طبع نهضوي اسمه.. الحزم!

الكاتب: محمد

طبع نهضوي اسمه.. الحزم!

ما إن نسمع كلمة “الحزم” في زمننا هذا حتى نتخيل العصا والقمع. “المعلم الحازم” هو المعلم الذي  لا تفارق وجهه مثلاً التكشيرة، ويستعمل العنف البدني مع التلاميذ في كل صغيرة وكبيرة، ولا يترك لهم منفذاً يتنفسون فيه الهواء!.

وتقترن الكلمة بالشدة، بل كلمة “الحزم” هي في لغتنا المعاصرة مرادف لكلمة “الشدة”: “إن الحكومة ستضرب بحزم وشدة كل من يتجرأ على شق الصفوف وإثارة الفتنة”.وهذا ما آل إليه التطور الدلالي للكلمة في عصرنا مع الأسف، وهذا المصير المفجع لقيته كلمات أخرى مثل “الشرف”، وحتى كلمة “الأخلاق” نفسها حُجمت وضُيق معناها مع ضيق أفق المجتمع الذي استعملها.

لكي يفهم المرء ما كان يعنيه أسلافنا بكلمة “الحزم” من الأفضل أخذ الكلمة في سياقات، وليس مجرد الاعتماد على المعجم ولكني سأبدأ مع ذلك “بلسان العرب”: “حزم

الحَزْمُ: ضبط الإنسان أَمره والأَخذ فيه بالثِّقة. حَزُمَ، بالضم، يَحْزُم حَزْماً وحَزامَةً

وحُزُومة، وليست الحُزُومةُ بثبت.

ورجل حازمٌ وحَزيمٌ من قوم حَزَمة وحُزَماء وحُزَّمٍ وأَحْزامٍ وحُزَّامٍ: وهو العاقل المميز ذوالحُنْكةِ”.

كلمة “الحزم” في أصلها تعبير عن “طبع” ينتج عنه نمط سلوكي يتميز بالدقة وحسن التدبير والموقف السليم الذي يحسب لكل شيء حسابه.

وحين يوصف سلوك محدد في موقف معين بأنه “حازم” يعني ذلك أنه هو السلوك الصحيح الذي يؤدي إلى الغرض منه.

ويرى القارئ أن “الحزم” قد يتضمن السلوك اللين في موضع اللين، وقد يكون استعمال العنف مخالفاً للحزم وفقاً للمفهوم الأصلي للكلمة.

وما قلته يبدو لمن علاقته مع اللغة العربية الفصحى القديمة قليلة غريباً، ولكنه لقراء التراث بديهي ولأضرب للقارئ أمثلة على معنى كلمة “حزم” في التراث:

في شرح نهج البلاغة: “ وفي بعض كتب الفرس إن بعض ملوكهم  سئل أي مكايد الحرب أحزم فقال إذكاء العيون واستطلاع الأخبار وإظهار القوة والسرور والغلبة وإماتة الفرق والاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمن ينصح ولا انتصاح لمن يغش وكتمان السر وإعطاء المبلغين على الصدق ومعاقبة المتوصلين بالكذب وألا تحرجه اربا فتحوجه إلى القتال ولا تضيق أمانا على مستأمن ولا تدهشنك الغنيمة عن المجاوزة

وقال الشاعر الحكيم:

وإذا بليت بعسرة فاصبر لها

صبر الكريم فأن ذلك أحزم

لا تشكون الى الخلائق إنما

تشكو الرحيم إلى الذى لا يرحم

فمن الحزم ألا تحرج الهارب في الحرب فتضطره لقتالك! وألا تضيق الأمان على من يطلبه من الأعداء! ومن الحزم أن تصبر على المصائب.

وكل هذه المعاني تتعارض مع المعنى المعاصر الذي هو أخذ الأمور بالعنف وانعدام الروية والحلم.

“الحزم” بمعناه الأصلي عند العرب هو أن تسيس الأمور بتعقل وروية وحسن تدبير، وعكسه ليس هو “اللين” (لأن اللين في موضعه قد يكون من الحزم، و”اللين” هو عند العرب عكس “الشدة”، والفعل “اشتد” هو عكس الفعل “لان”) بل عكسه هو”التضييع” وهو أن تترك الأمور تسير على هواها فلا تتولى إدارة شؤونك بالحكمة والحساب الدقيق ووضع كل شيء في موضعه الصحيح، ومن قراءاتي رأيتهم يستعملون تعبيراً آخر لمعنى الطبع المعاكس للحزم ألا وهو “العجز”. وفي لسان العرب: “العَجْزُ: نقيض الحَزْم، عَجَز عن الأَمر يَعْجِزُ وعَجِزَ عَجْزاً فيهما؛ ورجل عَجِزٌ وعَجُزٌ: عاجِزٌ. ومَرأَة عاجِزٌ: عاجِزَةٌ عن الشيء؛ عن ابن الأَعرابي. وعَجَّز فلانٌ رَأْيَ فلان إذا نسبه إِلى خلاف الحَزْم كأَنه نسبه إِلى العَجْز. ويقال: أَعْجَزْتُ فلاناً إذا أَلفَيْتَه عاجِزاً.”

وهذا المعنى الأخير هو الذي أراده أبو الطيب في بيته العظيم:

وإذا لم يكن من الموت بد              فمن العجز أن تموت جبانا!

ولأن ناس عصرنا لا يفهمون كلمة “العجز” هنا استبدلوها بكلمة “العار” وهي تمسخ المعنى وتجعل البيت غير ذي طائل.

أبو الطيب يقول: إن الموت إن كان محتوماً عليك، فمن سوء التدبير أن تموت جباناً، فلو كان الجبن يدفع الموت لربما حق لك أن تكون جباناً، لكن إن لم يكن يدفعه فإنك تخسر ولا تربح بالجبن، لأنك تخسر احترامك لنفسك واحترام الناس لك وتموت مع ذلك!

أما المعاصرون الذين وضعوا كلمة “العار” في البيت فقد جعلوه غير ذي معنى يذكر، ذلك أن جواب الشرط “فمن العار أن تموت جباناً” لا يعود له علاقة منطقية بالشرط “وإذا لم يكن من الموت بد”، إذ أن العار لاحق بك إن مت جباناً سواء كان من الموت بد أم لم يكن! وهذا الفرق الدقيق لا يغيب عن الناظر الناقد.

وقد جمع بعضهم أقوالاً منسوبة لعلي كرم الله وجهه تعطي القارئ أيضاً فكرة عن استعمال العرب لهذه الكلمة:

الحزم تجرّع الغصّة، حتّى تمكّن الفرصة .

الحزم النّظر في العواقب، و مشاورة ذوي العقول .

الطّمأنينة  قبل الخبرة خلاف الحزم.

آفة الحزم فوت الأمر.

كمال الحزم استصلاح الأضداد، و مداجاة الأعداء”.

لماذا أعد الحزم – بهذا المعنى الأصلي للكلمة – طبعاً نهضوياً؟

لعلي لا أبالغ إن قلت إن “الحزم” الصفة الجوهرية للمجتمعات الناهضة الفاعلة، وإن نقيضه “العجز” أو “التضييع” هو صفة المجتمعات الراكدة المنحطة.

تقدم لنا الصورة المألوفة في بلادنا عن شوارع المدن التي تحفر من قبل شركة الماء ثم تردم لتأتي بعدها مباشرة مصلحة الصرف الصحي وتحفرها من جديد مثالاً على التضييع والعجز وانعدام الحزم.

ومن مظاهر العجز والتضييع الارتجال، وهو نقيض الحزم الذي هو الحساب الدقيق ووضع كل شيء موضعه، وإنك لتجدنا في حالة ارتجال دائم لا نخطط، وإن خططنا لا ننفذ، فكأن الارتجال ديننا وديدننا.

مفهوم “الحزم” أراه قريباً من مفهوم ألماني يترجم عادة بكلمة “العقلنة” وهو الكلمة Rationalisierung والمفكر الألماني الكبير ماكس فيبر يكاد يعد هذا الطبع المميز الجوهري للمجتمع الحديث، إذ هو المجتمع الذي نظم كل شيء فلم يتركه لا للصدفة ولا للعقلية الخرافية التي هي بدلاً من السير على السنن الطبيعية للأشياء ومعرفتها واستعمالها تؤمن بالخرافة وتحاول الحصول على النتائج من غير مقدماتها الطبيعية.

والمجتمع الإسلامي قديماً لم يكن يلجأ إلى الخوارق للحصول على النتائج المرجوة، بل كان شعاره “اعقل وتوكل”، وقد قال عمر رضي الله عنه لقوم فهموا “التوكل” خطأ فتواكلوا: “إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة”! والنبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر الفقير بالتواكل وانتظار الرزق بمعجزة بل أمره أن يذهب فيحتطب ويبيع الحطب، مبيناً له أنه إن لم يفعل سيسأل الناس، أي يتسول.

وما نحن فيه من عجز وتضييع، وفقدان للحزم (أو للعقلنة بتعبير ماكس فيبر) له أسباب كثيرة، لكنني دوماً أفضل بدلاً من الدخول في نقاشات تاريخية ونظرية أن نفكر في طريقة تغيير سلوكنا لنخرج من حال “السلوك الانحطاطي” إلى “السلوك النهضوي”، وأقترح لذلك أن تبدأ مجموعة من الواعين بنفسها وتنشر نموذجاً يقتدى به، والسلوك إن تكرر سيصبح عادة وطبعاً، وكما أن عادتنا الآن وطبعنا هما من النوع الانحطاطي، فكذلك يمكن لنا في اعتقادي أن نتحول بالوعي أولا وبالسلوك الواعي إلى حالة يصبح فيها السلوك النهضوي بالتكرار سلوكاً تلقائياً أي “عادة” و “طبعاً”. إن “السلوك الحازم” هو مكون أساسي من مكونات السلوك النهضوي.

محمد شاويش

12 يونيو 2009 04:44 م | وعي و وعي ممارس


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

تعليق واحد على “طبع نهضوي اسمه.. الحزم!”

  1. ريحانة زمانها يقول:

    شكرا لكـ

    لافض فوكـ

    كلام سليم وعاقل

أكتب تعليقاً