زيارة إلى حارتي – عادل أبو شنب

الكاتب: محمد

زيارة إلى حارتي

دمشق
صحيفة تشرين
آفاق
الأربعاء 13 كانون الثاني 2010
عادل أبو شنب
-1- تحولت حارتي (القيمرية) إلى ما يمكن تسميته بعجقة مطابخ (حتى لا أقول عجقة مطاعم) بين كل خمسة أمتار وخمسة أخرى, مطعم يقولون إن له نكهة مختلفة عن المطاعم الأخرى التي تملأ المدينة.

بماذا؟ بأنها مطاعم في إحدى الحارات القديمة, وليس فيها من عبق المدينة القديمة التي أعرفها, إلا وجودها في المكان نفسه, مع اختلاف في الزمان والناس والدكاكين والعقلية. ‏

إن مجتمع الحارة الذي كان في أوائل القرن الماضي, حتى منتصفه.. قد انتهى, أكلته المطاعم الجديدة يذهب المرء إليها, ربما ليستعيد صورة انتهت, ومجتمعاً لم يعد هو نفسه كما عشناه, وبيوتاً متعانقة ودكاكين متآلفة وشجيرات الياسمين و الفل وهي تجعل للحارة رائحة زكية خاصة, استبدلت بروائح الطعام.. الآن! ‏

-2-

تدخل المسجد الأموي من باب (المسكية) وتصلي ركعتين, وتزور مقام النبي يحيى, ثم تخرج من باب النوفرة, فترى مقهى النوفرة الشهير و الحمام الذي تحول إلى مطعم, وتسير إلى أول القيمرية فترى إلى يمينك حارة النقاشات التي كان يسكن فيها العلامة الشيخ بدر الدين الحسني وابنه الشيخ تاج الذي كان رئيساً للجمهورية في الثلاثينيات, وتتجه شمالاً فترى إلى يمينك بيت (سلامة الأغواني). ‏

المونولوجست العظيم الذي لم يطلع واحد مثله في دمشق كلها, وإلى شمالك ترى (جامع البدرئية) وحمام سامي, وفي مصلبة القيمرية تمر بالتنور الذي يقدم الخبز المشروح وفي مواجهته ترى مطبعة الترقي لصاحبها الوجيه القيمري المرحوم صالح الحيلاني, ومقابلها حارة تلة سوق القاضي التي كان يسكنها السياسي البارز المرحوم جميل الإلشي رئيس الوزراء السابق, وإذا سرت بضعة أمتار رأيت حارة صغيرة, كان يسكنها عدد من عائلات دمشق البارزة, وفي الزاوية أقيم صنبور يتدفق منه ماء الفيجة القراح, الذي كان يمون سكان الحارة بالمياه للشرب والغسيل, وإذا انحرفت إلى اليسار ودخلت حارة موازية, وجدت (مدرسة القطط) التي كانت تؤوي القطط المسنة والتي أوقف لها بعض رجال الحارة مالاً لإطعامها و العناية بها, فإذا تركت المدرسة وسرت حثيثاً في محلة السيدة رابعة وجدت مقاماً خاصاً بها ومصلى وعدداً من البيوت التي كان يسكنها أغنياء الحارة من أمثال آل الشهبندر الزعيم السوري الذي اغتيل في الأربعينيات, وآل الخانجي والقضماني و الرباط والسمان والأسطواني والخيمي والحجار والدهمان والخرسا والنشواتي, وإذا تجاوزتها, مررت بمشغل فيه أنوال يدوية ثم اسطبل للخيل, لتجد فسحة سماوية, عن يمينها بيتان عريقان هما بيتا العاقل والغميان, أقرباء عصام المحايري المعروف. ‏

في المصلبة كانت حوانيت الحلاق والنجار والصيدلي, وباعة الخضر والحليب والبزورات ودكان خاصة تبيع لوازم الخيل والخيالة, ثم ترى جامع فتحي الذي يضم عدداً من الغرف لطلاب العلم, ثم دكاناً لشيخ الحارة, وأول معمل لصنع الزبدة في دمشق, وقاعة لصنع النشاء, فإذا انحرفت إلى اليمين وجدت بيوتاً لنخبة من سكان دمشق, وقد كان بيت خالي إلى جانب بيت زريق, بالإضافة إلى كنائس كبيرة وصغيرة. ‏

تقع القيمرية في الطرف الشمالي للمسجد الأموي, وكانت تضم نخباً من المجتمع الدمشقي على اختلاف أديانهم وطباقاتهم, فلماذا تحولت هذا التحول الفظيع؟ لماذا هجر أهلها مجتمع الحارة الجميل ـ ليسكنها أناس مختلفون لا يقيمون وزناً لمجتمع الحارة بعاداته وطبائع سكانه الذين عرفتهم في شبابي, قبل أن أغادر الحارة لسبب قسري؟ ‏

-3- ‏

ولدت في حارتي وترعرعت فيها, وعندما هجرتها آسفاً مع غيري إلى وسط آخر, كان نصف القرن الماضي قد بدأ, ولانشغالي بمهنتي لم أعد إلى الحارة, لكن صورتها بقيت كما تركتها وقد ترسخت في عقلي وقلبي وعيني, حارتي كان يسكنها خليط من فقراء وأغنياء, ورجال دولة ومهن كريمة.. في ألفة وحب و جيرة تساوي القرابة. ‏

كان الطعام يسكبه جار لجار يشتهي أن يتذوقه, وكان الجيران يتساكبون, ويتعاطفون, فرح واحد يخص الجميع, والحزن مشترك, والنسوة يعرن بعضهن المصاغ الذهبي والماسي دون خوف من استغلال أو سرقة أو إنكار, الرجال يحافظون على نساء الحارة كأنهن نساؤهم, والأرملة أم الأولاد أو الفقيرة, لا تعرف من أين تأتيها شوالات الأرز والسكر وتنكات السمن والزيت, ولوازم البيت. ‏

كانت الحارة تتبع نظام تكافل غير مكتوب! الأغنياء يعطون الفقراء دون أن يعلنوا عن أنفسهم, والحارة تمضي ببساطة وصدق وعفوية على هذا المنوال المشرف, ولقد ندمت لأنني تركت حارتي, وندمت أكثر لأنني تركت البيت الذي كان يتعانق مع بيوت أخرى في نظام معماري جميل, والواقع أن ندمي لا يمكن أن يغير من طبيعة المجتمع الذي انتهى فيه مجتمع الحارة, لكن صرختي تأتي من هذا التحول العميق في بنية المجتمع, الذي فقد هويته وصار كالغراب الذي أراد أن يقلد الطاووس في مشيته, فلا هو أحسن المشي ولا هو استطاع أن يعود إلى مشيته الأولى!‏

13 يناير 2010 11:25 م | على الأرض


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

أكتب تعليقاً