في الفرق بين النقد والنق!
الكاتب: محمدفي الفرق بين النقد والنق!
كثيراً ما ينسب النق ظلماً وعدواناً إلى سيدتنا وتاج رأسنا المرأة، ويذكر الرجل المفتري طرائف يتندر بها مثل طرفة الرجل الذي ظلت زوجته تنق حتى اتفق معها على تقسيم الأيام مناصفة بين يوم للنق ويوم بلا نق، لكنها فاجأته في اليوم غير المخصص للنق بأنها ظلت تعيد عليه التذكير بأن الغد موعد النق. ومن خبرتي المتواضعة في الحياة رأيت أن الرجل في الحقيقة أشد ميلاً للنق من المرأة وأكثر ممارسة له، بل هو أجرأ منها على النق لأن كثيراً من عوامل التذمر تتحملها هي وتسكت عنها، لكنه هو لا يتحملها مبقياً على خصل طفولية أساسية في شخصيته (والأطفال كما تعلمون هم في الحقيقة نموذج النق عادة وسأذكر لكم بعد قليل رأيي في سبب ذلك). على أنني أريد في الحقيقة أن أطرح موضوع النق ليس منفصلاً بل بالتناظر مع ما أراه نقيضه ألا وهو النقد، فأنا أعتقد أن النقد بمعناه الصحيح هو النقيض الصحي للنق، ولكنهما يختلطان فيلبس النق زي النقد، وهذا ما علينا كشفه ليس للآخرين فقط بل لأنفسنا أيضاً إذ كثيراً ما نخفي عن أنفسنا حقيقة أننا في مواقف معينة إنما ننق لا أكثر ولا أقل، لكننا نقنع أنفسنا أننا ننتقد! سأبدأ باللغة، ولعل القارئ يعرف رأي العلامة ابن فارس في كتابه “المقاييس”، الذي يرى فيه أن أول حرفين من الكلمة يعطيان معنى عاماً في أمثلة مثل القاف والطاء التي هي لانفصال شيء عن شيء كما نرى في “قطع” و “قطف” و “قطم” إلى آخره.. فعلى هذا قد يصح لنا أن نرى أن بدء كل من “النق” و “النقد” بالنون والقاف يبيح لنا رؤية شيء مشترك بينهما!. ولا أظن ذلك، ولكن “النقد” بالفعل له علاقة مع “النقر”. في لسان العرب: “نَقَّ الظَّليمُ والدجاجةُ والحَجَلةُ والرَّخَمةُ والضَّفادع والعقرب تَنِقُّ نَقيقاً ونَقْنَقَ: صوَّت”. ولا تكاد تجد في هذا الباب شيئاً يزيد عن كون النق اسماً لصوت، غالباً ما يكون لحيوان أو طائر. أما باب النقد فأوسع، أذكر منه اختصاراً: “النقْدُ: خلافُ النَّسيئة. والنقْدُ والتَّنْقادُ: تمييزُ الدراهِم وإِخراجُ الزَّيْفِ منها؛ أَنشد سيبويه: تَنْفِي يَداها الحَصَى، في كلِّ هاجِرةٍ، نَفْيَ الدَّنانِيرِ تَنْقادُ الصَّيارِيفِ (…) الليث: النقْدُ تمييز الدراهِم وإِعطاؤكَها إِنساناً، وأَخْذُها الانتقادُ، والنقْدُ مصدر (…) وناقدْتُ فلاناً إذا ناقشته في الأَمر(…) ويَنْقُدُه نَقْداً إذا نَقَرَه بإِصبعه كما تُنْقَر الجوزة. (…) ونَقَدَ الطائرُ الفَخَّ يَنْقُدُه بِمِنْقاره أَي يَنْقُرُه، والمِنْقادُ مِنْقارُه.”. ولعل القارئ لاحظ أن النق لا عمل للخبرة أو المنطق فيه، إذ هو صوت على كيفية معينة، ولعله من هنا جاء الفعل العامي “نق ينق نقاً” إذ من ينق يكتفي بإظهار التذمر دون أن يسوق حججاً قوية تبرر تذمره!، زد على ذلك أنه عمل سلبي لا فاعلية إيجابية فيه، إذ هدفه التأثير العاطفي على الآخر أو استفزازه أو إزعاجه، بخلاف النقد، إذ هو مبني على قواعد ثابتة ناتجة عن علم وخبرة تروز الشيء وتظهر صحته من زيفه، أو هو عمل إيجابي فعال لا يكتفي بتوقع العمل من الآخرين (في النقد الذي هو بمعنى الدفع بلا تأخير، أو في النقد الذي هو بمعنى النقر! وقد تنقد الجوزة بمعنى نقرها لمعرفة إن كانت فارغة أم لا!). والآن جاء الوقت المناسب لذكر ما يهمني فعلاً من الموضوع بعد هذه المقدمة، ألا وهو أنني أريد تسليط الضوء على الفرق الجوهري بين سلوكين قد يختلطان على صاحبهما، وأحياناً على الآخرين أيضاً: السلوك الأول هو سلوك النق والسلوك الثاني هو سلوك النقد!. النق يعني أن تظهر التذمر وعدم الرضى ثم تقدم لتذمرك وعدم رضاك أسباباً ليست حقيقية (أي أن السبب الحقيقي يظل مختفياً) أو تتذمر من أشياء وتحكم عليها بحكم سلبي، ثم تعود في مناسبة أخرى إلى التذمر من أشياء نقيضة لها كان المفروض أنها هي البديل الذي تريده، والذي قادك غيابه في المرة الأولى إلى التذمر! كأن تتذمر لأن زوجتك لا تهتم بما تفعل، ثم تتذمر بعد وقت قصير من أن زوجتك فضولية تريد أن تعرف الصغيرة والكبيرة من أعمالك! ومن نماذج النق الأصلية الأطفال بلا شك، ذلك أن الطفل لا يستطيع التعبير دوماً عن سبب تضايقه فيقدم أسباباً هي أول ما يخطر على باله وتكون غير حقيقية، ومما تعرفه الأمهات أن الطفل كثيراً ما يكون معتكر المزاج ميالاً إلى النق، ويقدم أسباباً مختلفة كل مرة تسأله فيها عن سبب تذمره وبكائه، ثم يتضح لها أنه في الحقيقة مريض!. ومن البديهي أن الأسباب الظاهرية التي يقدمها الطفل مضللة لا يجوز أن تؤخذ بجدية على أنها حقاً الأسباب لهذه الحالة المزاجية!. وما يجري مع الطفل يجري مع الرجل الكبير، الذي كثيراً ما يزعج عائلته بالتذمر من أشياء مختلفة، ثم يكون السبب الحقيقي لشعوره بالتذمر بعيداً كلياً عن هذه الأسباب التي يقدمها. والمعارضة يمكن لها أن تنق على الحكومة! والعكس صحيح أيضاً!. وربما تطيل المعارضة الشكوى من أفعال حكومية كانت هي قد فعلتها حرفياً قبل مدة وجيزة حين كانت في السلطة!.
الخلاصة أننا كأفراد وكجماعات سياسية وثقافية وما إلى ذلك يجب علينا في اعتقادي أن نخضع أنفسنا دوماً لنقد ذاتي صارم إن أردنا أن نكون نزيهين مع أنفسنا ومع غيرنا، ونسأل أنفسنا دوماًً: هل ما نقوم به هو فعلاً نقد أم نق؟
وهذا معناه: هل نحن فعلنا بنينا إفصاحنا بعدم الرضى على أساس منهجي واضح متين، بحيث تتميز المعايير في القضية موضع البحث ويكون هناك مجال للفصل بين العناصر المكونة للموضوع، كما أن من كان “ينقد” دراهم الفضة سابقاً كان عنده طرق دقيقة يحدد فيها كمية عنصر الفضة في السبيكة وكميات المواد الأخرى؟
ومعناه: هل نحن فعلاً نستطيع لو كنا مكان المنقودين أن نسلك سلوكاً آخر؟ هل نقدنا لهم ناتج عن أننا ببساطة نكرههم، أم هو فعلاً ناتج عن رؤية دقيقة لحقيقة سلوكهم ورؤية دقيقة واقعية قابلة للتطبيق للبديل؟.
بعد أن ننقد أنفسنا ومواقفنا ونروزها نستطيع بضمير مرتاح أن ننقد الآخرين.
ومن غير ذلك نحن لا ننقد..نحن ببساطة..ننق!
10 يوليو 2009 09:16 م | وعي
نسخة الطباعة
24, يوليو, 2009 - 3:25 ص
السلام عليكم
ما أكثر النق في بلادنا يا أستاذ محمد! (أعتقد أن كلامي هذا ليس نقاً بل هو نقد
!)
لقد طرحتَ موضوعاً مهماً لعله من أهم معوقات الفاعلية برأيي, ذلك أن النق معطل كبير للفاعلية والغالب اللجوء إليه لأنه يريح من عناء حمل النفس على رؤية المشكلة والبحث الحقيقي عن حلها.
لذلك فإن من أهم خطوات النهضة هي رؤية الواقع رؤية مطابقة بعيداً عن الاحتجاجات الطفولية, مما يعطينا القدرة على تقييم الواقع وتقويمه
تحياتي
رغداء