خواطر تسر الخاطر – بعد إذن أخينا زكريا تامر (2) جارك وابن بلدك: هل هو عبء عليك؟

الكاتب: محمد

خواطر تسر الخاطر – بعد إذن أخينا زكريا تامر (2)
جارك وابن بلدك: هل هو عبء عليك؟

محمد شاويش- برلين

قلما نفكر في واقعة تجري أمام أعيننا وهي محاولة الإعلام إقناعنا بأن أبناء بلدنا عبء علينا كما نحن عبء عليهم!
ألا نسمع ليل نهار أن التكاثر السكاني عندنا (لا يقال تكاثر بل يقال “انفجار” للتعبير عن الطابع المهدد لهذا التكاثر) هو سبب مصائبنا من فقر وبطالة وتلوث بيئة وما شئتم؟
كل ولد جديد صرنا نرى فيه عبئاً مقبلاً على مصادر الطبيعة وعلى مقاعد الدراسة في التعليم قبل الجامعي وبعده.
قد يكون جارنا لطيفاً ولكن الإعلام المكثف يدفعنا لتمني أنه لم يوجد، وبآلية نفسية انعكاسية سنستنتج أننا نحن أيضاً مهددون في كل لحظة أن “نؤثّم” (بالبناء للمجهول) لمجرد وجودنا في هذه الحياة!
وحين نفكر لا نتبع في تفكيرنا الطريق المنطقي أو طريق المصادفة بل ثمة قوالب ومناهج تفكير تصب في أذهاننا عبر الإعلام، فكأنها تعد لكل فكرة طريقاً تسير فيه لتؤدي للنتيجة التي ترغب فيها الأيديولوجيا الاجتماعية المسيطرة، وفي زماننا هذا حيث يكاد المجتمع عندنا يختنق بأسئلته التي لم يجب عليها ومهامه التي لم ينفذها يقود الطريق الذي تضعه أمام فكرنا أجهزة السيطرة الفكرية إلى الشعور باليأس وإلى تشاؤم هو شر من تشاؤم أبي العلاء، فالمواطن لن يقول: “هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد”! بل سيقول: أنا بمجرد وجودي في هذه الحياة جان!
وقد خطر لي في هذه الخواطر التي أريدها أن تسر الخاطر أن أتساعد معكم في شن حملة معاكسة لهذا الاعتقاد المعادي للإنسان الذي يتغلغل كالداء الخفي في وعينا للواقع وممكناته.
لهذا سأطرح أمثلة لصالح جاري وابن بلدي:
يا ترى لو أن بيتك احترق فهل سيسوؤك أن يوجد جيرانك إلى جانبك وهم يطفئونه؟
لو أن شارعك الوسخ الذي تراه بعين الاشمئزاز ولا تعرف كيف تغير منظره وجد منك ومن جيرانك همة واتفاقاً على العمل الجماعي لتنظيفه وترتيبه، أفلن ترى بوضوح أن وجود جيرانك نعمة من الله وليس بنقمة، فقد ساعدتهم وساعدوك على جعل الحياة أجمل؟
لو أن كل تلميذ ضعيف في الحارة وجد ممن تقدمه في الدراسة من أبناء الحارة معلماً مجانياً يأخذ بيده في طريق التخلص من نقاط ضعفه، ألن يبدأ الجيران يحسون أن وجود جيرانهم خير، وأن الأحسن أنهم وُجدوا وليس من المرغوب فيه اختفاؤهم!؟
لو أن كل قليل خبرة في مجال معين استطاع أن يأخذ الخبرة من جار له مر بالتجربة الكافية ليفيده فكيف سينزعج المستفيد من ظاهرة وجود الجيران؟
هل كان الفلاح قديماً يستاء من “العونة” التي يقدمها جيرانه له حين يحتاج إليهم في عمل من أعمال الزراعة لا يستطيع القيام به؟ (ولعل أغنية “الدلعونا” هي تسجيل قديم لهذا التداعي “للعونة”).
لو أن عدواً لنا هجم علينا ألن يسرنا أن يكثر في صفوفنا المدافعون، أي الذين كنا نعدهم عبئاً وثقلاً ثقيلاً؟
جاري يبدو عبئاً علي حين لا يظهر وجهه الفاعل العامل المعطاء بل يبدو فقط وجهه البليد المستسلم الكسول أو المستغل.
وحين نغير من سلوكنا الاجتماعي ونبني بيئة متعاونة نشيطة مسؤولة سيصبح جاري هو “الخير والبركة” حقاً وفعلاً.

31 أكتوبر 2009 01:44 ص | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 3 على “خواطر تسر الخاطر – بعد إذن أخينا زكريا تامر (2) جارك وابن بلدك: هل هو عبء عليك؟”

  1. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    مسألة الشعور بعبء زيادة السكان له علاقة بالإمكانات المهدورة أيضاً, ففي بلادنا مثلاً نشتكي من زيادة السكان وضعف الموارد رغم أننا نهدر ما بين أيدينا أصلاً ولا نستفيد من ثروات بلادنا إلا على نطاق محدود جداً, فيه استنزاف لهذه الموارد وليس استثماراً واعياً ومنظماً لها.
    ولنضرب مثالاً بالماء, الذي صرنا نسمع أجراس الإنذار تُضرب في كل مكان بشأنه, وأن الكميات الموجودة منه لا تكفي التزايد المستمر في استهلاكه, ولكن بنظرة عابرة نجد كيف أننا لا نحافظ على ما بين أيدينا من مصادر مياه, بل نسرف, ونلوث, ونسرق, ونهدر, ثم نشتكي!
    لو أن كل واحد منا اهتم بما بين يديه من نعم سيسأله الله عنها فإننا وقتها لن نشتكي من زيادة السكان بل سنجدها حاجة تمليها متطلبات النهضة التي تحتاج لجهود كبيرة نحن بأمس الحاجة لها.

  2. جلال يقول:

    ما أراه محمد كما ذكرت فالناس عموماً يتجهون نحو الفردية بالمعنى الغربي اعتقاداً منهم بأنه الطريق نحو الحضارة ودافع الأمر لا يعبر إلى عن نزعوة استلابية تم ترتيبها من قبل الشركات والمؤسسات الغربية منها والمحلية المرتبطة مع الغرب عبر وسائل الإعلام ، لكن التعارض بين هذه النزعو الممنهجة والثقافة الأهلية دوماً تعارض صراعي
    المشكلة أن من لديهم المال هم الذين يقررون الطبع العام ، على سبيل المثال الجرائد والقنوات الفضائية رغم وجود طواقم جيدة وكثير منها مبدئي إلا أن السياسة العامة للوسيلة الإعلامية يضعها المدللون المستغربون ، الوسيلة الإعلانية تحتاج إلى الإعلان كأساس مادي للمجلة والإعلان عند تلك الطبقة وبالتالي إن أي شيء يؤثر على تلك الطبقة سيجفف مصادر الحياة للوسيلة الإعلانية .
    لاحظ معي أن سوق الموبايلات والاتصالات ينمو طرداً مع شح العلاقات الاجتماعية مثال الجار الذي ذكرته ، سوق التعليم المادي والتدريب يقتضي بالضرورة النظرة المادية والمنفعية عند المدربين والمعلمين ، لذلك أرى أن هذه العملية هي عملية صراعية بين طرفين غير متكافئين بالقوة وعسى أن يكون موقعنا هذا صوت الذين لا صوت لهم

  3. عماد العبار يقول:

    في الحقيقة الموضوع مهم ويتعلق بإحساس الناس بالشأن المجتمعي وبالتفاعل مع الآخرين .. فيستطيع الباحث أو المتأمل أن يقدر من خلال تقييم نظرة الناس لهذا الأمر طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع ككل ، ومدى تطوره ونوعية العلاقة بين أبنائه ..
    منذ اليوم الأول لدخولنا الكلية ، ساد جوٌ عام ، بت أشعر من خلاله أننا بدأنا صراعاً مع الزمن ومع الدفعات التي ستتبعنا بالانضمام إلى الكلية ، ومع مرور السنوات الدراسية أصبح العديد من الأساتذة يكررون شكواهم اليومية قبل بدء محاضراتهم بسبب زيادة عدد الخريجين سنة تلو الأخرة ، وانتقلت ” فوبيا العدد المتزايد ” إلى الطلاب فأصبح حديثاً يومياً ، وازداد معه الشعور بخطر الصراع على لقمة العيش المستقبلية ، وكأننا في غابة ، بل على العكس ربما ظلمت الغابة لأن الغابة مبنية على توازن بيئي وتعايش حيوي بين مختلف الأنواع ، أما الأدغال البشري فلها طابع خاص ، يتسم باللامنطقية في التفكير
    ففي مثال الجامعة يشعروننا مثلاً أن العدد المتزايد سببه الانفجار السكاني ، فإن كان هذا صحيحاً فالمفروض أن تزداد فرص العمل مع ازدياد عدد السكان وتوسع نطاق الخدمات ، لكن هنا يشعروننا أن عدد الخريجين يزداد مع ثبات التعداد السكاني .. في ظل انفجاره طبعاً والذي قد يذكر في سياق آخر وليس في هذا السياق …
    هذا مثال فقط عن حالة اللامنهجية واللاتخطيط وعدم العمل على الخروج بحلول تستثمر هذا الأمر … هذا من جهة الإدارات والهيئات المسؤولة عن ذلك
    أما بالنسبة للمواطن ، فللأسف لايزال الطابع السلبي هو الأكثر تحكماً وانتشاراً ، بينما تجد الفكرة الإيجابية الفاعلة والمفعّلة عقبات وعوائق جمّة ، بسبب النزوع نحو الأنانية والتفكير السطحي القصير الأمد ، وانعدام شعور المواطنة ربما أو انحداره ، ليصبح مجرد شعارات مفرغة ، وأظن أن العمل الاجتماعي لابد وأن يبدأ بالتركيز على مثل هذه الأمور التي تعتبر مشاعرية حسية بالدرجة الأولى ، ويجب أن يتم بناؤها من داخل الأسرة بدايةً …
    وشكراً لكم
    عماد

أكتب تعليقاً