لماذا لا ننجب مثيلاً للشيخ محمد عبده؟
الكاتب: رغداءلماذا لا نُنْجِب مثيلًا للشَيْخ محمد عبده؟
د. جلال أمين
أعود للتفكير بين الحين والآخر، في أسباب التدهور الذي أصاب الخطاب الديني في مصر. فكلما قابلت مثلا من أمثلة التفسير اللا عقلاني للدين (أي تفسير لا يمكن أن يقبله العقل)، أدق أمثلة السلوك الذي يتناقض مع ظاهرة الورع مع باطنه اللا أخلاقي، أو التمسك بالشكل على حساب الجوهر،
وإبراء الثقة بالقيام بما يطلبه الدين من الشعائر المادية مع إهمال ما يطلبه الدين من فضائل الخلق، أعود إلى التساؤل: لماذا كان لدينا منذ أكثر من قرن من الزمان، داعية ديني عظيم هو الشيخ محمد عبده، كان يؤكد على العكس بالضبط، فيجعل إتباع المبادئ الأخلاقية التي يحض عليها الدين في منزلة أعلى من القيام بالشعائر المادية، ولا يستطيع عصرنا هذا أن ينتج رجلا مثله، أو حتى يقاربه في الحكمة والترفع عن الصغائر، وفي التفسير الرشيد للدين؟
عدت أقرأ في بعض كتاباته فوجدت من بينها الفقرة التالية:
«إن المسلمين ضيّعوا دينهم، واشتغلوا بالألفاظ وخدمتها، وتركوا كل ما فيه من المحاسن والفضائل».. قالوا: «النية في الصلاة، أن يقصد الإنسان فعل هذه الصلاة دون غيرها»، وفسّروا قوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» بهذا. وإنما قصد الفعل عند مباشرته طبيعي، فإنني إذا قمت أمشى، لا أقصد بمشيي القعود.. وحاشى لله أن تفرض الشريعة الحكيمة هذا، وتجعل عليه مدار الأعمال والعبادات.. المراد بالنية في الحديث، قصد المرء وغرضه من فعله، وهو إما وجه الله وابتغاء مرضاته «وهو النية الصحيحة» وإما غرض آخر كالرياء…» (الجزء الثالث من الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، 1993، ص212).
تابعت القراءة، فإذا بي أجد في كتابات الشيخ محمد عبده ومواقفه مثالا بعد آخر لقلة اهتمامه بالشكليات، ونفاذه مباشرة إلى ما يتعلق بالأخلاق. فالمهم عنده هو نظافة القلب قبل أي شيء آخر. قرأت مثلا حوارا طريفا دار بينه وبين تلميذه الموهوب الشيخ رشيد رضا، ويتعلق بحادثة زواج الشيخ على يوسف، وهى الحادثة التي شغلت الرأي العام بأسره في مصر في مطلع القرن الماضي.
كانت المشكلة أن الشيخ على يوسف، وهو رجل مرموق في الصحافة والسياسة، وصاحب جريدة المؤيد، تزوج من صفية بنت الشيخ السادات، وكانت قد بلغت سن الرشد، ولكنها تزوجت دون رضاء أبيها، واعترض أبوها على الزواج، ورفع قضية بطلب فسخ عقد الزواج على أساس عدم كفاءة الزوج للزوجة، إذ يدعي الأب أن ابنته مثله شريفة من نسل النبي، والزوج ليس كذلك.
صدر الحكم بفسخ عقد الزواج على أساس عدم كفاءة الزوج، ذهب الشيخ رشيد رضا إلى أستاذه الشيخ محمد عبده وقال له إن على يوسف «غاضب منك لاعتقاده انك السبب في صدور هذا الحكم بعدم كفاءته، لأنك صديق للقاضي الذي أصدره». كان رد الشيخ محمد عبده: «أنت تعلم أنني موافق لك فيما كتبت (أي أنه يوافق على خطأ الحكم بالتفريق بين الزوجين على أساس عدم الكفاءة»… وأما رأيي في الشيخ على والسادات، في شخصهما، فهو أنهما كفؤان، لكن في الخسّة لا في الشرف!» (137).
لفت نظري في هذا الحديث ليس فقط هذه الجرأة من جانب الشيخ محمد عبده في التعبير عما يعتقده، ولكن أيضا تجاوزه للأمور الشكلية ونفاذه مباشرة إلى التقييم الأخلاقي. فالمهم ليس نسبك أو أصلك، ولكن المهم هو أخلاقك.
تصادف أن قرأت في نفس الأسبوع مقالا رائعا في جريدة «الشروق» لأستاذ قدير هو الدكتور رشيد العناني، أستاذ الأدب العربي في جامعة إكستر البريطانية، وصاحب كتابين مهمين عن أدب نجيب محفوظ، حصلا على ثناء الأستاذ نجيب نفسه ورضاه.
كان موضوع المقال الكاتبة الشهيرة مي زيادة (1886 ــ 1941)، والتي وصفها بحق «بالكاتبة اللبنانية المصرية»، إذ إنها لبنانية مسيحية بحكم المولد، ومصرية بحكم المناخ الثقافي الذي تأثرت به وأثرت فيه كان هذا في العقود الأولى من القرن الماضي، أي تلك الفترة الزاهرة من تاريخ مصر الثقافي والتي لمعت فيها أسماء مبهرة، منها الشيخ محمد عبده نفسه، ومنها قاسم أمين ولطفي السيد وطه حسين وعباس العقاد… إلخ.
كتب الدكتور العناني هذا المقال بمناسبة ظهور كتاب (عن دار نوفل اللبنانية) بعنوان (مي زيادة كتابات منسية) ويقع المجلد في نحو ألف صفحة، ويضم 170 مقالة للآنسة مي (وهو الاسم الذي اشتهرت به في مصر)، نشرت لأول مرة في مطبوعات مصرية كالأهرام والسياسة الأسبوعية، وقامت بجمعها باحثة ومستغربة ألمانية عكفت لمدة عشر سنوات على دراسة كل كلمة كتبتها مي زيادة أو كتبت عنها.
يقول الدكتور رشيد العناني إن تصفح هذا المجلد أثار في نفسه المواجع والأحزان، وبعض هذه الأحزان يرجع إلى المقارنة بين ما كان عليه الخطاب الديني منذ مائة عام في مصر، وما أصبح عليه الآن. ويقتطف هذه الفقرة الجميلة من مقال للآنسة مي عن العلاقة بين الطوائف الدينية:
“الدين أيها السادة والسيدات، لا أختاره أنا ولا تختارونه أنتم. إننا نولد في دين من الأديان كما يولد الواحد منا أشقر أو أسمر، طويل القامة أو قصيرها. فما قولكم في مقاتلة أشقر اللون لجاره لأنه حنطي البشرة، قاتم العينين؟ خصومة كهذه تضحكنا وتفكهنا. وليست الخصومات الدينية دون هذه في التفكه وإثارة الضحك عند العقلاء”.
ثم تصف في مقالة نشرت في جريدة الأهرام (بتاريخ 24/6/1928) زيارة قامت بها لمسجدي الرفاعي وإبراهيم أغا، فاختلط في سمعها، صوت الأذان، بصوت أجراس الكنيسة، فتقول:
«يا صوت المؤذن، يا صوت طفولتي، طالما أيقظتني في البكور وأشجيتني عند العشية.. لقد كنت أول ما انطبع في قلبي من آيات الطرب والجمال. في الصباح والمساء كانت تنضم إليك النواقيس الشادية، تسبح هي من ناحيتها بحمد الذي تُعَظّم أنت اسمه من ناحيتك، فتمضيان على أجنحة النسيم معربين عن عاطفة واحدة وعبادة مُثلى: عبادة الذي لا يُعبد سواه».
سألت نفسي من جديد: ما سر التدهور الذي أصاب الخطاب الديني خلال المائة عام الماضية؟ ولم أشعر بالارتياح إلا للتفسير الآتي: النمو المذهل في إعداد أنصاف المتعلمين. كان الشيخ محمد عبده، وكذلك الآنسة مي، يكتبان في مجتمع ينقسم إلى أقلية صغيرة جدا من المتعلمين (ولكنهم متعلمون تعليما راقيا)، وغالبية عظمى من الأميين )ولكنهم أميون يعرفون قدر أنفسهم)، لا مطامح لهم، وليس لديهم أيضا أي ادعاءات بغير الحقيقة(
كان أفراد هذه الأقلية الصغيرة المتعلمة تعليما راقيا، يخاطبون بعضهم البعض، فيتكلمون كلاما راقيا ومتحضرا، والباقون صامتون لا يحدثون ضجيجا ولا يشوشرون. الآن لدينا ملايين من أنصاف المتعلمين الذين يمارسون إرهابا لاشك فيه ضد المثقفين والأميين على السواء. وهم الذين يسيطرون الآن على الخطاب الديني ويطبعونه بطابعهم.
29 أغسطس 2010 11:55 ص | مقالات
نسخة الطباعة
29, أغسطس, 2010 - 11:23 م
مع صحة تقييم أخينا جلال أمين لحال بعد الوعي الموجود عند متديني عصرنا عن ذلك المناسب لمواجهة التحديات التي يفرضها العالم علينا لكني عندي شك في نظريته التي يعيدها بأشكال مختلفة في تفسير حالنا الثقافي الاجتماعي إن صح التعبير. هذه النظرية تقول حين يريد أن يتكلم بلغة “علمية” إن السبب هو الحراك الاجتماعي وصعود طبقات من أسفل السلم ونزول الطبقة الوسطى القديمة عن مكانها. وحين يلجأ للهجاء فهو يقول مثلاً إننا نعيش في عصر الجماهير الغفيرة وهنا يقول إن المشكلة هي في النمو المذهل في عدد أنصاف المتعلمين.
أعتقد أن “أنصاف المتعلمين” هؤلاء كان سيكون لهم وضع آخر في ظروف أخرى أو لو ظهرت مجموعات متراصة من أصحاب الوعي النهضوي الجديد الذي نسعى إليه.
تذكرت بهذه المناسبة مقالا قديما لي أناقش فيه أطروحة جورج طرابيشي عن استحالة الديمقراطية عند انتشار الأمية.