لتكن يقدمية وليس تقدماً

الكاتب: رغداء

لتكن يقدمية وليس تقدماً!

 رغداء زيدان

 ثمة مفاهيم ومصطلحات مترسخة في أذهاننا لدرجة لا نحاول معها مجرد النظر إلى صحة ما نحمله عنها من معان. وأعتقد أن مفهوم “التقدم والتخلف” هو من هذه المفاهيم التي لا نحاول النظر إليها بعيداً عن اعتبارات صارت بحكم المسلمات التي لا تقبل النقاش أو حتى التوقف عندها.

طبعاً هذه المسلمات تأخذ طابع الحكم المطلق الثابت, فنحن نقول إن مجتمعنا “متأخر” أو “متخلف” والمجتمع الغربي “متقدم” ونقطة انتهى!.

وعندما نطلق هذا الحكم فإنه “يعم” كل شيء موجود عندنا فنسمه “بالتأخر والتخلف”, وكل شيء في الغرب فنصفه “بالتقدم”. فنرى من يصف لغتنا وموسيقانا وأطعمتنا وعاداتنا وتقاليدنا وصناعاتنا وكل شيء آخر موجود عندنا بالتخلف والتأخر فقط لأنه “نتاج محلي”. وتصبح بالمقابل كل الأشياء المقابلة الموجودة في الغرب “متقدمة” لأنها موجودة هناك ليس إلا.

 

برأيي إن المقارنة بين المجتمعات تشبه المقارنة بين الأشياء, ولذلك فإنها يجب أن تخضع لقوانين معينة حتى تكون المقارنة صحيحة, فلا يجوز لي أن أقارن بين نوعي فاكهة مثلاً كالتفاح والعنب فأقول إن التفاح أكثر “تقدماً” أو “تخلفاً” من العنب!, ذلك أن لكل واحد منهما خصائص ومميزات مختلفة. وكذلك بالنسبة للمجتمعات فبالرغم من وجود المشتركات الإنسانية فإن لكل ثقافة أو حضارة خصائص ومميزات لا يجوز معها المقارنة التي تصبغ إحدى هذه الحضارات بصفة “التقدم” وأخرى بصفة “التأخر”, ولكن بالإمكان إجراء مسح لمميزات كل حضارة وما فيها من خصائص إيجابية وأخرى سلبية, وقتها سنجد أننا لا نستطيع إعطاء ذلك الحكم المطلق على المجتمعات والذي يصنفها على أساس “تقدم” و”تخلف”, مما يستتبع فيما بعد “إلزاماً” أو “حتمية” لحاق حضارة بحضارة أخرى وتقليدها والذوبان فيها.

نقد مفهوم “التقدم”:

 

لو رجعنا لمفهوم “التقدم” وما يحويه من معان تدل بمجملها على تقدم البشر في اتجاه محمود ومستمر إلى أمد غير محدود حتى تعم السعادة الأرض, فإننا سنجد أنه يحوي على مغالطات كثيرة بيّنها كثير من الباحثين, أذكر منهم الدكتور محمد شريح في كتابه “الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية” فقد تحدث في أحد فقراته عن فكرة “التقدم” وظهورها في الغرب, ومفهومها عند المفكرين الغربيين وانتهى إلى القول: “إن فكرة التقدمية ما زالت شديدة الانتشار في بلادنا, وهي في الحقيقة ليست إلا اسماً بديلاً للطريق المؤدية إلى نمط الحياة الغربية الحديثة مهما اختلفت التسميات” (الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية, دمشق, دار الفكر, ص 108).

وكذلك المفكر الدكتور جلال أمين في كتابه “خرافة التقدم والتأخر” حيث يقول: “لكل عصر خرافاته وأساطيره. ومن خرافات العصر الحديث فكرة التقدم أي الاعتقاد بأن التاريخ الإنساني تاريخ تقدم متصل من الأسوأ إلى الأفضل, وكأننا نرتقي درجات سلم, كل درجة أعلى وأفضل مما قبلها”(خرافة التقدم والتأخر, القاهرة, دار الشروق, ص7).

بينما تحدث المفكر محمد شاويش عن “التقدم” و”التخلف” وشرح الشروط المنطقية لاستعمال المفهومين, فقال: “إن كانت المجموعة الموصوفة “بالتقدم” أو “التأخر” لا تسير أصلاً على الطريق (الخطي) نفسه مع المجموعة القرينة لم نستطع أن نقول إلا أن المجموعتين تسيران على خطين مختلفين (أو بكلمات ملموسة أكثر: إن المجموعتين تنتهجان طريقين مختلفين). وحتى عندما يكون الحكم “متقدم” و”متأخر” مسموحاً به منطقياً فإننا بعد ليس مسموحاً لنا أن نطلق حكم قيمة على هذا الوضع في مسار الحركة، فلا يجوز أن نصف بصورة مطلقة “المتقدم” بأنه “أحسن” من “المتأخر” إذ أن علينا هنا أيضاً أن نحدد معايير القيمة قبل إطلاقها” (انظر, القدس العربي, مقال بعنوان “مفهوم التقدم والنقد الاجتماعي المطلوب”).

أما كلود ليفي شتراوس فقد كتب يقول: “التقدم الثقافي متوقف على التآزر بين الثقافات, وهو يقوم على وضع الحظوظ التي تصادفها كل ثقافة عبر نموها التاريخي موضع المشاركة, وهذا التآزر يؤتي ثماره على نحو أفضل كلما كان قائماً بين ثقافات يحكمها تنوع أشد, فاللعب المشترك الذي ينشأ عنه كل تقدم ينبغي أن يفضي في حصيلته عاجلاً أم آجلاً إلى تجانس الموارد لدى كل اللاعبين” (انظر, العرق والثقافة, من كتاب مقالات في الأناسة, بيروت, دار التنوير, ترجمة حسن قبيسي).

 

ما أريد تأكيده للقارئ الكريم أن إطلاق صفة “تقدم” أو “تخلف” على المجتمعات هو إطلاق غير صحيح, لأنه يستند أساساً إلى أحكام مطلقة وتصورات غير منطقية, تتجاهل التنوع والتغير والتشارك بين الحضارات. وهو بالتالي سيوقعنا في خطأ كبير, يدفعنا للوقوع ضحية استلاب فكري ونفسي خطير ينعكس على تقيمنا للأمور والأشياء والأفكار, وبالتالي فإن قبولنا لهذا التصنيف الذي يسم حضارتنا بالتخلف يجعلنا نستحقر ما عندنا من إمكانات وفضائل, فنهمل كنوزاً كثيرة يحتاجها العالم اليوم.

 

لتكن يقدمية وليس تقدماً:

 

إن نقد الحديث عن “تقدم” الغرب و”تخلف” مجتمعنا لا يعني الدعوة إلى السكوت عن المظاهر السلبية التي نراها بيننا والتي ليست بالتأكد ناتجة عن “تخلف” حضارتنا, ولكنها ناتجة عن “سلوكيات” انتشرت في تعاملاتنا الحياتية. هذه السلوكيات التي يجب أن نسعى لتغييرها وتعديلها وذلك عن طريق تفعيل فضائل حضارتنا واحترامها, لا عن طريق تقليدنا للغرب ونموذجه الحضاري, الذي يحوي جوانب إيجابية يمكننا الاستفادة منها, وأخرى سلبية لسنا مضطرين لتجرع مرارة سوئها.

 

وعلى ذلك فإنني أدعو أفراد مجتمعنا إلى التزام مفهوم آخر, وجعله غاية يجب علينا جميعاً العمل للوصول إليها, فبدل أن نقول إننا نسعى “لتقدم” بلدنا, يجب أن يكون هدفنا أن يمشي كل واحد منا “اليقدمية” والتي تعني حسب لغتنا الثرية: “أن “يتقدم” (التقدم هنا يعني القدوة) كل واحد منا بهمته وأفعاله, وأن يتقدم بشرفه وفضله (والشرف والفضل هنا لا علاقة لهما بنسب أو جاه أو مال بل بكريم الخصال والأفعال), ولا “يتأخر” عن غيره في الأفضال على الناس”.

فتغيير السلوكيات السلبية التي نشكو منها في حياتنا لن يتم برأيي إلا بوجود القدوة العملية الفاعلة التي تمشي “اليقدمية”, فتنهض بهمة عالية وصبر لتقدم النموذج المرتجى للفرد الفاعل بالتزامها بالسلوكيات النهضوية كإتقان العمل, واحترام الوقت, وتحمل المسؤولية وعدم الهدر وغيرها من السلوكيات الأساسية لنهضة أمتنا, تلك النهضة التي ستقدم حضارتنا للعالم بكل فضائلها وفيها من خير وإنسانية وإحسان.

08 يوليو 2009 10:10 م | مفاهيم


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

تعليق واحد على “لتكن يقدمية وليس تقدماً”

  1. عبد الكريم أنيس يقول:

    الإنسان المتحضر هو إنسان أخلاقه أفضل
    إنتاجيته أكبر ضرره على الآخرين أقل و محصلة هذه الأمور الثلاثة هي برأيّ مقياس التحضر حسب هذا المقياس ماهي المحصلة الحضارية

    لأمة أبادت ملايين من عرقيات مختلفةأو تلك التي تقوم بتهجين و تطويع باق الخليقة ثم تعمل بجد على تطوير الكثير من الإختراعات التي

    تزيد رفاهيتهاوتتسبب بالنسبة الأكبر من التلوث البيئي وتهتم ب”الأخلاق”التي ترفع انتاجية الفرد من جهة وتزيد استهلاكه من جهة ثانية ثم

    تنفصل المرجعية ال”تقدمية”لديه عند تعارضها مع مصالحه “القومية و الاستراتيجية”العليا و التي ينبغي أن يطأطأ لها الآخرين بإذعان و

    إلا!!!

    إن الإحساس بالهامشية هو الذي يجعل مجموعة كبيرة
    من عناصر”النخبة المثقفة”ببلادنا العربية تطرق باب الانقلابات التقديمة والراديكالية في محاولة لاسترداد عضويتها الفعّالة ودورها

    الريادي بوصفها نرجسية مناضلة ومضحّية من أجل عملية التغيير الشامل بدعوى نظرية الفوضى الخلاقة و يتعامى أولئك المتقدمون عن

    أحوال أهل البسيطة تعاني أشد و أكثر مما يعاني أولئك الرعيل النخبوي بألآف المرات و مع ذلك لا يجدون ممبراتهم مسوغة كي يكونوا تبعاً

    لفكرية معينة تحاول أن تكون مهيمنة على سطح الواقع تحاكي فيه مقلدة كل عمل مهما كان وضيعاً على أنه نقلة نوعية للوصول لسلم التقدم

    الحضاري

    أما القدوة المفقودة التي تكلمت عنها
    فهي لعمري ما يجعلنا نرجع القهقري للوراء ،فكلما تخاذلنا في استنباط بعض خطوات المتقدمين و ما يتناسب مع مفاهيمنا للقيم بمفهومها

    النهضوي كلما تداركنا الخطى بالتقدم باتجاه الأمام و لاحظي مثلاً أن بعض مثقفينا العملاء باتوا مثلاً يبررون و يجدون المسوغات لقبول

    الشذوذ على أنه خطوة نحو التقدم و البناء !!!! لعمري إنها جريمة بحق التقدمية و بحق العلم و بحق البقاء في سلالة ستمتلأ بعد حين

    قيحاً بعد أن يتشربها جمهور من المتحضرين “الأغبياء”

أكتب تعليقاً