عن الحضارة ومشكلتها

الكاتب: رغداء

عن الحضارة ومشكلتها

بقلم : مالك بن نبي

حديث صوتي مسجل للأستاذ مالك بن نبي مدته حوالي 15 دقيقة مقطوع في آخره ودون تقديم، لا نعلم مصدره يرجّح أنها حلقة سجلت في منزله، لم نجد له أثراً في مؤلفاته المنشورة، يتحدث فيه عن دواعي تناوله لمشكلة الحضارة، ويحدد من خلاله كذلك مفهومه للحضارة.

قمنا بتفريغ التسجيل دون تغيير، حيث سيجد فيه القارئ ملخصا مركزا لأهم المحاور التي تناولها الأستاذ من خلال دراسته لمشكلة الحضارة. (فارس بوحجيلة)

إنني قلت في بداية حديثنا، أنني أخذت من منابع ثلاثة في تكويني، منبع المدرسة التقليدية التي نسميها المكتب أو المدرسة، والمدرسة العصرية التي كانت تتمثل في صورة المدرسة الفرنسية عندنا، وهناك مدرسة عائلية هي فيما أعتقد التي كان لها الجانب الأوفر في تكويني، فهذا التوجيه العائلي جعلني أهتم بالمشكلات العامة، مشكلات وطني ومشكلات ما يتصل به وطني سياسيا واجتماعيا وأدبيا ودينيا، فعندما بلغت درجة الدراسة العليا، يعني المرحلة العليا من الدراسة وجدت في نفسي دوافع طبيعية نحو مشكلات المجتمع الجزائري، وإنما لما تكوّنت أثناء الدراسة العليا واتسعت معلوماتي الاجتماعية إلى حد ما، واتسعت أيضا معلوماتي العلمية الرياضية رأيت أن المشكلات التي يعانيها المجتمع الجزائري أو الشعب الجزائري بمعنى أصح، لا تختلف في جوهرها أي اختلاف عن المشكلات التي يعانيها أي شعب شقيق في البلاد العربية وبصورة عامة في البلاد الإسلامية، لا تتغير على الأكثر إلا لغة المشكلات أو إحصائيات المشكلات لأنها تتصل بلغات وأجناس أو أعداد وأرقام، أما الواقع الاجتماعي القائم أمام هذه الشعوب كلها فهو نفس الواقع، فتناولت المشكلة الجزائرية على هذا المنوال، ورأيت هنا أنها مشكلة حضارة وجعلت دراستي عاكفة على هذا الجانب من المشكلات، مشكلات الحضارة فكلما تعمقت في هذه الدراسة وتأملت فيها أكثر زاد يقيني بأن المشكلات التي نعانيها هي في عمقها مشكلات حضارة، وإنما تتخذ طابعها السياسي من ظروفها الخاصة في وطن معين بين حدود معينة، مثلا طبعا فنعرف أن الشعب الجزائري كان عليه أن يجاهد ضد نوع من الاستعمار هو الاستعمار الفرنسي، كما كان على الشعب الليبي أن يجاهد ضد نوع آخر من الاستعمار هو نوع الايطالي، كما كان على الشعب الاندونيسي أن يجاهد ضد نوع آخر من الاستعمار هو نوع هولندي وهلم جرا، النوع الانجليزي أو نوع آخر، كما يجاهد اليوم في أعماق إفريقيا الشعب الأنغولي ضد الاستعمار البرتغالي.

إنما في عمق هذه المشكلات ورغم تنوعها السياسي وحدة جوهرية تربطها كلها في مشكلة أساسية واحدة هي مشكلة حضارة، كما لو بحثنا من طرف آخر أو أردنا إمداد بصرنا إلى الجانب الآخر أعني الجانب الاستعماري وجانب الدول الاستعمارية نفسها، لوجدناها أنها رغم تنوع مصالحا في البلاد المستعمرة ورغم تنوع سياساتها وأحيانا رغم اختلافها السياسي، اختلاف مشاربها السياسية وتصادمها العسكري أحيانا، نجد أنها رغم هذا كله تكوّن وحدة حضارية هي التي صاغت منها هذه الصياغة الخطيرة والخاصة التي جعلتها كتلة استعمارية نعاني نحن من طرفها ما علينا أثناء ثوراتنا من أجل الاستقلال، فهذا هو الشيء الذي جعلني أدرس المشكلات الجزائرية على تعدادها، كمشكلة واحدة هي مشكلة حضارة.

سؤال: الأستاذ مالك بن نبي، بمناسبة الحديث عن مشكلة الحضارة وبمناسبة وضع جميع مؤلفاتكم تحت عنوان مشكلة الحضارة، ولعل هذا هو المغزى أو هذا هو السر في أن جميع مؤلفاتكم كانت تحت هذا العنوان، فقد عرف عنكم كلمة الحضارة بمفهوم جديد، فهل من الممكن يا حضرة الأستاذ أن يعرف المستمع الكريم فكرة عامة عن هذا المفهوم الجديد لهذه الكلمة؟، وهل يترتب عن هذا المفهوم الجديد تغيير في المفاهيم الاجتماعية لشعوب آسيا وإفريقيا؟

جواب: إنني أشكر الأخ السائل على الفرصة الثمينة التي تعطى لي لتصحيح ما اعتقده لازما على الأقل في بلادنا نحن الجزائر، إذ نحن في حاجة كبيرة لتصحيح بعض المفاهيم التي تأتينا من الخارج ولا بأس في هذا، إذا سبقنا الخارج، إذا سبقتنا أمم وشعوب أخرى في الميدان الاجتماعي أو العلمي فلا بأس أن نتقبل منها الدروس على شرط أن نهضمها وأن نصيغها إذا اقتضى الحال صياغة تناسب ظروفنا الخاصة ومصالحنا الخاصة وتقاليدنا، فمن بين ما استوردنا من الخارج في مضمون الفكر مفهوم “حضارة”، طبعا بالمعنى الذي يضفيه عليه علماء الغرب ومؤرخوه مثل “شبلنغر” ومثل “تاينبي” ومثل “هنري دو لان”، فنحن نتقبل منهم بكل صدر رحب درسا في هذا المضمار ، ولكن على شرط أن نخضع هذا الدرس وما نستورده عن طريق هذا الدرس من مفاهيم مثل مفهوم حضارة إلى مقتضياتنا وإلى ظروفنا الخاصة، فلا بأس جوابا عن السؤال الذي تفضل به السائل، لا بأس أن أقول أنني فيما يخصني ككاتب تقبلت بهذه الطريقة، يعني تقبلت بالثناء والشكر مفهوم الحضارة من علماء الغرب، لكن أخضعته لمقياسي ولتجربتي الخاصة، هذا من جانب ومن جانب آخر أخضعته للحقيقة الاجتماعية وللظروف الاجتماعية الخاصة التي أعرف أن مجتمعنا يعيش عليها اليوم، فهذا جعلني أن أعتبر الحضارة على أنها مجموعة الشروط الأدبية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يؤدي جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه، فهذا التحديد الوظيفي أعتقد أنه أولا يفي بالمفهوم الحضاري من الناحية العلمية إذ صح التعبير، ولكنه أرى على كل حال أنه يفي بمقتضيات مجتمعنا اليوم، لأن مجتمعنا يمر بمرحلة يجب عليه فيها أن يكوّن الطاقات التي تسوّغ له أن يقدم لكل فرد يعيش فيه جميع الضمانات الاجتماعية، واخص المجتمع الجزائري أو الوطن الجزائري بذلك، لأنه اختار في نطاقه الوطني النظام الاشتراكي كنظام لبناء حضارة جديدة.

سؤال: سيدي الأستاذ، لكن المشكل بالنسبة لرواد الفكر وللقراء بالذات الذين يتتبعون كتبكم باهتمام يلتبس الأمر عليهم، كيف استطعتم تطبيق مفهوم الحضارة على شعوب ومجتمعات متباينة: شعوب آسيا، شعوب إفريقيا، على المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي؟

جواب: إنني لما أتناول مفهوم الحضارة بالنسبة للشعوب الإفريقية الآسيوية أو بالنسبة للشعوب الإفريقية ولما أتناوله بالنسبة للشعوب الإسلامية وبصورة خاصة بالنسبة للشعوب العربية أعني أشياء مختلفة، فلما أتناول الموضوع بالنسبة للشعوب الإفريقية الآسيوية إنما أعني ككاتب جزائري أنني أقدم بقدر الإمكان خدمة لهذه الشعوب الإفريقية الآسيوية عندما ألفت نظرها بإلحاح إلى ما تقتضيه ظروفها المأزومة من الناحية الاقتصادية مثلا أو من الناحية السياسية أحيانا بالمعنى الذي تعنيه مثلا كلمة “التخلف” واليوم أصبحت هذه الكلمة صحيحة بالنسبة للمجتمعات التي تعيش دون حد اقتصادي معين، فلما أتكلم بالنسبة لهذه الشعوب أعني أن الحضارة هي الطريق الضرورية لتخلصها من التخلف مع ما يكون في هذه الضرورة من تنوع بالنسبة إلى كل شعب إفريقي آسيوي على وجه الخصوص، فبالطبع أن الهند داخلة في هذه الضرورة وتعنى بهذا المفهوم، ولكن عندما أعني وأعبر على نفس الضرورة بالنسبة للشعوب الإسلامية أعني شيء خاص، أعني أن المشكلة مشكلة واحدة لا تتنوع جوهريا من طنجة إلى جاكرتا، فعندما تؤسس حضارة في مكة أو المدينة أو تؤسس حضارة في الجزائر أو تؤسس حضارة في القاهرة، فإن حل المشكلة يهم جميع الشعوب التي تتمسك بالإسلام كدين لأن الحضارة كمفهوم، عندما نطبقها كمشروع اجتماعي وكتخطيط سياسي يفترض تحقيقها شرطا خاصا هو الدين، والدين طبعا لا يقبل التعميم ولا يقبل التخصيص فهو ما هو، أعني بذلك أنني لما أفترض الإسلام كشرط أساسي لحل مشكلة الحضارة في رقعة جغرافية معينة، فأعني بذلك أن هذه الرقعة طبعا لا تضم من لا يهمه ومن لا يدين بدين الإسلام مثل الهند، فنحن والهند شركاء في مصير واحد في قضايا متعددة، مثل قضايا السلم ومثل قضايا الكفاح ضد الاستعمار ومثل قضايا الكفاح ضد التخلف فنحن يد واحدة، كما اجتمعت جهودنا ومبادرتنا يوم انعقاد مؤتمر بندونغ ولكن عندما أخطط لحضارة وأرسم لها دين فهنا يدخل نوع من التخصيص، وعندما أقول الإسلام فلا يمكن أن أعني الهند في هذا التخطيط.

خاتمة مقطوعة: سيدي الأستاذ، بارك الله فيكم الآن أزلتم كل إلباس على هذه النقطة بالذات التي تعتبر..

24 يونيو 2010 06:13 م | مفاهيم و مقالات


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

تعليق واحد على “عن الحضارة ومشكلتها”

  1. دردشة مصرية يقول:

    مشـكور اخـي الكريم موضوعك رائع بالفعل تستآهل احلي تقييم
    بالتوفيق دائما .

أكتب تعليقاً