قصة ……..
الكاتب: رغداءقصة ……….
عماد بلان
” .. لم تستغرق الزيارة أكثر من ساعة واحدة ، سادت خلالها حالة من التوتر وعدم الرضى الذي اضطر معه ” محمود ” إلى الإيعاز لزوجته وابنه الشاب بالنهوض فوراً والاستئذان بالانصراف مختتماً بذلك زيارة غير سعيدة لبيت شقيقه الأكبر ” سعيد ” .. فقد خاب الرجاء بعد كان من المأمول أن تتوج تلك الزيارة بنهاية سعيدة تتجلى بالإعلان عن خطبة ” وسيم و سهام” .
.. الشاب وسيم هو النجل الأكبر لمحمود ، شاب رزين مثقف ، تخرج مهندساً قبل عام واحد ، أما ” سهام ” ابنة عمه ” سعيد ” فهي فتاة هادئة ومهذبة تخرجت حديثاً من دار المعلمات .. وكان من الممكن جداً أن يفتح لهما المستقبل ذراعيه ليكونا نواة أسرة صالحة ومؤهلة لتحمل مسؤولياتها تجاه المجتمع والوطن ، ولكن !! لطالما ” جَرَت الرياح بما لا تشتهيه السفن ” ، إلا أن الرياح هنا كانت عواصف هوجاء ، تجلَّت في تعنت الأم و رفض الأب ” سعيد” لطلب خطبة ابنته ” سهام ” إلى ” وسيم ” ابن أخيه ..
.. وبعصبية وسخط ، أطبقت أم سهام باب المنزل خلف ضيوفها بعد خروجهم وهي تصرخ : ” للمَحق !! إنشاء الله روحة بلا رجعة !! ”
.. استنكرت سهام موقف والدتها وسألتها : هل يجوز منك هذا يا أمي ؟؟.. إنه عمي وعائلته .. أقرب الناس إلينا !! فأجابت الأم بخبث : أعرف هذا ، ولكني أعرف قبل هذا أيضاً المثل القائل ” حَد الحية افرش ونام .. و عند العقرب لا تِقرَب .. إنهم أقارب يا غبية .. والأقارب .. عقارب !!
.. بعد سنة واحدة فقط ، وجد ” سعيد ” – والد سهام – نفسه مُضطراً إلى عرض متجره في السوق للبيع لحاجته إلى علاج زوجته من مرضها الخبيث ، والانفاق على دراسة ابنه في الخارج . علم أخوه الأصغر ” محمود ” – والد وسيم – بالأمر فسارع عن طيب خاطر عارضاً المساعدة على أخيه الذي أعرض عن قبول المساعدة حتى ولو كانت قرضاً قائلاً : أنا لا أقبل المِنَّة من أحد ..!! عندئذ عرض ” محمود ” عليه المشاركة في ملكية المَتجَر بالنصف ، تجنباً لتفريط أخيه ” سعيد ” بمتجره وبيعه بسعر بخس ، فكان الرفض الأشد هذه المرة متمثلاً بقول ” سعيد ” : ابعد عن الشر وغنيلو .. والشر ما بيجي إلا من الأقارب .. والأقارب عقارب !!
.. تمَّت خطبة ” سهام ” إلى شاب آخر ، وعندما كانت تراجع أسماء المدعوين إلى حفل خطبتها ، لاحظت ” سهام ” غياب اسم عمها ” محمود” وأفراد عائلته ، واسم ” عمتها ” وعائلتها .. بل واسم خالها وعائلته .. وخالتها وعائلتها !! لماذا يا أمي ؟؟ أجابت الأم بخبثها المعهود : .. الله يجيرنا من حَسَدهم ، بحضورهم ” بينقلب ” الفرح تَرَح يا غبية .. هذول أقارب .. والأقارب عقارب !!
.. بعد فترة من الزمن ، كان ” سعيد ” في طريقه قريباً من السويداء قادماً من دمشق ، عندما انقلبت به سيارته ونُقِلَ على أثر ذلك إلى أقرب مشفى وهو بين الموت والحياة .. سارع الأهل والأبناء لعيادة أبيهم ، الودود المُحب !! وهو على سريره في المشفى يعاني من كسور بالعظام ، ومن نقص حاد في دمه الذي نزف كثير منه بعد الحادث ، وكان دمه من النوع المعروف بالندرة وعدم توفره بسهولة ، انطلق أبناؤه وسارعت زوجته وبناتها نحو كل حدب وصوب لتأمين الدم للمريض ” سعيد ” تنفيذاً لأمر عاجل من الطبيب المُشرف .. مضت الساعات والساعات والرجل على حافة الموت ..
.. عاد الجميع بخُفَّي حُنين كما يقال ، إلا من وعد بتوفير الكمية المطلوبة صباح الغد من مصدر بعيد وغير مؤكد !! عادوا واليأس والأسى باد ٍ على وجوههم وخاصة والدتهم ” أم سهام ” التي أخذت تبكي وتنتحب .. ولكنهم ما إن دخلوا بهوَ المشفى حتى فوجئوا بالطبيب يخرج من غرفة العناية المشددة مُشرق الوجه باسماً وهو يقول : الحمد لله ، الدنيا ما خَلَت من الخير وأهل الخير ، لقد قمنا بحقن السيد ” سعيد ” بكمية جيدة من الدم تبرع بها أحد المُحسنين ، وهذا سيساهم بكل تأكيد بشفاء مريضكم إن شاء الله .
.. استبشر الجميع بالخير وعادت البسمة إلى وجوههم والأمل إلى نفوسهم ، أما الأم ” أم سهام ” فقد سارعَت نحو غرفة التبرع بالدم للاستفسار عن الشخص الطيب والصادق وفاعل الخير الذي أنقذ حياة معيلهم ” سعيد ” .. عادت بعد دقائق مطأطئة الرأس تسير بخطى متثاقلة ، سألها الجميع : من هو المُتَبرع ؟؟ .. دموع حارَّة وسخية تساقطت من عينيها وسبقت لسانها الذي تحرَّك وقال : أنه عمُّكم ” محمود ” !!
.. أعزائي :
.. تلك هي مشاهد بسيطة مُنتخَبَة من على مسرح حياتنا الاجتماعية اليومية ، في بلادنا خاصة ، اخترتها لكم على سبيل التمثيل فقط لا الحصر الذي قد لا ينتهي ..
.. ” محمود ” قد لا يستحق التكريم ولا التبجيل ولا الثناء ، فقد قام بواجبه الذي تفرضه عليه الإنسانية التي تملؤ جوانب نفسه ، ولكن ما قولكم بعبارة ” الأقارب عقارب ” .. ذلك الشعار الذي رفعه ” سعيد وزوجته ” ، كما أرفعه أنا .. وأنتَ .. وأنت ِ .. و هو .. و هي .. و هم .. إلى آخر القائمة من الضمائر المخاطبة والمتكلمة .. و الضمائر الغائبة أيضاً ؟؟
عن موقع السويدا نت
06 ديسمبر 2009 10:30 م | أدب
نسخة الطباعة
8, ديسمبر, 2009 - 10:16 ص
لقد أثارتني هذه القصة وولدت في الكثير من التداعيات والأسئلة الخاصة بنهضة مجتمعنا فمقولة الأقارب عقارب مقولة منتشرة إلى حد ما في التفكير الجمعي لدينا وهي بشكل من الأشكال تضاف إلى طريقة التفكير لدينا والسؤال هو كيف نلوم الأشقاء العرب على عدم التعاون والتعاضد ولا ننتبه إننا نحن لا نتعاون مع أشقائنا الحقيقيين . أليست مفارقة . ثم كيف نلوم دولة شقيقة على بكونها تتعاون مع الأجنبي ولا نلوم أنفسنا في كثير من الحالات عندما نفضل الآخر على الأخ .
ما أراه أن الكثير من المعتقدات السائدة لدينا والمتمثلة في الحكم والموروث والمعتقدات تشابه إلى حد كبير هذا المعتقد الذي نوه إليه الأخ عماد بلان على شكل قصصي جميل . وكونه ترك السؤال مفتوح للقارء فأنا أميل أن نشبع هذه المقولة درس لنرى هل بالفعل أن الإبتعاد عن الأقارب أفضل أم الاقتراب منهم أفضل ثم هل هناك تناف بين الحداثة والتقرب من الأقارب ، أو تناف بين الأخ في الدين والأخ بالرحم .