قصيدة تربوية
الكاتب: رغداءقصيدة تربوية
عندما بدأت العمل بالتدريس كانت عندي طموحات على المستوى الشخصي, تتمثّل بأن أكون مدرّسة متمكّنة من معلوماتي, باحثة عن أفضل الطرق لايصال المعلومة لطلابي, مع الحرص على كسب محبتهم وصداقتهم.
ولكنني بعد أن مارست المهنة على أرض الواقع,اصطدمت بعوائق كثيرة, وخيبات أمل أكثر, ولا أنكر أنني اكتشفت أنني أنتظر انتهاء اليوم الدراسي بفارغ الصبر, وأن نظرة عداء بدأت تتشكل في نفسي تجاه بعض الطلاب الذين لا يتجاوبون, سواء بالانتباه والانضباط أم بالتحصيل العلمي المطلوب. وبما أنني عاهدت نفسي على الامتناع التام عن الضرب كوسيلة عقاب, ايماناً مني بأنها وسيلة فاشلة, إلا أنني لا أنكر أنني بذلت جهداً كبيراً حتى أستطيع المحافظة على هذا العهد, ولله الحمد أنني لم أنقض عهدي هذا ولا مرة, على الرغم من وصولي لحافة نقضه مرات كثيرة.
ولن أخوض بتفاصيل معاناتي تلك, ذلك أنني أتوقع أنكم جميعاً تتخيلونها وتعرفون وضع مدارسنا بشكل عام.
ورغبة مني في إنقاذ ما تبقى من طموحات قاربت على الانطفاء, قررت إجراء مراجعة شاملة لطريقتي في التعامل مع الطلاب, وصرت أقرأ كتباً لها علاقة بالطفولة وسلوك الطفل وأحاول عمل بعض التجارب التي كنت أسميها ( تجارب تربوية), كانت تفتقر للتخطيط المدروس والعناية الحقيقية اللازمة, إلى أن دلني صديق مهتم على كتاب رائع هو كتاب (قصيدة تربوية) لمؤلفه الروسي ماكارنكو, وهو كتاب يصف فيه الكاتب تجربته التربوية في إصلاحية للجانحين القاصرين, وكيف استطاع تحويل هؤلاء الجانحين إلى أعضاء فاعلين في المجتمع. الكتاب جميل جداً وأنصح الجميع بقراءته سواء كانوا معلمين أم آباء.
هذا الكتاب جعلني أرى لأول مرة أنني أسير في طريق خاطئ, وأنني أسعى لتحقيق طموحات شخصية تعتبر تافهة إذا ما قورنت بالطموحات الحقيقية التي يجب أن يسعى لتحقيقها كل مرب.
فإذا كنت أطمح للتميز على المستوى الشخصي, مع ما في هذا الهدف من شمول واتساع ومتطلبات, تدفعني دائماً للبحث والمراجعة والتنظيم والتحسين, فإنني وجدت أن على كل مرب أن يكون طموحه هو تميّز طلابه لا تميزه, وتميّز الطلاب لا يُقصد به ارتقائهم العلمي فقط, بل يقصد به الارتقاء بهم نفسياً وأخلاقياً وفكرياً وعلمياً. صحيح أن المربي المتميز سيجد نتائج تميزه على أرض الواقع من خلال نتائج طلابه, ولكن هذه النتائج ستكون في جانب التحصيل العلمي على أبعد تقدير, بينما لو جعل طموحه تميّز طلابه فكرياً ونفسياً وأخلاقياً وعلمياً, فإنه سيكتشف أن عليه بذل جهد مختلف تماماً لتحقيق هذا الطموح.
بعد قراءتي للكتاب شعرت أن علي مهمات كثيرة, بالطبع لم أكن أرى أن تقليد طريقة مكارنكو في قصيدته التربوية هو أمر صائب, وذلك لاختلاف البيئة والظروف والزمان والمكان, ولكن هذه القصيدة دلتني على مفتاح البداية: يجب أن أعرف طلابي أكثر!
كنت أظن أنني أعرف الصغار وعالمهم, فأنا لست مربية فقط, بل أنا أم وعندي أولاد, ولكنني اكتشفت أنني لا أعرفهم, ولا أعرف بماذا يفكرون, ما الذي يشغلهم, كيف يمكن الدخول لعالمهم…. وهنا بدأت مهمتي, وجدت أن أفضل طريقة لمعرفتهم هي جعلهم يعبرّون عن أنفسهم دون خوف, جعلهم يتعاملون بتلقائية وراحة دون ضغط أو إكراه أو نفاق.
لا أنكر أنني وجدت صعوبة, هذه الصعوبة ناشئة بالدرجة الأولى عن كون مجتمعنا مجتمع يفتقر إلى الحرية والحوار واللطافة (وأقول اللطافة, لأننا للأسف لطفاء مع الغرباء فقط, والملاحِظ لحال مجتمعنا سيردد تساؤل الكاتب محمد شاويش في مقاله “هل نحن شعب لطيف؟!” ليجد في النهاية أننا لسنا كذلك إلا مع الغرباء), فوجدت أن تعويد الطلاب على الحوار اللطيف بشكله البسيط جداً هو أمر ليس بالهيّن, فبيوتنا تخلو من الحوار, ومدارسنا وجامعاتنا يمنع فيها مجرد المحاولة (مازلت أذكر قول دكتور لي عندما كنت في الجامعة, رحمه الله, رد علي عندما طلبت محاورته حول مسألة علمية بقوله: من أنت حتى تحاوريني!, ولكنه بكل تأكيد كان ألطف من دكتورة أخرى طردتني شر طردة من مكتبها عندما حاولت سؤالها فقط!).
فقضية احتقار الطرف الآخر تمنع من التواصل والحوار, وهنا كان علي أولاً زرع الثقة في نفوس طلابي, ومعاملتهم باحترام ودون احتقار, سواء كانوا متفوقين أم كسولين, ذكوراً أم إناثاً…… (والملاحظ أنهم حتى الآن يجدون في بعض العبارات التي أستخدمها مادة للضحك أو التندر, مثل قولي لأحدهم “تفضل” أو “لو سمحت” أو ” فلان ممكن أن تفعل كذا” أو “فلان ممكن أن تسكت”, ذلك أنهم تعودوا غالباً على سماع عبارات أخرى في مواقف مشابهة).
وحتى أفعّل فيهم قابلية الحوار والتعبير, صرت أطلب منهم أن يكتبوا عما يشغلهم أو يهمهم, أو أطلب منهم رأيهم مكتوباً حول مسألة ما أو فكرة معينة في منهاجهم الدراسي. وبالفعل فقد كانت هذه الوسيلة منفذاً لي لفهمهم أكثر والتواصل معهم ومعرفة مشاعرهم ومشاكلهم.
صار كثير منهم يأتي إلي حاملاً ورقة قائلاً “آنسة أريدك أن تقرأي هذه, وتحدثي رفاقي عنها”. وعندما بدأت بنشر بعض مساهماتهم عبر الأنترنت, صار الدافع عندهم ليس فقط التعبير عن أنفسهم بل كتابة مواضيع تصلح للنشر, وهذا ما قوّى عندهم ملكة الملاحظة والنقد والتعبير.
كأنني أسمع بينكم من يقول: “كلو كلام فاضي”, ولكنني وجدت أنه من المناسب نقل هذه التجربة لكم, وهي تجربة عملية لمست نتائجها بنفسي.
أتمنى منكم جميعاً سواء كنتم معلمين أم آباء ومربين, أن تجربوا محاورة صغاركم لتعرفوهم أكثر, ازرعوا الثقة في أنفسهم واحترام الذات, أظهروا لهم احترامكم وتفهمكم, وليكن عقابكم لهم رحيماً عاقلاً مقوّماً لا محطّماً. وأنا أكيدة بأنكم ستكتشفون كم نحن بحاجة لإعادة النظر بكل مفاهيمنا السابقة, وكم أن أطفالنا في خطر, نعم هم في خطر حقيقي إذا لم نتداركه ونقف معهم لحمايتهم منه فقولوا على أمتنا السلام!
رغداء زيدان
16 يونيو 2009 06:49 م | سلوك و على الأرض
نسخة الطباعة
16, يونيو, 2009 - 7:18 م
من سيقول كلام فاضي ، قد يكون لديه منها
نعم يا سيدة رغداء هذا هو السلوك النهضوي بعينه وهذه التجارب بحاجة إلى تأريخ وأرشفة ونقل وحوار لتترسخ ، ولعلي تمنيت أن يكون دليل وتجارب للمدرسين في سلك التعليم أن يمسك أعصابه في مواقف محددة