كن ضعيفاً
الكاتب: ابراهيمالسيد أبو عهد ابراهيم العبيد المحترم
تحيّة طيبه وبعد،
أبعث إليك بعض آراء الحكماء، أرجو أن تنال إعجابك.
عندما يولد الإنسان يكون طريّاً ورطباً، وعند الموت يكون قاسياً وصلباً، وعندما تكون النباتات حيّه تكون ناعمة ويانعة، وعندما تموت تكون قاسية.
الحياة تنساب انسياباً متواصلاً مثل النهر دون بداية أو نهاية… نحاول دفع الحياة لتتبعنا، ونحن مجرد جزء صغير جداً!! إنّ قدَرَنا أن نُهزم وأن نَخسر سموّنا، فنصبح قساة.
يكفي أن تفكّر بالقتال حتى تصبح محاطاً بالقسوة؛ فالعقل يفكّر دائماً إمّا بالماضي أو بالمستقبل؛ الماضي يعطينا الذكرى الجميلة، والمستقبل يعطينا الأمل، وبين الاثنين تضيع حياتنا التي لا نعيشها.
انظر إلى الناس الناجحين في الحياة والمُدرجة أسماؤهم في الصحف والمجلات، راقبهم عن كثب، ستجدهم يعيشون حياة زائفة يضعون فيها الأقنعة التي تخفي فراغهم… انظر إليهم، ا لمسهم ستجد قلوبهم تنبض لكن نبضاً آلياًً، وعندما تصافحهم تجد أن أيديهم ميّتة، لا توجد بها حرارة الترحيب، تجد بها وزناً، ولكن لن تجد بها حباً. عندما يولد الطفل تراه الحياة بنقائها وسرعان ما يُسجن من قبل المجتمع والأهل والمدارس والجامعات، ويصبح أسيراً، ويوافي المسنّون منيّتهم ويولد أطفال فالحياة لا تؤمن بالكِبَر.
في الواقع لو كانت حياتنا تُدار على يد علماء الاقتصاد لعدّوا عالمنا غير اقتصادي، فثمة رجل كبير في السنّ متمرّس ومدرَّب في الحياة، وحينما يصبح جاهزاً ويضمن أنه أصبح حكيماً توافيه المنيّة، فيُستبدل بطفلٍ صغيرٍ بدون معرفة أو حكمة، ويتوجّب كتابة كلّ شيء فيه مجَدّداً كالكتاب الأبيض. فلو سألتَ علماء الاقتصاد لقالوا لك هذه حماقة وهدر للوقت: يموت رجل بالثمانين ذو خبرة عالية ويُستَبدل بطفل لا خبرة له، فالحياة لا تؤمن بالاقتصاد، إنها تؤمن بالحياة والتجدد، ولو كان العالم غير ذلك لكان العالم برمته مقبرة كبيرة تواصل استبدالها الكبار بالصًّغار والقساة بالناعمين. تهبّ عاصفة تقتلع الأشجار القويّة والكبيرة، أمّا النباتات الناعمة والصغيرة فهي تلتوي تحتها لطراوتها ولينها. الحياة تحب اللّين والتواضع؛ فالأشجار القديمة القاسية سقطت لأنها قاومت، ولأنّ غرورها لا يسمح لها بالانحناء، وهذا ما قاله عيسى للفقراء بأنهم سيرثون الأرض، ثمّ أكّد ه القرآن.
يقول الحكيم: كن حيّاً وكن ضعيفاً، ولكن ماذا يوجد في الضعف ليكون مباركاً؟!!
جرت العادة عند الذين يزعمون أنهم قاده العالم ومعلّموه أن يعلّموا أتباعهم: كن قويّاً …. إلاّ أنّ الحكماء يقولون كن ضعيفاً وقالها عيسى عليه السلام أيضاً. يتوجّب أن تسير مع تيّار الكون؛ فإذا قال لك سر معي ميلاً فأمشي معه ميلين، وإن أخذ اللّص معطفك أعطه قميصك، فهذا جمال (اللاعنف)، و جمال الحب والمغفرة، جمال (اللاّ نزاع)، وإذا لم يتم استيعاب هذه التعاليم لن تعيش الإنسانيّة في سلام. إذا تعلّمتَ أن تكون قوياً يكون قد قُدّرَ عليك أن تقاتل، وبالتّالي سوف تتواصل الحروب.
جميع القادة في العالم يكرّرون القول بأنهم يحبون السلام إلاّ أنّهم يتحضّرون للحرب!!! إنّ كل ما تتحضّر له يحصل بالفعل؛لأنّ كل ماتؤمن به سوف تراه، وكل ما تتوقّعه بكل جوارحك تناله.
الثناء على القوة هو ثناء على العنف وثناء على الموت. الزهرة تأتي في الصباح وتضحك لبرهة، وتنشر عطرها ثم تزول، فالحقيقة ناعمة وبسيطة … إننا نخفق في فهم الله؛ لأنّ عقولنا تفهم منطق الصخور لا منطق الأزهار، عقلنا يفهم منطق الرياضيات، ؛ ولا يملك الحاسّة المُحبّة للجمال لكي نشعر بالزهور….. هل لأننا نعيش في حضارة تعتمد على النصف الأيسر من الدماغ؟
لن نتمكن من فهم الله إلا عندما نفهم منطق الرحمة والمغفرة، ولا نشغل أنفسنا بالماضي والمستقبل، وبغمضة عين نشعر أنّ حياتنا قد انتهت.
الطفل الذي ولد مازال موجوداً في داخلنا، لكن ثمّة طبقات تراكمت حوله. يقول السيد المسيح: إذا لم تصبح كالأطفال لن تدخل ملكوت الله.
لك مني كل الحب والاحترام نايف الحلبي 16-10-2006 الكويت….
إلى العزيز نايف حلبي أبي حيان المحترم
تحية محبة وبعد،
هزتني مقالتك وهيّجت شُجوني وذكرياتي، وأعتذر إليك عن تنقيحها وإجراء بعض التعديلات عليها.
عزيزي جندي (اللاعنف) المظفّّر:
لقد صدقتَ وأبلغتَ؛ فمن يؤمن ب(اللاعنف) ممنوع عليه أن يمارس العنف بكل مستوياته: الجسدي واللساني والقلبي، ويبدو أننا تجاوزنا المستوى الأول فقط! فألفاظنا مازالت تحمل شحنات طاقويّة سلبيّة وأفكاراً عنيفة تعشعش في ثنايا أدمغتنا منذ زمن بعيد!!! إننا بحاجة لدروس أكثر وضوحاً وتدريباً أشد صرامةً ودقّةً.
إن من يعيش لفكرة أو قضية أو هدف عظيم يتجاوز حدود الذات عليه أن يكون أنموذجاًً للإنسان الرباني ((كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون))، ويتسامى عن المشكلات الصغيرة والمشاحنات مع الآخرين، ويمارس انضباطاً ذاتياً مُحكماً، ويلتزم الأمانة من طرف واحد، بصرف النظر عن التزام الآخر أو خرقه لذلك بأي صيغة كانت: ((وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها))؛ فلا يستفزّه أحد أو يجرّه إلى صراعات شخصية أو فئوية، تَسلبه تركيزه وتُبعده عن مسار أهدافه وتزعزع سلامه الداخلي.
كان صديقنا المرحوم عصام ا لرفاعي يقول: اخسر موقفاً ولا تخسر علاقة. وطبّق فكرته بإخلاص ومتابعة عالية؛ فكان إذا توتّرت علاقته بأحد يقلق …يبادر…يتصل…يحاول إصلاح ما أمكن، وكان يخسر مواقف كثيرة مع القريب والبعيد ليربح العلاقات ويربح الإنسان، لذلك كان واسع الانتشار والتأثير…
وقد ذكّرني زميلي في العمل ضيدان الرشيدي عندما تهجّم أحدهم، فقال : يا شيخ زكاة علمك أن تستوعب مثل هؤلاء وغيرهم وتحلم عليهم، و فائدة العلم في تطبيّقه وتزكيته.
لقد علّمني الأستاذ جودت سعيد كيف يكون الإنسان كبيراً، بعدما تلقيّنا دروساً في (اللاعنف) أرى أنها تصلح لأن تُدرَّس في أعظم جامعات العالم، لكننا وعلى ما يبدو لم نكن نذاكر جيداً للامتحان العظيم: معترك الحياة!!
أذكر مما تعلّمتُ حديث رسول الله(ص): ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف))، وكذلك أحاديث الفتن؛ عندما كان يأمر الرسول أصحابه باعتزال الفتن التي تقع بين المسلمين، وأن يلحق صاحب الأرض بأرضه، وصاحب الغنم بغنمه، أو يلزم بيته، بل أمرهم أن يكسروا قسيّهم ويقطعوا أوتارها ويضربوا سيوفهم بالحجارة، خوفاً من أن يغويهم القتال!! وكان الرسول أيضاً يمنع أصحاب أن يدافعوا عن أنفسهم أو ينتقموا، عندما كانوا يتعرضون للتعذيب: ((صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة))، واللافت أن القرشيين كانوا يثقون بمحمد وأصحابه أكثر مما يثقون بأولادهم؛ وأنهم لا يأتي منهم ضرر في المال أو العرض!! نعم كانوا فوق الشبهات، وكذلك ينبغي أن نكون ويكون كل مسلم وموحد لدين الله، وبهذا نحوّل العدو إلى وليّ حميم.
وأذكر وصف الله عزّ وجلّ للمؤمن المثالي أنه من عباد الرحمن: ((وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما))، وكذلك وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعِظه: ))ولا تصعّّر خدّك للناس ولا تمشي في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور،واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير)).
كما أذكر أقوال السيد المسيح عليه السلام: ((من أخذ بالسّيف با لسّيف يهلك ))،((أحبوا أعداءكم ،وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيؤون إليكم))،((لا تنتقموا ممن يسيء إليكم)).
وأذكر غاندي زعيم (اللاعنف) العظيم عندما كان يمنع أتباعه أن يدافعوا عن أنفسهم، حينما كان الجنود البريطان يعتدون عليهم بالهراوات، وأن يناموا على الأرض عندما تهاجمهم الخيول!!
ولا أنسى الخميني الذي أمر الشعب الإيراني أن يرمي الورود على جنود الشاه الذين كانوا يضربونهم بالرصاص في الشوارع، فكسب تعاطف الشعب والعالم، و أهلك الله الشاه بذنبه كما أهلك كل جبار عنيد، فانظر كيف كان وعيد!!
ونحن ينبغي أن نعتبر وننظر ونتأمّل ونتعلم تأويل الأحداث.
اللهم علّمنا من تأويل الأحداث والأحاديث.
إبراهيم العبيد الكويت 8- 3 – 2010
08 مارس 2010 07:43 م | مقالات
نسخة الطباعة
9, مارس, 2010 - 2:26 ص
السلام على الجميع
لا أدري إن كانت رسالة وجدانية مرسلة من شخص لأخيه قد تتحمل مداخلة أو تعقيب أو حتى مناقشة ، لكن وجدت أن بعض كلام اللاعنف قد يتداخله بعض الالتباس والإشكاليات …
فعلى سبيل المثال إشكالية عنوان الرسالة : كن ضعيفاً وما تم أخذه من كلام الحكيم ( كن حياً وكن ضعيفاً … ) ، فعوضاً عن ذلك أرى أن حكمتي ستكون ( كن قوياً وكن لاعنفياً أو لا إكراهياً إن أحببت .. )
أقدر أن بعض الكلام قد يحمل أحياناً عمقاً فلسفياً ، ولكن يتوجب علينا عند طرحه أمام القراء أن نبيّن المقصود منه كي لايساء فهم المبدأ الذي ندعو له …
لا شك عندي أن اللاعنف هو مبدأ الأقوياء … الذين يستطيعون ترويض مشاعرهم السلبية ليعاد تدويرها فتخرج خلقاً آخر وتعاملاً حسناً ، أما الضعف فليترك لكل من ليس لديه القوة لكبح جماح مشاعره وأهوائه فليس هناك فرق بين أن تضعف أمام انفعالاتك فتثور … أو أن تضعف أمام انفعالات الآخرين فتستكين …
ولا أحب لهذا المبدأ أن يرسخ إلصاق الضعف به في أذهان الذين يعادونه لجهلهم به ، وكذلك عند أولئك الذين يعارضونه لا لشيء وإنما لأنهم مخلصون في تبني العنف كحل لمشكلات الحياة ، أولئك يصرون على مقولة أن اللاعنف هو المهادنة والاستكانة أمام المستكبرين … ويستمرون في إصرارهم مهما قدمت لهم من أدلة من النصوص المقدسة ومن سيرة المسلمين الأوائل في مرحلة مكة والمدينة وعند اشتعال الفتن ..
أخيراً إذا قدر عليك أن تقاتل على المستوى الجماعي في ساحات النضال والدفاع عن حقوقك وحقوق الآخرين ( مسلمين كانوا أم غير مسلمين ) فكن قوياً ولا تستكين ، ولا تحسبن ذلك معارضاً للاعنف كمبدأ وأسلوب حياة !
الجهاد في الإسلام هو سلاح اللاعنف وضمانة السلام بين الأمم والمجتمعات … حيث لا حياة للعنف إلا ضمن ذلك المضمار … كما كانت الحدود والعقاب تحت سلطة القانون العادل ضمانة للاعنف والسلام الداخليين اللذين سينقلبان يوماً ما إلى جحيم و استبداد داخلي عند غياب سلطة ذلك القانون وعقابه …
ربما أرى أن كلام الأخ ابراهيم أكثر قرباً من كلام الأخ نايف لما أفهمه من اللاعنف … وفي كلٍ خير
مع تحياتي لكما
عماد
9, مارس, 2010 - 8:12 ص
السلام عليكم
كن قويا قوّة المتحكّم بأعصابه, المروّض لجبروته وغضبه.
وردت قصة في كتب التراث تقول: روي عن ميمون بن مهران أن جاريته جـاءت ذات يوم بصحـفة فيها مرقة حارة, وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه, فأراد ميمون أن يضربها:
فقالت الجارية: يا مولاي, استعمل قوله تعالى: { والكاظمين الغيظ } قال لها: قد فعلت.
فقالت: أعمل بما بعده { والعافين عن الناس} . فقال: قد عفوت عنك.
فقالت الجارية: { والله يحب المحسنين } .
قال ميمون: قد أحسنت إليك, فأنت حرة لوجـه الله تعالى.