خواطر أثارتها خواطر 5

الكاتب: رغداء

 

أغنية برنامج خواطر

خواطر أثارتها خواطر 5

(1)

 رغداء زيدان

 من البرامج الجميلة التي تابعتها في رمضان الفائت برنامج خواطر 5 الذي أعده وقدمه الأستاذ أحمد الشقيري, والذي اختار أن ينقل لنا فيه بعض الأخلاق اليابانية التي رأى فيها عماد النهضة اليابانية, كاحترام الإنسان, واحترام العمل, والاهتمام بالنظافة, والتواضع, والأمانة, والمسؤولية, والإحساس بالآخر, والعمل الجماعي, والتنظيم, والمطالعة, والرفق بالحيوانات…..إلخ.

والبرنامج قيّم بالفعل ومفيد, وقد أمدني شخصياً بكثير من الأفكار الجميلة فيما يخص عملي التربوي واهتمامي النهضوي على الرغم من وجود بعض الثغرات التي لا يخلو منها أي عمل بشري فالكمال لله وحده.

ولعل الفكرة الأساسية التي ركّز عليها البرنامج هي فكرة التربية, وكيف أن هذه السلوكيات النهضوية المنتشرة في اليابان والتي أصبحت عادات لا تحتاج لتعليل, فهي أعمال بديهية (كنا نرى اليابانيين الذين سألهم الشقيري عن الأسباب التي دفعتهم للاهتمام بنظافة الحديقة التي يتنزهون فيها يستغربون سؤاله هذا لأنهم يعتبرون هذا أمراً بديهياً لا يحتاج لتعليل!), هذه السلوكيات التي أصبحت عادات كما قلنا, ترسخت في المجتمع الياباني عن طريق التربية, سواء في المدرسة أم في البيت. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية التربية وأهمية غرس السلوك النهضوي في نفوس الصغار, وتمثله حتى يصبح عادة.

 

ومن خلال عملي التربوي أجد أن مناهجنا مليئة بمثل هذه الدعوات لالتزام سلوكيات نهضوية جميلة, فهناك حث على تمثل أخلاق غاية في الرقي والجمال, كالصدق والإيثار وحب الوطن وضرورة تحمل المسؤولية والتعاون والتسامح…إلخ, وهناك بيان لفوائدها وأهميتها في الحياة, وفائدتها على المستوى المعيشي المحلي والعالمي, الدنيوي والأخروي.

وإذا رحت تسأل أي طالب عن أهمية الأخلاق الحسنة وماهيتها لوجدت إجابات رائعة وجميلة وذكية أيضاً. ولكن لو رجعنا للواقع فإننا لا نجد لكل هذا أثراً في التعاملات وفي السلوك, فما يتعلمه الطالب في المدرسة يختلف اختلافاً كبيراً عما يراه خارجها, وعبارة “كلام مدارس” جملة معبّرة تماماً عن أن ما يتعلمه الطالب في مدارسنا هو للمدرسة فقط, ولا يخرج للتطبيق العملي في الحياة أبداً.

ونتساءل الآن ما الذي يجعل الأخلاق اليابانية التي يُربى عليها الطفل الياباني قابلة للتطبيق العملي, ومطبقة فعلاً على أرض الواقع, بينما أخلاقنا تبقى حبيسة جدران المدرسة, بل هي في الحقيقة حبيسة أغلفة الكتب التي تحث عليها, لأننا لا نرى أثراً لتطبيقها حتى داخل جدران المدرسة؟!

 

إذا حاولنا الإجابة عن هذا السؤال فلا بد من الإجابة عن مجموعة أسئلة تشخيصية إن صح التعبير, حتى نستطيع تحديد الخلل الذي أفقد أخلاقنا فعاليتها وقابليتها للتطبيق العملي. فهل الخلل في ماهية هذه الأخلاق؟ هل يتعلم الياباني أخلاقاً نهضوية غير تلك التي نعلمها لأطفالنا مثلاً؟ هل الصدق الذي يتعلمه الياباني يختلف عن الصدق الذي نعلمه لأطفالنا؟ هل الأمانة في اليابان تختلف بمفهومها عن الأمانة عندنا؟ هل تحمل المسؤولية والالتزام بالنظام وحب الوطن وغيرها من الأخلاق النهضوية نجد لها شكلاً مختلفاً في اليابان؟

أعتقد أن الاختلاف لا يكمن في ماهية الأخلاق التي يتعلمها أطفالنا وأطفال اليابان والأطفال في كل بقاع الأرض, ولكن الذي يختلف هو طريقة تعليمها حتى تصبح سلوكاً مطبقاً عملياً. ففي اليابان لا يتعلم الأطفال ضرورة النظافة دون أن يقوموا هم بأنفسهم بتنظيف مدارسهم, مع معلميهم, كل يوم. ولا يتعلم الطفل عدم الإسراف, ويترك في صحنه نصف طعامه ليرمى في الزبالة. ولا يتعلم الطفل الياباني ضرورة احترام النظام ويُترك ليخرج من مدرسته من غير نظام وبفوضى عارمة كالتي نراها في مدارسنا.

إن ما يتعلمه الطفل الياباني نظرياً عن الأخلاق النهضوية لا يُترك نظرياً فقط ليحفظه الطالب ويقدم فيه امتحاناً, بل يتحول إلى فعل عملي مطبق في المدرسة قبل أن يطبق خارجها, وبالتالي فإن هذا التطبيق يصبح عادة مترسخة ليست بحاجة لحث وتذكير وتعليل وتبرير وتشجيع.

إن ما نفتقده في مدارسنا هو هذا التطبيق العملي لما يدرسه الطالب نظرياً, بحيث نُخرج هذه الأخلاق النهضوية من أغلفة الكتب لنجعلها عادات متبعة ومطبقة على أرض الواقع. طبعاً فإن هذا العمل (وأقصد به التطبيق العملي لما يدرسه الطالب نظرياً من أخلاق نهضوية) لن يؤتي ثماره, ولن نجد أثره على أرض الواقع تغييراً جذرياً لتلك السلوكيات الانحطاطية المنتشرة في مجتمعاتنا, ما لم يتعزز هذا التطبيق خارج المدرسة, فتنتقل هذه الممارسة إلى البيت, ويُشجع الطفل عليها, حتى يتعودها ويمارسها بتلقائية, وهنا تبرز بقوة مسؤولية الأهل تجاه أبنائهم, وتجاه وطنهم ودينهم.

 

 

  

24 سبتمبر 2009 01:14 ص | سلوك و وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 9 على “خواطر أثارتها خواطر 5”

  1. محمد يقول:

    مقال مفيد قيم موجز.
    والأستاذة رغداء اقتصرت على دور المدرسة.
    وهو مهم طبعا
    لكن السؤال: فما العمل مع الكبار الذين تجاوزوا سن المدرسة؟

  2. رغداء يقول:

    شكراً أستاذي الكريم

    أما جوابي فسيكون في خاطرة آخرى إن شاء الله
    ذلك أن برنامج خواطر 5 أثار أكثر من خاطرة في بالي كان سؤالك أحدها

  3. Somar يقول:

    نحنا أهم ما يتعلمه الأطفال في المدارس هو النفاق…

    الأستاذ “لا تقطف الأزهار من حديقة المدرسة….”

    التلميذ “ما هوي وينها الحديقة بالأول..”

    الأستاذ بيجاوب شي جواب غير منطقي وهي أول لحظة بتعلمو فيها أطفالنا النفاق… ومبدأ خلص لا تدقق إنت بس احفظ ((حكي مدارس))

  4. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    أهلاً بك أستاذ سومر
    زرت مدونتك وأعجبني فيها أسلوبك في الكتابة, وأتمنى منك أن تنقل لنا بعضاً من مشاهداتك في اليابان, طبعاً نحن لا نريد مشاهد تشبع فضول السائح, ولكننا نريد مشاهد تسكن قلق الباحث عن أساليب النهضة
    أرجو أن أجد لك مقالات في مجلتنا قريباً

    تحياتي
    رغداء

  5. بيـة الاطرش يقول:

    السلام عليكم
    تحية لأعضاء الموقع الكريم
    شكرا جزيلا أختي على هذا الموضوع، محقة جدا فيما ذهبت إليه وأعتقد أنّ أهمّ درس وأوضحه يمكن لنا أن نستخلصه في هذا الصدد: هو أنّ ما نستطيع غرسه في نفس الناشئة يصعب جدا أن نمحيه في سن الرشد. وهذا صحيح في حال غرس الأخلاق الطيبة أو العادات السيّئة لذلك فمن الصعب تغيير سلوكيات الكبار.
    بانتظار تحليلاتك القادمة
    وفقك الله

  6. عبد الكريم أنيس يقول:

    بين الرجاء و التطبيق بون واسع و مقدار شاسع
    هباء منثور كل جهد أو خلق أو حتى زراعة لمسلكيات لا يعاضدها قانون صلب لا يعرف التمييز بين مسؤول كبير و الحاشية و مواطن بسيط يكتسب قوته و عزمه من أخلاقيات جمعية تشارك أفراد صحيحو البنية العقلية و النفسية في صياغته و تطويره بين الفينة و الأخرى ليلائم متغيرات تفرضها هجمات إعلامية بصرية لا مسؤولة جعلت من غوغائية القدوة الإعلامية السلبية اللامنضبطة مسلكياً نمطاً يحاكيه الكبير و الصغير على حد سواء و في هذا مسؤولية تثقل كاهل المربين و مناصري التربية،بوجهها الحقيقي،على حد سواء

    إن الإنفلات المرتهن بشيوع التفلت من المسؤولية
    يلف مجتمعاتنا كما تتلف الأعاصير بثوان معدودة ما تحاول الغيوم المثقلة بالخيرات مع ،جهود المزارعين،تربيته في سنين، فنجد أن الجماعات المثالية البالغة النقاء تصطدم بواقعية الفساد باشكاله المختلفة،إجتماعياً و ثقافياً و حتى دينياً شكلياً، كمسلكيات بديلة لما ألفوه كبديهيات لا تحتاج نقاشاً،ففي بعض المجتمعات المتمدنة نجد تفاعلاً مباشراً مع كل ما يشوه هذه الأخلاقيات أو تلك المسلكيات فلا يحتاج أحدهم مثلاً أن يكلف نفسه بتربية جيران جعلوا موسيقى صاخبة عنواناً لقلة التربية و التهذيب فهناك من سينوب عنه

    ممثلاً بالسلك التنفيذي الذي سيتكفل بهذه المهمة
    أما إن كان هذا الممثل مستقيلاً عن كثير من مهامه أو غير متفرغ لها تماماً أو حتى ليس ملائماً لتطبيقها لإنصباب اهتمامه على أولويات أخرى يعتبرها أكثر أهمية مثل”جمع غلة أكثر كاستثمار ليس عليه من محاسب”أو “التفكير بكيفية سد العجز المالي الشهري “أو”عدم الإكتراث إلا بالأمور التي يعتبرها هو حرجة”أو”لأن ما يجري ليس من مهامه”فسنجد دوماً خللاً بنيوياً صعب التصحيح سيظل يلاحق مجتمعاتنا التي لا تحتاج سوى من يراقب بعض التصرفات التي تضحو أعرافاً فاسدة مسّلماً بها حين يغيب الرقيب

  7. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    أستاذ أنيس ألا تعتقد أننا إذا استسلمنا لمنطق الإحباط هذا فإننا سنغوص أكثر وأكثر في وحل الانحطاط؟
    ما رأيك في بيت تلهى عنه الوالد وراح يصرف ماله على ملذاته ولم يكترث ببيته وأسرته, بل أذاقهم صنوف المقت والتضييق هل سيفيد استسلام الأولاد وتخليهم عن تربية أنفسهم, وتوجههم لتقليد فساد والدهم أو حتى خضوعهم لتلك العقد التي ستزرعها التربية الفاسدة؟
    إننا في مجتمعاتنا التي تعاني من غياب القانون لنحن أحوج ما نكون لكي نفعّل تلك الجهود المثمرة, ولا نقتلها باليأس والإحباط, ويجب أن لا نيأس مهما شاهدنا من مظاهر فساد, بل يجب أن لا نترك الساحة للفساد والفاسدين يفعلون ببلدانا ما يشاؤون بحجة أن جهودنا لن تلاقي آذاناً مصغية أو تجاوباً مرضياً.
    أعتقد أن سد الفساد المنيع الذي يحجب عنا نور النهضة سيدك بجهودنا مهما كانت صغيرة لكن بشرط أن تكون مستمرة

    أشكرك

  8. عبد الكريم أنيس يقول:

    لا أريد أن أصيبك بالاحباط
    لكن ما بالك بوالد شمولي منع عنك التنفس خارج ارادته المرتهنه بقداسة التنزيه ،لا يسمح لك بتطبيق أي شيء ايجابي تعلمته من أي مكان في العالم و اذا ما حاولت القفز فوق تشريعاته التي لا تقبل الجدل أو حتى تفوهت لتفعيل بعضها ظلت أذناه من طين و عجين حتى صرنا نعرف بأهل الطين كزيادة على أحوال الركون و التسليم و اذا ما حاولت أن تكون يوماً قدوة لأخوتك أرهقهم بالإنصياع تارة بالتهديد و تارة بالوعيد عن الخروج لغير ما يريد!!!
    ساسألك سؤالاً ؟
    ما هو مبلغ الحدود التي يظل فيها الإنسان صانع نفسه؟ هل يمكن أن تعرف فردية الإنسان إلا عن طريق مجموع العلاقات الفاعلة التي يقيمها كل إنسان مع أقرانه ومع من ينظمها وفق علاقة معينة من الانضباط!!! . إن كل فرد يشكل واقعاً محدثاً بمعنى أن الفرد، بالمكان الذي يشغله من الطبيعة والتاريخ والمجتمع ، هو المحصلة الفريدة لمجموع هذه العلاقات، ومثل هذا المفهوم هو الذي يعترف للفرد بأوفر قدر من النجاح ، إذ لا تكفي معرفة العلاقات الراهنة في نظام معين كحالة الفوضى التي تحدث بين ظهراني مجتمعاتنا بل تقتضي معرفتها من خلال عملية تقييم احترام المبادئ و الأسس التي تنظم العلاقة بين هؤلاء الأفراد وهكذا لا يعود الفرد تجريداً أو مجرد فكرة عامة جوفاء وإنما حقيقة معقدة بوصفه المركز والعقد من العلاقات النشطة في صيرورتها الدائمة. والعلاقات بين الأفراد شأن العلاقات مع باقي أفراد المجتمع ليست علاقات آلية (ميكانيكية) وإنما هي علاقات فاعلة ومتحركة ينظمها قدوة فاعلة و مؤثرة ايجاباً و تحافظ على كينونة العلاقة و تنظيمها مع بقية الأفراد… كم من شارع يتأثر بفرد لا يستجيب مثلاً لالقاء القمامة في أوقاتها المناسبة و كم يحتاج الموضوع أكثر من اتصال يضمن عدم تكرار مثل هذه الجريمة التي لم يعد أحد يلقي لها بالاً و الا لأمسكنا بالأسلحة البيضاء و دخلنا عراكات لا نهاية لها مع بقية الأفراد الذين ينتظرون تنظيماً لعلاقاتهم مع بعضهم البعض

  9. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    ما هو مبلغ الحدود التي يظل فيها الإنسان صانع نفسه؟ سؤال وجيه سأحاول الإجابة عنه بإذن الله

    كلامك أستاذ عبد الكريم في الصميم, ولكن اسمح لي أن أناقشه في مقال آخر تراه قريباً بإذن الله

    شكراً

أكتب تعليقاً