عن الفردانية كظاهرة إنسانية .. ودور الرؤية الأحادية في تمرير سلبيات الواقع
الكاتب: رغداءعن الفردانية كظاهرة إنسانية .. ودور الرؤية الأحادية في تمرير سلبيات الواقع
عماد العبار
ظاهرة الفردانية ونسبية الفرضية القائلة بارتباطها بالحضارة الغربية
يتردد الحديث عن الفردية أو الفردانية وآثارها كإشارةٍ إلى وجود ظاهرةٍ أو مرضٍ عصري بات يشكل حالةً ملازمةً لطغيان الحضارة المادية ، وإذ تذكر هنا الحضارة المادية كمصطلح عام يشمل أي حضارة ترتكز على فكرٍ مادي بحت يحيّد أو يلغي الجوهر الروحي الملازم للمكون المادي لهذه الحياة ، فإنه عادة يقصد بالحضارة المادية تلك الحضارة الغربية تحديداً بعولمتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة …
ويختصر هذا المصطلح بين طياته العديد من المعاني والأبعاد التي ترمز لطغيان الأنا على ضمير الإنسان الفرد وجعلها مركزاً تلتقي عنده كل التصورات ، وكذلك فإن الكلمة نفسها تستطيع بإيحاءاتها الضمنية ومن خلال الصور الذهنية المكثفة التي تختزلها أن تعطي فكرة موجزة عن المراحل التي مرّت بها النفس البشرية المعنية في نزوعها نحو الأنانية والفردية بعد أن حوّرت فطرتها التي حباها الله بها والتي تقوم على نزعة أخلاقية قيميّة ترتقي فوق حدود الأنا ، وكذلك وجود الرغبة بالانضواء تحت راية الجماعة والعمل لصالح تلك الجماعة بما يحكم ذلك العمل من محددات وقوانين وأعراف اجتماعية تؤسس لتلك العلاقة المجتمعية بما يخدم المصلحة الكلية الواسعة والمفتوحة ولو كانت على حساب الأنا الضيقة والمغلقة …
وإذا كان لحضارة الغرب المادية هيمنةٌ وتأثيرٌ وارتباطٌ مباشرٌ بالتحولات الأخلاقية على مستوى الإنسانية ككل ، إلا أن ذلك يجب أن لا يغّيب عنّا مسألةً محورية ، وهي أن تلك الأعراض لم تكن في يوم من الأيام خاصة بتلك الحضارة وحدها ، فهي كما كثير من قيم الخير والشر والأخلاقيات الإنسانية العامة تعتبر قديمة قدم هذه البشرية ، وما نسبها المطلق لنموذج حضاري محدد إلا محاولة لإظهار جانب معين من الحقيقة أو لرغبة لدينا في التركيز على حضارة ما من زاوية محددة ، وإن كانت حضارة بعينها أو منهج بذاته يخلق بيئةً خصبةً لدفن قيم إيجابية وتنشئة أخرى سلبية مكانها ، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم في الوقت نفسه بأن الجذور العقائدية السليمة تضمن حتمية التنشئة السليمة لقيمها الإيجابية ، لسبب بسيط وهو أن نزعة الأنا في النفس البشرية عملت وما تزال على تطويع القيم وتحويلها بل ومسخها أحياناً في عملية تحول أو تحوير تاريخية قديمة ، تم ويتم عبرها تشويه الجوهر الأخلاقي والمبدأ لحسابات ومنافع شخصية بحتة وما نراه على أرض الواقع خير دليل على هذا . ..
رؤية الظاهرة ضمن إطار الضعف البشري
ما أؤمن به حقيقةً أن الحقيقة كي تسمى حقيقة فإنها يجب أن تُقدّم متكاملة ، وإن كان يستحيل على أي جهد بشري تقديمها متكاملة فضلاً عن امتلاكها ، فإن السعي الدائم نحو مقاربتها من أكثر من جهة يكسب مجرد السعي نحوها مصداقيةً وعقلانية، كما يجعل النتائج أقرب ما يمكن لها من وجهها الحقيقي ، وأي مقاربة أحادية الاتجاه ستبقى مقاربةً ناقصة معلولة ما لم نسعى لاستكمالها بوجهات النظر المختلفة …
أما اقتصار التركيز على جانبٍ واحدٍ منها فإن ذلك يعبر عن انحياز يصبح من الصعب معه ملامسة الحقائق ، حيث يحرف التركيز على جانب محدد النظرَ والعقل عن جوانب أخرى مكملة ، ولو أن النتيجة اقتصرت على تبيان جانب وترك آخر ليتم اكتشافه أو توضيحه في وقت آخر لكان بالإمكان اعتبار هذه المقاربة مقاربة حيادية لا تتداخل مع النتائج الكلية بل ستعطي بعداً داعماً لأية مقاربة موضوعية ، ولكن ما يحدث عموماً أن عملية التركيز هذه تحاول قسر الصورة الكلية أو تكثيفها القسري ضمن هذه الزاوية المحددة ، ومن وجهة نظر مختزلة ، مما يوحي للقارئ والمتابع أن أي مقاربة مختلفة تشكل تعارضاً منطقياً مع الصورة التي تم تقديمها والترويج لها على أن بإمكانها اختزال الأمر كله …
وهذا ما أراه ينطبق على مصطلح أو ظاهرة الفردانية المتفشية في مجتمعاتنا وفي المجتمعات الإنسانية الأخرى ….
إن الترويج لنظرية ارتباط هذه الظاهرة بالمد الغربي فقط ، ما هو إلا تركيز مكثف للقيمة السلبية على الجانب الغربي من الصورة الإنسانية ، ولكن هل تعد تلك الجزئية خاطئة بحد ذاتها فيما لو أردنا مناقشتها بشكل مستقل عن الصورة ككل ، بمعنى آخر هل يخطئ من يقول إن الحضارة الغربية ساهمت في تعميق قيم الفردانية والمادية والقيم السلبية الأخرى ، أقول بالتأكيد لا !
إن الحضارة المادية الحديثة فعّلت وضخّمت ظاهرة الفردية بما طرحته من مغريات ويسرته من سبل ، ولكن لا ننسى أن الضعف البشري وقابلية الانجراف كانا موجودين قبل نشوء هذه الحداثة الفردية !
والأمر لم ينشأ فقط هنا ، وما المظاهر السائدة الآن إلا حلقة في سلسلة التبدلات الأخلاقية على مر التاريخ والتي ارتبطت دائماً بتغيرات واضحة ( صعوداً وهبوطاً ) لمعدلات التفاني الاجتماعي وحضور الحس الإنساني العام ، سواء كنا نتحدث عن حضارة الغرب أو عن سائر الحضارات …
فالمقولة إذن صحيحة ما لم يتم تناولها بشكل مختزل ، وما لم تقدم على أنها المسبب الحصري أو الحاضن الوحيد لهذه الظاهرة الخطيرة ، لأن ذلك سيفقدها الكثير من مصداقيتها في سياق البحث عن العلاج ، حيث أن التركيز سيصب على ما تعده المقولة سبباً بينما هو في الواقع حاضن جديد لتلك الحالة ومضخم لها وليس مسبباً حقيقياً أو حصرياً لها ، فالذي يحدث أن فرضيةً كتلك ستلصق في ذهن متلقيها نسبة بعض القيم السلبية للحضارة الأخرى ذات المنبت العقائدي المختلف وسيصاحب ذلك في الوقت نفسه تزكية النفس بما يجعلها معصومة عن الجنوح نحو تلك القيم كونها اعتمدت الانطلاقة العقائدية السليمة على عكس الانطلاقات المشوهة الأخرى للمنهجيات المختلفة ، وفي أفضل الأحوال وإن لم يتم التوجه نحو التزكية فإن تركيز نظرك نحو اتجاه خاطئ سيجعلك في غفلةٍ عن الوجهة الحقيقية وسينتج عنها بعدٌ وتأخرٌ عن مقاربة سديدة وعلاجٍ ناجح ، كمن يريد أن يوقف تفاعلاً كيميائياً من خلال تغيير الظروف المحيطة المؤثرة كتغيير درجة الحرارة المسرّعة للتفاعل مثلاً ، ولكن تغيير هذه الحرارة سيغير في سرعة التفاعل أما التفاعل نفسه فما أن يبدأ فلن يتوقف لأن علة انطلاقته هي في المكونات الموجودة والتي تم تلاقي ذراتها بعضها مع بعض ضمن شروطٍ موضوعية …
وللأمانة فإن مكونات الفردية والأنانية موجودة داخلنا .. ونحن من يهيأ لها شروطها الموضوعية ويبث الحياة فيها !
عن القابلية للجنوح نحو الفردانية !
إن فرضية المسبب والحاضن وكذلك مسألة الخلط بين الأعراض والمسببات هنا تشبه إلى حد بعيد الجدل الذي يحدث عادة عند الحديث عن الاستعمار وقابلية الاستعمار وكذلك عند الكلام عن الاستبداد وقابلية الإصابة به ، وإن كانت مسألة الاستعمار تتعلق بحالة هيمنة عسكرية مادية إلا أن الأمر هنا يختلف من حيث أن المد في الحالة هذه سيكون من خلال هيمنة حالة معنوية وأخلاقية سلبية ، وستتضارب وجهات النظر هنا كما تضاربت هناك حول هل كان تداعي الأمم علينا واستعمارنا بكل فنون الاستعمار بسبب الحضارة الغربية بامبرياليتها ، أم أن السبب الحقيقي هو نكستنا الحضارية التي توالت عبر قرون إلى أن وصلت الأمة لمرحلة القابلية للإصابة بأمراض مختلفة بعد أن انهار الجهاز المناعي القيمي ؟!
طبعاً هذا لا يعني أن أمتنا تحمل دوناً عن أمم الأرض كلها كل هذه العيوب ، ولكن المسألة في حقيقة الأمر تنشأ من الفرد نفسه والذي تتنازعه قيم الخير والشر ، قيمٌ بعضها إيجابي تنهض بالحضارات وبعضها سلبي هدّام ، إحداها تولد الفعل الاجتماعي والبناء الحضاري والأخرى تعبّد الطريق نحو الهاوية ، وكان الإنسان دوماً صاحب الخيار في اختيار أي الطرق يسلك ، وفي حالات الانجراف مع تيار الرغبات والأهواء يضيع الهدف وتتداخل الوسائل ، ولا يبقى ذلك مقتصراً على الفرد نفسه بل تتوسع الدائرة رويداً رويداً لتصبح تلك الأعراض مميزة لأمة, عندها سيكون الاستعمار الخارجي نتيجة لحالة راهنة وابتلاءً جديداً تصاب به الأمة يزيد من مصائبها ومعاناتها ولكنه ليس سبباً لتلك المصائب على كل حال …
إن تفشي ظاهرة الفردانية في أي مجتمع قد يشابه تلك الحالة من حيث تدرّج المراحل ، فمورثات الفردانية موجودة عند كلٍ منّا كعوامل كامنة ومستترة تحيط بها قيم التفاني والإيثار والخدمة الاجتماعية ولكن يحدث في تقلبات القيم أن ينهض المستتر وتضيع القيم وتصاب الأمة ككل ، وربما يؤثر انتشار ثقافة ما في خلق أجواء مواتية لترسيخ سلوكيات معينة وتبريرها ولكنها في الحقيقة تنبع من منطلقات ذاتية وفردية موجودة عند كلٍ منا ، وإن دور النظام الأخلاقي والعقائدي هو ضبط هذه الدوافع الكامنة وتنمية كل ما هو إيجابي وإخماد السلبيات ” الموجودة أساساً ” ، وعند تفشي مثل هذه الظواهر في أي مجتمع فإن ذلك يكون جزءاً من سلسلة ظواهر أو متلازمة من الأعراض تسير بمجموعها بأي مجتمع نحو التفكك ، عندها ستتداخل مع القابليات الأخرى كقابلية الاستعمار والاستبداد أو الاثنين معاً ، حيث أن هذه الأمور جميعها تعبر عن اختلال كفة موازين القيم لصالح القيمة السلبية …
مستويات الفردانية … كمشاهدات من الواقع
يولّد منهج التوحيد والتحرر الذي يسود الحالة العقائدية الإسلامية أفكاراً تطهيرية في كل لحظة لتنقية النفس الإنسانية مما قد يشوبها من شوائب ومن عيوب أخلاقية كهذه الظاهرة التي تقوم على تضخيم مركزية الأنا ومحورية المصلحة الشخصية ، ولكن التحرر لا يكون تحرراً حقيقياً إن لم يتحرر الإنسان من سطوة صوت الأنا داخله وطغيانه وتحكمه بكل جوارحه وتخديره لكل لحظات صحوة الضمير ويقظته …
وكخلاصة لما أود التركيز عليه أشدد على أن لمنهجية التفكير التي نتبعها ولطريقة محاكمتنا العقلية للتحديات والإشكالات تأثير كبير على أنماط سلوكياتنا وعلى أثرها الواقعي الملموس وكذلك على انسجام فكرنا مع سلوكنا …
وفيما يتعلق بموضوعنا هنا نجد أن المناهج الفكرية الرائجة عملت خلال فترات السبات الطويلة التي مرت بها حضارتنا ومازالت تعيشها على المداومة على التبرؤ من العيوب والنواقص الأخلاقية عن طريق رمي الآخرين بها وتزكية النفس والمنهج ، من خلال الانطلاق من تبرئة العقيدة الإسلامية من جذور تلك العيوب ” وهي منها براء على كل حال ” ، ولكن هذه الرغبة الملحة بالتركيز على تبرئة المنهج الجمعي قد تعكس في كثير من الأحيان رغبةً ضمنيةً بتبرئة النفس وتنزيهها عن احتواء تلك الثغرات أو إصابتها بذلك الداء من خلال الانتساب لمنهج منزّه عن هذه الثغرات …
إن أكثر ما يدفعني لمثل هذا التفسير لثنائية التزكية والتأثيم السائدة ، والتي جنّد لها الكثيرون أقلامهم وجهودهم ، هو تلك الحالة الواضحة من الفصام والتناقض بين الفكر والسلوك على المستوى الاجتماعي العام والتي أستطيع تمييزها على مستويين شديدي الوضوح :
أحدهما هو المستوى الشعبي ، مستوى التعامل الأخلاقي للمسلمين بشكل عام ، والذي يعكس في الحقيقة رؤيةً جمعيةً للحياة الإنسانية ، بل فهماً مقلوباً مشوهاً لثنائية ” المادة – الأخلاق ” ..،
إنه المستوى الذي يظهر بوضوح مركزية الأنا في حياة الإنسان العادي من خلال تعاملاته مع الآخرين ، هذه المركزية التي يتمحور حولها السلوك الجمعي ، والتي تقلصت عبر التاريخ تبعاً لتغيرات التكوين الاجتماعي من المركزية القبليّة الحامية للأنا ، إلى الالتفاف حول العائلة والانغلاق داخلها والإغراق في تأمين المتطلبات والمبالغة في حمل هاجس المستقبل مما ينتج مزيداً من التقوقع واختزال النشاط والتفاعل الاجتماعيين للوصول إلى التقديس الكامل لكل مكونات الكيان الفردي أو العائلي المصغّر لما يمثله هذا الكيان من تعبير فعلي عن تلك الأنا المفرطة في فرديتها ..
وطبعاً يتم تمرير وتجاوز تلك الظاهرات تحت غطاء ديني اجتماعي يعطي التبرير بل ويحض على الاهتمام وإبداء الخيرية لأقرب المقربين ، ولكن عادة يتم تضخيم التطبيق العملي لذلك الغطاء النظري الذي ينسجم مع مجموعة القيم الجماعية الأخرى ، لنصل إلى حالة من الانغماس اللا واعي في الذات الفردية ممثلة بالتقوقع داخل الحدود الضيقة ، تظهر آثارها بشكل واضح من خلال مشاهدة تفكك النسيج الاجتماعي وانتشار النفعية والمصلحية على حساب قيم التفاني والإيثار والعمل الاجتماعي …
وغدا التفاعل الحياتي اليومي يمر من خلال المنفعة الشخصية حصراً ، فكل ما يحقق هذه المنفعة يأخذ صفة الإيجابي ثم ينبذ ويهمل كل ما يتعارض معها ، كما تتجلى بعض مظاهر الفردانية ضمن هذا المستوى في ارتباط مفهوم المنفعة الآنية مع تمجيد الرغبة بالراحة الشخصية ، ثم مع ترسيخ الوضع القائم مهما كان سيئاً دون وجود سعي لتغييره ، ويتبع ذلك الاحتيال على الوضع القائم السيئ والاستفادة من ثغراته وتناقضاته بما يسمح باستمرار تمرير حالة المنفعة وتسيير الأمور الشخصية ، حتى وإن تعدّت على حقوق آخرين أو استهترت بمصير أمة …
إنه صوت الأنا الذي يعلو باحثاً له عن شرعيةٍ في ظل غياب القيم ، إنها تعني المادة والأهواء وكل الآلهة المزيفة الأخرى …
ومن بعدها فعلى المجتمع العفاء !
كما تظهر على مستوى آخر مختلف كلياً عن المستوى الشعبي ، وهو مستوى المثقفين أو أولئك الذين يشكلون مركزاً تلتف الناس حوله ، وهو المستوى الذي يجد له دائماً غطاءً دينياً اجتماعياً أو قومياً أو وطنياً أو غير ذلك ، غطاءً يختلف حسب الأرضية الفكرية أو العقائدية ..
إن الفردانية في هذا المستوى قد تختلف اختلافاً ظاهرياً عن نظيرتها في المستوى الشعبي ، والذي قد تقتصر فيه أعراض تلك الظاهرة على تضخيم الحالة المادية الشخصية على أضيق المستويات ، بينما تأخذ تلك الظاهرة هنا شكلاً وأعراضاً مختلفةً اختلافاً ظاهرياً كبيراً ، تبدأ من الإحساس بالكيان المعنوي وتضخم الذات مع زيادة التفاف الجماهير حول ما يمثله القدوة من آمال وتطلعات ” وبالمناسبة فإن هذا الشعور بتضخم الذات يقع مسؤولية نشوئه على تقاعس أفراد المستوى الشعبي بالمناسبة فالعملية متداخلة هنا “ ثم تزداد نزعة الانفراد بالرأي وتحجيم الحقيقية لتأخذ المقاس الفكري للمتكلم وحده ، وما يستوجبه ذلك من أساليب الإرهاب والإقصاء الفكريين ، والقوالب الجاهزة من التهم والتصنيفات وأساليب أخرى لا مجال لذكرها الآن ..
إن حالة الفردانية في هذا المستوى لهي من الوضوح بمكان ، بحيث يظهر لنا ضرورة البحث في أسبابها وجذورها وعلاجها ، وأنا على المستوى الشخصي أراها أكثر خطورة من تلك المشاهدة في المستوى الأول ، لما يمثله النخبة من قدوة من ناحية ، ولما يمثله المضمون نفسه من خطورة أكبر …
فهل هنالك أكثر فردية وأنانية من ادعاء احتكار الحقيقة !
وهل هناك أكثر فردية وجوراً من إقصاء وتصفية المختلفين الفكريين ، في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة فيه لتجميع الجهود وتركيز أثرها ، لا لتضاربها وتصادمها لتلغي بعضها بعضاً !
إن منطق البعض ” ما أريكم إلا ما أرى ” هو النسخة المطورة بل هو النسخة الأكثر قتامة لحالة الفردانية التي هي هنا شغفٌ وهوسٌ بالانفراد بالرأي …
إن ظهور هذه الأعراض على طبقة المثقفين يكشف لنا مسؤولية مشتركة ومتداخلة ومعقدة تتحملها الأطراف جميعها من كلا المستويين : الأول الذي أقال عقله من منصب المساءلة والبحث ليتفرغ لكيانه الفردي دون أن يعكَّر صفو ذلك الكيان بلومٍ أو تهمةٍ من قبل بعض أصحاب الهيمنة الفكرية والاجتماعية والذين يكرسون ( ولو بشكلٍ غير متعمد ) الأمر الراهن من خلال بث الطمأنينة بين الجموع فكل الأمور تجري على خير ما يرام ، وما مشاكلنا إلا نتيجة حتمية لمادية الغرب ، أو بسبب بعض الذين جُندوا أو جَندوا أنفسهم لتمرير المؤامرة …
إن تقاسم أدوار ومواقع الفردية في المجتمع بات مظهراً ملازماً وطاغياً على الكثير من تفاصيل حياتنا الاجتماعية ، بما يستوجب وقفة مع النفس أولاً ثم مع كل ما هو سائد في هذه المجتمعات ، وهي وقفة لن تبقى تأملية وسيكون تحولها الفعلي تحولاً حتمياً تفرضه ضرورة التغيير أو التجديد بحسب ما تقتضيه الجزئية أو العلة التي تواجهنا ، حتى وإن استاء البعض من تداول هذه التعابير بين مخالفيهم ، فكثيراً ما يكون سبب ذلك الاستياء معاناتهم من حالة الفردية والتي تفرض عليهم تقنين تلك المصطلحات لتأخذ شرعيتها عن طريقهم هم وحدهم فليس هناك من هو أحرص من ذاتهم المتفردة على مصلحة الأمة ، وليس من هو أجدر منهم ليكون المؤتمن على عقول الرعية ، ولا من هو أقدر على رفع راية التغيير أو حمل لواء التجديد أو معاودة النهوض من جديد ، أو الحفاظ على الكيان والهوية ، وما هذه المقولات إلا تعبير صارخ عن الإصابة بأحد أشكال الفردانية !
إن هذه النزعة الفردانية ما هي إلا وجه من وجوه الاستبداد الفكري والرغبة بالاستئثار بالرأي ، هذا الاستبداد الذي يظهر لنا في كل مرّة بمظهر مختلف وحلة جديدة ، متكئاً على العيوب والنواقص الموجودة عند المخالفين بالرأي ، ولكن من المؤكد أن تلك الدعوات التغييرية مهما كانت عيوبها وثغراتها الفكرية والسلوكية فإن محاولة البحث عن البديل هو على الأقل شعور بإشكالية تكرار المجرب وإحساس بالفصام الموجود على أرض الواقع ، كما أن نقيصة فردانية الرأي والاستبداد الفكري لا تقارن بأي نقيصة أخرى ، لا على مستوى الفكر ولا على نطاق السلوك …
مرة أخرى .. إعادة تقييم المفاهيم كخطوة على طريق التغيير الاجتماعي !
ألا يجدر بنا أن نعيد تقييم مشاكلنا الكبرى التي نعاني منها كمشاكل الاستبداد السياسي والتفرد والاستئثار بالسلطة … أليست هذه كلها انعكاسات لما نعاني منه ونمارسه على الصعيد الفردي .. ألا يحق لنا أن نقول أن طريق الحل يبدأ من هنا ؟!
إن تشابه حالات الفردانية في مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية لا يعني بالضرورة لزوم أن تكون إحداها وليدة للأخرى أو ملازمة لها وأن إحداها ستغيب بمجرد غياب الثانية ، فالمسألة أكثر ارتباطاً بالأهواء والمصالح والمنفعة الشخصية ، وإلا لما كانت تلك الفردية موجودة حتى عند بعض أولئك الذين امتهنوا مبادلة الغرب العداء .. بكرة وعشية !
إن الظاهرة المشاهدة على المستوى الشعبي تتعاظم يوماً بعد يوم من خلال السعي لتكوين إمبراطورية المال والسلطة على المستوى الشخصي سواء كان ذلك على نطاق ضيقٍ أو واسع ، بحسب موقع كل شخص والإمكانات المتاحة له ، أما الظاهرة على المستوى الثاني فإنها من نوع آخر ، يتم من خلالها استخدام وسائل مختلفة ولو بشكل غير واعي ، فهي تقوم على جوانب معنوية أكثر منها مادية ، فالثقافة والحضور الاجتماعي وربما المكانة الدينية أو الاجتماعية عناصر أساسية ، وكذلك الكاريزما فإنها تلعب دوراً كبيراً ضمن هذا النطاق ، وهنا ابتلاء عظيم أعتبره من أصعب ما قد يواجهه الإنسان وقليلاً ما يصمد أمامه وغالباً ينجرف معه ، والملاحظ أن الكاريزما مسألة محورية هنا تجعل من صاحبها محط أنظار وثقة تمتزج بالرهبة في نفس الوقت عند الملتفين حوله ، وهي ذات تأثير خطير على أولئك الأشخاص المأخوذين والمسجونين في نفس الوقت ، وتنشأ تلك العلاقة الغريبة المبهمة كعلاقة الرهينة بخاطفها ، ذلك الحب الخطير الذي لا يمكن تشبيهه إلا بحالة اعتماد الجسم على الهيروين القاتل …
ولكن الفرق هنا أنه قاتل للطرفين على المدى البعيد !
إن ما أتحدث عنه هو غيضٌ من فيض الواقع ولمحة من لمحاته وما أبأسها من لمحات …
إن الفردية التي تتغلغل في تفاصيل حياتنا على كل المستويات تحتاج منّا انتباهاً وتفكيراً ثم وقفةً حازمة ، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ..
ولن يغيّر أحوالنا ما لم نغيّر ما يعترينا من عيوب ونواقص …
لقد جرّبنا الكثير من السبل ولم يتفعّل في واقعنا ذلك التغيير الذي نرجوا .. بل إن أحوالنا تُغرق في مأساويتها يوماً بعد يوم ، فأليس من الحكمة أن نجرب ولو لمرّة تحطيم أصنام ذواتنا ؟!
والله أعلم
26 مارس 2010 12:04 م | وعي
نسخة الطباعة
22, سبتمبر, 2010 - 11:17 م
بحث حول اختلال الرؤية