في رثاء غازي القصيبي
الكاتب: رغداءفي رثاء غازي القصيبي
جلال أمين
لم أعرفه معرفة شخصية، ولم أقابله قط، ولكنى قرأت كل كلمة كتبها مما كان يمكن أن أضع يدي عليه، وأعجبت بكل شيء قرأته له، نثرا أو شعرا (مع أنى لست عادة من متذوقي الشعر). ومن ثم كان يهمني أن أعرف أي خبر عنه، عام أو خاص، وأن أتتبع أخباره: هل هو الآن سفير أم وزير؟ هل نشر له كتاب جديد؟
ثم فجأة قرأت أنه مريض وأن مرضه خطير، وقد يهدد بالموت. ثم قرأت أنه نفى نفيا قاطعا أن مرضه خطير. ولكنى قرأت خبر وفاته في الصفحة الأولى من جريدة «الحياة»، منشورا بالخط العريض الذي يستحقه مثل هذا الخبر بلا شك.
كنت آمل أن يكون نفيه للمرض صحيحا، وإن كنت، مما فهمته عن شخصيته، أشعر بأنه من الممكن أن ينفى غازي القصيبي المرض وقرب الموت ويكون قصده معنى آخر غير المعنى الواضح والمباشر. وإن كنت انتظر أن يوضح لنا القصيبي ذلك المعنى الآخر، فمات قبل أن يفعل.
في مثل هذه الأحوال يكون الشعور بالحزن مختلفا والصدمة من نوع مختلف عما يحدث عندما تفقد صديقا أو قريبا تعرفه معرفة شخصية. وبصراحة، فإني لا أعرف أي الحزنين أقوى وأيهما أكثر دواما. ففي حالة غازي عبد الرحمن القصيبي، أشعر بأن الحزن يمكن أن يكون دائما، مثلما يخطر لي أحيانا في حالة فقد رجال من نوع الشاعر المصري صلاح جاهين أو الكاتب السوداني الطيب صالح.
ما الذي أعرفه عنه بالضبط؟
كنت في زيارة للندن، وذهبت إلى مكتبة جميلة في حي نايتس بريدج (Nights Bridge) تبيع الكتب العربية، ويملكها صديقي الناشر اللبناني رياض الريس. قابلني رياض وطاف معي بالكتب العربية الجديدة ثم أشار إلى رواية حديثة وقال «خذ هذه!» كانت رواية «شقة الحرية» لغازي القصيبي. كانت رواية مبنية على أحداث مر بها الكاتب شخصيا عندما كان يدرس في جامعة القاهرة.
إذن «فشقة الحرية»، هي الشقة التي كان يسكنها هو وأصدقاء له جاءوا جميعا للدراسة في مصر. فُتنت بجمال الرواية وصدقها وقرب روحها المرحة من روح المصريين، وفسرت ذلك بأن القصيبي في الأصل من البحرين، وقد لمست من البحرانيين قرب روحهم من روح المصريين، لسبب لا أستطيع معرفته.
على أي حال، كان إعجابي بالرواية بدرجة جعلتني أبحث له عن كتب أخرى، فقرأت معظم رواياته الأخرى، وكتبا له عن مشاكل العرب الاجتماعية والاقتصادية، وعن رحلة له لكاليفورنيا مع أسرته، استعاد خلالها ذكرياته عن أيام دراسته للدكتوراه في أمريكا.
فوجدته دائما ذكيا مرحا، ثاقب النظر، ودائما يتحلى بروح إنسانية جميلة. عندما كنت أقرأ له في جريدة الحياة من حين لآخر، مقالا أو قصيدة شعر، كان يدهشني تكرر تعاطفي مع شعره على نحو لم ألمسه في موقفي من معظم الشعراء العرب الآخرين، عرفت من كتبه أنه يحب المتنبي حبا جما، وأنا أيضا أحب المتنبي حبا جما، ولكن الشعراء العرب المحدثين يعجز معظمهم عن تحريك مشاعري على النحو الذي يحركها شعر القصيبي.
هل هو الصدق التام مرة أخرى؟ بالإضافة إلى الروح الإنسانية والمرح والنفور من أي نوع من التظاهر بالعمق، ومن ثم من أي نوع من التعقيد؟ ثم قرأت له مقالين مدهشين عن الأميرة ديانا بعد مصرعها بقليل. كان قد عرفها معرفة شخصية عندما كان سفيرا للمملكة السعودية في لندن، ومن ثم لم يكن من المستحيل أن يدعوها هي وبعض أصدقائها إلى وليمة في بيته، وأن تلبى الدعوة.
كانت المقالتان مدهشتين لأن مثل هذا الوصف لامرأة جميلة وشخصية مشهورة أحبها العالم كله، غير مألوف البتة من دبلوماسي عربي أو غير عربي، والتعبير عن العاطفة بهذا الصدق إزاء مصرعها المأسوي والعبثي، هو شيء نادر أيضا.
وجدت له بعد ذلك كتابا صغيرا عن ديانا فقرأته، أعجبت به، وقصيدة في رثاء «سعاد حسنى» في جريدة الحياة أيضا، فوجدتها أيضا بالغة القوة والتأثير. ثم سمعت أنه كتب قصيدة يرثى فيها فتاة فلسطينية قامت بعملية انتحارية، وكانت نتيجة هذه القصيدة احتجاجا إسرائيليا لدى الحكومة البريطانية تم على إثره نقل غازي القصيبي من وظيفته سفيرا في لندن إلى وزير في المملكة السعودية.
حدث قبل هذا شيء لا يخلو من طرافة. فمنذ سنوات خلت وظيفة مدير منظمة اليونسكو، وترشح لها ياباني ومصري وسعودي. كان السعودي هو غازي القصيبي الذي فرحت بخبر ترشيحه، وقلت لنفسي إن رجلا كهذا، أديبا وشاعرا موهوبا ومحبا بل عاشقا للثقافة العربية، وظهر منه المرة بعد المرة تعاطف صادق مع قضايا أمته وآمالها، هو أفضل من يمثل العرب في اليونسكو، بل لعله إذا نجح في الوصول إلى رئاستها يستطيع أن يخدم الثقافة العربية أكثر من أي شخص آخر.
كان المرشح المصري رجلا محترما ومثقفا، وشغل لمدة طويلة مناصب دولة رفيعة كان آخرها منصب نائب مدير البنك الدولي. ولكن وظائف البنك الدولي، مهما كانت رفيعة، كانت تثير دائما في نفسي بعض الشكوك، بسبب قلة ثقتي في وظيفة البنك الدولي نفسه، وميلي إلى الاعتقاد بأن هذا البنك قد يكون ضرره بالعالم الثالث (إذا أخذ كل شيء في الاعتبار) أكبر من نفعه. والموظف الذي يشغل منصبا كبيرا فيه (بعكس الموظفين الصغار الذين لا حيلة لهم في الأمر) لابد أن يتحمل جزءا من المسئولية عن أخطاء البنك الكبيرة، في رأيي، سواء كان يعلم بها وفكر فيها أو لم يعلم ولم يفكر.
وكنت فضلا عن ذلك مازلت أذكر محاضرة ألقاها هذا المرشح المصري في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قبل ذلك بسنوات قليلة، كانت كلها تدور حول الدفاع عن مطالب صندوق النقد الدولي من مصر، والتحذير من مغبة عدم تنفيذها، وهو ما لم يعجبني بتاتا، سواء كان هذا هو رأيه أيضا في مطالب الصندوق أو لم يكن.
لم يكن لدى شك إذن في أفضلية غازي القصيبي لمنصب مدير اليونسكو ثم حدث أن تلقيت مكالمة تليفونية من أستاذ قديم لي، متقدم في السن، ويتمتع باحترام عام بسبب طول عهده بالانشغال بمشاكل التعليم في مصر، وبسبب اعتلائه بدوره عدة مناصب كبيرة في منظمات الأمم المتحدة قبل تقاعده.
سألني الرجل عما إذا كنت أعرف أن المصري الكبير الذي يشغل وظيفة نائب مدير البنك الدولي مرشح لرئاسة اليونسكو، فقلت إنني أعرف، فقال إنه ينظم حملة للدعاية له ولجمع توقيعات مؤيدة له من المثقفين المصريين، تضاف لما سبق للمرشح نفسه جمعه من توقيعات أجانب مرموقين، من بينهم عدد من حائزي جائزة نوبل، وطلب منى أن اشترك في الدعوة له وتأييده. فقلت له إني بصراحة لا أميل إلى ذلك بسبب تفضيلي للمرشح السعودي بلا أدنى شك. استغرب الرجل هذا الموقف بشدة.
فالمرشح الذي يدعوني لتأييده، هو قبل كل شيء مصري، وافترض الرجل أن هذه صفة كافية لتأييده. ولكنه، فضلا عن ذلك لا يعرف فيما بدا لي أي فضل خاص للمرشح السعودي. عندما ذكرت له أسبابي، صاح بي وهو مندهش أشد الاندهاش «أتفضله لأنه كتب رواية؟» لم أجد دافعا، والحال كذلك، للخوض في شرح ما أتوقعه من فرق بين أثر هذا المرشح أو ذاك على الثقافة العربية واكتفيت بالرفض. ولم يفز لا المرشح المصري ولا السعودي، بل فاز الياباني، لأن الأسباب التي يمكن بها دعم ترشيح غازي القصيبي بهذا المنصب، لم تكن من النوع الذي يؤثر في تصويت الدول.
كان غازي القصيبي قد صرح قبل التصويت بعدة أسابيع، بأنه قبل أن يرشح نفسه رغم أنه واثق تماما من أنه لن يفوز. لم يقل السبب، ولكن لابد أنه كان يعرف أيضا تمام المعرفة أنه، رغم كونه كاتبا ومفكرا وشاعرا موهوبا، وهى كلها صفات من المفيد توافرها في رئيس منظمة اليونسكو، يعرف أن هذه الصفات لا تؤثر كثيرا في نتيجة التصويت.
تذكرت كل هذا عندما قرأت خبر وفاته، فمرت بذهني خواطر كثيرة، منها أن كل هذه الصفات الطيبة التي كان يتحلى بها غازي القصيبي لا يمكن بالطبع أن تمنع أو تؤخر موته ومع ذلك فهي وحدها دون غيرها، ما يعطى لاستمرار حياتنا أي معنى.
28 أغسطس 2010 05:18 م | مقالات
نسخة الطباعة
28, أغسطس, 2010 - 5:21 م
في مثل هذه الأحوال يكون الشعور بالحزن مختلفا والصدمة من نوع مختلف عما يحدث عندما تفقد صديقا أو قريبا تعرفه معرفة شخصية. وبصراحة، فإني لا أعرف أي الحزنين أقوى وأيهما أكثر دواما.
هذا ما شعرت به عندما سمعت خبر وفاته رحمه الله