شيء ما يحترق…

الكاتب: رغداء

شيء ٌ …. ما … يحترق … ( كلاكيت 1 )

نزار غالب فليحان

يغادر وطنه مرغما ً تحت ظروف قسرية ضاغطة ويبتعد عن مجتمع قاسمه الهموم وشاركه الأحلام …

يسافر بجسده وبعض عقله تاركاً وراءه بعض العقل وكل القلب معلناً رفضه  أن تجتثه الغربة من جذور انتمائه الأزلي .

يضبط أحاسيسه كل صباح على نبض الوطن ويملأ مخيلته قبل أن ينام بالصور التي التقطتها عيناه قبل أن يدير ظهره لذلك القدر الذي يسكنه أبداً.

لا ينفك يفكر بكل صغيرة وكبيرة تخص وطنه .

 

يعود المهاجر إلى الوطن في استراحة محارب .

محملاً بكل ما يخيل لك من حب وحنان وشوق وحماس لذلك الوطن الذي يسكنه ويخيم جلاله على أحلامه كلما خطر على باله .

ويا كثرما يخطر وطن على بال .

 

ترافق أحاسيسه تلك حساسية مفرطة كلما خطى خطوة ً على أرض الوطن

في كل زاوية وعند كل منعطف قرب أية شجرة

خلف خطى رجل مسن ٍ أجبرته السنون على افتراش الأرض وسؤال أهل وطنه عن مساعدة تسد الرمق

أمام وجه طفل لم يغتسل منذ أقفلت المدرسة أبوابها يبيع العلكة أو يمسح زجاج سيارة

بمواجهة موظف ٍ بائس ٍ لا هم له سوى أن يعرقل ما استطاع سعيك وراء توقيع أو موافقة

على إشارة مرورية لا تعرف أخضرها من أصفرها

على رصيف تكسرت أرضيته يستقبلك بجرعة ماء وسخة كلما دسته طالباً الملاذ من سيارات لا تعرف سوى إطلاق أبواقها في لهاث محموم وراء زبون جديد

بين فاتنات متبرجات متعريات إلا من بعض ما تيسر وكأن إبراز الصدور والأكتاف والأرداف شيء من تراث راسخ نخشى أن يندثر

بين وجوه شاردة ما أن يدخل فيها حتى يرى في أحدها تنكة زيت زيتون وفي الآخر قطرميز مكدوس وفي الثالث برميل مازوت وفي الرابع حقيبة مدرسية وفي الخامس ورقة يا نصيب رابحة أو خبر زيادة رواتب وفي رأس آخر مرسوم يلغي الجامعات الخاصة التي تستنزف جيوب الناس  ومرسوم آخر يسهل القبول في الجامعات الرسمية للدولة ويوسع تواجد الطلاب وخاصة الفقراء منهم في جامعات مجانية ورسمية نعرفها وتعرفنا نثق بها وتثق بنا

 

هكذا تصبح عيناه مجهراً يتفحص كل شيء … كل شيء

يستغرقه التفكير مع كل زلة يسمعها

ينتابه الحماس حين يستشعر أي خلل أو يراه  

يغرق في حزن عميق حين يعلم أن حلماً بات صعب المنال

تدلهم سماؤه حين يصله نبأ رحيل صديق أو قريب

يمشي في شوارع البلدة هائماً كالمجانين

يخيل له أنه سيصلح كل خلل

ويعيد كل شيء إلى جادة الصواب

وأنه سيصالح كل المتخاصمين

ويرضي كل الحزانى

ويطعم كل الجائعين

ويساعد كل المحتاجين

 

أجل …

أليس هو اليحلم دائماً بأجمل صورة للوطن ؟

أليس هو اليتوق إلى أن يرى أبناء بلاده ينعمون بحد ٍ أدنى من السعادة شأنهم شأن غيرهم من البشر ؟

 

يفتح صدره لكل ألم  …

يخيل له أنه قادر على التصدي لكل كرب …

تهرب الأيام من بين أصابعه كما الماء …

ينتهي العد التنازلي لفسحته مع الصفر الأخير لأيام إجازته …

يحزم حقائبه …

يتجه إلى حدود بلاده تاركاً خلفه من جديد بعض العقل وكل القلب …

يوقن وهو يرى ختم المغادرة يهوي على جواز سفره كغيمة داكنة  أنه عابر سبيل ليس إلا …

تعتريه نوبة إحباط …

يتشظى …

يلملم نفسه على عَجَل ٍ ….

يمنع دمعة ً من السقوط …

يمسح وجهه ….

ثم ينطلق خلف حلمه التعيس …

تاركاً في الوطن

حباً ليس له حدود

حابساً في القلب

شيئاً ما يحترق …

 

 

06 ديسمبر 2009 09:56 م | بوح


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 2 على “شيء ما يحترق…”

  1. محمد يقول:

    هذا هو الواقع أخي نزار.
    غير أن المجتمع _بكل السلبيات فيه التي ذكرها نصك- يسألنا: “من فتى”؟
    ونحن يجب أن نقتدي بطرفة:
    “إذا القوم قالوا “من فتى”؟ خلت أنني..عنيت فلم أكسل ولم أتبلد!”
    ولعلك لو قرأت سيرة غاندي مثلا لوجدته تعامل مع “وساخات” في مجتمعه لا تقل شأنا عن هذه التي عندنا “فلم يكسل ولم يتبلد”.
    هناك بذرة للخير في المجتمع نراهن عليها أن تتحول إلى شجرة متينة الجذور باسقة تظلل هذا المجتمع العريق بظلالها الحنونة الوارفة.
    مع تحياتي لك

  2. جلال يقول:

    أخي نزار :
    عبرت فأجدت . ووجدت فأشجيت ، وصفت الداخل والخارج ببعض عقل وقلب بعيد فأحسنت الوصف . هذا حالك وحال كل من يسافر فيعود ليسافر .
    الحل دوماً يربض مختبئاً خلف دمعة حارة صادقة ، أو ضحكة تنفلت من القلب . كل ما في الأمر أن نبدأ الآن وهنا ، ونحول القصيدة المكتوبة على الورق إلى قصيدة مكتوبة على الواقع نخطها بعملنا
    أهلاً بك في موقعك ، وعسى أن نبدأ في زرع شتلات الأفضل عبر أن نقدم ما يفيد مجتمعنا .

أكتب تعليقاً