قوة الجماعة.. غياب الفرد..! بقلم: سميح الصفدي

الكاتب: محمد

قوة الجماعة.. غياب الفرد..!
سميح الصفدي
في اختبار لطيف وذو دلالة يعرض المحاضر على اللوح شكلاً يحتوي على خطين متوازيين.. واضح للمشاهد بشكل لا يقبل الشك أن الخط الأعلى أطول بقليل من الخط الأسفل..
هناك شخص قادم إلى القاعة بعد قليل.. يتفق المحاضر مع الجمهور على أن يكون الخط الأسفل هو الأطول.. عليهم جميعا أن يصرحوا بهذه الكذبة البيضاء أمام الضيف الجديد.
وبالفعل بعد دخول هذا الشخص يبدأ المحاضر بسؤال الموجودين واحد تلو الآخر عن الخط الأطول في الشكل.. وبعد تأكيد عدد من الأشخاص أن الخط الأسفل هو الأطول دون أية اعتراضات من الباقين، يُسأل الشخص الجديد عن رأيه ليؤكد بقناعة تامة أن الخط الأسفل هو الأطول دون أدنى شك.
اللعبة معروفة جداً في حقل علم النفس الاجتماعي وهي تظهر بوضوح مدى خضوع الحكم الفردي لسلطة الرأي العام ومدى خطورة قوة الإجماع والجماعة، والتي تستطيع تحويل الخطأ إلى صواب وقلب الباطل إلى حق.. والحق إلى باطل بمجرد توفر السلطة العددية.. وإجماعها.
اللعبة لها شرط أساسي لا يمكن أن تنجح بدونه.. وهو الإجماع التام والخالص.. فإذا ما تمتم أحد الحضور برأي مخالف أو شكك مجرد التشكيك بـ “حقيقة” الخط الأطول فإن حكم الضيف الجديد سوف “يختل”.. أو من الأصح القول سوف يتوازن، ومن الممكن أن يتجه باتجاه التفكير المستقل وإمكانيات الحكم السليم.
من هذا الباب نستطيع أن نفهم مدى حرص الجماعة على تأمين الإجماع وعدم تعكير صفوه بأية انتقادات جانبية مهما كانت طفيفة.. خصوصاً إذا كانت هذه الجماعة تنوي الاضطلاع بمهمات معينة تستوجب الاصطفاف..
ومن هنا نستطيع أن نتبين سر القسوة على المخالف والخارج على الإجماع.. فهو يستطيع ولو بالتشكيك البسيط أن يخلخل البنيان المتراص لايديولوجيا الجماعة وأن يربك اصطفافها بمجرد تعبيره عن رأيه.
ومن هنا أيضاً نستطيع أن نفسّر تردد الكثيرين بالتعبير عن رأيهم الحر أمام حالة توحي بالإجماع.. خوفاً من النبذ والعزلة.. فحتى تحافظ الجماعة على اصطفافها المتين لا بد أن تضفي على صاحب الرأي المخالف صفات لا أخلاقية تحط من شأنه ومن قدره وتنزع عنه صفة الرأي الحر.. وهنا لا بد من لجوء الجماعة إلى مفاهيم ثقافة الاستبداد والإقصاء: المروق.. والخيانة.. والانتهازية.. محاولة بهذا نزع أية مسحة من العقلانية والأخلاق والمثل العليا عن محاولات النقد ومحاولة تلويثه بمختلف التهم… والتي غالباً ما تصل حد “شيطنة” الآخر.. فكل مخالف هو “شيطان” يجب رميه بكليته مع أرائه، ويتم ذلك بمنطق الأبيض والأسود.. منطق “معنا أم ضدنا”.. دون أدنى حد من التفكير الديموقراطي القائم على التعدد واختلاف الألوان وتدرجها.
خيار الفرد:
لا شك أن الوقوف خلف الجماعة وتأييدها هو الخيار الأسهل والأسلم سواء للإنسان العادي أو للصحفي أو للكاتب أو لصاحب الموقف.. لكنه بالتأكيد الخيار الأقل شجاعة.. والأقل أخلاقاً..
حين نقف بجانب الفرد..، أي فرد، فإننا نقف بجانب “قيمة”، لا بجانب خطأ أو صواب.. ولا رغبة بالوقوف ضد المجموع جرياً على التفسير الساذج “خالف تعرف”..
هذا الكلام يستطيع أن يفهمه كل من تذوق طعم قسوة الجماعة وبطشها.. الجماعة تنسى أن الفرد مهما مارس من الأخطاء يبقى كائناً من لحم ودم… الجماعة تعمل بوعي أو بدون وعي على شيطنة هذا الفرد (الخصم) وتضربه بيد من حديد.. ولا تنتبه في غمرة حماسها ولذة توحدها أن هناك دماءً تسيل.. وأن هناك معاناة ومشاعر وأحاسيس وفقدان قيمة.. ويجري تجريد الفرد “الخصم” من كل قيمة إنسانية قد تفضي إلى التعاطف.. فبقدر ما تستطيع الجماعة تسفيل الآخر وتجريده من إنسانيته.. بقدر ما تجد تبريراً لقسوتها.. ودافعاً لاستمرارها بالسحل دون أدنى حد من تبكيت الضمير..!
ترى كيف سيكون شكل المجتمع حين يصمت “المخالف” الأخير.. أليس هو السقوط في الاستبداد وطغيان الجماعة.. لتبقى العدالة عرجاء برجل واحدة..؟؟!

03 سبتمبر 2010 06:48 م | مقالات


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 3 على “قوة الجماعة.. غياب الفرد..! بقلم: سميح الصفدي”

  1. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    صحيح أن هناك معاناة كبيرة تعترض الفرد حين يعرض رأياً مخالفاً أو جديداً, لعل أبسطها رميه بصفات ليست فيه, وتصنيفه تصنيفات متناقضة في أحيان كثيرة, (كما حدث لكثير من المفكرين, وفي موقعنا فإن الأستاذ محمد تم تصنيفه ضمن فريقين متناقضين بسبب بعض آرائه وأفكاره المطروحة) لكن أين هو الإجماع المتخيل الذي يتفق عليه المجتمع؟ لو كان هناك مثل هذا الأمر لما وجدنا تنوعاً في أي مجتمع وهذا بالطبع ليس صحيحاً, دائماً نجد من يكون له فهمه الخاص حتى لو ظهر لنا أن هناك شيء عام
    لكني أفهم قصد الكاتب وحديثه عن معاناة الفرد المفكر الصادق الذي يريد الإصلاح لكنه يصطدم بالهجوم عليه من كل الجهات, إلا أن هذا الفرد نفسه يحتاج لسماع الرأي الآخر ووجهة النظر الأخرى.

  2. سلام حسن يقول:

    السلام عليكم
    هذا المقال أعجبني

  3. بسام قاسم يقول:

    الاخ سميح الصفدي!اول مرة اقرأ لك.اعجبت بمقالتك.ولا ادري ان كنت تتفق معي بان قوة الجماعة في مجتمعاتنا (العمياء الفاسدة المرتجفة)هي التي تضع القوانين و تصنع المفاهيم و الويل للمخالف. فالموت مثلا يأتي كغول غبي و جشع يذلك بخطفه المفاجىء لروح جميلة تحبها.تشعر بالقهر والنقمة وماذا تقول؟او بالاحرى ماذا عليك ان تقول:الحمد لله..انا لله و انا اليه راجعون..لا يجب ان تتذمر او تصرخ..تقول الجماعة!وان تساءل الفرد بانه اصلا لم يطلب الحياة فلماذا يتعذب على خيار ليس من صنعه ولماذا وجد اصلا؟لا تجيب الجماعة لانها لا تعرف الجواب ولكنها بالتاكيد ستصفع هذا الفرد في عيونه فيحتفظ بتساؤلاته دون ان يفصح عنها لتبقى اسئلة الانسان الازلية كلها بلا اجوبة وتبقى الجماعات الخائفة هي السائدة!

أكتب تعليقاً