لغات الأمم

الكاتب: رغداء

لغات الأمم

الأستاذ محمد الباهلي

قبل سنوات، تحدث مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق في المنتدى الاقتصادي الدولي الذي عقد في الرياض، عن تجربة ماليزيا الاقتصادية والصناعية التي حققت لها نهضة متميزة في العالم، وكان مما أشار إليه مشروعُ ( اعتماد اللغة الإنجليزية في تعليم مبادئ العلوم والرياضيات بدل اللغة الماليزية) ، ووصف هذا المشروع بأنه التنازل الأهم في مسيرة الصناعة الاقتصادية الماليزية، ولكن بعد ست سنوات من التجربة قررت ماليزيا إيقاف مشروع تدريس الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية والعودة إلى التدريس باللغة الماليزية (المالوية)، وحسب ما جاء في القرار، فالسبب هو أن الدراسات التي أُجريت على أكثر من عشرة آلاف مدرسة، أثبتت فشل التجربة ، وأن التدريس بـ”الإنجليزية” أدى إلى تدهور مستوى الطلبة على المدى البعيد، تدهور في مستوى أدائهم في الرياضيات، حيث تراجعت رتبة ماليزيا في التقييم العالمي لمستوى الطلبة في العلوم.

هذه النتيجة التي توصلت إليها ماليزيا هي تأكيد لما توصلت إليه دراسات وتجارب دولية في موضوع اعتماد اللغة الأجنبية في التعليم وبالأخص في تعليم المواد العلمية وتفضيلها على اللغة الوطنية (الأم)، وقد ثبت منذ ستينيات القرن الماضي أن التدريس باللغة الأجنبية- لاسيما في المرحلة الابتدائية- ذو نتائج سلبية على نمو الطلاب اللغوي والعاطفي وولائهم للغتهم وثقافتهم.

وهذا ما تؤكده الكثير من الدراسات الأجنبية والعربية التي تلح على أن اللغة الأم هي الأساس في التعليم. وفي دراسة الأستاذ عيد الشمري حول (دور تعريب التعليم العالي في تنمية القوى البشرية) تبين أن تدريس العلوم باللغة الإنجليزية كان سبباً رئيسياً في تسرب الطلاب من الكليات العلمية التي تدرس باللغة الإنجليزية في جامعة الملك سعود.

وفي دراسة الأستاذ زهير أحمد السباعي على مجموعة من طلاب الطب، تبين أن سرعة القراءة باللغة العربية تزيد 43 بالمائة على سرعة القراءة باللغة الإنجليزية، وأن استيعاب النص باللغة العربية أفضل من استيعاب النص نفسه باللغة الإنجليزية بزيادة 10 بالمائة.

وفي دراسة ثالثة أُجريت في كلية الطب بجامعة الملك فيصل تبين أن 80 بالمائة من الطلاب يوفرون ثلث الزمن أو أكثر عند القراءة باللغة العربية مقارنة باللغة الإنجليزية و72 بالمائة منهم يوفرون ثلث الزمن أو أكثر عند الكتابة باللغة العربية، وأن 75 بالمائة من الطلاب يرون أن مقدرتهم على الإجابة الشفوية والنقاش أفضل باللغة العربية.

ومن جانبها، أشارت الأمم المتحدة في العديد من تقاريرها إلى أن الدول التي تقف في الصدارة العالمية كلها تدرس بلغاتها القومية. وهناك 19 دولة تتصدر العالم تقنياً يسير فيها التعليم والبحث العلمي بلغاتها القومية،وفي دراسة حديثة لأفضل 500 جامعة عالمياً، توجد في 35 دولة تبين أنها جميعاً تدرس بلغاتها الوطنية.

نحن لسنا ضد تعليم اللغة الأجنبية، فهي مطلب حضاري، لكننا نسوق هذه التوضيحات حول التعليم باللغات الأجنبية وتفضيلها على اللغة القومية؛ لأنه لا توجد اليوم أمة أخرى تعلم العلوم بلغة غير لغتها الوطنية إلا الأمة العربية، بما في ذلك \”دول -أمم\” صغيرة الحجم مثل فنلندا وكمبوديا وفيتنام… تعلم جميع العلوم بلغتها القومية.

أما اللغة العربية، فهي لغة القرآن الكريم، وإحدى اللغات المعتمدة في هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها منذ عام 1973، وهي من أثرى لغات العالم باعتراف الباحثين اللغويين الذين أثبتوا أنها من أوسع اللغات وأدقها في قواعد النحو والصرف، وأوسع اللغات ثروة في أصول الكلمات والمفردات، وأكثر اللغات قبولاً للاشتقاق، حيث يمكن توليد الألفاظ بعضها من بعض، ومن أكثر اللغات قدرة على احتواء وتجديد التصاريف والمصطلحات المتنوعة في العلوم. وهناك إجماع حقيقي حول قدرتها على استيعاب العلوم، كما أن غالبية اللغات العالمية مشتقة منها، وهي أصفى اللغات السامية، وأي بحث في فقه اللغات السامية لا بد أن ينطلق منها.

16 أغسطس 2009 09:00 ص | تاريخ ينبض و على الأرض و وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 8 على “لغات الأمم”

  1. محمد يقول:

    أصبنا بالاستلاب وصار يخيل إلينا أن شرط تقدمنا هو التخلي عن لغتنا والمقال فعلا ممتاز في دحض هذه الفكرة الغبية.
    بدون لغة وطنية لا تقدم تقنياً ولا علمياً والطائر يطير بجناحيه لا بأجنحة سواه.

  2. جبر مراد يقول:

    أظن أنه لكل بلد خصوصيته في مسألة اللغة فما ينطبق على دول الخليج المستوردة للعمالة لا ينطبق على دول المشرق مثل سوريا ومصر والعراق ومعظم دول المغرب المصدرة للعمالة اللغة الأجنبية وخاصة الإنكليزية ضرورية علمياً وتجارياً لمواكبة العلوم المتطورة في مختلف المناحي وتجارياً لإنها لغة التجارة الأولى ، وأظن في حالة الدول المصدرة للعمالة من المفترض بذل جهد مضاعف عما هو حالياً لتعليم أبنائها لغة العم سام ، ما دامت تطرح أبناءها إلى سوق المنافسة في مجال الأعمال لأن هذا من شروط القبول لهم وهذا أمر واقعي ، أما لغتنا الأم فلا أظن أن هناك خوف عليها رغم ما يصيب حامليها من وهن وتعب ومن ضيق الوقت ومن وجود قضايا أكثر أهمية كلقمة الخبز .
    بالعموم أظن أن فكرة ثنائية اللغة ضرورية بحيث يصبح المرء قادراً على مواكبة العالم باللغة الأكثر انتشاراً وتفاهماً وبنفس الوقت التمسك بلغته الأم كثقافة ووجود وهوية وطريقة تفكير أجدى وأسرع وأمضى .

  3. مختار يقول:

    المقال كما فهمته يحاجج أن الدولة التي تريد النهوض يجب أن تتخذ من لغتها القومية لغة للتعليم وهذا لا شك فيه وتشهد عليه التجارب كلها فلا توجد دولة ناهضة أهملت لغتها وعلمت بلغة أجنبية مهما كانت لغتها نادرة الاستعمال في العالم.
    وتعلم اللغات الأجنبية طبعا مرغوب فيه والأمران مختلفان. ألمانيا للعلم وهي دولة مستوردة للعمالة وأهلها يفهمون الإنجليزية في معظمهم لا تقبل استعمال لغة غير لغتها فما هذا الوضع في الخليج؟
    ووضع اللغات في الخليج على ما أسمع مزر جدا جدا فلم أفهم الاستشهاد به من قبل أخينا جبر. وعلى ما أسمع فالوضع هناك مزر وهو كارثة على اللغة العربية دون أن يعني أي ميزة أو تقدم ما.

  4. جبر مراد يقول:

    يؤكد المقال بالحجة والارقام على أهمية دراسة العلوم باللغة العربية ، وهناك تجارب متباينة في الوطن العربي في تدريس المواد العلمية في الجامعات باللغة العربية ففي مصر مثلا هناك الكثير من الجامعات التي تدرس باللغة العربية وأخرى تدرس باللغة الإنكليزية ، في سوريا تدريس اللغة الإنكليزية ناشئ واظن حتى الآن لم تخرج الجامعات الخاصة طلبتها أو خرجت دفعة واحدة ، المهم في القضية كما طرحها الكاتب من حيث الاستيعاب والولاء وسرعة الفهم والحفاظ على لغة الهوية .. إلخ كل ذلك مهم .
    لكن ! من جوانب أخرى .. ؟!
    سوق العمل ، الإنتاج ، متابعة المستجدات العلمية ، نشر الأبحاث العلمية ، التعامل مع المعدات والآلات المستوردة والبرمجيات ، كل تلك النقاط أراها مهمة ، وتحتاج إلى اتقان للغة الإنكليزية على الأقل ، والتعامل مع ما سلف – من المفترض- ألا يمر عبر الترجمة فالترجمة المتخصصة بالأساس نادرة وإذا كانت موجودة فهي غير متقنة ، وأضرب مثل على ذلك كنت أحاول إيجاد مادة علمية تخص الموصلية الفائقة في إحدى جامعات الكويت ، وبالطبع المكتبة متخصصة بالمواد العلمية، وقد وجدت باللغة العربية بعد طول عناء بحث ملحق في أحد الكتب ، بينما في المصادر الإنكليزية عشرات الكتب .
    ما أريد الوصول له هو أننا في مرحلة تبعية علمية حتى وقتنا الحالي – للأسف – وأتمنى أن نصل إلى مرحلة ماليزيا وتجاربها الرائدة ، وهذه التبعية تحتاج إلى جهد مضاعف على رأي الكورويين : ” الفرد في العالم المتقدم يعمل 8 ساعات في اليوم يجب على الفرد عندنا ان يعمل 12 ساعة حتى نلحق بهم ” .
    عندنا يجب أن نعمل …؟؟ ساعة ؟ وأن ندرس باللغة الإنكليزية والفرنسية والألمانية ولا ننسى العربية حتى نستوعب ونتابع العلوم الحديثة من مصادرها ، إذا كنا حملة رسالة حقاً وإصلاح في الأرض .
    أذكر بأهمية إعداد خريجين يلبون سوق العمل على الأقل في الدول العربية المستوردة للعمالة حتى يستطيعون منافسة الخريجين من الدول المصدرة للعمالة كالهند وباكستان والفلبين الذين يلبون سوق العمل بمهارات وعلوم وخبرات تخولهم السيطرة على سوق العمل الذي من المفترض أن يكون في معظمه لأبناء المنطقة التي تعاني ما تعانيه من فقر وحاجة وجهل حتى بلغتها الأم .

  5. رغداء يقول:

    تعليم اللغة الأجنبية أمر مهم هذا لا خلاف فيه, ولكن أن يصبح التعليم باللغة الأجنبية هو الطريق للنهضة فهذا أمر أعتقد أنه غير صحيح بتاتاً, وتدحضه الأبحاث العلمية نفسها, فالطالب الذي يدرس بغير لغته الأم لن يحصّل العلوم بطريقة جيدة والأدلة والأمثلة على ذلك كثيرة. أما مسألة تعلم اللغات الأجنبية فهذا أمر آخر وله أهميته, ولكن لا يجب أن يتحول إلى ما نراه الآن في مجتمعاتنا كأداة لاحتقار لغتنا ونعتها بكل صفات التخلف وعدم القدرة على مواكبة الحضارة.
    وبالنسبة لمثال الخليج فهذه البلاد جرّت على نفسها كوارث لغوية واجتماعية واستهلاكية لأنها لم تسن قوانين تحافظ فيها على هويتها, ومن يعمل في الخليج يعرف أن هناك خليط عجيب من لغة تحوي مفردات عربية وهندية وانجليزية وفارسية دخلت في أحاديث الناس اليومية لتقدم أسوأ نتيجة للاستلاب الحضاري, ناهيك عن تلك التوليفة المسخ لأشكال الحضارة التي أفقدت البلاد خاصيتها الروحية وصبغتها بصبغة مادية مصطنعة ليس فيها روح الإنسانية.

  6. محمد يقول:

    لا شك أن العلوم تنتج في أيامنا هذه في بلاد الغرب.
    هذه العلوم تترجم مع ذلك بانتظام إلى لغات أوروبية فالأبحاث الألمانية تترجم إلى الإنجليزية والأمريكية والتي تجري في البلاد الناطقة بالإنجليزية تترجم إلى الألمانية والفرنسيون يترجمون ويترجم منهم وهكذا.
    هذا طبعا علاوة على الشعوب الأوروبية الأخرى كالطليان والإسبان والسويديون وإلى آخره…
    فلا نظن أننا بحال سنكون في غير حاجة للترجمة حتى لو تبنينا الإنجليزية مثلا كلغة تعليم.
    أنا لا أنكر أهمية إتقان اللغات الأجنبية لشريحة معينة من مجتمعنا عليها كفرض كفاية أن تتعلم اللغات الأجنبية وتتألف هذه الشريحة من المتعاملين بالعلوم التي تشهد تطورا مضطردا وعلى رأسها العلوم الطبيعية والتقنيات المختلفة.
    هذا شأن أما الشأن الآخر فهو الإبقاء على لغتنا القومية والاهتمام بها والتدريس بها.
    وحيث أن الفقير لله يدرس في جامعة أوروبية هي تحديدا في ألمانيا فاسمحوا لي أن أكلمكم عما يفعله الألمان: إنهم يدرسون بلغتهم ولكنهم يترجمون ومن جهة أخرى يقرؤون ما يلزم بلغات أوروبية أخرى ولا سيما الإنجليزية وتأتي الفرنسية بالدرجة الثانية مع فارق كبير.
    والطلاب الألمان يدرسون بصورة موفقة اللغة الألمانية وبنجاح كبير لا يقارن مع نجاحنا بتدريس العربية لطلابنا رغم أن الألمان أيضا “ينقون” على مستوى اللغة المنخفض عند طلابهم من الجيل الجديد ، ولكني بالتجربة رأيت أن الفرق في نجاح النظام التعليمي فعلا كبير في اللغة وفي مواد أخرى (بالمناسبة طلابنا لا يقلون في المستوى عن طلاب الألمان في الرياضيات والفيزياء إلى آخره للعلم ولكنهم يقلون عنهم بصورة مريعة في مستواهم بلغتهم القومية أي أن الطالب الألماني يتقن الألمانية بأضعاف ما يتقن الطالب العربي اللغة العربية).
    ومن جهة أخرى تعتبر اللغات التقنية سهلة للغاية لمن درسها بلغته الأم إذ المفاهيم محددة ولا تقتضي من الطالب جهداً كبيرا لفهمها ولأخبركم بتجربة متواضعة لي: فحين ذهبت إلى لبنان في الثمانينات طرح علي فكرة تدريس الرياضيات هناك للطلاب كدروس خاصة، وحيث أنهم يدرسون الرياضيات بالإنجليزية فأنا “هكلت هم” ولكني حين قرأت في كتبهم فوجئت بأني أفهم كل شيء! فانتابني الغرور واعتقدت أن إنجليزيتي ممتازة وأنا لا أعرف! ولكن هذا لم يكن صحيحاً وقد احتاج مني الأمر إلى وقت كبير لأصل بإنجليزيتي إلى مستوى معقول يتيح لي قراءة الكتب والمجلات العادية غير العلمية.
    فالخلاصة أن اللغة العلمية سهلة وأظن القارئ اللبيب فهم لماذا هي سهلة وهذا طبعا لمن درس المادة سابقا بلغته.
    والله من وراء القصد.

  7. جبر يقول:

    نعم اللغة العربية مهمة وأساسية والتعليم بها واتقانها ضروري ، لكن علينا كشعب في طور ما نحن به أن نبذل جهوداً مضاعفة في اتقان لغات اخرى وفي ترجمتها لفهم ما ينتج في بلدانها وما اكثره واكثرها ، وهذا ليس انتقاص من الهوية ولا من الحفاظ عليها .
    وللأمانة ففي الخليج تجارب إيجابية في اتقان اللغة العربية والإنكليزية كتجارب د طارق سويدان ود ابراهيم الخليفة وغيرهم واوافق الاخت رغداء على أن المدارس سيئة السمعة من ناحية العادات والتراث وقيمنا كالمدارس البريطانية والامريكية .
    والمهم في ما أرغب به هو منتج بشري يحترم هويته ويطورها ويحترم الآخرين وبنفس الوقت قادر أن يدخل سوق العمل والإنتاج والتقنية بقوة وقدرة على المنافسة .

  8. أحمد يقول:

    * المحتوى العلمي الأصلي باللغة العربية منعدم.
    * المحتوى العلمي المترجم إلى العربية يعاني من عدم الإتقان من ناحية، والرقابة والفلترة من ناحية أخرى. رقابة متعددة الأنواع (مايمس الدين مثل الاشارة إلى نظرية التطور في علوم الأحياء – ما يمس الأنظمة الحاكمة في علوم التاريخ والاجتماع) ومتعددة الطبقات (مترجم – دار نشر – دولة).
    * حلم كل شاب عربي حاليا هو الهجرة إلى الغرب. أسهل الطرق للهجرة هو متابعة الدراسة هناك (بلغتهم). ولن تفيده اللغة العربية بأي شيء.
    عند التخلص مما سبق، ستيصبح التعليم باللغة العربية شيئا مبهجا ومرغوبا.

أكتب تعليقاً