عن اللغة الأم
الكاتب: رغداءعن اللغة الأم
فيودور ديستويفسكي
من “يوميات كاتب”, تموز / آب 1876م
يتميز الروس هنا في أيمس (منتجع مياه معدنية ألماني المترجم) بلكنتهم طبعاً، قبل أي شيء آخر، أي بلكنتهم الروسية الفرنسية التي يتميز بها الروس خاصة؛ وقد بدأت هذه اللكنة تدهش حتى الأجانب. وأقول «قد بدأت » ولكننا حتى الآن لم نسمع بصددها سوى عبارات الإطراء. أعرف أنهم سيقولون إن انتقاد الروس بسبب لغتهم الفرنسية قد فات أوانه منذ زمن بعيد، وإن الموضوع والدرس الوعظي كليهما قد أصبحا مهترئين باليين. ولكن ما أعجب منه ليس كون الروس يتحادثون فيما بينهم بغير الروسية (بل سيكون حتى من المستغرب لو تحادثوا بالروسية) بل أعجب من تصورهم أنهم يتكلمون بالفرنسية جيداً! من الذي غرس في أذهاننا هذه الخرافة السخيفة؟ ليس من شك في أنه اعتمد في هذا على جهلنا. فالروس الذين يتكلمون الفرنسية بشكل سيئ قطعاً، ينقسمون إلى قسمين رئيسين: قسم يتكلم الفرنسية كما يتكلم بها الباريسيون الأقحاح (مجتمعنا الراقي بأسره) وقسم آخر يتصور أنه يتكلم بالفرنسية (أي العدد الكبير من المثقفين الروس) فيما هو يتكلمها بشكل سيئ قطعاً كسابقه. والروس الذين ينتمون إلى القسم الأول يصلون إلى حد السخافة.
ذات مرة صادفت أنا نفسي، على سبيل المثال، في أثناء نزهتي المسائية التي أتمشى فيها وحيداً على ضفة نهر «لان » رجلاً وامرأة روسيين كهلين يتحادثان باهتمام ظاهر في شأن عائلي يبدو أنه هام جداً لهما ويشغل بالهما إلى حد الإقلاق. كانا يتكلمان بحرارة ولكن بالفرنسية، وكانت فرنسيتهما سيئة جداً ومعجمية، وعباراتهما ميتة ومفككة؛ وعندما كان أحدهما يجد صعوبة شديدة أحياناً في التعبير عن فكرة ما أو عن معنى دقيق كان الآخر يبادر إلى تلقينه، ولكنهما لم يفطنا مرة إلى البدء بالتفاهم باللغة الروسية. بل بالعكس، كانا يفضلان التفاهم على نحو سيئ وحتى المجازفة بأن لا يفهم أحدهما الآخر شريطة أن يكون هذا بالفرنسية. لقد أذهلني هذا فجأة وبدا لي شيئاً سخيفاً إلى حد لا يصدق، على الرغم من أنني صادفت مثل هذه الظاهرة مئة مرة في حياتي قبل الآن.
والمهم في الأمر أنه لا يوجد هنا على الأرجح تفضيل لغة على أخرى مع أنني قلت للتو إنهما «كانا يفضلان التكلم » كما لا يوجد اختيار للغة الحديث: بل هما ببساطة يتكلمان بفرنسية فاسدة بحكم العادة والمألوف، ومن غير أن يتساءلا: بأية لغة من الأنسب لهما أن يتكلما. والمقزز كذلك في هذه اللغة العاجزة الميتة ذاك النطق الفظ العاجز الميت أيضاً.
فاللغة الفرنسية الروسية التي تتحدث بها جماعة القسم الثاني، أي لغة المجتمع الراقي تتميز كذلك قبل كل شيء بطريقة النطق، أي التكلم فعلاً كما يتكلم الباريسيون؛ ولكن الأمر في الحقيقة ليس كذلك البتة، وينفضح الزيف من أول صوت، ويفضحه قبل كل شيء ذاك التصنع القسري المشدد في النطق، والفظاظة في التزييف، والمبالغة في اللثغ والخنخنة، والتبذل في لفظ حرف «الراء »، وأخيراً، من الناحية الأخلاقية، تلك الخيلاء الوقحة التي يظهرونها وهم يلفظون الحروف «المرققة» وذاك التباهي الصبياني الذي لا يخفونه حتى فيما بينهم عندما يتأنق أحدهم أمام الآخر بتقليد كلام صبي أجير عند حلاق بطرسبورغي.
إن الاختيال بكل هذه التبعية الذليلة شيء مقزز. قولوا ما تشاؤون، فمع أن كل هذا قديم، ولكنه لم يزل يدعو للعجب. وذلك لأن ثمة أناساً أحياء، في عز صحتهم وقوتهم يقدمون على التكلم بلغة مهلهلة سقيمة. ومن البدهي أنهم هم أنفسهم لا يدركون كل رداءة وبؤس هذه اللغة (لا أقصد اللغة الفرنسية، بل تلك التي يتكلمون بها). وبحكم تخلف أفكارهم، وقصر مداها، وضيق أفقها تراهم راضين جداً بتلك الأداة التي آثروها للتعبير عن أفكارهم القصيرة المدى.
إنهم ليسوا قادرين على أن يدركوا أنهم، مهما حاولوا، يستحيل عليهم التحول التام إلى فرنسيين إذا كانوا قد ولدوا ونشؤوا في روسيا، على الرغم من أن الكلمات الأولى التي ثغثغوا بها كانت بالفرنسية، وقد تعلموها من حاضناتهم، ثم تمرسوا بالحديث بها مع مربيهم وفي المجتمع. إنهم ليسوا قادرين على أن يدركوا أن ما يجعل هذه اللغة التي يتكلمون بها ميتة حتماً وليست حية، ومتكلفة وليست طبيعية، وتخيلية ومجنونة، هو أنهم يصرون بعناد على اعتبارها لغة فرنسية حقيقية، وهي، باختصار، ليست فرنسية على الإطلاق، لأن الروس، وسائر من سواهم، لن يستطيعوا أبداً أن يحوزوا ويتمثلوا كل الخصائص الجنسية الفطرية الأساسية التي تتسم بها اللغة الفرنسية الحية إذا هم لم يولدوا فرنسيين أصلاً. وهم لا يحوزون سوى اللهجة الغريبة الجاهزة سابقاً والكثير من وقاحة العبارة «الحلاّقية» ومن ثم، على الأرجح، وقاحة الفكرة.
إن هذه اللغة أشبه ما تكون بالمسروقة، ولذا ليس بوسع أحد من هؤلاء الباريسيين الروس أن يستحدث في هذه اللغة المسروقة على مدى حياته كلها تعبيراً واحداً من عنده أو كلمة جديدة مبتكرة واحدة يمكن أن يتلقفها الآخرون وتدرج بين الناس. وهو أمر يقدر على فعله أي صبي أجير عند حلاق.
يروي تورغينف في إحدى رواياته طرفة حدثت في باريس يصف فيها كيف دخل روسي من هؤلاء إلى café de Paris وصاح: Garcon, beftek aux pommes de terre (أيها النادل، بفتيك مع البطاطا) ( بالفرنسية الناشر). ثم دخل المطعم روسي آخر كان قد تعلم كيف يطلبون البفتيك بأسلوب جديد، وصاح: Garcon beftek – Pommes فأصيب الروسي الذي صاح على الطريقة القديمة aux pommes de terre بالإحباط لأنه لم يكن يعرف هذا التعبير الجديد ،beftek – pommes وفاته استخدامه، وانتابه الخوف من احتمال أن ينظر إليه الندل باحتقار.
وأظن أن الكاتب قد استمد طرفته هذه من واقعة حقيقية. ومن البديهي أن الباريسيين الروس إذ يزحفون بخنوع أمام الصيغ اللغوية وأمام رأي الندل يركعون أيضاً كالعبيد أمام الفكر الفرنسي. وهكذا فإنهم يحكمون بأنفسهم على عقولهم البائسة بمصير محزن يقضي بألاّ تستنبط طوال حياتهم أية فكرة ذاتية. أجل، إن التفكير في ضرر اكتساب لغة غريبة بدلاً من اللغة الأم منذ الطفولة المبكرة قد غدا، بدون شك، أمراً مضحكاً وعتيقاً وساذجاً إلى حد التبذل، ولكن يبدو لي أنه لم يهترئ بعد إلى الحد الذي يجعل من المتعذر على أحد أن يقول فيه كلمته. بل إنني أعتقد أنه ليس ثمة موضوع يتعذرعلى المرء أن يقول فيه جديداً. أنا، طبعاً، لا أدعي قول شيء جديد (أنَّى لي هذا!) ولكني أجازف، على الأقل، من أجل تنقية ضميري وأقول كلمتي. وكنت أرغب أشد الرغبة في أن أعرض حججي بأسلوب مبسط على أمل أن تقرأني إحدى الأمهات من المجتمع الراقي.
…كان بودي أن أسأل هذه الأم: هل تعرفين ما هي اللغة، ولِمَ أعطينا الكلمة حسب تصورك؟ لا جدال في أن اللغة هي شكل الفكرة، وجسدها وغلافها (من غير أن نشرح ما هي الفكرة)، أو لنقل إنها الكلمة الأخيرة والختامية في التطور العضوي. ومن هنا يتضح أنه كلما كانت المادة التي أفكر بواسطتها أغنى وكانت أشكال التفكير التي أكتسبها للتعبير عن أفكاري أكثرَ ثراء كنت أكثر سعادة في حياتي وأوضح بياناً سواء لنفسي أو للآخرين، وأكثرَ إفهاماً لنفسي وللآخرين، وأعظم سلطاناً، وأبين انتصاراً وكنت أسرعَ في أن أقول ما أريد قوله لنفسي وللآخرين، وكان قولي أعمق، وفهمي لما أردت قوله أعمق، وكنت بهذا أقوى وأهدأ نفساً، وكنت، بالطبع، أكثر ذكاء. ومرة ثانية أتساءل: هل تعرف الأم أن الإنسان، مع أنه يستطيع أن يفكر بسرعة الكهرباء، إلاَّ أنه لا يفكر البتة بمثل هذه السرعة، بل بأبطأ منها بما لا يقاس، مع أنه يفكر بسرعة تفوق بما لا يقاس السرعة التي يتكلم بها، على سبيل المثال. فما سبب هذا؟ السبب هو أنه لا يستطيع أن يفكر إلا بواسطة لغة ما. وبالفعل ربما نحن لا نلاحظ أننا نفكر بلغة ما، ولكن الأمر هكذا؛ وإذا كنا لا نفكر بالكلام، أي أننا لا ننطق كلمات، ولو ذهنياً، ونحن نفكر، فإننا مع ذلك نفكر «بالقوة الأساسية العفوية لتلك اللغة » التي اخترنا التفكير بها، إذا جاز التعبير، ومن الجلي أنه كلما كان استيعابنا لتلك اللغة التي آثرنا التفكير بواسطتها أكثر مرونة وغنىً وتنوعاً كان التعبير بها عن فكرتنا أكثر غنى وتنوعاً. وفي الحقيقة: لِمَ نحن نتعلم اللغات الأوربية؟ الفرنسية، على سبيل المثال؟
أولاً، ببساطة من أجل أن نقرأ بالفرنسية، وثانياً: من أجل أن نتكلم مع الفرنسيين عندما نتقابل؛ ولكن قطعاً ليس من أجل أن نتحدث بها فيما بيننا أو مع أنفسنا.
إن لغة مستعارة غريبة لا يمكن أن تصل إلى آفاق الحياة العليا وأعماق الفكر، وذلك بالذات لأنها تبقى غريبة عنا؛ ونحن هنا في هذه الحالة بحاجة إلى اللغة الأم التي ولدنا معها، إذا صح التعبير.
ولكن هنا بالذات تعترضنا مشكلة. فالروس، أو على الأقل روس الطبقات العليا، لم يعودوا، في أغلبيتهم، منذ زمن بعيد يولدون مع لغة حية؛ بل هم يكتسبون فيما بعد لغة اصطناعية، أما اللغة الروسية فإنهم لا يتعرفونها تقريباً إلاَّ في المدرسة، من خلال دروس القواعد. أوه، طبعاً إذا كانت لدى المرء رغبة شديدة وكان ذا جدّ واجتهاد يغدو بوسعه في نهاية المطاف أن يعيد تربية نفسه وأن يتعلم إلى درجة ما اللغة الروسية الحية بعد أن يكون قد وُلد بلغة ميتة. وأنا أعرف كاتباً روسياً (المقصود د. ف. غريغورفتش الناشر). كوّن لنفسه اسماً، لم يتعلم اللغة الروسية فحسب بعد أن كان يجهلها تماماً، بل تعلم أيضاً واقع الفلاح الروسي؛ وكتب فيما بعد روايات مستلهمة من الحياة الفلاحية. وقد تكررت هذه الظاهرة عندنا أكثر من مرة، وكانت أحياناً تتخذ أبعاداً جدية جداً: فبوشكين العظيم كان مضطراً، كما يعترف شخصياً، إلى أن يعيد تربية نفسه ويتعلم لغة الشعب، والروح الشعبية من مربيته «أريناروديونوفنا» إن تعبير «تعلم اللغة » ينطبق علينا، نحن الروس، بصورة خاصة، لأننا، نحن الطبقة الراقية، منقطعون عن الشعب إلى حد كبير، أي عن اللغة الحية (اللغة والشعب في لساننا كلمتان مترادفتان، وما أعمق وأغنى الفكرة التي تنطوي عليها هذه الحقيقة!)
ولكنهم سيقولون: إذا كانت معرفة اللغة الحية لا تتيسر إلاَّ بالتعلم، فإن الروسية والفرنسية في هذا سيان؛ بيد أن الأمر ليس كذلك. فاللغة الروسية أسهل على الروسي أياً كان الأمر، وبصرف النظر عن الحاضنات وعن الوسط، وعلينا أن نستغل هذه السهولة من كل بد مادام لدينا وقت لذلك. ولكي نملك ناصية هذه اللغة الروسية على نحو أكثر طبيعية ومن غير إجهاد مفرط وليس عن طريق العلم فقط (ولا أقصد بالعلم هنا، طبعاً، دروس القواعد المدرسية وحدها) يتوجب علينا حتماً أن نتشرّبها في الطفولة من أفواه الحاضنات الروسيات، من أمثال «أرينا روديونوفنا » بدون أن نخاف من أن تلقن الحاضنة الطفل معتقدات خرافية كقصة «الحيتان الثلاثة » على سبيل المثال.
(يا إلهي! كيف يمكن أن تظل قصة هذه الحيتان ملازمة له طوال الحياة!) كما يجب ألاّ نخاف من الناس الشعبيين البسطاء، بل حتى من الخدم الذين يحذر بعض المربين الآباء منهم. وعلينا بعد ذلك أن نحفظ في المدرسة عن ظهر قلب نصوصاً مكتوبة بلغتنا منذ العصور القديمة من الحوليات التأريخية والملاحم الشعبية القديمة، بل حتى تلك المكتوبة باللغة السلافية الكنسية, ولابد من استظهار هذه النصوص على الرغم مما يقال عن تخلف طريقة “البصم” في الدراسة. وعندما نستوعب على هذا النحو لغتنا الأم، أي اللغة التي نفكر بها، ونمتلك ناصيتها قدر المستطاع، أي إجادتها بالقدر الذي يجعلها تبدو حية أو شبيهة بالحية، ونعود أنفسنا التفكير بها بالذات، عندئذ يصبح بوسعنا أن نستفيد من قدرتنا الروسية الأصيلة لاستيعاب علم اللغة الأوربي ومعرفة عدة لغات. وبالفعل، نحن لن نكون قادرين على استيعاب لغة أجنبية بالقدر الممكن من الكمال إلاَّ بعد أن نكون قد استوعبنا بالقدر الممكن من الكمال المادة الأولية، أي اللغة الأم، وليس قبل ذلك. وعندئذ نستمد من اللغة الأجنبية، من غير أن نلاحظ ذلك، عدداً من الصيغ الغريبة عن لغتنا، ونلاءم بينها وبين تفكيرنا على نحو غير ملحوظ وغير إرادي كذلك، ونوسع بهذا من أفق التفكير لدينا.
وثمة حقيقة ذات أهمية متميزة: وهي أننا، بلغتنا الفتية التي لم تستكمل بنيتها بعد، نستطيع أن نعبر عن أعمق ما تتضمنه اللغات الأوروبية من أشكال الروح والفكر: فالشعراء والمفكرون الأوروبيون كافة بالإمكان ترجمة أعمالهم إلى اللغة الروسية وتقديمها بها، وقد تُرجم بعض منها ترجمة بلغت حد الكمال. في حين أن ثمة الكثير جداً مما تحتويه اللغة الشعبية الروسية والكثير جداً من أعمالنا الأدبية الإبداعية لا يزال حتى الآن عصياً تماماً على الترجمة والتقديم باللغات الأوربية، ولاسيما الفرنسية. ولا يمكنني أن أتذكر من غير أن أضحك ترجمة (أصحبت الآن نادرة جداً) لبعض أعمال غوغول إلى اللغة الفرنسية، قام بها في أواسط الأربعينيات في بطرسبورغ السيد «فياردو» زوج المغنية المعروفة، بالاشتراك مع أديب روسي كان آنذاك مجرد كاتب شاب مبتدئ، وقد أصبح الآن مشهوراً عن جدارة (المقصود: إيفان تورغينف الناشر)؛ إذ إن ما قدماه كان ببساطة مجرد هراء، بدلاً من غوغول. كما أن بوشكين أيضاً تتعذر ترجمته من نواح كثيرة. وأعتقد أنه لو ترجم أحدهم عملاً مثل سيرة الكاهن السامي «أفاكوم» لجاءت الترجمة هراء أيضاً، أو من الأفضل القول: لما كان قد جاء شيء على الإطلاق. ما السبب في هذا؟ من المخيف القول: إن الروح الأوروبية ربما ليست بالغة التنوع، وهي أكثر انغلاقاً على خصوصيتها من الروح الروسية، على الرغم من أنها عبرت عن نفسها على نحو أكثر كمالاً ووضوحاً من تعبير روحنا عن نفسها. ولكن إذا كان من المخيف قول هذا فلابد من الاعتراف، على الأقل، والأمل والسرور يغمران روحنا، بأن روح لغتنا هي بدون شك بالغة التنوع وغنية ومتعددة الجوانب وتحيط بكل شيء، وذلك لأنها استطاعت بأشكالها التي لم تستكمل بنيتها بعد أن تنقل نفائس وكنوز الفكر الأوربي، ونحن نشعر أن هذا النقل دقيق وصادق. وها نحن أنفسنا نحرم أطفالنا من مثل هذه «المادة»؛ ومن أجل ماذا؟ من أجل أن نجعلهم بائسين، لا ريب. إننا نحتقر هذه المادة ونعُدُّها لغة وضيعة جلفة، لا يليق أن نعبر بها عن عواطف المجتمع الراقي أو أفكاره.
وأذكر بالمناسبة أنه جرى عندنا منذ خمس سنوات بالضبط ما سُمي بالإصلاح الكلاسيكي للتعليم. ومن الأمور المعترف بها أن الرياضيات واللغتين القديمتين اللاتينية واليونانية هما الوسيلة العقلية، بل حتى الروحية، الأكثر قدرة على التطوير. ولسنا نحن من ابتدع ذلك أو قرره: فهو حقيقة لا مراء فيها، وقد أثبتتها التجربة في أوربا كلها على مدى قرون، وتبنيناها نحن، ولكن الذي حدث أن التشديد البالغ على تدريس هاتين اللغتين العظيمتين والرياضيات اقترن عندنا بالكبح التام تقريباً لتدريس اللغة الروسية. ونتساءل هنا: كيف، وبأية وسيلة، وبواسطة أية مادة سيستوعب أطفالنا أشكال هاتين اللغتين القديمتين إذا كانت اللغة الروسية في حالة انحطاط. أيمكن أن تكون آلية تدريس هاتين اللغتين وحدها (علماً
بأن المعلمين تشيكيون) هي التي تشكل كل القوة التطويرية التي تمتلكانها! ثم إن هذه الآلية لا يمكن إتقان استخدامها إذا لم يجر على التوازي مع ذلك تعليم اللغة الحية على نحو يتسم بأكبر قدر من التكثيف والتعمق. وعلى هذا فإن كل القوة المعنوية التطويرية لهاتين اللغتين القديمتين، لهذين الشكلين اللذين يتجلى فيهما الفكر البشري بأكثر صِيَغِه اقتراباً من الكمال، واللذين رفعا، على مدى القرون، الغرب الذي كان بأسره همجياً إلى أعلى درجات التطور والحضارة، إن كل هذه القوة، يستفيد منها، طبعاً، نظام التعليم المدرسي الجديد عندنا، والسبب في ذلك هو، بالذات، انحطاط اللغة الروسية في مدارسنا، أو ربما كان الإصلاحيون عندنا قد ارتؤوا أنه لا لزوم لتعليم اللغة الروسية بالمرة، اللهم إلاَّ معرفة المواقع التي ينبغي كتابة حرف التقسية فيها (المقصود: علامة في الأبجدية الروسية تجعل الحرف الذي يسبقها في الكلمة يلفظ قاسياً المترجم) لأنهم يولدون معه؟! ولكن حقيقة الأمر هي أننا، في طبقات المجتمع العليا، لم نعد نولد مع اللغة الروسية الحية، وقد حدث هذا منذ وقت طويل. ولم تعد اللغة الحية تظهر لدينا إلاَّ عند اندماجنا في الشعب اندماجاً تاماً. ولكن يبدو أنني استطردت في الحديث، إذ كنت قد بدأته بالتكلم مع الأم، ثم انتقلت إلى الحديث عن الإصلاح الكلاسيكي والاندماج في الشعب.
من المضجر لأم، طبعاً، أن تصغي إلى كل هذا؛ إنها تلوح بيدها بغضب وتشيح بوجهها هازئة، إذ لا فرق عندها أياً كانت اللغة التي يفكر بها ابنها، وحبذا أن تكون هذه اللغة هي الباريسية: «فهي أجمل وأذكى وأرفع ذوقاً». ولكنها لا تدري أن هذا يتطلب أن يتحول ابنها تحولاً تاماً إلى شخص فرنسي، وهذه السعادة لا يمكن بلوغها بأي حال من الأحوال مع الحاضنات والمربين، بل كل ما يمكن تحقيقه هو بلوغ المحطة الأول على هذه الطريق، أي الكف عن أن يكون الطفل روسياً. أوه، إن الأم لا تدري أي سم تدسه لابنها عندما تدعو حاضنة لتربيته وهو في السنة الثانية من عمره. إن كل أم وكل أب يعرفان، على سبيل المثال، تلك العادة الطفلية الجسدية البشعة التي يبدأ بعض الأطفال التعساء بممارستها وهم مازالوا في العاشرة تقريباً، وهي يمكن أن تحولهم أحياناً في حالة الغفلان عنهم إلى بُلهٍ وأشياخٍ ذاوين واهنين وهم بعد في سن الفتوة. وإني لأجرؤ على القول بدون تردد إن الحاضنة المربية، أي اللغة الفرنسية في سن الطفولة المبكرة ومنذ الثغثغة الأولى هي على الصعيد المعنوي، مثيلة لتلك العادة البشعة على الصعيد الجسدي. ويهون الأمر إذا كان الطفل غبياً بطبيعته، أو محدود الفهم بالفطرة، إذ إنه في هذه الحالة يعيش حياته مع اللغة الفرنسية وهو لاهٍ، ضحل التفكير، محدود التطور، ويموت من غير أن يلاحظ البتة أنه عاش حياته كلها غبياً. ولكن ماذا إذا كان هذا الإنسان ذا قدرات ويمتلك في رأسه فكراً وفي قلبه نفحات شهامة، هل يمكن أن يكون سعيداً؟ بما أنه لا يحوز المادة التي ينظم بها كل عمق أفكاره ومتطلبات روحه، بل يظل طوال حياته يستخدم لغة ميتة، سقيمة، مسروقة، ذات صيغ متهيبة، مستظهرة، غليظة، لا تفتح أمامه آفاقاً رحبة، فإنه سيظل أبداً يعاني جهداً مستمراً وتوتراً مفرطاً، ذهنياً وأخلاقياًً عند التعبير عن نفسه، وعما يعتمل في وجدانه (يا إلهي! أمن الصعب حقاً أن نفهم أن هذه اللغة غير حية وغير طبيعية!).
إن الشخص نفسه سيلاحظ وهو يتعذب أن تفكيره قاصر، سطحي، صفيق، وأن صفاقته تتأتى بالذات من قصوره وسطحيته، ومن جراء الصيغ الضحلة التافهة التي ظل فكره طوال الحياة يتجسد بها؛ وسيلاحظ هذا الشخص أخيراً أن قلبه نفسه فاسد، والفساد يأتي من الشعور بالوحشة أيضاً. أوه، طبعاً إن مركزه لن يتأثر بهذا: فكل هؤلاء الذين يولدون مع الحاضنات تَنْذرهم أمهاتهم ليكونوا حتماً آباء الوطن في المستقبل، وليكون لهم حق الإدعاء بأن الوطن لا غنى له عنهم. إن الواحد من هؤلاء سيتألق ويأمر و«يستحثّ»؛ وسيفرض الأنظمة ويكون قادراً على التصرف في الأمور؛ وبكلمة واحدة: غالباً جداً ما سيكون راضياً عن نفسه وخصوصاً عندما سيدلي بأحاديث طويلة مستخدماً أفكاراً مستعارة وجملاً مستعارة، فيها من النبالة أكثر مما فيها من الصدق. ولكن إذا كان لديه قدر ولو قليل من الإنسانية فإنه سيكون بالإجمال تعيساً. سيظل على الدوام يشعر بالحسرة بسبب مكابدته نوعاً من الخور، كأولئك الفتيان الشيوخ الذين يعانون من الشعور بنضوب قواهم قبل الأوان من جراء تلك العادة الشنيعة.
ولكن، وا أسفاه! أية أم ستصدقني إذا قلت إن كل هذه المصائب يمكن أن تتأتى من اللغة الفرنسية ومن الحاضنة الأجنبية! لدي إحساس مسبق بأن أكثر من أم سيقلن إنني أبالغ؛ في حين أنني، إذا توخينا الدقة في التعبير، قد قلت الحقيقة بلا مبالغة. سيعترضن قائلات: إن العكس هو الصحيح، فالأحسن أن يعيش المرء بلغة غير لغته، إذ إن العيش هكذا يصبح أسهل وأخف وطأة وأمتع، فقضايا الحياة ومتطلباتها هذه بالذات ينبغي تجنبها، واللغة الفرنسية تساعد على تحقيق كل هذا، لا بصفتها اللغة الفرنسية، بل بصفتها لغة أجنبية يجري استيعابها وإحلالها محل اللغة الأم: «كيف؟ هذا الشاب المتألق، هذا الصالوني الفاتن، هذا اللوذعي، سيكون تعيساً؟ بكل هذه الأناقة، وهذه التسريحة، وهذه العافية، وهذا اللون الأرستقراطي الذي يكسو محياه، وهذه الوردة البديعة في عروته؟!» تتهانف الأم بتعالٍ. في حين أن المثقف الروسي بدون هذا كله (أي بدون التربية الفرنسية) وحتى في أيامنا هذه، وفي الأكثرية الساحقة من نُسَخه ليس سوى صعلوك فكري. إنه كائن ما بدون أرض تحت قدميه، وبدون تربة أو مبدأ، هجين دولي، تتلاعب به جميع الرياح الأوربية.
وهكذا فإن هذا الشخص الذي خرج من تحت أيدي الحاضنات والمربين الأجانب لن يكون في الجوهر، حتى في أحسن الحالات، وحتى إذا كانت لديه أفكار ما ومشاعر ما، أكثر من شاب بقفازين رائعين، ازدرد ربما بضعة مؤلفات أدبية دارجة، لكن عقله لا ينفك يهيم في غياهب جهل أبدي، وقلبه لا يهفو إلاَّ إلى المال. وأكرر ثانية: إنه سيكون طبعاً من آباء الوطن؛ وهل يُعقل ألاّ يصل إلى أعلى المراتب الوظيفية؟ (ومَنْ غيرُه إذاً يمكن أن يصل؟!)
إن آباء الوطن يبدؤون خدمتهم عندنا من مرتبة مستشار السر(المقصود: المرتبة الثالثة في سلم المراتب الوظيفية المؤلف من 14 مرتبة في روسيا القيصرية المترجم)، وهذا كاف الآن بالنسبة إلى الأم؛ ولكنه كاف بالنسبة إليها فقط!
18 مارس 2010 04:42 م | أدب و تأصيل و وعي
نسخة الطباعة