شيء ما يحترق … كلاكيت ( 2 )
الكاتب: رغداءشيء ما يحترق … كلاكيت ( 2 )
نزار غالب فليحان
فلاش 1
جلستُ إلى جانبه ذات مســـاء …. تنهَّـد بحرقة وألم … سألته ما به ؟ أطلق ( أووووووووفا ً ) طويلة ً … علمتُ أنَّ بداخله وجعا ً … وبعد إلحاح ٍ … أطلقَ لسانه يرثي صداقاته … أجلْ … أصدقاؤه لم يعودوا كما كانوا … مضى على عودته من سفره وقت ليس بالقليل ولم يزره أحد منهم … لا بل لم يكلفوا أنفسهم عناء الاتصال … شعر بالوحشة وبدأ يضمحلُّ في داخله أمل ٌ عَـقـَـدَهُ على أصدقاء الشباب والمعاناة والدراسة … التقى بعضهم ولكن العتاب لم يبددْ حزنه ولم يرممْ خيبة أمله بمن كان يعدُّ العدَّة َ للعودة والعيش معهم من جديد .
فلاش 2
أقرأ في عينيها كل صباح أسى ً … أرى في داخلها وجعا ً … أتلمس أملها في أن تعود الروح إليَّ من جديد … هي على يقين أنني عائدٌ … لطالما راهنت على ذلك … أعرف كل ذلك وأعمل جاهدا ً علني أعود …
ولكن … حلمي الذي تضخم ولم يتحقق بعد … ترقبي لغد ٍ يزداد غموضا ً … همومي … أرقي … كل ذلك جعل سعادتي برسم التأجيل .
لكنْ إلى متى ؟ وهل سأعود إلى الحياة قبل فوات الأوان ؟
فلاش 3
أخيرا ً حصل على تأشيرة سفر إلى بلاد الزيت الأسود ، وباتتْ أحلامه تزاحم فرحه العارم ، سأبني قصرا ً كبيرا ً وأشتري سيارات وأفتح محلات كثيرة وأقتني كل ما من شأنه تسهيل طريقة عيشي .
حانت ساعة الفراق ، انكبَّ على وجه ابنته النضر يقبِّـله ويعمد براءته بسيل من الدموع ، ودَّع زوجته ثم اقتلع جسده من بين ذراعيها ، حمل حقيبة السفر الحبلى بالهموم والأحلام ، بدأ يخاطب نفسه على وقع خطى متلكئة باتجاه السيارة التي ستقله إلى المطار ، لماذا القصر ؟ يكفي بيت على قد الحال مع حديقة ، و سيارة واحدة من نوع فاخر ، ومحل واحد .
وصل المطار ، إنه يدخله للمرة الأولى مسافرا ً … صعد الطائرة ، وما إن أقلعت حتى أحسَّ أنه اجتُثَّ من أرضه ، عاد ليكلم نفسه : أعتقد أن شقة صغيرة تكفيني وعائلتي ، مع سيارة صغيرة ورصيد في البنك ، حاول أن ينام لكن النوم جافاه وحلت مكانه حيرة يبدو أنها سترافقه طيلة رحلته .
استقبله صديقه بحرارة مهما ارتفعت درجتها لن تصل إلى درجة الرياح التي لفحت خديه لحظة خروجه من المطار ، توقف قليلا ً وعاد ليكلم نفسه ، تكفيني شقة فقط وليس هناك من ضرورة لاقتناء سيارة ، ولماذا رصيد في البنك ؟ سأعود لوظيفتي وأعيش براتبي مثلي مثل أهل بلدي .
دخل ماكينة العمل ، وبدأ يتقاضى رواتبه الواحد تلو الآخر ، عاده الحلم القديم ، بيت وسيارة ورصيد ومحلات ووووو ، مضى عقد ونصف العقد من الجري وراء المال وشراء العقارات هنا وهناك والحلم لم يتحقق بعد ، ومازال يسأل نفسه كل يوم : إلى متى ؟
02 يناير 2010 12:12 ص | أدب
نسخة الطباعة
2, يناير, 2010 - 12:11 م
أعتذر عن سقوط حرف النصب ( لن ) في السطر التاسع من الفلاش 3 وذلك سهوا .
لذا وجب الاعتذار والتنويه .
نزار
3, يناير, 2010 - 8:17 ص
السلام عليكم
تم المطلوب أستاذ نزار
أشكرك على إبداعك
3, يناير, 2010 - 1:41 م
تجربة الغربة ومآلاتها صار من الضروري طرحها من جهة ومناقشة ما كتب عنها من جهة أخرى ومن الأمور التي تسر الواحد رؤية كتاب مثل أخينا نزار يكتبون بأسلوبهم الجميل عنها.
والفقير لله كاتب هذا التعليق كان بصورة طبيعية لا بد له من طرحها بحكم موضوعه المفضل الذي هو الدفاع عن الأصالة ومكافحة ذوبان الهوية وضياعها.
حين يصادر بعض من اختار خيار الغربة على أن البلاد سيان بل قد تبلغ المزاودة ببعضهم إلى أن يقولوا أنهم يستطيعون أن يربوا أولادهم كما يريدون حتى في مجتمع تقاليده ومفاهيمه نقيضة لتلك التي في مجتمعنا فإن من الضروري العودة إلى الحالات الملموسة والتجربة الملموسة والانصراف عن الآمال الحالمة التي يظنها الذي يحذع نفسه حقيقة ممن اختار الغربة في الغرب.
ومن جهة أخرى فالغربة فخ لمن وقع نصيبه على حالة أقل سوءا هي الاغتراب في بلاد لها لغتنا (إلى حد ما! يبدو أن الحالة اللغوية في بلاد مثل الإمارات مأساوية) وهذا الفخ وصفه النص “فلاش 3″ فالمغترب يهدر حياته وراء سراب هدف مادي لا يفيد منه في النهاية بعد أن ضاع عمره وهو “يبني مستقبله” بعيدا عن عائلته الأصلية وقريته ومدينته. وبعد أن ينقضي العمر يكتشف أنه أضاع عمره دون أن يحقق هدفه الذي كان في ذهنه. فهو مثل البخيل الذي راكم النقود وعاش محروما على أمل أن يتمتع بها ذات يوم ثم مات قبل أن يتمتع بها!