رمضان القديم -عادل أبو شنب -تشرين
الكاتب: محمدرمضان القديم
دمشق
صحيفة تشرين
آفاق
الأربعاء 11 آب 2010
يكتبها : عادل أبو شنب 
-1- كنا قبل أن يهل شهر رمضان المبارك بأسبوع, نضع قائمة بأسماء فقراء الحي الذي فيه نسكن (القيمرية), وننزل إلى السوق لنشتري مستلزمات هذا الشهر الفضيل,.
ونوزع ما جلبناه, حتى يشعر الجائع من سكان الحي بأنه لن يبيت على الطوى في ليالي رمضان. شوالات البرغل والأرز والسكر والعدس. وتنكات الزيت والسمن, وما تشتهيه بطون الجوعى يؤمن لهم, وبذلك يحس غني الحارة أنه مرتاح القلب والضمير, لأن مائدة الفقير لن تكون أقل من مائدته في رمضان البحبوحة والخير, تلك عادة التزمنا بها في مجتمع الحارات الذي كان سائداً في ثلاثينيات القرن الماضي, وقد ورثناها عن آبائنا, وهؤلاء ورثوها عن آبائهم, وهكذا لأجيال إلى الوراء.
-2-
كنت صغيراً أول عهدي برمضان, وكنت أجهد لأصوم مع الصائمين, لكنني لصغر سني, كنت (أصوم درجات المئذنة) بنصيحة من جدتي, وكنت أعد لصيامي القصير مائدة تحفل بما لذ وطاب من طعام وشراب. فلما كبرت عرفت أن صيام درجات المئذنة ليس سوى صيام كانت جدتي تسكتني به, فصرت أصوم فعلاً طوال النهار وأنتظر لحظة أذان المغرب, عندما يقبل الصائمون على تناول الطعام في وقت واحد, مهيب ومشبع بالخشوع والطمأنينة الداخلية بأن المسلم المكلف قد أدى فرضاً من فروض تكليفه, وأنه يفطر في تقى لأنه أدى واجباً واحداً من الفروض التي التزم بها كمؤمن حريص على أداء فروضه.
-3-
قبل الإفطار, وأحياناً معه, وفي وجبة السحور تسمع طرقات المسحر على طبلته, فتسارع إلى تقديم شيء من طعامك إليه, فيملأ به طبقاً من أطباق عديدة يحملها في سلة كبيرة, وقد أدهشتني فعلته وقلت في نفسي وأنا ما أزال صغيراً, ماذا يفعل بكل هذا الطعام الذي يقدم له؟ ولحقته ذات مساء, فوجدته يذهب إلى (سوق العتيق) ليبيع السُكب التي حاز عليها, يشتريها منه الأغراب الصائمون من زوار دمشق, التي كانت تترك أطباق الطعام على حافات البحيرات في الأحياء ليأكلها الأغراب, أيضاً.
بعد الإفطار كنا نذهب مع الكبار إلى المقاهي، لنتفرج على (الكركوزاتي) وهو يقدم فصوله في أحد أركان المقهى, وكنا نضحك كثيراً على كركوز وعيواظ والمدلل ودأميئو وغيرهم من شخوص هذا المسرح البدائي الذي كان أُلهية العامة, إذ لم يكن التلفزيون ولا الإذاعة قد ظهرا, وأحياناً كنا نتابع الحكواتي وهو يقص سير الزير أو تغريبة بني هلال, أو حكاية عنترة وعبلة, كان فرحنا بهذه الأمسيات ينسينا جوع وعطش النهار, وكانت تصنف كثقافة شائعة ومتوارثة, كم أنا آسف لأنها انحسرت, وذهبت مثلما ذهبت أيام حلوة قديمة.
-4-
كان شهر رمضان المبارك شهر عبادة في النهار, وشهر صلاة التراويح, والسهر مع تراثيات ذلك الزمان في الليل, ولقد افتقدناها كثيراً, ولكن عسى أن تسد بدائلها الحديثة مسدها, وتبهج مثلما كانت تلك تفرحنا وتبهجنا.
وكل عام وأنتم بخير
12 أغسطس 2010 09:39 ص | تاريخ ينبض
نسخة الطباعة