حين تختزل قصة آلام أمة (2)

الكاتب: رغداء

حين تختزل قصةٌ آلامَ أمة (2) 

 عماد العبار

 إن التجمع حول الحق ونصرة أصحابه أمر محمود ، ولكن كثيراً ما يتم اللجوء إلى التجمع والعصبة لإبطال حق أو إحقاق باطل ، حيث تعبر بعض العصبيات  عن ميل أنفس أصحابها ورغبتهم بترجيح كفة الباطل الذي يحملونه والذي لايجد له وزناً في ميزان العدل والحق ، ثم يحاول الملتفون حول عصبياتهم  تزيّيف الحقائق وإظهار باطلهم بمظاهر محسّنة ، ولكن الحق والباطل لايميّزان بدقة إلا بعد تحيّيد المصالح ونبذ المطامع والأحقاد ، وإن تعذّر تحقيق ذلك تبقى الكلمة الأخيرة للتاريخ الذي ستكون مآلاته تفسيراً وتفنيداً لقصصه وأحداثه ..

وهذا ماتقدمه القصة التي بين أيدينا ، حيث رأينا كيف أجمع المتآمرون أمرهم لوأد ماقد تمثله شخصية يوسف من قيم وكذلك قربه من الأب (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) يوسف 15 ، معتقدين أنهم بفعلتهم هذه قد حققوا راحة البال ، جاعلين للأحداث بداية جديدة في فترة مابعد غياب الأخ الذي كان مسبباً لأرقهم ومحرضاً لغيرتهم وأحقادهم ، ولكن الأخ الذي لم يكن يملك أن يدفع الظلم عن نفسه ” وهو الذي لو أتيح له أن يدفع الظلم لما قال غير الذي قاله في نهاية القصة فهو المتخلق بأخلاق يعقوب حين فوض أمره إلى الله ” كان ماوقع عليه من ظلم بدايةَ مرحلةٍ من الإعداد الطويل لحمل الأمانة الكبرى ، وكان ما اعتقده الإخوة مكراً بأخيهم بمثابة الخير العظيم له (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) يوسف 15 ، ونحن كثيراً مانبتأس ونضعف أمام العقبات ولكن يوسف يعطينا مثالاً ليس كغيره من الأمثلة …

وكثيراً مايستوقفني موقف يعقوب عليه السلام حين قال (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) يوسف 18، يذهلني صموده أمام مرارة الموقف حيث تحولت شدة الألم ووحشة فراق الأحبة وقسوة ظلم ذوي القربى إلى صبرٍ جميل ، وهو كما قال فيه الطبري والزمخشري أنه الذي لاشكوى فيه إلى الخَلق ، وهو المعنى الذي يوضحه موقف يعقوب فيما بعد حين يقول ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) يوسف 86 ، كيف يتحول انفعاله وغضبه إلى صبرٍ لاشكوى فيه ، ثم تقابل المرارة باستعانة بالله تحمل معاني الصبر بصورته الجميلة الحسنة ، كم تبعد عنّا هذه المعاني وكم نبعد عن التخلق بأخلاق الأنبياء …

وكان قدر يوسف أن يتربى في بيتٍ يعود لواحدٍ من علية القوم ، وهو ماسيحدث مع موسى عليه السلام فيما بعد ، وربما سندرك أن في الأمر حكمةً ما عندما ندرك مقدار العزيمة التي سيحتاجها الإنسان كي يجتاز ابتلاءَ كونهِ محاطاً بكل مغريات العيش الرغيد مع توافر مقومات السعادة والاستقرار ، كما أنه من الضروري أن يفهم صاحب الرسالة تلك العقلية التي تحكم كل فئة من فئات المجتمع على سبيل الوصول للطريقة الأمثل للتعامل مع المواقف المختلفة فيما بعد …

ويُظهر هذا الأمر مقدار العزيمة والإرادة اللتين يملكهما يوسف عليه السلام كما يفسر أيضاً الموقع الذي تحتله تلك القصة من القرآن ، ففي الوقت الذي يعيش فيه في رغدٍ من العيش بعد انتشاله من الموت والعزلة ، ثم تقدم له سيدة البيت نفسها لدرجةٍ كان سيخسر فيها مصداقيته لولا أنه لم يخلق لهذا ، ثم يفضل السجن والعودة للعزلة مجدداً بعد أن كان بإمكانه التمكين لنفسه في ذلك المجتمع ، فأمام مايقدمه هذا النبي المكرم من سهولة التخلي عن متع الحياة والابتعاد عن الجنوح نحو الأنانية والعبث الشخصي بالقيم وهو القادم من المجهول والذي زهد فيه أقرب الناس إليه ، والذي كان يحق له أن يظهر الخوف من مستقبلٍ أكثر غموضاً وأشد قتامةً سيكون بانتظاره فيما إذا وقف في وجه تيار رغبات المجتمع الجديد الذي لايمت له بصلة ولا كرامة له فيه ، أقول أنه وأمام كل هذه المعطيات كان صاحب موقفٍ لانستطيع أن نقاربه ولو مقاربة تخيلية علاوة عن المقاربة السلوكية ، فنحن على النقيض من منظومة القيم التي يجسدها يوسف ، نميل بسهولةٍ إلى الاستحواذ على مانتمكن من الإحاطة به متجاهلين القيم والمبادئ أحياناً ومسخرينها لخدمة ذلك الهدف في أحيان أخرى ، وكثيراً مايمنعنا النعيم المستحدث من مجرد الممانعة أمام رغباتنا خوفاً من العودة خطوةً أو خطواتٍ إلى الوراء الذي نخاف منه بعد أن اعتادت جلودنا رقة كل مرحلة جديدة وحلاوة الاستغراق في طلب المزيد ، تمنعنا تلك المشاعر من الوقوف موقف صدق مع النفس لمحاسبتها ولكنها لم تمنع يوسف الذي ربما لم يعط نفسه الفرصة لتلك الأسئلة المغرضة التي تراودنا أنفسنا بها ، وربما كانت إرادته أقوى من أية أجوبة للدرجة التي أصبحت فيها قناعة ” السجن أحب إلي ” راسخة مع إصرارٍ على عدم الوقوع ولو كان الموقف في ظاهره مأساةً تتجلى في عزلة أو سجن أو ربما اسوأ من ذلك …

وربما غني عن البيان أن القصة برمزيتها ترتقي فوق انحطاط الخطاب الذكوري في بعض أشكاله والذي يميل إلى إلصاق التهمة والخطيئة بالأنثى وتبرئة الذكورة ، فالقصة هنا تمثل قصة قيمٍ قد تختلف فصولها وأدوارها بحسب تخلق شخوصها بالأخلاق المطروحة ، فليس الأب دائماً محقاً في تقييمه وقد لايصدق حدسه في كثير من الأحيان ، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون اجتماع الإخوة على باطل وقد لايكون المتفرد مصيباً ، وليس للخيانة جنسٌ كما لاتُحتم قرابة الدم لزوم الأمانة والمصداقية !

والملفت في محنة العفة هذه أيضاً موقف ذلك الرجل الشاهد من أهلها ، وكيف أنه شهد شهادةً هدفها إظهار الحق مع عدم التحيّز لمن هم من عشيرته وحزبه ، وهو مالم يفعله إخوة يوسف أو واحدٌ منهم على أقل تقدير حين اجتمعوا على تصفيته والخلاص منه ، ولا غرابة في ذلك فكثيراً ما يأتي العدل على أيدي الآخرين وكثيراً مايخذل كلمةَ الحق والصدق أقربُ المقربين  ..

 حوار في الظلمة يذهب بظلمات النفوس :

 ثم كان السجن بعزلته ووحشته أحبّ إلى يوسف الصدّيق من أن يكون مع الغارقين في الظلم والترف وإفساد المجتمعات ، وهو لم يكن ليدعو ربه أن يعزله أو يبعده قبل أن يُمتحن وينجح في امتحانه ، فضرب مثلاً وسجل موقفاً لا يقدر عليه إلا أولو العزم والصبر ، ولم يكن السجن استقالةً من أداء الواجب أو نبذاً لرسالة الحياة ، بل كان عالماً جديداً سطّر به الصدّيق أروع مبادئه وخلاصة تجربته ، وكان ذلك حين استفتاه صاحباه في السجن حول تفسير رؤيا كلٍ منهما ، فقدم في بضع كلماتٍ أروع المبادئ وأشرفها مبتدئاً بنسب العلم والمعرفةِ إلى الله (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) يوسف 37 ، وهو ماننساه عموماً حين ننسب الفكر والعلم والمقدرة إلى جهودنا وحدها وكفاءاتنا الشخصية ، وهذا مايظهر جليّاً في كل نبرات الخطاب المتعالي الذي نعايشه من حولنا ، فلا يتوانى المفكر والمثقف والمبدع أن ينسب إلى نفسه التفوق والتميّز ، وقد يبالغ في نسب الحق لنفسه وإلصاق الباطل بالآخرين ، وكل هذا نتيجة قناعته بأنه الأول والآخر في علمه وتنبهه لما لم ينتبه له الآخرون ، حيث لم يسبقه أحد إلى ماوصل إليه من إبداعٍ في المجتمعات التي يلاحظ بوضوح ارتفاعُ مؤشراتِ غيبوبتها واستفحال مرضها كلما زاد عدد مدّعي امتلاك الحق المزعوم الذي لايأتيه الباطل ..

ثم يتابع يوسف وضع أسس العبودية والتوحيد ورفض إشراك الأرباب المتعددة ذوي السلطان على النفس والتي نجح هو في إيقاف سلطانها على نفسه ، ليؤكد أنه على ملة آبائه من خلال تبعية تعود على المبادئ ولاترتبط بالأشخاص (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ) يوسف 38 ،  فهو يذكر أسماء آبائه الذين يسير على نهجهم مع ذكر الشرط الذي يحكم هذا الاتباع (مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ) ، وهذا هو الشرط الضابط لمسألة الاتباع  ، حيث أنها مسألة بحاجة إلى وعي ومراجعة دائمين لأن المتبَع قد يخرج عن بعض الأسس التي يقوم المبدأ عليها ، ممايستوجب النصيحة والإرشاد …

ويضع يوسف لصاحبيه معالم ذلك الدين القيّم والمنهج القويم (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) يوسف 40 ، منهج الأنبياء والمصلحين ، القائم على اتباع مانعتبره صواباً من الأفكار عن طريق الاستدلال والمنطق والعلم ، ولذلك كان أكثر الناس حسب وصف القرآن (لايعلمون ) فالوصول لذلك المنهج القويم يلزم تحري العلم واتباع أسبابه ، هذا العلم المحاط بمنهجية موضوعية توجب التواضع اولاً ونسب العلم إلى الله والخطأ للعقل البشري وكذلك تُلزمنا بأن نذر الأفكار المعلّبة الجاهزة التي تستمد شرعيّتها وقوتها من هيمنة التصنيفات المعدة لتصفية الخصوم الفكريين ، وهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون مجرد أسماء يسميها المتبوعون ويرددها الأتباع وليس لهم عليها دليل (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) يوسف 40 ، إن المبدأ الذي يستحق الاتباع هو ذلك الذي يُقدّم بدليله وسلطانه ، فإن للأدلة والبراهين المحترمة للمنطق سلطاناً على العقول الواعية يسترعي الانتباه ، أما تلك الأسماء التي لا سلطان لها سوى سلطان التجمهر والتعصب والتخبط في تيه التقليد الأعمى فلتترك ولا أسف على أصحابها ، أولئك الذين يعيشون وحدهم تحت رحمتها ، وليعمل الجميع على مكانته ويبقى الحكم لله في الآخرة ، ومجريات التاريخ تكنس الزبد ويمكث ماينفع الناس (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) ..

كثيراً مايستوقفني ذلك الحوار الذي دار بين الصحبة في ظلمة السجن ، كيف يُحيل يوسف السؤال إلى فلسفة في الحياة ورؤية للكون يتجلى فيها تواضع العالم ونسب العلم والمعرفة الكاملة لله وحده ، والتوحيد مع ترك مايعبد من دون الله من أسماء وأرباب وألقاب لادليل عليها ولا سلطان ، وهنا لابد وأن يوسف يذكر دوماً مالاقاه من إخوته ومن النسوة في بيت مولاه وكيف كان في الحالتين تواطؤٌ على الحق وتغلّبٌ للظلم على العدل ، فكثيراً ماكانت معركة المجتمع ضد يوسف معركة أسماء واتهامات وأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان استمدت شرعيتها من طبيعة الحياة في الغاب ، ولم يكن لها أدنى شرعية إلهية ، وهو مايحدث دوماً حين تطمس الحقائق ويفترى عليها ، وقد يكون هذا سبب الرؤية الكونية التي ابتدأ بها يوسف في حديثه إلى السجينين كمقدمة على سؤال محدد وواضح ، خاصة حين تكون الإجابة الخاصة بالسؤال إجابة بسيطة أيضاً ولكن يوسف استفاض بالتقديم والتأصيل للمنهجية الكليّة واعتنى بها واستطرد ، بعدها تكون الإجابة مبنية على أسس متينة ربما تكون أهم بحد ذاتها من الإجابة نفسها ، وهو مايحيلنا إلى أهمية المنهج الذي يحكم النظر في كل المسائل ..

لقد كان قدر يوسف أن يُلقى في غيابة الجب بعد خيانة إخوته ، ثم أن يلقى في ظلمة السجن ووحشته بعد أن تحولت الرغبة والمحبة إلى كيد ورغبة في الانتقام ، وهذا مايحدث حين لاتكون لتلك المحبة مرجعية التقوى ومخافة الله ، وحين تهدف المحبة إلى التملك وإلغاء شخصية الآخر وسلب قراره فإنها سرعان ماتتحول لحقد وكيد ، ولكن كل ذلك كان يصبّ في خدمة التجربة لتنضج وتكتمل مرحلة الإعداد ..

 قد كان قدره أن يجسد الأمانة في أسمى معانيها ، في مقابل غياب أمانة الإخوة وخيانتهم لأمانة الأب فيهم  حين ألقوا أخاهم في غيابة الجب ، وأمام خيانة امرأة العزيز أمانة بيتها وزوجها ، ثم افترائها على الصدّيق واجتماع النسوة على الظلم ليكون السجن مصيراً وقدراً آخر ، قدرٌ أحب إليه من مجاراة الجموع التي لايغني اجتماعها من الحق شيئاً ، ذلك فقط ليعلم الجميع أن الله لايهدي كيد الخائنين (..

 كان الأمين في بيت سيده بالرغم من الكيد العظيم ، وأمام تواطؤ الجمع على الإيقاع به ، ثم كان الأمين الصادق مع أصحابه في السجن ،  فلم يكن  إحرج الفتوى ليثنيه عن قول الحق حتى ولو كان الحق في كلمةٍ قد يعتبرها البعض نذير شؤم ، فلا مهادنة مع الحق ، ذلك على المستوى الشخصي فما بالنا حين نتكلم عن أمة !

 فهل ينفع الأمةَ كلامٌ معسولٌ وعبارات ترضيةٍ حين نكون أمام مرضٍ عضال يتطلب منّا وقفة حاسمة وتقديم حلول سريعة ، هل تنفع المسكنات أمام جريح ينزف إلى ماقبل الموت بقليل !

إن عبارات الترضية والتربيت على الأكتاف في غير مكانيهما المناسبين سيكونان بمثابة عبارات العزاء المنمقة عند الوقوف أمام جسد أمة تشيّع إلى مثواها الأخير أمام طرب أبنائها ونشوتهم بنهضات مزيفة ..

إن الحل المناسب لبث الحياة من جديد هو في إعادة تحديد المنهج مرّة أخرى ، والرؤية العامة للحياة والكون ، وتأصيل الثوابت من جديد ، عندها يسهل تقديم الحلول المناسبة بعيداً عن التخبط والغوغائية في مقابل منهجيةٍ غائيةٍ واضحة ..

هكذا كان يوسف صادقاً في كل مرحلة ولذلك كان كلامه قاسياً أمام كبرياء امرأة العزيز (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) يوسف 32، فكسر صدق كلامه كبرياء ظلمها وجبروتها الذي زيّن لها استحواذ اهتمام كل من حولها ، فكادت له ..

وكذلك كان الصادق عندما قال الحقيقة المريرة دونما مهادنة لضعف السجناء ، بعد أن وضّح أبعاد النظرة الكونية لهذه الحياة ، والتي تتجاوز أسوار السجن وحدود الأجساد الحيّة إلى ماهو أبعد من الحياة بكثير ، عندها تصبح للكلمة أبعادٌ أخرى ، ومع التزامٍ بكلمة الصدق والعدل ، يضرب الصدّيق مرة اخرى أروع الأمثلة في التواضع حتى في تلك اللحظة التي يظهر فيها الحق على لسان الذين لاقى منهم الظلم (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) يوسف 51 ، يعلنها يوسف وجسده مايزال يعاني قسوة السجن والظلم ، وهو يتوق إلى الانعتاق من الأسر ليمارس دعوته في فضاءٍ من الحرية ، يصرخها لتبقى خالدة مابقيت الدعوة إلى الحق والخير (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) يوسف 53  ..

وما أبرئ نفسي .. إنها عقيدة المصلحين .. عقيدة العارفين بالنفس الإنسانية حتى في لحظات يقينهم بأن مالديهم حق أبلج لا يدنّسه الباطل ، حتى في لحظات ضعفهم أمام قسوة الظروف والابتلاءات ، إنها الكلمة التي تقتضيها معرفة الإنسان لنفسه ، والكلمة التي تقتضيها رحمة الأنبياء بالمخطئين من البشر عندما يتوجهون إلى من ظلمهم في لحظة توبته أن هوّن عليك فإن النفس أمارة بالسوء ” إلا من رحم ربي ” ، وهم بذلك يفتحون أبواب الرحمة والمغفرة لمن هم أولى الناس ” بنظرنا نحن ” بعذاب الله  ..

إن ربي غفور رحيم  …  

حين يعود الأمل من جديد .. 

أمام هذه المعطيات والمقدمات حقّ ليوسف أن يرسل إليه علية القوم الذين ظلموه منذ البداية ، فأعادوا النظر في أمره وتبين لهم صدقه من جديد فأصبح لديهم مكيناً أمين  (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) يوسف 45 ، فكانت تلك المعادلة الصعبة حيث اعترف بفضله من كاد له وظلمه ، لامتلاكه مفاتيح الخلاص ، وكذلك المجتمعات في كل زمن لا أمل لها في نهاية الأمر إلا مصلحوها المخلصون ، مهما كان لكلامهم قسوةٌ على الأوضاع السائدة ومهما كانت لهم تلك القدرة على زعزعة الاستقرار الوهمي !

وبعد أن اعترف الجميع بفضل يوسف ومكانته ، حقّ له أن يطلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض ، بعد أن يظهر الحق ويمتحن الإنسان في صدقه وأمانته ، لم يطلبها إلا وهو جدير بها من حيث الأمانة والحفظ وكذلك حين يُعترف له بعلمه ، فكانت صفاته الحفيظ العليم (قالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) يوسف 55 ، فلقد قدم بالإضافة إلى تفسيره للرؤيا تفاصيل الخروج من الأزمة الاقتصادية المحدقة فقدم رأياً جعله في نظر الملك المكين الأمين ، جعل لهذه الأمة أملاً بذلك العام الذي يغاث به الناس وهو العام الذي لم يرد في رؤيا الملك ، ويمثل ذلك العام الأمل الذي سيوجد طالما بقي في كل أمةٍ أشخاصٌ حريصون على مدافعة الفساد والظلم دون أن يرافق ذلك طمع بالاستئثار بالأمر أو جعله المفصل الأساسي في عملية الإصلاح ، وهكذا كان حال يوسف حين قدم النصيحة دون أن يساوم على خروجه من السجن وقبل أن يُعترف بفضله وصدقه وقبل أن يطلب إعادة التحقيق في مسألة ظلمه ، فكلمة الحق لاتحتمل التأجيل ولاتنسجم مع المساومة ، حيث يبدو أن بضع السنين التي قضاها يوسف في السجن بعد خروج صاحبيه كانت فترة كافية ليتم تمكين صفات الحكمة والعلم والبصيرة في نفسه ، فأصبح لكلمة الحق سلطان قائم لايجاريه أي سلطان آخر ..    

وكذلك بعد أن صبر يوسف على ما ابتلي به وتحلىّ بكل خلقٍ كريم ، وتجلت النظرة الكونية الشاملة في منهجه وعلمه ، كان لابد وأن يصل إلى ما وصل إليه من مكانةٍ فأصبح محطّ أنظار الجميع لأنه يملك من القيم مايستطيع من خلالها النجاة بالسفينة قبل أن تحطمها المطامع في بحرٍ من الظلم والخيانة متلاطمِ الأمواج ، فأصبح وهو في موقعه ترنو إليه الأنظار من بعيد ، ليأتي ذلك البعيد الذي نبذه يوماً في غياهبِ العزلةِ مهرولاً طالباً النجدة والإغاثة …

ثم تضع الأحداث الإخوة مرة أخرى أمام موقف جديد فيه ابتلاء لهم في مصداقيتهم من جديد أمام الأب الذي لم ينسى فاجعته القديمة بعد ، وهم الآن يزفون له فاجعة جديدة ليس لهم بها حيلة ، ولكنهم كانوا قد أعطوه موثقاً وعهداً على حفظ أخيهم وحمل الأمانة من جديد (فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) يوسف من الآية 63 ، حيث أصرّ الأب على أن يجعله ميثاقاً غليظاً هذه المرة (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) يوسف66 ، وتكشف القصة حالةً عجيبة ً من الصبر يجسدها الأب الذي فقد أعز أولاده ، وربما نتخيل أن تجربةً واحدةً تكفي ليُعرف فيها الإنسان ولكن القرآن يرينا هنا أن ذلك الصبر الجميل كان يستحق خاتمة جميلة يجتمع فيها الشمل ويعود إليه أحب أولاده إليه ، ولكن الجدير بالذكر أن القصة تشدد في كل ناحية منها على جملةٍ من القيم الواضحة من صبر الأب وحسن اتكاله على الله وكذلك صبر الابن المظلوم وحفاظه على الأمانة والمصداقية التي لم يستطع إخوته الحفاظ عليها في تعاملهم معه تحديداً ، وأمام هذه القيم المقدّمة تسير القصة بنا إلى نتائج لم تقتصر فقط على الأسرة نفسها التي نشأ فيها ذلك الصراع بين القيم المذكورة والنزعات الفردية والأنانية الأخرى ، وإنما أدى التدافع بين تلك الأخلاق المتضادة إلى انتصار عالم القيم على عالم الحقد والأنانية ، فكان خروج تدافع القيم خارج دائرة الأسرة تمهيداً لدخوله دائرة الدولة ، ليصبح عالمياً بأبعاده وشاملاً بنتائجه وآثاره …

وعندما يمتد ذلك الصراع ويأخذ بعداً شمولياً ستصبح الفرصة أكبر أمام الأفكار كي يعم تأثيرها ، وسيصبح الأمل أكبر بانتصار عالم القيم ، ولم يكن أمل يعقوب ضرباً من الخيال حين قال (عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) يوسف من الآية 83 ، وإنما هو أمل العارف بمآلات الأمور والواثق بالله المتيّقن من معاني الصبر والأمانة والأخلاق العظيمة ، عندها سنجد أن صاحب المصيبة وهو الأب المفجوع بأولاده يبث في الآخرين روح الأمل والتفاؤل عوضاً عن أن يستسلم ليأسه (وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف من الآية 87 ،  وهذه مفارقة عجيبة قد نشاهدها في واقعنا أحياناً حين تجد المصاب بالابتلاء يقف صامداً باعثاً الروح الإيجابية في الآخرين ، روحٌ تنتج عن ثقةٍ مطلقة بالله وتوكلٍ حقيقي مما سيجعله قادراً فيما بعد على النهوض مجدداً ومتابعة حمل الرسالة من جديد ، وهي الكلمات الأولى التي بدأ فيها يوسف مع إخوته عندما أراد أن يربط لهم المقدمات بالنتائج حيث شدد على عاقبة التقوى حين تقترن بالصبر حين قال (أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف من الآية 90 ، إذن نرى أن مايجمع جزئيات هذه القصة نسيجٌ متناغم ، لايمكن فصل مكوناته بعضها عن بعض ، إذ لو انفصلت تلك المكونات لوجدنا أن المقدمات التي رافقت كل قيمة لن تؤدي إلى نفس النتائج والمآلات ، فلا يمكن سلخ صبر الأب وموقفه الراسخ عن ثقته وأمله بالله وبالتالي بعاقبة صبره وأمله وكذلك برحمته بالمخطئين واستغفاره لهم ، وكذلك حال الابن الذي نشأ في ظل تلك القيم فلا انفصال بين الصبر على الظلم والإصرار على حمل الأمانة رغم كل شيء ، وهي منظومة قيم سيصدر منها في النهاية عفوٌ ومغفرةٌ ومراعاةٌ لجهل المخطئين (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) يوسف 89

حتى تصل به الرحمة إلى أن يعزو إيقاع إخوته به إلى أسباب خارجة عن إرادتهم بعد أن لامهم على جهلهم ( مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) يوسف من الآية 100 ، في مقابل لومه لنفسه وعدم تبرئتها في الوقت الذي اعترف فيه المسيئون له ( وما أبرئ نفسي ) ، ثم ليكون بعد ذلك دخول الجميع في ظله آمنين مطمئنين (وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) يوسف من الآية 99، في مقابل عدم حفظهم الأمانة حين فرطوا به ، فكانت لحظات وجوده بينهم أكثر لحظاته خوفاً وفقداً للأمان ، أمام أكثر لحظاتهم أماناً في جواره ..

وحتى لاتبقى المعاني التي تقدمها القصة أسيرة التاريخ ومعلّقة بأشخاص وأسماء وأحداث مضت لتكون في ذمة التاريخ ، ينتقل الخطاب القرآني في امتداد معنوي مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم وجاعلاً لتلك المعاني صفةً عالمية غير محدودة بحدثٍ أو بشخصٍ متجاوزة ًالمراحل الزمنية فهي موجهة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) يوسف 102 ، ليكون الخطاب القرآني المتمم دليلاً على ديمومة هذه القيم وعالميتها حين يتوجه بالكلام للنبي موجهاً (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف108 ، والجدير بالذكر هنا ورود الحديث عن سبيل الدعوة إلى الله وسبيل آخر هو سبيل الشرك ، مع الملاحظة أن القصة في مجملها تختلف عن سير أخرى لأنبياء وقفوا في وجه الشرك والوثنية الواضحين لأقوام تعلن رفض التوحيد وتعلن الإغراق في الوثنية ، فالقصة هنا تتحدث عن جزئيات مختلفة اختلافاً كليّاً ، فالشرك هنا يأخذ طابع اندخال الأهواء والمطامع والرغبات غير المشروعة في نفس الإنسان وتمكنها منه ، بحيث يصبح كيانه خاضعاً لسيطرتها ، بنسب تتحدد بمقدار قدرة هذا الإنسان على دفع تلك الرغبات والتمكن منها ، ويكمن خطر تلك الرغبات في أنها لابد وأن تميل بكفة النفس وتهوي بها مع مايحتمه ذلك الهوى من اعتداءٍ على حقوق الغير ، وهو أمر ليس من السهل التحكم به ولذلك قال القرآن (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) يوسف 106 ، وإن في هذه الوقائع لعبرةً لمن يقرأ مجريات التاريخ قراءةً توضع فيها المقدمات وعواقب الأمور (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) يوسف من الآية 109 ، وهي قراءة تفيد الباحث عن الحق لأول مرّة وللمتشوق لعبر الأيام (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ) من الآية 111 كما تعد سنداً وتثبيتاً لكل من دخل اليأس قلبه أو أحسّ بعدم جدوى الأشياء (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ) من الآية 110 … 

 هذه هي القصة ببعض آلامها وآمالها ..

 وهي أشبه ماتكون بقصة كلّ صاحب رسالة في هذه الحياة ..

وإذا كانت الآلام في هذا العالم قد وصلت لمراحل يصعب تخيلها ، فإن أملنا لايزال قائماً بأمةٍ تنكرت لها بقية الأمم ونسيت دورها وفضلها ورسالتها فأصبحت تشكل بنظرهم عبئاً على الحضارة الحديثة ، ولكننا لانعوّل على هؤلاء البقية الكثير من الإنصاف ، بقدر مانتأمل التعلم من درس العزلة والوحدة ونكران الفضل في عالم لم يعد يبالي بالقيم والأخلاق ولابد لنا من تعلم درس إخوة يوسف ، وأن تكون ابتلاءاتنا طريقاً إلى العودة إلى القمة من جديد ..

فلابد أن تكون القيم هي ماسيحتاجه هذا العالم المخمور يوماً أراه قريباً جداً ، حين تكثر الفتن وتزداد ضراوة الظلم لن يبقى سوى أخلاق يوسف وتواضعه وعفته ، عندها سيعترف الجميع أنهم لم يعلموا على حضارة القيم من سوءٍ سوى سوءُ الفئات المترفة والمضللة والمستبدة ، أما الجوهر فهو موجود وكذلك الحافز موجودٌ طالما بقي من يفضل السجن والموت على رغدٍ من العيش مزيف ، مبنيٌ على متعةٍ مؤقتةٍ تهضم حقوق الآخرين وتقوم على أكتافهم ، وطالما بقي إنسان يكبح رغباته ويكظم أنانيته ويطلق مشاعره خارج حدود الجسد والعائلة ..   

 

29 ديسمبر 2009 12:12 م | مقالات


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

أكتب تعليقاً