لو خليت خربت

الكاتب: رغداء

لو خليت خربت

حسن م. يوسف

ماذا يقصد المرء عندما يتحدث باستمرار عن تدهور الأخلاق وانحدار مستوى المعاملة، وتفشي الجهل والتراخي والكسل، وانتشار الواسطة والرشوة وما إلى هنالك من الآفات الاجتماعية؟ هل يقصد أنه حر من تلك الشرور أم ضحية لها، أم أنه يريد أن يقنع نفسه بأنه يصبح بريئاً منها بمجرد أن يتحدث عنها ويلقي بها على عاتق الآخرين؟

الحق أنني كلما التقيت بشخص يرى الشر والانحدار في كل ما حوله، أتذكرقصيدة ابن لنك المصري الذي رحل عن دنيانا قبل أكثر من ألف عام، سنة 970 ميلادية، والتي يقول فيها: «

يعيب الناس كلهم الزمــــانا /       وما لزماننا عيبٌ ســـــوانا

نعيب زمــــاننا والعيب فينا /       ولو نطق الزمان إذاً هجانا

يعاف الذئب يأكل لحم ذئبٍ /       ويأكل بعضنا بعضاً عيانا

وعندما أسمع شخصاً يتحدث عن موت الخير وانتفائه من حياتنا أتذكر ما قاله عظيم شعراء العربية المتنبي: «

ومَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ /          يَجِد مُرّاً به الماء الزُلالا

فالخير لا يزال موجوداً في حياتنا ومجتمعنا، ولا يزال يعبر عن نفسه بوضوح في سلوك الكثيرين منا، لكنه لا يجد من يطبل له ويزمر مثل الشر، فالعمل الصالح في مجتمعنا غالباً ما يتكتم فاعله عليه، لأن ديننا يحض على ذلك، كما أنه غالباً ما يعطى من قبل الناس الأذن الطرشاء لأنه يفتقر للإثارة، أما العمل الخسيس الفاسد والمفسد فيجد في خدمته ألف بوق وبوق، وأحسب أننا نحن معشر البشر نلعب دور البوق للشرور الكبرى كي نعزي أنفسنا لأننا لم نبلغ مبلغها! ‏

يقولون لو خليت خربت، وما أريده من هذه الزاوية هو أن أثبت لكم أنها ما خليت وما خربت! ‏

قبل حوالى أسبوعين حكى لي الصديق المهندس راتب الكراكي وكيل إحدى شركات بيع الحواسب المحمولة، أن سائق سيارة تكسي قد عثر في سيارته التي يكسب رزقه منها داخل مدينة دمشق، على حقيبة فيها حاسب محمول من أحدث طراز، يبلغ ثمنه حوالى مئة ألف ليرة سورية، وقد كان السائق من أهل الخير الذين عاهدوا أنفسهم أن يأكلوا لقمتهم بعرق جبينهم. بحث السائق في الحقيبة عن شيء يدل على هوية صاحبها، فلم يجد فيها سوى فاتورة عليها رقم الشركة البائعة، لذا اتصل بالصديق راتب مدير الشركة، وأبلغه أنه قد عثر على الحاسب وهو يريد أن يعرف من هو صاحبه كي يعيده إليه. المثير في الحكاية أن ذلك الحاسب المحمول كان ملكاً لشخصية دبلوماسية رفيعة كانت تحضر نفسها للسفر وفيه وثائق على جانب كبير من الأهمية والسرية. ‏

وهكذا أعاد ذلك السائق الأمين الحاسب الثمين دون أن يفتحه أو يسمح لأحد بفتحه، فأكد بذلك أن فعل الخير هو دائماً فعل سياسي ووطني بامتياز! ‏

صحيح أنني لا أعرف اسم ذلك السائق، إلا أن هالته الطيبة باتت تنسحب بالنسبة لي على جميع السائقين، فكلما تذكرته أقول في سري: ما خليت، وما خربت!

نشر في جريدة تشرين 19 أيلول 2007م

25 يونيو 2009 11:16 م | سلوك


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

أكتب تعليقاً