة الاسنعمار.
1- “فرط التسيس” كعلة من علل الوعي عندنا وطبيعة “الوعي السياسي المناسب”:
أعتقد أن القول إن السلطة تستطيع تنفيذ تحويل اجتماعي قادر على حل المهمات التي تطرحها المرحلة بقوة على المجتمع هي مقولة لا يجوز أن نقول عنها إنها خطأ محض أو صواب محض.
فهي قد تصح، فمن الأفكار الشائعة في الكتابات السياسية عندنا أن سلطة “الميجي” اليابانية حوّلت اليابان بالفعل خلال عقود قليلة إلى دولة صناعية تستطيع أن تناطح أكبر دول العالم. ومن الأمور التي أعتقد بصحتها وتؤكد عليها بعض الدراسات على كل حال أن محمد علي في مصر كان سيحول مصر بالفعل إلى دولة صناعية لو تركته أوروبا في حاله ولم تجتمع عليه. وإن أردتم رأيي فإن صداماً رحمه الله كان سيحول العراق فعلاً تحويلاً مهماً عبر إجراءاته الوحشية عديمة الرحمة مثلما فعل ستالين في روسيا لو تركته الصهيونية في حاله وهي التي كانت تقود الزمام الأمريكي (أو يقودها ولا أريد أن أناقش مسألة من يقود الآخر أمريكا أم الصهاينة، وعندي استعداد طبعاً لقبول أي محاججة مقنعة في هذا المجال الذي هو مؤقتاً خارج موضوعنا الآن).
عبد الناصر كان مرتاحاً لعقود من إمكانية إسقاط حكمه عبر الغزو الخارجي وهذا بسبب الصراع السوفيتي الأمريكي وقبله التنافس الإنجليزي الفرنسي من جهة والأمريكي من جهة أخرى (كما في مثال العدوان الثلاثي). فمن المعقول فيما أرى أنه كان يستطيع فعلاً تحويل المجتمع المصري بأفضل مما فعل (وكان فعل بضعة أشياء مهمة في هذا الاتجاه) وحال دون ذلك وضع الوعي الاجتماعي الشامل للمجتمع والدولة معاً. (وبهذه المناسبة أوصيكم بقراءة نقد ياسين الحافظ لهذه التجربة في كتاب “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة”، وهو نقد مهم للغاية رغم اختلافي التام مع تحويل المؤلف النموذج الغربي الفرنسي إلى مثال للصحة المطلقة المرتفعة عن الزمان والمكان وغير القابلة للنقد أو لإعطائها بعداً نسبياً، وبعض تقييمي الإيجابي ونقدي في الوقت نفسه للمفكرين الذين أضعهما معاً مع تناقضهما الظاهر من حيث أنهما كليهما انتبها إلى البعد الاجتماعي في هزيمتنا أمام الغزو الخارجي يجده القارئ في كتابي “مالك بن نبي والوضع الراهن” وصدر عن دار الفكر في دمشق عام 2007 ولا سيما آخر فصل فيه وهو بعنوان “ياسين الحافظ ومالك بن نبي”).
وهي لا تصح في حالات أخرى منها فيما يتعلق بموضوعنا الآن وضع تاريخي ملموس نشأ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي صارت فيه قوى الغرب الكبرى قادرة ليس فقط على شن حروب الغزو بدون تحد من دول عالمية أخرى بل صارت أيضاً قادرة بقيادة الولايات المتحدة على استعمال الأمم المتحدة ومجلس أمنها كأداة طيعة تفرض أكثر أشكال الجصار وحشية أو هي قادرة على السماح لدول صديقة لها (مثل الكيان الصهيوني) بالغزو وبفرض أقسى أشكال الحصار وأشدها وحشية مثل ذلك الذي فرض على العراق سابقاً وعلى غزة حالياً ولا زالت أشكال منه مفروضة على بلاد عديدة مثل كوبا خارج العالم الإسلامي ومثل سوريا والسودان وليبيا وحتى العراق الذي لا زال خاضعاً للبند السابع رغم احتلاله وقيام حكومة ديمقراطية فيه على حد زعم المحتلين وعملائهم!
ولا زلنا نذكر كيف أن حكومة الساندينيين في نيكاراغوا التي قامت على أكتاف ثورة جماهيرية مؤيدة من الغالبية سقطت في انتخابات حرة في أيدي أنصار أمريكا لأن الناس ملت من المعاناة في ظل ظروف الحصار الخانق الذي فرضته أمريكا. إن البلد الذي تاخذ حكومته سياسة مستقلة تحاصره قوى الاستكبار العالمي حتى تضيق الدنيا بسكانه ويضيق السكان ذرعاً بحكومتهم ويطلبون منها أن ترحل وتتركهم بحالهم مشكورة (إن استطاعوا إلى هذا الطلب سبيلاً طبعاً!).
من هنا أعتقد أن قيام حكومة بالتحويل الاجتماعي في بلادنا لا زال أمراً غير ممكن ما دمنا غير قادرين على تحد ناجح للتدخل الخارجي، وهذا التجدي كان يمكن تصوره لو أن هذه الحكومة قامت على مساحة واسعة من بلادنا ولو كان المناخ العالمي مهيئاً لجعل التدخل العالمي غير وارد.
على هذا الأساسي أرى أن “الوعي المناسب” الآن هو القناعة بأن قيام مثل هذه الحكومة يتطلب أساساً اجتماعياً مناسباً يقوم على أرضية تغير جذري في السلوك الاجتماعي يجعل من الممكن نشوء نهضة اجتماعية شلملة من جميع النواحي (مثلاً الاقنصادية والعلمية) ومن علامات هذا الأساس الاجتماعي السلوك الوحدوي المنيع على محاولات التفريق والسلوك المناسب للنهوض الاقتصادي (المتمثل في نشوء وعي ممارس (بفتح الراء) جديد يتناول قيم العمل المخلص المتقن واحترام الوقت واحترام القانون حتى لو كان رجال السلطة لا يحترمونه إلى آخره..).
والرهان عندي هو على أقلية اجتماعية مقتنعة تقدم النموذج والقدوة عبر تغيير سلوكي وليس عبر تشكيل تجمع سياسي مما يصعّب جداً تصور قمع هذا التغيير وهذه الأقلية تتوسع باستمرار لتصل أخيراً إلى شيء من نوع “الكتلة الحرجة” التي يبدأ عندها التغيير النوعي للمجتمع كله.
التنفيذ العملي لهذه الفكرة مطروح بحد ذاته على المجتمع ولا أدعي أن عندي التفاصيل بل أنا مؤمن أن المجتمع نفسه قادر على ابتكار الحلول عبر العمل.
لا بأس من أن أكرر من جديد الفكرة التي عرضتها في الفقرات السابقة لأني أحس أنها غير مألوفة: إن هذا الوعي هو “مناسب” أي لا يدعي لنفسه شمولية الصحة وأنه صجحيح مطلقاً ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. إنه فحسب “مناسب” أي مناسب لهدف جعل المجتمع مؤهلاً لنهوض دولة قوية قادرة على الدفاع عن نفسها.
والحال أن مجتمعنا بعيد عن هذا الوضع. وأذكركم بأن الوحدة بين مصر وسوريا قامت فعلاً ثم تمكنت شرذمة مشبوهة صغيرة من تحطيمها وليس بدون ارتياح قسم مهم من السكان الذين كانوا قبل ثلاث سنوات فرضوا بحماسهم الجارف قيامها! ما السبب؟ أليس ما أسميه “الوعي غير المناسب” هو الذي جعل رجال الدولة الوحدوية ىمارسون تلك الممارسات المخربة وجعل المواطن في المقابل ينتقل عاطفياً بكل هذه السهولة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين؟
23 أغسطس 2009 05:37 م | مفاهيم و وعي
نسخة الطباعة