فوزي القاوقجي، ما أشبه الليلة بالبارحة …بقلم : د.مارينا رزق
الكاتب: رغداءفوزي القاوقجي، ما أشبه الليلة بالبارحة …
بقلم : د.مارينا رزق
نظرة على كتاب “مذكرات فوزي القاوقجي ” تقديم وإعداد د.خيرية قاسمية
أهزوجة شعبية (مطلوع) عن فوزي القاوقجي سجلتها د.ناديا خوست في كتابها “وداع ولقاء في بلاد الشام “(الجزء الثالث من ملحمة “حبّ في بلاد الشام “)
سجّل يا قرن العشرين ع اللي جرى بفلسطين
جبل النار يا فوز الدين يفديك بالمال والبنين
من بغداد دار السلام جانا ماشي ع الأقدام
ويا نصارى ويا إسلام حيوا القائد فوز الدين
فوزي البطل الشجاع أوقف ماله روحه باع
لتخليص هذي البقاع من أيدي المستعمرين
أول مرة سمعت فيها عن فوزي القاوقجي كانت عند ذكر “ثورة حماة ” خلال دراسة تاريخ سوريا الحديث في فترة الانتداب الفرنسي، وقد ظننته وقتها حموّياً. ثم قرأت عن دوره في الثورة الفلسطينية، ثم في بعض مغامراتٍ في العراق ولم أعد متأكدةً أنني أمسك بيدي بأية معلومات ثابتة عنه، وبعدما قرأت مذكراته أيقنت أن فوزي الحقيقي أكبر من أن تحيط به معلوماتٌ وأوراق، فهذا الفارس الذي فاقت شجاعته ما حُكي عن فرسان الزمان الغابر، قد عاش خلال عمره أعماراً كثيرةً وخاض حروباً وحرر أراضٍ وخسر أخرى غيرها وحصد خمسة وتسعين جرحاً في جسمه. كسب محبة أو عداوة معاصريه لكنهم قد أجمعوا – في الحالتين- على احترام قدراته الفائقة على القيادة والحرب أو على الخوف من هذه القدرات على الأقل.
فوزي “الحَسَني أباً والعُمَري أماً ” المولود في طرابلس (لبنان) 1890و المتوفى في بيروت 1977 هو من ” أصل مغربي، يتصل نسبنا بقبائل بني عروس وإمامها سيدي عبد السلام بن مشيتس المدفون في جبال الريف “.
كتب القاوقجي الجزء الأول من مذكراته في فترة عصيبة كان خلالها منفياً في كركوك، العراق (كانون الثاني- تموز 1937)، أما الجزء الثاني وعنوانه “هكذا ضاعت فلسطين” فقد كتبه عام 1950.
لم يتحدث القاوقجي عن حياته الشخصية إلا في القليل النادر، فكأنه لا يجد في عمره ما يستحق التدوين إلا ما اتصل منه بالثورات والجهاد والمؤامرات والمغامرات … “لاكتساب شرف خدمة البلاد “.
وباعتباره مغامراً قبل أيّ صفةٍ أخرى فهو يقول “على المرء المغامر أن يتجرد من أنانيته، وأن يكون رحب الصدر لدرجة يتحمل معها ما يعترض سبيله من أنواع الأذى، وما قد توصم به وطنيته وشرفه من أنواع التهم والافتراءات وألا يصدّه عن سبيله ما قد يلاقيه من العثرات والصعاب وألا توهمه سعة تشكيلات عدوه السرية، ولا عظمة ترتيباته العسكرية، وأن يجعل الكتمان والعزم والصبر رائده.”
بالمناسبة، المذكرات ليست ممتعة فقط (حتى لواحدة مثلي لا تمتعها الحرب أو فنونها) بل هي مليئة بالمفاجآت حتى لأولئك الذين قرؤوا كثيراً في تاريخنا الحديث.
تبدأ المذكرات وفوزي في المدرسة الحربية العثمانية…في آخر عهود الدولة العثمانية وأسوئها عهد “سنة الحرية” وسيادة الاتحاديين على الأمة.
فوزي الضابط “الخيّال” يكتشف مع زملائه أنّ كلمة “عربي” ضرورية تجاه كلمة “تركي، طوراني”، ويُدعى من قِبَل كُثُر للمشاركة في جمعياتٍ سريّة عربية، يشدّه – قبل كلّ شيء- خوفه على المصير القاتم الذي ينتظر شعوب الإمبراطورية العثمانية عند انهيارها الوشيك.
تبدأ مغامرات فوزي بين قبائل البدو في منطقة الموصل كتمرين على مواجهة الخطر والخروج بأفضل النتائج من أسوأ المواقف، وبالنتيجة تبدأ سمعة “القائد الشجاع الذي يكسب معاركه كلّها” بالتبلور يوماً بعد يوم.
لكنّ القاوقجي ورغم تأكده من غدر الاتحاديين (الذي لمسه شخصياً في أكثر من مناسبة) لا يتخلى عن ولائه للدولة العثمانية حتى آخر أنفاسها في بلاد الشام. إنه يتحدث عن معاركَ عديدة خاضها ضدّ الانكليز في فلسطين، ورغم أنه اضطر للتراجع مع القطعات العسكرية العثمانية إلا أنه رفض الانضمام للجيش الشريفيّ/ الانكليزي وكانت آخر معركة خاضها خلال الحرب العالمية الأولى كضابط عثماني هي في قرى حوران.
“وإن من حسن حظ الانكليز أن يكون الجندي العربي بجانبهم في الحرب العامة بقدر ما كان من سوء حظ العربي نفسه، إذ أن الانكليز استثمروا وفاءه فاغتصبوا فيما بعد أوطانه. …..ولو أن زعماء الثورة العربية احتاطوا للأمر منذ البداية وحسبوا لخيانة انكلترة لهم حساباً لتمكنت الثورة العربية من إنقاذ البلاد بأسرها”
بوصول الخيالة الانكليز والاستراليين والجيش الشريفي ورفع العلم العربي في دمشق يعتبر فوزي أن ولاءه للدولة العثمانية قد تمّ فصولاً، فيتجه إلى بلده طرابلس بصفته “مدنياً” فقط… ثم يصل الأمير فيصل ابن الشريف حسين إلى طرابلس و… “…وكان في استقباله عند وصوله طرابلس سرية من الجند الانكليزي، وحلّ ضيفاً على سماحة مفتي طرابلس السيد عبد الحميد كرامي، وتوافد أعيان البلدة للسلام عليه، ولم أكن بين الوافدين. وجاءني رسول من لدن الأمير بعد ساعات يطلب مني مواجهته فذهبت إليه بصحبة صديقين وكنّا نحن الثلاثة ممن آثروا البقاء على الولاء للجيش التركي حتى نهاية الحرب………وابتدأ حديثه بقوله: إنني لا انتقد ولا أعتب على أحد ممن آثر البقاء في الجانب التركي، واجتهادكم هو الذي ساقكم لأن تدافعوا جنباً إلى جنب مع الترك بأمانة وإخلاص، وهذا من حقكم. أما الآن وقد أودعت مقدرات البلاد التي أنتم أبناؤها إلى أيدينا، فإني أدعوكم إلى خدمتها….. ولم يسعنا إلا تقبل دعوته إيانا للخدمة تحت لوائه بفرح وامتنان…..وقد عينني في الشعبة الثالثة من ديوان الشورى الحربي” وكان رئيس هذا الديوان هو ياسين باشا الهاشمي.
يجتاز القاوقجي عمر الدولة السورية القصير “تكوّنَ الجيش السوري الحديث، وانخرط فيه مختلف ضباط العرب ممن قاتلوا بالأمس في صفوفٍ عادى بعضها بعضاً “وأخذت شقة الخلاف تتسع بين الضباط” لكن “تمكن الجيش مع ذلك من البروز في الميدان في مدة وجيزة ” ..
كلّ هذا لم يكن ليجدي طبعاً، فاتفاقية سايكس-بيكو ببنودها المعروفة تضمن نزول الفرنسيين في لبنان “وإنزال العلم العربي عن سراي بيروت” وعلى الدولة الفتيّة في سوريا أن “تتفاهم مع فرنسة” … تفاهمٌ لا يمكن حصوله والحدود التي رسمتها الاتفاقية باتت قريبة التحقيق على يدّ المندوب السامي الفرنسي الجنرال غورو.
تقبل الحكومة إنذار غورو وتحلّ الجيش …. “إذ ما كاد الجيش السوري يتمّ استعداده وتحصين خطوطه حتى فوجئ بأمر التسريح”… “ومن أغرب سخريات القدر أن نتلقى بعد ساعات من الأمر الأول أمراً جديداً بوجوب التجمع والعودة إلى الدفاع بعد أن تمّ تسريح الجند وأضحينا في حالة سيئة، خير ما يتمناها لنا العدو”.
تنتهي معركة ميسلون نهايتها المعروفة ويتحول يوسُفها من وزيرٍ للحربية إلى بطل سوريا الأثير وأباً للأجيال القادمة …ونجد القاوقجي على الإثر يتلقى أمراً بالدفاع عن الملك ثم بحماية “الحي المسيحي” …….و يدخل غورو دمشق….
إن الدور الذي لعبه القاوقجي خلال فترة الانتداب الفرنسي والثورة السورية الكبرى إنما كان ممكناً بفضل مركزه الذي حصل عليه في الجيش “آمراً لسرية الخيالة في حماه”، وخلال فترة قصيرة “انتهت بمنحي رتبة كابتن ….وعينت علاوة على وظيفتي العسكرية معاوناً للمستشار الفرنسي بحماه”. يتمكن القاوقجي تحت هذا الغطاء العسكري من الاتصال بالعشائر البدوية في المنطقة وبغيرها…
“…وفي هذه الفترة يطلبني المستشار على عجل، ويطلعني على برقية وردت من كاترو، يعلمه فيها أن إبراهيم هنانو ترك الجبل وتوجه نحو الجنوب…وأنه يعلق أهمية كبرى على اعتقاله…لذلك يطلب إليه أن يرسلني مع سريتي وقوة مصفحة من حماة لتعقبه….. أفهمته أن لا حاجة لقوات مصفحة، وأنني سأصطحب معي قسماً من القبائل، فقبل وأخذت أفكر بطريقة إنقاذه شخصياً، وفتح الطريق أمامه للوصول إلى حدود الأردن…. وكتبت …كتاباً موجهاً إلى إبراهيم هنانو بتوقيعي… يتلخص بعزمي على إنقاذه، وعن ترتيبات الفرنسيين في طريقه” لمعرفة بقية القصة يرويها هنانو نفسه يرجى العودة لكتاب “جيل الشجاعة” لنجاة قصاب حسن ص 79.
ثم… “وفاتحتُ ذات ليلة بعض الخلّص من إخواني، المطلعين على أفكاري بوجوب القيام بثورة، وترتيب ما يلزم فوافقوا وتعاهدنا…….. وعزمنا أولاً على تأسيس حزب ديني لجذب العلماء صوبنا والنفوذ منهم إلى الشعب…”
لقد نجح القاوقجي غاية النجاح في خداع الفرنسيين والتستر بعمله معهم ريثما نجح في ترتيب أمور ثورته واتصل بالزعماء الآخرين وأولهم “سلطان باشا الأطرش قائد الثورة العام”، وتتوالى المعارك التي خاضها ضدّ الفرنسيين لتغطي مناطق واسعة من سوريا.
“انتقلنا إلى بساتين داريا ومنها إلى كفرسوسة، و قررنا أن نداعب دمشق بعد طول غياب، فهاجمنا في 22 تشرين الأول 1926 القطار الخارج ليلاً من دمشق إلى بيروت عند عقبة المزة، حيث لا يمكن اجتيازها بسرعة، فتحول القطار إلى مستشفى سيّار يحمل الجرحى والقتلى. وما كنّا ندري بوجود المندوب السامي فيه وأفلت منّا بأعجوبة هذه المرة أيضاً. وفي الوقت نفسه هاجمت مفرزة أخرى الثكنة الحميدية، ثم انسحبنا نحو حيّ الميدان”
وهكذا من معركة إلى أخرى دون استراحة، حتى تطوى صفحة الثورة السورية.
أتوقف هنا فالجزء المتعلق بفلسطين يستحق مقالاً آخر إن وجدت في نفسي الجرأة على تسجيل الحزن العميق لضياعها، وأكتفي بأن أختم مقالي هذا بقول القاوقجي نفسه:
“لم يعرف التاريخ أرضاً غاليةً مقدسةً ضاعت بأرخص مما ضاعت فلسطين”!!!!!!!
عن موقع سيريانيوز
03 يونيو 2010 07:00 م | تاريخ ينبض
نسخة الطباعة