دراسة لمولدات ثقافة الخوف ومفهوم الحضارة (3)
الكاتب: رغداءدراسة لمولدات ثقافة الخوف ومفهوم الحضارة (3)
جلال مراد
العقدة :
هي ذلك النوع من العلاقة المأزومة تأزماً حاداً وكلما اشتد العزم ” للحل ” كلما ازدادت العقدة تماسكاً على شاكلة العقدة التي تربط خيطين ببعضهما إذ أننا لو حاولنا فك العقدة بين هذين الخيطين عن طريق شد كلا الخيطين في اتجاهين متعاكسين دون دراية بالحبكة التي تم ربط الخيطين بها سيزيد العقدة تماسكاً وترابطاً .
وكما أن للعقد أنواع وأصناف في شبك الخيطين أو الحبلين بعضهما ببعض ، فكذلك هو الأمر بالنسبة للعقد النفسية والاجتماعية وسواهما ، انظر إلى الحبكة في العقدة التي هي موضوع حديثنا ، الحاكم ـ ( وكثير من السلطات الزمنية كالمدراء والمباحث و……الخ ) ـ يأخذ شكل الممثل الرمزي لصورة الأب بكونه مصدر القوة والمنافس الذي لا يقهر في الاستحواذ على الأم ” وهذا تماماً ما يصوره المرحوم سيغموند فرويد في منطلقه الأول في التحليل النفسي وهو حديثه عن عقدة أوديب ” وهذه الأولية ” صورة الأب بكونها مصدر القوة المطلقة في الطفولة تأخذ شكل الحاكم في دينامية إلتقاء الشبيه مع الصورة البدئية لشبيهه الأب ( مع العلم أن هذين الرمزين ما هما إلا خيطين من طبيعتين مختلفتين ) .
إن عملية الربط والحبك التي تتم بين هذين الرمزين تتم بواسطة طرفين أولهما : استعداد المجتمع الذي يتميز بنمط الأسرة الأبوي وبالتركيبة العشائرية، وثانيهما: يتمثل في عمل مدروس وممنهج من قبل الحواة السياسيين الذين يحكمون صوغ العقدة وربطها وتمويهها بالأفكار والحجج والجماليات والضرورات الوطنية وغير ذلك من أساليب التمويه, هؤلاء الحواة المقربون من القصر والذين يربطون العقدة ويفكونها مثلما يفعل السحرة على السيرك أثناء كل خطوة جديدة لتمويهها وتغليفها .
إن الممثل الرمزي يأخذ من القوة والتأثير مكاناً أقوى بكثير من الأب الذي يتحول عبر مرور الوقت إلى مجرد صورة وفكرة خالية من الفاعلية والملموسية الواقعية، لا سيماً أن السلطة الاستبدادية تقوم دوماً بعملية صيانة لهذه العقدة وتطويرها بما تقتضيه أمواج التغيير في العالم، لذلك نرى أن المجتمعات الاستبدادية تعيد انتاج نفسها بأشكال جديدة دوماً .
إن الشعور بالإثم الذي يرافق العاصي لمشيئة أبيه ، والنفي المادي أو المعنوي الذي يتلقاه ذلك العاصي من قبل الأسرة والمجتمع, يتحول إلى شعور بالإثم يصيب الفرد الذي يحاول عصيان الممثل الرمزي أي الحاكم ( وفي ذلك نتيجة خطيرة في فاعلية القوة من الواجهة السياسية إذ أن الصراع في هذه الحالة لا يأخذ بعده الحقيقي والواقعي السليم ولكنه يتحول إلى صراع قائم في الحيز النفسي البحت ” المنطقة النفسانية اللاواعية ” ولا يتعداه إذ أنه يكون على شكل حنق ورغبة في العصيان يأخذ شكل شعور بالإثم نتيجة توجهه إلى محرم مقدس وهو الأب والنتيجة في أغلب الحالات هي ـ وليس كلها ـ طلب العقاب لكي يستريح الواقع تحت مشاعر الإثم من الاحساس بالذنب، وهنا تكون المدخلات: عناصر الاستبداد، والمخرجات: رغبة بالإستبداد ” على صورة عقاب عن إثم لم يحقق واقعياً !!!!!!! ” ) .
هذا بالنسبة للشعور بالإثم أما عن النفي الذي تقيمه الجماعة على العاصي لمشيئة الممثل الرمزي للأب فيأخذ مشروعيته من البدئية المتعلقة بصورة الأب في منطقة النفسانية الحسية “النفسانية اللاواعية”، فالمشاعر الإثمية التي تصيب الفرد الذي يفكر في عصيان ممثل الأب، تتحول عند نفس الشخص إلى مشاعر كراهية موجهة للشخص الذي يقوم بهذا العصيان. والرغبة” المازوشية” في عقاب النفس التي تتملك من فكر بالعصيان، تتحول إلى رغبة “سادية” في عقاب من قام بالعصيان. ويكفي أن نتأمل مشاعر النفي والشماتة للأشخاص المحاربين من قبل الحكام لكي نتبين هذه الدينامية النفسية بجلاء .
إن هذا الترابط بين الأسرة بالمفهوم الشرقي ومقتضياتها الذي وضحناه والاستبداد السياسي ومقتضياته الأخرى ، يشكلان وفق تشاكلهما العقدة التي لا مناص من حلها.
ولكي لا يظن أصحاب العمائم والكوفيات بنا السوء، ولكي لا يفرح أصحاب ربطات العنق فإن ما نرمي إليه من تحليلنا السابق لا يدعو نحو حل الأسرة تمشياً مع النمط الأوربي في الحياة، ونستطيع أن نبين وجهة نظرنا وفق منظورين اثنين:
1ـ وفق منظور مبدأ الحق: الدولة دولة والأسرة أسرة وحالة الدمج بين هاتين الكينونتين التي تقوم بها السلطات الاستبدادية ما هي إلا أحد طرق النصب المتقنة .
2 ـ ووفق المنظور النفسي : فإن واجب الأب والأسرة عموماً هي خلق أشخاص أحرار وليس تفريخ عبيد ينتقلون من ملكية الأسرة إلى ملكية القادم القوي . وهذا الواجب حجته في مبدأ الحق والحق أقوى من العادات والتقاليد والأمزجة الشخصية .
حوار مكرر :
في حال تم طرح موضوع تغيير الأنظمة الاستبدادية على أي إنسان من غير المثقفين، فإن الصمت وتغيير الموضوع هو ما ستقابله من هذا الشخص إذا كان لا يعرفك جيداً!!!، أما إن كان يعرفك أو وجدك ودوداً سوف يسترسل في الكلام دون خوف، وستجد دون أدنى شك قائمة سيرويها لك هذا الشخص من الإحباط والتنكيل والظلم الذي لاقاه هو أو أحد أفراد أسرته أو أصدقاؤه، وستجد بعد هذا الاسترسال أنك ستقف عند جدار لا يتجاوز بعد كل حوار مع هذا الشخص وسواه من الأشخاص، وهذا الجدار ستراه بجلاء بعد السؤال النهائي من الحوار: ما العمل ؟ .
ستجد محاورك يهم بالوقوف ثم يجلس يتلفت ذات الشمال وذات اليمين، ثم يجيب بانفعال: يا أخي لا يوجد حل . وعندما تذكره بما أدلى به منذ قليل بأن سياسة الاستبداد مبنية على: أضرب المربوط بيخاف السايب . ستراه قلقاً محتاراً ويخلص إلى نفس النتيجة: المهم أن يعتني الإنسان بأولاده وأهله . لا يوجد حل .
هذا الجدار لن تجده عند الأناس الذين منّ الله عليهم بنعمة الثقافة، إذ أنهم سينتظرون منك تقديم الحلول وعملهم أن يثبتوا فشل كل حل على حدة وبروح حضارية ليوصلوك إلى النتيجة التي أوصلك إليها (الإنسان العادي) على حد تعبيرهم. ونستطيع أن نجمل الأفكار والآراء على اختلاف ألوانها ومشاربها التي يسوقها المثقف في مرحلة ما بعد الجدار بثقافة الخوف النخبوية، وفي عموم الأمر فإن هذه الكائنات تندرج بأغلبيتها تحت اسم المسخ الذي بينا معالمه في مقالة سابقة. وقسم منهم ليسوا سوى ضحية الخوف الذي عمل عمل كرة الثلج التي كلما تقدمت كلما كبرت مع اختلاف أن نتف الثلج تعادل الأفكار والقناعات والمشاعر .
وبعد أن تكرار هذه العملية مئات المرات أو آلاف المرات ستجد نفسك أنك تكرر نفس المعاني بألفاظ متعددة جداً وسيتضح الجدار آنف الذكر لك بوضوح شديد .
وصف الفيلسوف أفلاطون الحكماء بأنهم من امتلكوا الشجاعة ليخرجوا من الكهف!!! . – ذلك الكهف الذي يحتوي على البشر الجاهلين- نحو الخارج حيث الضوء والحياة بتعددها وألوانها وحالاتها، حيث الأشجار والعشب والأنهار .
كما أن فيلسوفنا في سياق آخر يصف الحكيم بأنه ذلك الشخص الذي يتحلى بخصلتين هما المعرفة والشجاعة . ويصف أفلاطون لحظة الخروج من الكهف بأنها لحظة مخيفة بالنسبة للشخص الذي اعتاد الظلمة فإنه يتردد ويضع كلتا يديه على عينيه وقد يعود أدراجه خائفاً من الضياء (ويشكل الضوء بالنسبة لأفلاطون وبالنسبة لكثير من الفلاسفة والأديان معادلاً للحقيقة) .
إن الجدار آنف الذكر يعادل الخروج من عالم العبودية إلى عالم الحرية ولحظة الخروج هي بالضبط لحظة التغلب على الخوف بعد تردد، أو طول تردد . هذه اللحظة هي لحظة نوعية نستطيع أن نحدد من خلالها كينونتين وحياتين وبالتالي شخصيتين، أنا قبل العبور، وأنا بعد العبور .
لا يستطيع من هو داخل كهف العبودية أن يسمع حفيف الأشجار ولا يستطيع أن يرى العشب الندي ولا يستطيع أن يشعر بذاته تلك الذات الإنسانية الجميلة والخلاقة المحبة والفاعلة .
الشخص الحر هو الشخص الذي يتحمل مسؤولية أفعاله، هو ذلك الشخص القانوني الذي يرفض فكرة الوصاية، وهو ذلك الشخص الذي ـ بالتوازي مع ذلك ـ قد قبل بفكرة الحدود على أنها الفكرة الوحيدة التي تحفظ شخصيته بكونها شخصية حرة وشخصية سيد، الحدود شرط للحرية وهي الفضاء الحقيقي الذي يمكنني من الانتقال والاختيار والمحبة، وهو الذي يتيح لي التملك والتخلي عن الملكية، هو الفضاء الذي يجعلني أحس بشروق الشمس وبمغيبها ويجعلني أحس بالزمن وتحولاته .
إن الحيوان فقط هو من لا يدرك الزمن، وهو وحده الذي لا يحزن ولا يفرح، ولعقود طويلة ربما لم تنته إلى الآن يعامل العبد معاملة الحيوان، معاملة الطاقة الطبيعية الغفلة كالأنهار والبترول والأرض القابلة للزراعة، ما زال يعتبر رأس مال قابل للاستثمار والبيع والشراء .
والذي يجد في كلامي نزعة للرومانسية والخيال فما عليه إلا أن يفتح أحد الجرائد الأكثر انتشاراً في بلادنا تلك الجرائد الإعلانية ليجد القوائم التي تعلن عن أسعار السيارات والموبايلات والأدوات على اختلافها . وإلى جانب كل هذه القوائم سيجد أخونا المشكك، قوائم خاصة بسوق البشر “وسوف أستعرض بعض النتائج من تأمل هذا السوق في مقالة لاحقة”.
ولا بأس من أن يدخل من يرى في ذلك نوعاً من الخيال إلى مكاتب الخدم، أو يتجول في بعض الساحات المنتشرة في مدننا ليتأمل الذين يجلسون على الأرصفة عارضين أنفسهم لمن يمتلك المال لكي يعملو%
29 نوفمبر 2009 12:22 ص | مفاهيم
نسخة الطباعة