مأزق العلوم المعاصرة
الكاتب: رغداءمأزق العلوم المعاصرة
جلال مراد:
كثيرا ما يوصف الذين ينظرون الى العقل وماهيته وحالاته وتحولاته في عصرنا هذا بالمثاليين، على خلاف الذين ينظرون في عالم المادة وحالاتها وتحولاتها فهم يعتبرون علميين وأشخاصاً واقعيين!. والحال أن المتأمل يعجب كل العجب من هذا التيار البراغماتي الذي طغى على حياتنا عامة وعلى حياتنا العلمية على وجه الخصوص
نتملك أو نكون
تكلم عالم النفس ذو المدرسة العقلية في التحليل النفسي ‘أرك فروم’ حول الانسان ذي البعد الواحد في المجتمع الحديث، وكانت آراؤه حول هذا الموضوع منتشرة في أغلب مؤلفاته، غير أنه حلل هذه الظاهرة بشكل عميق في كتابه ‘نتملك أو نكون’، والأمر أنه عنى بالانسان ذي البعد الواحد ذلك الانسان الذي تتمحور حياته على الاستهلاك، والعمل من أجل مزيد من الاستهلاك. وكأن الاستهلاك أصبح الأرض الوحيدة التي يستطيع الانسان الحديث أن يشعر من خلالها بالاستقرار والتوازن النفسيين، وان اهتزت هذه الأرض أو مادت قليلاً، أو كان هناك احتمال مستقبلي أن تتخلخل فإن الإنسان الحديث يصاب بالقلق، وقد تصل به الأمور أن يصاب بالهلع والخوف الشديد، وبذلك فقد فقد الإنسان الحديث أبعاده الأخرى كالأبعاد العاطفية، والجمالية، والروحانية، والأسرية، والاجتماعية. ونصب عينيه في اتجاه واحد لا يحول عنه نظره البتة، وكأنه أحد شخوص ‘غوته’ في مسرحيته ‘في انتظار غودو’.
ومن جهة أخرى أصبحت الأرض التي يقف عليها الانسان الحديث تكبر وتصغر تبعاً لما يملكه، وأي انحسار أو امتداد يثير في الواقف مشاعر القلق والخوف أو مشاعر السرور والرضا.
الوضعية العلمية
لقد قبلنا بمهادنة أن الحياة الواقعية تتطلب من الإنسان أن يكون على هذه الشاكلة وأن الظروف أقوى من الفرد، ولكن ليس من المبرر على الإطلاق للأشخاص “العلميين’ أن يعيشوا ضمن خرافة الوضعية العلمية، أو البراغماتية المهنية، وأن يغلقوا عقولهم أمام الحقائق المنتشرة في الحياة، وأمام العلوم الأخرى بدعوى التخصص، فان هذا المذهب فيه تهافت وانحطاط علمي. وفيه فضلاً عن هذا وذاك تقزيم واستهانة بما يحتويه الإنسان من إمكانيات وأبعاد مهولة، وفيه إنكار لجذر العلم وتجفيف للحياة في أصوله، كما أنه يحول الكائنات العلمية إلى محض أدوات في آلة ضخمة تسير إلى هدف غير معروف بالنسبة لهذه الأدوات، وما هو مطلوب من كل أداة على حدة أن تعرف فقط الهدف الذاتي الذي عليها إنجازه دون زيادة أو نقصان، فما صح حول مثال الأرض والواقف عليها بالنسبة للإنسان ذي البعد المادي ‘الاستهلاكي’ يصح على الكائنات العلمية الموصوفة أعلاه بفارق أن الأرض التي يقف عليها المختص هي موضوع اختصاصه. فهو يحافظ على هذه الأرض وكأنها سبب وجوده وعلة أصله فإن مسها أحد اعتبر هذا الأمر مساساً بشخصه، وإن ولج هو نفسه اختصاصاً آخر شعر أنه ارتكب جرم السرقة أو جنحة الانتهاك!. والأمر أنه مثلما هي السماء ملك لكل البشر، فان المعرفة هي منهل لكل البشر يمكن لأي إنسان باستقلال عن جنسيته أو دينه أو اختصاصه أن ينهل من مورد المعرفة والعلم متى شاء ومن أي مكان يريد.
النفعية العلمية
إن من ثمار الوضعية العلمية النزعة المنفعية في التعامل مع العلوم، فالوضعية العلمية، وإن كانت قد ساعدت في المضي بالاختصاص العلمي بمنهجية ذاتية مستقلة للأمام، فإنها في الوقت نفسه قد شرعت للمختص التعامل النفعي مع المعرفة العلمية. إنه من الطبيعي تماماً أن ينتفع المختص العلمي بموضوع اختصاصه، ولكن أن يتحول هذا الانتفاع من نتيجة من نتائج التخصص العلمي إلى الهدف والغاية من التخصص فإن هذا أمر غير سوي من الوجهة العلمية، فإن المعرفة العلمية تتطلب من المريد المزيد من البحث والتنقيب للوصول إلى المكامن المجهولة في موضوع الاختصاص، والأمر مرتبط بشكل أساسي بماهية الكائن العلمي لا بل بماهية الإنسان بشكل عام. إن الخطر الموضوعي والعام من النفعية العلمية أن شراع سفينة العلم سوف تتحكم به عناصر القوة وليس عناصر الحقيقة، وبما أن جذر القوة هو المصلحة، والمنفعة, والأقوياء ليسوا بالضرورة منتمين الى دائرة الأخلاق الإنسانية، فإن العلم الوضعي بهذه الحالة قد يصبح وبالاً على الانسان بدل أن يكون معيناً له في الحياة. وبالتالي فإن المختصين في هذه الحالة سوف يتحولون إلى جيش جرار في قبضة جاهل، لا يمتلك إلا عناصر القوة. والأمر أنه لو كان المتحكم بشراع العلم الوضعي هو الحقيقة فإن سفينة العلم بكاملها سوف تتوجه نحو النافع الإنساني بشكل عام، لأن منتهى الحقيقة هي الأخلاق، وقد برهن علماء الأخلاق عن هذا المبدأ في أكثر من مقام.
علم السياسة
ليست القنبلة النووية التي دمرت مدينتي ‘هيروشيما و ناكازاكي’ المثالين الوحيدين على العلم المجرد من الأخلاق، ولكن الشواهد الكثيرة في وقتنا الحالي تجعلنا نبحث عن منتجات العلم الأخلاقي أكثر من بحثنا عن منتجات العلم غير الأخلاقي، والأمر أن الخطر بات أكثر وضوحاً حينما انتمت بعض العلوم التي كانت بعيدة كل البعد فيما مضى عن العلم المنفعي الشخصي إلى العلوم الوضعية ذات النزعة المنفعية، والملفت أن هذه العلوم بحكم جوهرها تعبر عن العمل الإنساني العام، وأقصد بها علوم السياسة، فما لاحظناه على سبيل المثال أن دور ومؤسسات البحث العلمي السياسي في أقوى دول العالم باتت تقدم الحلول والدراسات لمن يريد, على أن يقدم التكلفة المادية التي تقتضيها هذه الحلول والدراسات، دون السؤال أو الاهتمام بما يريده هذا المتقدم من وراء هذا الحل أو الدراسة، والأمر بالنسبة لهذه المؤسسات سيان إن كان الهدف من هذه الدراسة هو بناء دولة من الدول أو تدمير هذه الدولة، والأمر أن السياسة ولأول مرة في تاريخ الإنسانية تم تشريعها كعلم منزوع من الأيديولوجيا على مستوى الواقع الوضعي العملي. الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل إن العلوم العسكرية المسلعة والقابلة للتطبيق أصبحت منزوعة من الجوهر الأخلاقي، أو الوطني، أو الإنساني. وهذا ما لاحظناه في شركة ‘بلاك ووتر’ وغيرها من الشركات التي أصبحت شركات حروب، أو شركات مختصة بالتحقيق، وسوى ذلك.
ويمكن أن نقيس على هذا الأمر ما شاء من العلوم التي بررت سلوكها غير الأخلاقي تحت شعار الوضعية العلمية والبراغماتية العلمية كعلم الطب والصيدلة، وعلم الفيزياء، والإعلام، والتسويق…. الخ.
دخان بلا نار
يقول جان جاك روسو: ‘في العصر الحديث ليس دائماً الحاجة هي التي تخلق السلعة، ولكن السلعة نفسها تخلق الحاجة’.
ولو تمعنا بهذا الاستبصار لوجدنا أن العلم بمختلف أصنافه ابتداءً من العلوم التكنولوجية وانتهاءً بعلوم التسويق والإدارة قامت بتحويل السلع إلى حاجات في وقتنا الراهن، وضمن هذا الفلك فإن عدداً لا نهائياً من الحاجات قد نشأت من العدم، وضمن هذه الدائرة تغير المثل ‘لا يوجد دخان من دون نار’ وأصبح يدلل على مثل فيه صنف من الدخان لا يحتاج بتاتاً إلى نار أي ‘دخان بلا نار’.
وبما أن المحدد لظهور هذه الحاجات أصحاب القوة الذين وصفناهم سابقاً, فإن الإنسان الحديث لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشعر بالرضا، أو الراحة، والاطمئنان. فهو في كل الأوقات مصاب بعوز وحاجة، وفقر مدقع، فالكثير الكثير من ‘الحاجات’ لديه لم تُشبع ولن تُشبع، وواقع الأمر أن الحيوانات الاجتماعية لن تستطيع بحال من الأحوال التفريق بين الحاجات الطبيعية والحاجات المختلقة، حتى أن الكثير من الحاجات المختلقة تمتلك قوة أكبر بكثير من الحاجات الطبيعية، فعلى سبيل المثال قد تجد أن بيتاً صغيراً لا يمتلك مقومات البيت في أي ريف يحتوي على صحن لاقط بحجم هذا البيت، بينما لا تجد في هذا البيت صرفاً صحياً جيداً، وقد تلاحظ أن الكثير من شباب وصبايا العالم الثالث يعانون من فقر في الدم غير أنهم يحملون ‘هاتفاً خليوياً’ ثميناً، ومن الشائع أن ترى أيضاً الكثير من النسوة اللاتي يعشن حياة الفقر والعوز لا يقصرن على الإطلاق في شراء مستحضرات التجميل الثمينة (تلك المستحضرات التي إن كانت تستطيع فعل شيء للبشرة فبواسطة الخضروات والفواكه التي تحرم النسوة أنفسهن منها في سبيل شراء هذه المستحضرات).
النتيجة هي المحدد
تعتبر النتيجة هي المجلى والمقياس الذي يقيس العلم الوضعي به سياقاً علمياً أو اتجاهاً علمياً ما، وهذا الأمر مجانب تماماً للقياس في المذهب العلمي الأصيل، والسبب أن النتيجة هي الثمرة النهائية التي يتمخض عنها سياق علمي ما، والأمر أن الذي يحدد قيمة الثمرة هو الاستعمال العملي البراغماتي الوضعي، فعلى سبيل المثال فإن الوضعيين قد يرون أن جهازاً ما كثير الاستخدام أهم بكثير من النتيجة التي توصل إليها بلانك حول طبيعة الإلكترون، وهنا نرى أن الأمر عاد ليعبر عن المنفعية المتأتية من العلم والمعرفة على السواء، وما نلاحظه في هذا التوجه من ‘العلماء!’ الوضعيين أن مسارهم يحدده الميل الشعبي العام (بدل أن يكون محددهم المنطق والصواب واتساق سياق الجملة العلمية) لذلك نراهم لكي يبرروا ويثبتوا طريقة علمية ما يعتمدون على الانتشار الجماهيري لهذه الطريقة، وتراهم وهم يقنعونك أن هذا الكتاب ‘كتاب علمي جيد’ يقولون: ‘إنه الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم!’، ولكي يقنعوك بمنهج تدريسي ما يقولون ‘إن مدرسة -س- العالمية تعتمد هذا المنهج’، ولكي يقنعوك بنظرية علمية معينة يقولون لك ‘لقد صرح -ع – بأن هذه النظرية هي الصواب بعينه’.
إنهم يحاولون أن يثبتوا مصداقية مقولة ما من خلال عناصر تقع خارج بنية هذه المقولة، بدلاً من إثبات المقولة من خلال بنيتها الداخلية، وفي هذا السلوك والمذهب الضلال العلمي بعينه لا بل إنه الضلال المعرفي في أبسط صوره.
29 أكتوبر 2009 08:56 م | مقالات و وعي
نسخة الطباعة
29, أكتوبر, 2009 - 9:14 م
السلام عليكم
حكمة قلتها أستاذ جلال في بحثك, وهي خلاصة مهمة جداً لما عرضته فيه من أفكار مفيدة, وذلك حين قلت: “إنهم يحاولون أن يثبتوا مصداقية مقولة ما من خلال عناصر تقع خارج بنية هذه المقولة، بدلاً من إثبات المقولة من خلال بنيتها الداخلية، وفي هذا السلوك والمذهب الضلال العلمي بعينه لا بل إنه الضلال المعرفي في أبسط صوره”.
29, أكتوبر, 2009 - 9:36 م
هذا نقد جيد ومفيد في اعتقادي للعلموية المعاصرة.
ولو جئنا إلى الوضع في بلادنا لرأينا التعامل مع العلم يتم وفق “قوانين مالك بن نبي” إن صح التعبير ومن هذه “القوانين” الاهتمام بالأشياء والأشخاص أكثر من الأفكار، ومن “القوانين” الأخرى قانون الاستلاب، فتجد الناس عندنا لا يحاولون مناقشة فكرة بمجرد أن تنسب لاسم أجنبي حتى لو كان مختلقا.
بالمناسبة تفاجأت من الاستشهاد المنقول عن جان جاك روسو فهل كانت النزعة الاستهلاكية موجودة على عصره أيضا؟
30, أكتوبر, 2009 - 8:58 ص
السلام عليكم
أوافق أختي رغداء في اقتباسها فقد كانت تلك الفكرة رائعة جدا وواقعية من كلامك أخ جلال. كما أنّ تعليق أخي محمد منطقي جدا. أضيف إلى هذا كتابات العلامة المسيري فقد اهتمّ كثيرا بالموضوع .
وفقكم الله
30, أكتوبر, 2009 - 10:30 ص
أخي محمد :
على ما أذكر أن المقولة كتبها جان جاك روسو في فصل تحت اسم المجتمع الحديث وهو نوع من التبصر من قبله كما ذكرت وللمناسبة فإن هذه المقالة كتبتها قديماً ولذلك اليوم أعدت قراءتها معكم ، شكراً للاهتمام.