حين تختزل قصة آلام أمة (1)
الكاتب: رغداءحين تختزل قصة آلام أمة (1)
عماد العبار
إن أصدق القصص هي تلك التي تلامس مشاعرنا وهمومنا وتعيش معنا أدق وأصعب تفاصيل حياتنا ، وليست القصة إلا حياةً أخرى قد تكون مشابهة لسِيَرنا نحن كأشخاص كما قد تحمل همّ أمة وتاريخها ، وأيضاً أمجادها ونكباتها ، أحلامها وآلامها …
كثيراً مايصيبنا اليأس وتضعف هممنا أمام مانواجهه من مصاعب وإنكار المجتمعات لجهودنا ، بل استهجانها لكثير مما نحمله من القيّم التي نحاول بثّ الحياة فيها من جديد في سعي دؤوبٍ للبحث عن الذات الإنسانية الغائبة في تيه المطامع والترف والغارقة في بحر الشهوات ..
وتعد قصة يوسف عليه السلام من القصص التي تتمحور حول القلوب النقية حين يعتصرها الألم ، ثم ينقلب ذلك الألم إلى أملٍ في تحقيق أحلام أمة ، وهي إذ تمتلئ بلحظاتٍ تخطف أنفاسنا وتزداد معها أحزاننا من شدة الظلم ومرارة الغربة ووحشة السجن ، فإنها لاتبتغي بذلك تشويقاً أو حبكة درامية فمواقف الحياة فيها من التفاصيل ماقد يغني عن ذلك في كثير من الأحيان ، ولكن تلك الحبكة التي أكاد أقول أن نسيجها قائمٌ على وضع أسوأ الاحتمالات بعد تهيئة أصعب الظروف تذهب بنا بعيداً للبحث عن عبرٍ أجزم أن بعضها ظهر جلياً في إصرار القصة على بعث الأمل في النفوس التي ضاقت بها الدنيا (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) يوسف 110 ، فكم من مرةٍ استولى علينا اليأس وفقدنا الثقة بما نملكه من قيم وأفكار ونوايا حقيقية لبعث كيان الأمة ، وتأتي الآيات هنا كعلاجٍ معنويٍ لتلك اللحظات ، وكمرقئ لنزيف الإصلاح على طريق بناء حضارة القيم والإنسانية ..
وتأتي أهمية تلك القصة ومحوريتها كونها تميط اللثام عن الثغرات والعيوب البنيوية التي نعاني منها والتي قد يتم تجاهلها ونسيانها في غمرة التركيز على التحديات الخارجية ، ففي الوقت الذي ننظر فيه إلى كل أشكال العقبات والمعيقات الخارجية ، ننسى ما للبناء الداخلي من أهمية وأولوية في تحقيق الانطلاقة السليمة للنهوض بالأمة ، وهنا تجسد القصة حالة المصلح في محنته مع أهله وأقرب الناس إليه والذين من المفترض بهم أن يكونوا عوناً له في حمل رسالة الحياة ، ولكن تسير الأحداث على غير مانتمنى في أغلب الأحيان ، ففي اللحظة التي تظهر ليوسف بوادر حمل أمر عظيم تأتيه التحذيرات من أقرب الناس إليه ، من والده الذي حمل من الخبرة والآلام في الحياة الشيء الكثير (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِين) يوسف 4 ، يأتيه النصح بأن يلتزم الصمت وأن يكتم أمره عن أقرب الناس له وهم إخوته (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا) يوسف 5 ، إنها أحاسيس الأب العالم بنفوس أولاده ، ونصيحة من يعلم حقيقة ذلك البناء الداخلي ويستطيع أن يلمس النتائج من خلال تحليل ظواهر الأمور فقط .
لقد كان في قصتهم آياتٌ للسائلين :
تضع تلك القصة في كل مرحلة منها الإنسان أمام مرآة نفسه ، وتظهر من خلال أحداثها جزئياتٌ وتفاصيل دقيقة كثيراً ماتصادفنا ونتجاهلها في أغلب الأحيان ، وغالباً مايكون المسكوت عنه في حياتنا هو أصل البلاء ومنبت جذوره ، فعكست من خلال محورها الأساسي معاناة المصلحين مع أقرب الناس إليهم وسلطت الضوء على مكمن الخلل في بنيتنا الأسرية والمجتمعية ، ثم انتقلت بعد الحديث مطولاً في تلك الجزئية التي استهلكت مقدمة القصة ونهايتها وتركيزها شبه الكامل إلى الحديث عن تحديات وعقبات أخرى ستواجه هؤلاء المصلحين ، فقدمت في البداية مقاربة للمعاناة في مختلف صورها ، فكانت محنة الأخ مع إخوته ، وما ارتبط بها من محنة الأب مع أبنائه ، ثم تحولت لتأخذ شكلاً جديداً تمثل في اختبار الأمانة والعفة والنزاهة ، فكان السجن بالمرصاد ، مما أعطى القصة أبعاداً متكاملة وأعطى ليوسف تلك المكانة في زمانه وتلك الخصوصية القرآنية بين الأنبياء ، فلقد شهد نتائج صبره وقطف ثمار رسالته وجاءه إخوانه في نهاية الأمر فعفى وأصلح وكان من المحسنين ..
أول المحن وأشدها :
إن المحنة الأشد في تلك القصة كانت ممثلةً بحال الأب مع أبنائه ، فعلى الرغم من المكانة التي يحتلها الأب تتملك الأهواء أبناءه فتتغير معها بسهولة معاني التقوى والصلاح والضلال في ذهنية الأبناء (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) يوسف 8 ، ومع كل تلك الأهمية والمكانة الرفيعة إلا أن ذلك لم يكن كافياً للأب أمام أبنائه وقد تملكهم الحقد ورغبة الاستحواذ على كل شيء ، ثم كان لابد لهذه الأفكار المتبادلة بين الإخوة مع عدم وجود مصلحٍ حقيقيٍ بينهم أن تجد طريقها نحو أرض الواقع والتنفيذ فكان أن أجمعوا أمرهم وسولت لهم ذهنيتهم المريضة تبديل معاني الصلاح والضلال مرة أخرى (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين) يوسف 9 ، وبالرغم من مداولة أمنيات الصلاح وإعلان شعارات النوايا الحسنة والرغبة بالعودة إلى جادة الصواب بعد التخلص من العقبة المؤرقة ، إلا أن الأهداف ستكون أكثر وضوحاً عندما يتحول الأمر إلى الرغبة في التصفية الجسدية ، وهي غاية المفلس الذي تطارده خيالات من هم أفضل منه فلا يبق له إلا سبيل التصفية للوصول إلى الراحة المنشودة ، ثم تزيّن له نفسه أن الغرض الأسمى من وراء ذلك هو الصلاح الحقيقي ، بل كثيراً مايرسم في مخيلته أن التصفية هي طريقٌ للوصول إلى الإيمان الحقيقي …
ثم تستخدم المصطلحات الإيمانية نفسها لتنسج حول فكر المؤامرة حبكة من التقديس وهالة من الحق المزيف ، فيتداول الجمع كلمات الأمانة والنصح (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) يوسف11 ، ولكنها كلمات لاتتجاوز الكلمات ، تعابير تستخدم لاكتساب شرعية الحق في محاولة يائسة لتقمص تلك الشرعية ، ولكن الحق لايكتسب ببضع كلمات ، ولاتنسجم معانيه مع إطلاق أهواء النفس ونزعاتها ، بل إن الحق والصواب ليقتربان ممن يبحث عنهما بنيّة صادقة ، ويبتعدان عمن يدّعي امتلاكهما دون وجه حق ، دونما دليل أوتمحيص أو دون أدنى اعتبار لحقيقة كون الإنسان معرضاً للوقوع في الخطأ والغيّ ، فمجرد حضور ذهنية العصمة عن الخطأ والتي يلازمها إلصاق الخطأ والباطل بالآخر الضال ” كوجه آخر للذهنية نفسها ” ، أقول مجرد وجود تلك الذهنية يجعل من حالة القرب من الصواب أمراً مستبعداً ، بينما تخلق فكرة إمكانية وقوع الجميع في الخطأ أجواءً مناسبة للسعي الدؤوب نحو الصواب مع الرحمة بالآخر الذي يُعتقد بخطئه !
لقد كانت تلك الذهنية مسيطرةً عند إخوة يوسف مجتمعين وهي التي سوّلت لهم التخلص من أخيهم لكسب قلب الأب الذي سيعيده فقدان الابن إلى صوابه ورشده في نظرهم ، ضمن جوٍ من المفاهيم المغلوطة والقيم المشوّهة ، فحيكت المؤامرة وأحيطت بتلك الدفعة النظرية المشرعنة للخطأ ، فكان التنفيذ ، والذي يحرص القرآن على تصويره دون أن ينسى ذكر الدم (وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بدمٍ كَذِبٍ) يوسف من الآية 18 ،
فالحقد المترافق مع رغبة الاستئثار بكل شيء وإطلاق أهواء النفس لهي مقومات كفيلةٌ بتحويل مسار الأمور لتأخذ شكل التصفية الجسدية فيما بعد ، هذه التصفية التي سيلجأ إليها المفلس من كل القيم الأخرى حين لايتبقى من القيم إلا قشورها ، أو بالأحرى قشورٌ من كلمات مفرغة لاتتجاوز الحناجر ، فهي لم تكن صادرة عن العقل و القلب يوماً ، وإنما تعبر عن الأهواء والمصالح حين تتخذ لعريّها كلماتٍ تستتر بها ، فتبقى مجرد كلمات ، ولو اجتمعت عليها الجموع التي لايستدل من خلالها على الحقيقة حتى وإن تواطأت على طمس معالمها ، فللحقيقة قدرةٌ على إجلاء مايتراكم عليها من زبد يسبب حجبها عن العيون لفترة ، ولكن لابد لذلك العري والخواء الفكري والروحي أن يتبدى للمغيبين عن واقعهم في يوم من الأيام ..
إن تعابير الأمانة والحفظ والنصح كانت تخفي وراءها الرغبة الحقيقية بالتخلص من مكن الأرق (اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يوسف 9، وقد يبدو للوهلة الأولى غرابة أن يصدر هذا الأمر وأن تُحمل تلك المشاعر السلبية من الإخوة تجاه أخيهم ، والغريب في الأمر تصوّر الحالة التي قد تصل الأمور فيها إلى درجة القتل ثم تموّه بمشاعر وكلمات زائفة وتختم بعد فعل الجريمة بالتظاهر بالحزن والأسى بل وبدموع كاذبة كما كانت الدماء المأخوذة من مسرح جريمتهم دماءً كاذبة أيضاً (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ) يوسف 16 ، ولكن حيرتنا أمام هذا الموقف ستتبدد حالما نتذكر قصة أخرى مشابهة أعطاها القرآن حقها وأمرنا أن نتلوها بحقها أيضاً (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) المائدة27
بين نبأ ابني آدم ونبأ أبناء يعقوب :
إن نبأ أبناء يعقوب كان مشابهاً لنبأ ابني آدم ، والقصة بأبعادها غير بعيدة عن قصتنا هنا فعندما تستحوذ الرغبة ويطلق العنان للأهواء يحدث مالا نتصور حدوثه ، فعلى الرغم من حضور البعد الإلهي في العلاقة بين ابني آدم من خلال ورود الحديث عن القرابين تقرباً إلى الله ، إذ كانت طاعة الله حاضرة بقوة في القصة (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ) المائدة 27 ، ولم يكن الخلاف وقتئذٍ خلافاً بين مؤمن ومنكر لوجود الله، بل كان صداماً بين من يتحرى التقوى والخوف من المعصية حتى وإن وصلت تلك التقوى إلى اتقاء شبهة المعصية التي قد تتمثل في ردّ الأذى عن نفسه أو مبادلة الآخر نفس مشاعر الكراهيّة ، وبين طرف آخر سلّم نفسه لأهوائها وأطلق لها حبالها ، فسيّرته إلى ما تحتّمه عملية الانقياد خلف المشاعر السلبية مع تغييب العقل مناط المسؤولية ، بل مناط الإنسانية بأكملها !
ولهذا كان موقف القاتل موقفاً يتناسب ودناءة فكر التصفية الفكرية والجسدية (قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ) المائدة 27 ، وبالمقابل كانت وقفة القتيل وقفة تتناسب وعظمة المبدأ والفكرة التي أشاد بها القرآن (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) المائدة 28 ، فقصة الغدر لم تبدأ بغدر إخوة يوسف به ولن تنته عندها ، وهذا ماجعل يعقوب متنبهاً لمسألة كيد الإخوة لأخيهم حين أمره أن يكتم أمر الرؤية ، فعلم يعقوب بحدسه أن تلك الرؤية ستكون بمثابة دليل على مكانة الأخ وقربه من الله ، وهذا يضاف إلى علمهم بمكانته عند أبيه ، فكان للصراع بين الإخوة في قصتنا هنا بعدٌ دنيويٌ يتجلى من خلال رغبتهم الاستحواذ على قلب الأب ، ومايرتبط به من بعدٍ أخرويٍ أيضاً لمايمثله القرب من الأب هنا من قربٍ من الله بسبب مكانة الأب المعروفة ،وهذا يذكرنا بالحضور الملفت للبعد الأخروي في قصة ابني آدم من خلال مسألة القرابين ، مماسيجعل العناصر مكتملة كي تكون تلك القصة مشابهةً لقصة الكيد الأولى في التاريخ حينما كانت البشرية لاتزال في طور تشكلها وقبل تزايد المطامع وأسباب الاقتتال ، وقد يتفهم الإنسان أن تزداد الصراعات على كل ماهو دنيوي حيث يغيب مع هكذا صراعات البعد الإلهي ، ولكن أن تكون الصراعات محفوفة بشعارات الطاعة وإطلاق الأحكام كما أطلق الإخوة أحكام الخطأ والضلال على أبيهم فتلك نقطة يجب التنبه إليها والوقوف عندها بتمعن ، لأنها تعود بإشاراتٍ على حال الإخوة في الدين والمعتقد ، الذين قد تحكمهم تلك الأخطاء فتحرفهم عن السلوك السليم للوقوع في محظورٍ وخيم العواقب ، وسنستطيع فهم تلك المشاعر وتداعياتها بشكل أوضح عندما نسقطها إسقاطاً واقعياً على حال أمة متشرذمة مفرقة ، ترى كل فرقة في نفسها الحق ، وتنسب الخطيئة والضلال للآخرين ، وإذا أمعنا التدقيق الفكري والتحليل النفسي على مثل تلك الاتجاهات الفكرية سنجدها أقرب ماتكون لحال إخوة يوسف وأخو القتيل المظلوم هابيل ، أي أن الغالبية تملك نفسية ومقومات المعتدي في القصتين ، فكيف للمتابع أن يميّز الصواب في خضم الصراع والتناحر بين مختلف التيارات المتواجدة في الساحة الإسلامية .
كيف يمكن تمييز الرشد من الغي وكيف ندرك أيّها أقرب للصواب ؟
إن معرفة مافي الصدور مسألةٌ تقع خارج النطاق البشري بكل تأكيد ، ولايبقى لنا إلا أن نزكي الطرف الذي يلتزم بأخلاق يوسف وأبيه وكذلك أخلاق القتيل الأول في تاريخ البشرية ، هؤلاء الذين زكّاهم القرآن بأخلاقهم فجعلهم آية للسائلين يحق لنا أن نتلوها بالحق خارج نطاق زمانها ومكانها ، حيث أن يعقوب عليه السلام لم يتجاوز في موقفه حين وقع من أبنائه ماكان يتوقعه فوقف أمام مشهد الدم والغدر قائلاً (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون) يوسف 18 ، ولم يتجاوز يوسف أخلاق أبيه حين قضي الأمر وظهرت الحقائق كلها ، فما كان منه إلا أن بادر إخوته بما يليق أن يبادر به نبيٌ مكرّم فقال لهم (قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) يوسف 92 ، وهو نفس الموقف الذي سيذكره النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين سيقول لقريش ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) ، وإذا كان الموقفان يعبّران عن حالة القوة والغلبة بمعناها المادي بعد أن رجحت الكفة في الحالتين لصالح المظلوم وبعد أن تغيّرت موازين القوى ، فإن موقف ابن آدم القتيل كان موقفاً معنوياً مؤسساً لذلك المبدأ ومترافقاً مع حالة تساوي موازين القوى في موقف ندّي ، مع إمكانية دفع الضرر أو القتل عن النفس ، وتخرج تلك المواقف مجتمعةً من مشكاة واحدة ويدل تنوعها على أنه لا مبرر منطقي لربط مواقف العفو والمغفرة بحالة الغلبة فقط ، بل إنها تعبر عن حالة معنوية وموقف إيجابي يجب أن يسود التعامل الإنساني دون ربطها بموقف استراتيجي ..
وباستطراد قليل أقول أن تلك المواقف تتشابه في خروجها من حالة معنوية واحدة وإرادة راسخة ، بالرغم من اختلاف تفاصيل كلٍ منهما أو اختلاف ترتيب الأحداث وموقع العفو في كل قصة ، فموقف التسامح الذي بدر من يوسف هنا جاء بعد أن وضع الحجة على إخوته ، فذهب بالمحنة نحو نهايتها حيث ثبت صدق رؤياه ، وجاءه إخوته مصدّقين معترفين بفضله فكان عفوه عنهم بعد اعترافهم بذنبهم (قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) يوسف 91 ، وكذلك كان موقف النبي تجاه قريش بعد أن حطم الأصنام وظهر الحق على الباطل فكان منه موقف العفو الذي يليق بعظمته ، ولا يتعارض الموقفان مع موقف ابن آدم من أخيه الذي أعلن حالة العفو في مرحلة مبكرة ، فكان موقفاً مبدئياً أعلنه تجاه حالة العداء المعلنة من أخيه ، فهو موقف حدّي مبدئيٌ من مشاعر الغضب والانفعال قبل أن يكون موقفاً من الآخر المعتدي ، وهو ماسيضع حداً وسيقدم حلاً جذرياً للاختلاف المؤدي إلى التصفية ، وبالرغم من حدوث التصفية بشكل فعلي في هذه الحالة إلا أنها قدمت مثلاً إنسانياً سيعلم البشرية أن هذا النوع من الحلول لن ينته إلا بالخسران والخيبة (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) المائدة 31، وهي الحالة التي تصل إليها كل الفرق المتقاتلة، ولكن للأسف عادة مايصلون إليها بعد إراقة الدماء وإزهاق الأرواح الكثيرة والإسراف في القتل ، ثم يجد كلا الطرفين أنه لاسبيل إلا أن يجلس الإخوة لوضع أسس التعايش وحرمة الدم ، بينما يقدم لنا القرآن مثلاً عن حادثة وقعت في العصور التأسيسية الأولى لهذه البشرية ، موقف يقدم المثل والعبرة والحل الاستباقي قبل أن تغرق البشرية في دماء أبنائها !
وهو مايعطي قصة ابن آدم بعداً شاملاً ومؤسساً لقيمة تخرج منها القيم الأخرى بحسب اختلاف المواقف وتنوعها ..
وبالعودة إلى القصة نفسها ، نجد مرّة أخرى كما في كل القصص التي يدعّم بها القرآن منظومته كيف تستهين البشرية بأنبيائها ومصلحيها (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) يوسف 20 ،
إن قدر الأفكار الجديدة دوماً ذات القدرة التغييرية الهائلة أن ترمى وتباع بأبخس الأثمان وأن يزهد بها من هم أولى بالاستفادة منها، ثم يأتي من ينهض بتلك الأفكار ويضعها في مكانها الصحيح لتزدهر وتثمر ولو في غير منبتها ، فالأفكار العظيمة غير محدودة بزمان أومكان وغير مخصوصة بشعب أو أمة ، فلقد كان مقدراً ليوسف أن تكون رؤياه جزءاً من محنته مع إخوته ، وكذلك كانت رؤيا الملك سبباً لخروجه من المحنة ، وهي ماسيضع يوسف في مكانته الحقيقية ولو في غير المكان الذي كان من المفترض أن تزدهر تلك الرؤيا فيه ، أقول كان من المفترض لأن تفكيرنا البشري يضع للأمور فرضياتٍ وتسلسلاً لا نستطيع بحكم ضيق أفقنا البشري أن نتصور الأمور خارج نطاقها التقليدي ، بينما قد يكون ذلك النطاق التقليدي مقبرة للفكرة نفسها ، في الوقت الذي يكون انطلاقها الطبيعي هو مانعتبره الخيال تحديداً !
لقد كانت بداية المحنة مع حلم ، وكذلك سيكون الخلاص من ظلم السجن من خلال تأويل حلم ، وكثيراً ماتكون الأحلام نقطة الانطلاق نحو القمة ، فإنسان بلا أحلام ككائنٍ بلا ظل ، وهذا حال أمةٍ فقدت طموحاتها وضاعت ثقتها بالتغيير ، حتى أصبح حلم النهوض وحمل رسالة الحضارة عند أبنائها معدوماً .
إن أمةً انقرضت أحلامها سينقرض كيانها وستصبح أثراً بعد عين …
وفي القصة نرى تنكر المجتمع ليوسف خلال المراحل المتتابعة وزهد الناس به ، واليوم تتنكر مجتمعاتنا لعلمائها ومبدعيها وتباع أفكارهم بأبخس الأثمان ويُزهد بفكرهم ومقدراتهم ، في الوقت الذي يملك هؤلاء القدرة على تسخير الكون لخدمة البشرية ، ثم يأتي من يستثمر هذه الطاقات وينتشلها من مستنقع الجهل حيث تثمر جهودهم في أماكن أخرى لترفع من شأن حضارة الآخرين وتبني في غير موطنها الأصلي ، إلا أن قصة يوسف انتهت نهاية سعيدة بكل المقاييس انتهت بالاعتراف بفضله وكذلك مُكن له في الأرض ، ثم آوى إليه أبويه وعفا عن إخوته (آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) يوسف 99 ،
وتلك النهايات لا تتوافر في حالة المبدعين مع مجتمعاتنا للأسف ، فهم ينتقلون للعيش في كنف حضارة أخرى فلا هم يعودون ولا هم يحتضنون مجتمعاتهم ولا ينتشلونها من واقعها المؤسف وتبقى القطيعة قائمة بين الوطن والمبدع فلا اعتراف بفضل ولا عودة للبناء والنهوض ، وهو حال مجتمعاتنا في تنكرها للمصلحين وتقصير المصلحين في واجبهم تجاهها ..
كم يزهد بالأفكار الخلاّقة المبدعة كما زُهد بيوسف ، وكم تباع وتشترى بأبخس الأثمان ، وكم تنسج حولها الأكاذيب وتطمس حقيقتها بزبدٍ من هراء الكلام وضحالة الفكر ، ألا ترون إلى مفكرين ومثقفين أُحيط بهم بكّافة أشكال العصبيات والتبعيات التجهيليّة ، ثم مرت أيام وزالت أقوام وجاء من يحيي موات أفكارهم ويبعثها من جديد في مكان آخر وربما في كنف حضارة أخرى (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) يوسف 21 ، فالله غالب على أمره قادر على أن يمكّن لتلك الأفكار وأن يحقّ الحق ويعم نفعها الجميع ..
ولكن رمزية القصة لا تقف هنا فالأحداث التي تلت ذلك فيها من الألم والأمل الشيء الكثير !
26 ديسمبر 2009 08:36 م | مقالات
نسخة الطباعة
28, ديسمبر, 2009 - 12:35 م
صديقي عماد
اسمح لمخي الثخين مع اتفاقي معك في الأفكار التي تدافع عنها مقالاتك أن لا أفهم الطرق التي وصلت بها إليها:
مثلا تقول: “وبالعودة إلى القصة نفسها ، نجد مرّة أخرى كما في كل القصص التي يدعّم بها القرآن منظومته كيف تستهين البشرية بأنبيائها ومصلحيها (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) يوسف 20 ،
إن قدر الأفكار الجديدة دوماً ذات القدرة التغييرية الهائلة أن ترمى وتباع بأبخس الأثمان وأن يزهد بها من هم أولى بالاستفادة منها، ثم يأتي من ينهض بتلك الأفكار ويضعها في مكانها الصحيح لتزدهر ”
أنا بمخي الثخين لم أفهم كيف يدل استهتار الذين اشتروا ولدا صغيرا لا يعرفون من هو ولا ما هو مستقبله على أن البشرية تستهين بالمصلحين!
فاعذرني للبطء في التفكير وإن وضحت لي بقدر ما يحتمله فهمي أكن من الشاكرين!
28, ديسمبر, 2009 - 1:32 م
أخي محمد
أنا وجدت أن الإخوة بسبب ظروفهم النفسية استهانوا بأخيهم صاحب الرسالة بشكل او بآخر
” ربما لم يكن صاحب رسالة في تلك اللحظة ولكني لو كنت مكانهم لكنت توقعت أن قربه إلى قلب الأب قد يمثل موقعاً مستقبلياً معيناً أو إشارة لمكانة ما … كما كان لبعض صحابة النبي المقربين منه موقع إسلامي خاص على سبيل المثال حتى بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ”
أما أن البشرية تستهين بمصلحيها فأظن أن هذا الأمر تكرر مع عدد كبير من الأنبياء ومنهم يوسف …
أما ماهي علاقة بيعه وشرائه بثمن بخس بهذه الفكرة … فمعك حق هي ليست محورية بقدر استهانة الإخوة أنفسهم … ولكني أنظر إلى سيرة حياته بشكل متكامل بعد أن يرمى من قبل أقرب الناس الذين فيما لو تركوه يحمل رسالته لكانوا في قلب تلك الرسالة .. ثم يباع ويشترى كعبد
أنا لم أنظر للأمر على أن الأشخاص الذين اشتروه بثمن بخس هم من استهان بالمصلح المنتظر ، ولكني حقيقة أنظر باستغراب إلى تلك المجتمعات وأشباههها والتي يعاني فيها المصلح كل أشكال المعاناة والألم ثم ليكون قدره فيما بعد أن ينتشل تلك المجتمعات من جهلها وتيهها …
وبالتأكيد لم أقصد أن الذين اشتروه كان هدفهم من وراء ذلك النهوض بذلك الشخص بمايحمله من رسالة مستقبلية كما أنهم لم يقصدوا وضعه في مكانه الصحيح .. فهم كان هدفهم البيع والشراء كما كان هدف الإخوة التخلص منه وكلها تصب ضمن المصالح الدنيوية … ولكن العبرة في أن تولد الرسالة من تلك الرحم بشكل معاكس لتلك التوجهات وخالف لكل التوقعات ..
المشكلة التي تواجهك أخي محمد في قراءة ما أكتب أنك تعتبر ما أكتبه تفسيراً للسورة … وأنا لا أظن أنني أعتبر من المفسرين …
يسرني أن تحدد لي الفكرة المختلف عليها كما فعلت الآن … لأن الكلام في العموميات من قبيل ” الأفكار التي تدافع عنها مقالاتك أن لا أفهم الطرق التي وصلت بها إليها ” قد لاتفيد في تحديد المختلف عليه من الأفكار ..
وبالتأكيد لا علاقة لنقاشاتنا هنا لا بعقول ثخينة ولا عقول سمبتيك … ومن حقك أن لا تتفق معي وأن لاتكون راضياً عن المنهج ككل …
مع التحية
28, ديسمبر, 2009 - 2:59 م
أخي عماد
ما تكتبه لا أعده تفسيرا خلافا لما ظننت ولكني أعده “قراءة استيحائية” إن صح التعبير.
القضية أن الاستيحاء في ظني له بعض الحدود.
والأفكار التي أظنك تدافع عنها في مقالاتك وأتفق معك فيها المفروض أنها لا تخفى عليك ولا تحتاج لتحديد. وحين يكون هناك اختلاف فإنني أذكره كما تعلم أيضا.
وأعطيك مثالا على فكرة أراها صحيحة وإن كنت لم أفهم الطريق إلى الوصول إليها في مقالك:
الفكرة هي أن العادة هي الاستهتار بالمصلحين عند ظهورهم. وهي موجودة في آيات صريحة كثيرة في القرآن مثل “يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون” أو “ما لهذا الرسول يأكل الطعام” “لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم” وغيرها من الآيات. والتجربة تدل على صحتها أيضا. فأنا اتفقت معك في صحة الفكرة ولكن لم أفهم طريقتك الخاصة هنا في الوصول إليها.
والفرق في المنهجين طبيعي على كل حال فالطبائع تختلف ولا مشكلة طالما الأفكار الكبرى متفق عليها.
وإن شئت تلخيصا صغيرا لمنهج الفقير لله فهو أنه يأخذ معنى الشريعة وروحها المميزة من جملة النصوص المتفرقة في الكتاب والسنة (التي تعطينا بمجملها لا بتفاريقها ما يسمى “مقاصد الشريعة”) والإجماع التاريخي عبر القرون وما جربته حضارتنا واستقرت عليه.
28, ديسمبر, 2009 - 4:14 م
نعم أتفق معك في أن للمسألة علاقة باختلاف الطبائع وأيضاً في اختلاف القراءات التي قد يحكمها اختلاف المنهجيات أحياناً …
فأنا على سبيل المثال وفي سياق الفكرة التي طرحتها نفسها حين أتمعن في بداية السورة وموقف الإخوة مع يوسف ومشاعرهم تجاهه ، ثم حينما أقرأ آية ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) لا أستطيع فصل هذه الروح التي تنطلق منها السورة عن السياق القرآني التي تحدده آيات أخرى ومنها التي ذكرتها أنت قبل قليل حول الاستهتار بالمصلحين … وإن كانت تلك الآيات دقيقة في مدلولها لأنها تريد إيصال الفكرة بكلمات محددة ومباشرة إلا أن الجو العام في قصة يوسف يعيدنا مباشرة إلى تلك المعاني المباشرة … أنا هذا مايحدث معي عند قراءة تلك الآيات وليس الأمر عندي استيحاءً قسرياً لتلك المعاني ولكنها تتوارد إلى ذهني بشكل عفوي ضمن ترابطٍ أحسبه منطقياً …
وأنا أتساءل الآن هل حديث الآية عن الشراء والبيع بثمن بخس والزهد في هذا النبي له مدلول معين أم لا … أليس في الأمر مدلول لزهد بل بالأحرى استهتار وسخرية من القيم في عالم لايعرف إلا معاني البيع والشراء …
هل ابتعدت أنا لهذه الدرجة عن المعنى المباشر والصريح للآية … فدخلت ضمن نطاق الاستيحاء !
وبكل الأحوال إذا كانت هذه هي نقطة الخلاف الوحيدة فأنا أعتبر أن الخلاف ضيق وجزئي ، أما إذا كانت هناك أفكار أخرى تحب مناقشتها فسأكون مسروراً جداً ، مع أملي بأن تكون وقفات نقدية متحررة من اختلاف الطبائع …
ولك جزيل الشكر
29, ديسمبر, 2009 - 12:51 ص
السلام عليكم
اقترح الصديق أحمد قطشة مشروعاً يقوم على قراءة القرآن قراءة نستطيع من خلالها البحث عن أساليب النهضة المرجوة, وأعتقد أن القرآن وما فيه من آيات وهدى ونور يجد فيه القارئ كثيراً من الآيات التي تدهشه وتثير تفكيره وتنشط همته
وما يقوم به الأستاذ عماد أعتبره شخصياً من القراءات الباحثة عن الحكمة والمقصد الشرعي الدال على طرق النهضة المرجوة, وإن كنا قد نختلف معه على جزئيات هذه القراءة لكننا وكما أعتقد نتفق على الأفكار العامة التي تصل إليها
31, ديسمبر, 2009 - 1:53 م
السلام عليكم
في الحقيقة أود التأكيد على نفس الملاحظة المتعلقة بآلية الوصول للنتيجة التي طرحها الأخ محمد، لكن سأعبر عنها بطريقة مختلفة نوعاً ما إنطلاقاً مما ذكرته الأخت رغداء عن المشروع.
ملاحظاتي أن الأخ عماد يبدأ من النتيجة، ويحاول أن يبحث عنها في الآيات القرآنية عن مايثبتها، بمعنى هو يعرف الجواب جيداً ويعرف مايريد أن يصل إليه، ويحاول أن يعيد قراءة الآيات على ضوء هذه النتيجة.
عندما تحدثت عن المشروع، كانت أحد النقاط في ذهني، هو أن نترك هذه المعارف المتشكلة لدينا، ونتجاهلها قليلاً ونأتي للقرآن الكريم باحثين بشكل حقيقي عن إجابات، تماماً كما كان الصحابة يفعلون، عندما ينتظرون الوحي ليخبرهم بمسألة ما، وهذا سيفتح العقل أكثر على قراءات مختلفة كلية عن مانعهده.
وبالتالي فالمنهج المتبع هنا، يختلف كليةً عن هذه النقطة فيما أرى، ومع سورة يوسف بالذات، سحبها من سياقها ككل، خاصة سورتي يونس وهود، يصبح هذا المنهج بالضبط قراءة إستيحائية كما ذكر الأخ محمد.
النقطة الثانية، وإن ورد ذكرها في المقال، لكن برأيي كانت تحتاج تأصيل أكثر، وبطبيعة الحال ستحتاج جهد أكبر، وهي التعامل مع القرآن كنص واحد، والمقارنة بين آياته والقصص الواردة فيه، فكان من الجيد التذكير بقصتي هابيل وقابيل، وقصة النبي عليه السلام مع قريش، لكن تم تجاوز الفروقات الاساسية بين هذه القصص بسرعة، مع إننا لو توقفنا فيها، لربما كنا سنجد أن المقارنة ستكون أدق وأعمق، أو ستكون مجحفة لأحد هذه القصص.
في النهاية، أعيد التأكيد على أن النقاط الأساسية التي يريد الأخ عماد الوصول إليها لا غبار عليها كمعرفة متكونة ومتراكمة لدينا، سواء معرفة دينية أو دنيوية، لكن ملاحظتي هي الآلية المتبعة.
31, ديسمبر, 2009 - 9:04 م
وعليكم السلام
السيد أحمد
ذكرت في رسالتك التالي :
“ملاحظاتي أن الأخ عماد يبدأ من النتيجة، ويحاول أن يبحث عنها في الآيات القرآنية عن مايثبتها، بمعنى هو يعرف الجواب جيداً ويعرف مايريد أن يصل إليه، ويحاول أن يعيد قراءة الآيات على ضوء هذه النتيجة”
حين تسوق مثل هذه التهمة ( التي تبحث في النوايا ) فإنه يتوجب عليك أن تأتي بدليل لا أن تلقي الكلام على عواهنه بمجرد أن تستند إلى كلام الأخ محمد أو غيره ، وهو الكلام الذي لم يثبت صحته على ما أعتقد !
مماسيضطرني إلى إعادة التأكيد على ما قدمته في معرض الحديث عن تلك الفكرة وهي فكرة الاستهانة بالمصلح والاستهانة بالقيم بشكل عام ، وهو ما أجده واضحاً وجلياً في مسيرة حياة يوسف وهو ماينسجم أيضاً مع روح القرآن العامة وكذلك مع التجربة الواقعية …
وما حديث الآية عن البيع والشراء بثمن بخس والزهد في النبي بذلك الشكل المستغرب إلا دعوة إلى كل المصلحين في هذا العالم إلى عدم الركون لليأس والاعتبار مما حدث مع الأنبياء على مر التاريخ ومنهم يوسف وأعيد التأكيد على وجهة نظري التي أعتمدها وهي أن أية آية سيكون لها معانٍ محددة حينما تقرأ منفردة ولكن القراءة المتأملة للآية ضمن سياقها سيفتح الباب لمعانٍ جديدة كانت غائبة ربما وهو مايجعل القرآن كتاباً مفتوحاً على المعاني والواقع …
وأنا هنا لا أدعو أحداً إلى اعتناق هذه الفكرة ولا أتبنى مذهباً جديداً ولا أكترث لذلك ، ولكن هكذا قرأت السورة وهذا ماتوصلت إليه من خلال تلك القراءة ، وأحببت مشاركتكم ولكم أن تتفقوا معي أو أن تتركوا ما كتبت ….
ولكن تهمة البداية من النتيجة تهمة باطلة وأؤكد لكم على شيء مهم وهو أنني كثيراً ما أخرج بمعانٍ لم أكن قد فكرت أو تنبهت لها قبل قراءة القصة بقصد كتابة موضوع متكامل عنها !
وعوضاً عن الحديث في العموميات ” أو التهم العمومية ” كان بإمكانك وضع بعض الأفكار التي لا تتفق معها ليتم مناقشتها بشكل موضوعي مفيد كما فعل الأخ محمد …
وبالمناسبة فإنك على مايبدو أشكل عليك كلام الأخت رغداء حول المشروع الذي تطمح إليه أنت حول قراءة القرآن ، فأصبحت تحاكم أسلوبي ضمن المعايير التي تنوي اقتراحها لتلك القراءة المستقبلية ، ولكن أود تذكيرك بأنني أنا أصلاً خارج ذلك المشروع ولا علاقة لي به وليس لك أن تقرأ كلامي في ضوء مشروعك أنت ، ولكي أوضح لك مدلول كلامك هذا تخيل لو أنك كتبت مقالاً عن مسألة ما ثم أتيت أنا وقلت لك بأن منهجك في مناقشة تلك المسألة يخرج عن الضوابط التي أضعها أنا عند مناقشة تلك المسألة ويختلف عنها كلية !
أظن بأن ردة فعلك المبدئية ستكون من قبيل ” وما علاقتي أنا بمنهجك حتى تحاكمني بناءً عليه ”
أو هل قلت لك أنني أتفق معك بذلك المنهج حتى يعتبر خروجي عنه نقطة تحسب علي !
حقيقةً لا أدري إذا كان ماقدمته ضمن مشروع قراءة السورة يستحق كل ذلك العناء في التوضيح مع العلم أنكم تسوقون اتهامات ولا تقدمون أدلة باستثناء الدليل الذي قدمه الأخ محمد والذي استشرت فيه أكثر من صديق فقالوا مثلما قلت ولم يستهجنوا ماقدمت !
أما بالنسبة للتعامل مع القرآن كنص واحد فهو ما أدعوا إليه تحديداً وهو ماجعلني أتوصل لما توصلت إليه الآن عند المقارنة واستحضار قصة ابني آدم ، أما الفروقات الدقيقة والتفصيلية فهي موجودة ولابد من البحث فيها ضمن سياقها ، وأنا لم أدعي أنني أغلقت الباب في هذا المجال …
ولكن لابد من التنويه إلى أنني بدأت مع القصة ” السورة ” فانطلقت أفكاري من خلال القرآن ككل مع استحضار الواقع أيضاً وهو مايميز النص القرآني ، وكما قلت فأنا لا أقدم تفسيراً حرفياً وإنما جولة فكرية مشاعرية ضمن البنية القيمية ، فأدهش للاختلاف بين القصص وأستغرب التشابه بين بعضها وأشعر بالأسى للواقع المر وأتذكر حال الأمة ثم تختزل عندي الأمة بشخص ليظهر شخص آخر أمامي بقامة أمة ….
هذه هي المنظومة التي تحكمني ولا أدعي بأنني أتبنى مشروعاً آخر !
وأنا في النهاية أقدم رؤيتي على أنها أحد أشكال الفهم ولا أضيق على أحد ولا ألزم أحداً باتباع منهجي !
وربما هذا ما أعتبره نقطة الخلاف التي أعتز بها وأحافظ عليها أمام القراءات الأخرى التي تضيق وتلزم وتضع الخطوط الحمراء مما سيستوجب فيما بعد تأثيم وتخوين وتكفير المخالفين …
والله أعلم بحقائق الأشياء وهو أدرى بمافي الصدور !
عماد
31, ديسمبر, 2009 - 10:42 م
بعد الإذن من الأخوين عماد وأحمد والاعتذار لبعض التدخل في النقاش بينهما:
) أنني أغبطه جدا على قراءاته في القرآن وأتمنى لنفسي برهة أفيء فيها لهذه القراءة.
أتمنى من أخي عماد أن لا يتكلم عن “اتهامات” بل عن “انتقادات” مثلا
وأوضح له مرة أخرى (وهو ما أقوله في غيابه لعلمه
والتساؤلات عن صحة المنهج لا تدل على غير ذلك.
1, يناير, 2010 - 1:41 ص
السلام عليكم
أرجو أخ عماد أن لا تسمي ملاحظة أحمد بأنها اتهام, وأتمنى عليك أن تعتبرها نقداً, لا يهدف إلا للتقويم, فأنا متأكدة من أن هذا هو قصد أحمد, لأنني أعرفه جيداً فهو إنسان واع يتعامل مع الأمور بعقلانية وعمق.
وبالنسبة لملاحظتي حول مشروع أحمد فأنا لم أشر لمنهج معين فرضه لقراءة القرآن, لذلك فهو لم يطالبك أثناء حديثه بالتزام منهجه, ولكنه انتقد منهجك الذي اتبعته هنا.
أما بالنسبة لملاحظة الأخ أحمد حول قراءة عماد فأذكره بأن مجرد قراءتنا للقرآن للبحث عن إجابات هو نوع من استجداء النتيجة بصورة من الصور, ولأوضح الأمر أقول إن قراءتنا للقرآن اليوم وبحثنا عن إجابات تدلنا على طريق النهضة لا يقارن ببحث الصحابة وذلك لاختلاف الهم والغاية, فالصحابة كانوا يريدون معرفة نظام الإسلام الذي لم يكونوا يعرفونه تماماً بعد, كانوا يكتشفونه, وأحياناً عندما كان أحدهم يفهم هذا النظام بطريقة خاطئة أو أنه لا يعرف رؤية الإسلام في نقطة معينة كان ينزل القرآن للتصحيح والتعليم والتبيين, ولذلك لم يكن موضوع التعامل مع القرآن أو قراءته هو موضوع بحث عن نهضة مرجوة منبعها القرآن, ولكنه كان قراءة تعلم وتدبر ونظر ومقارنة.
إنني أرى أن أي آية قد أجد فيها لمحة نهضوية أو إجابة عن تساؤل خطر في بالي سيكون هذا (الاكتشاف) إن صح التعبير, خاضع لتحيزاتي السابقة, لما اختزنه في كوامن نفسي أساساً عن شكل النهضة التي أبحث عنها.
أما رؤية عماد أو قراءته فهي نوع من التدبر الذي يبدأ باتجاه ثم تراه يتبلور ويتكامل ليرسم صورة قد تكون مختلفة تماماً عن المنطلق.
أنا مثلاً عندما قرأت بحث عماد في هذه السورة تأملت بالنتائج التي وصل إليها ووجدت أنها منطقية, صحيح أنني اعترضت على بعض الاستنتاجات ولكن الإطار العام للسورة أوافق عماد على نظرته إليه.
أعتقد أننا بحاجة للتريث قليلاً, والنظر النقدي البنّاء, وتقبّل هذا النقد, لأننا هنا نحمل الهم نفسه ونسعى للوصول إلى النتيجة نفسها حتى لو كان لكل واحد منا طريقته الخاصة.
1, يناير, 2010 - 4:24 ص
ربما تعرفين أكثر من غيرك أخت رغداء أنه ليست لدي مشكلة مع النقد كما أن الأخ محمد انتقد أكثر من مرة ولكنه لم يخرج عن نطاق النقد الفكري علماً بأنه لايؤيد هذا المنهج في قراءة القرآن ويميل إلى قراءات أخرى وهذا من حقه ، وذكرت أنني استفدت من نقده في إعادة التفكير وطلب المشورة في نفس النقطة ، كما أنني استمعت لنقدكٍ وعدلت بعض الأشياء في مواضع مختلفة كما تعلمين …
ولكن الادعاء باعتماد نتيجة مسبقة ثم إنزال آيات الذكر الحكيم لتناسب هذه النتيجة يأخذ منحى آخر يبتعد عن نطاق النقد البناء ، ترى كيف له أن يعرف ماهي النتيجة التي انطلقت منها وكيف له أن يعرف ما أريد وما أريد ان أصل إليه !
كان يكفيه أن يقول مثلاً بأنه لم يقتنع أو يرفض هذا المنهج جملة وتفصيلاً ، وربما سيكون الكلام أدق لو تحدثنا عن فكرتكٍ حول التحيز لما حصلنا عليه من معارف وتربية وتصور عن الكون بشكل عام ، وهو أمر لا أظن أن أحداً منا لايقع تحت تأثيره ومخطئ من يتصور غير ذلك ، ولكن الضابط الوحيد في هذا الموضوع هو عدم التضييق على الأفهام الأخرى وترك مساحة للاختلاف المحمود ، وهذا ما أدعي أنني أتبناه على كل الأصعدة !
وربما يجب أن أعترف بأن الأسلوب أو الآلية المتبعة هنا هي آلية خاصة بي مع اعترافي أيضاً بأنني لم أسع لجعلها ذات خصوصية معينة ، ولكن هذه هي قراءتي التي ربما لا تتوافق مع مناهج كثيرة وبالطبع فإنها لن ترضي الكثيرين ، وإن وفقت في ذلك فبتوفيق من الله أن جعلني أعيش بكل جوارحي أجمل اللحظات في تدبر سورة هي من أحسن القصص ، وإن أخطأت في شيء فإنما هو بسبب تقصيري الشخصي ….
ولا تواخذونا وجعنالكم راسكم
إذ يبدو أن القراءة لم تعط النتيجة المرجوة ….
والسلام ختام
عماد
1, يناير, 2010 - 9:50 ص
وعلى أي أساس حكمت يا عماد بأن هذه القراءة لم تعط النتيجة المرجوة؟
أتحدث عن نفسي ولا يحق لي التحدث باسم الآخرين لقد فتحت لي هذه القراءة آفاقاً جديدة في طريق تأمل وتدبر السورة ومعانيها, ولعل فهمي لوصف أحسن القصص الذي يتمثل بكونها قصة إنسانية بكل ما فيها من عواطف إنسانية سلبية (كالغيرة والحقد والحسد والرغبة والظلم ……) وهي مشاعر تنطلق من النفس الإنسانية دون أن يحكمها رابط العقل, وقد قابلها مشاعر إيجابية إنسانية عقلانية (كالصبر والتسامح والاخلاص والأمانة وحسن القول………), لعل هذة الرؤية التي شاهدت الحادثة من خلالها قد وُجدت بسبب قراءتي لتأملاتك يا صديقي
ثم اعلم أن رأسنا من النوع الذي لا (ينوجع) من الحوار النهضوي
1, يناير, 2010 - 1:17 م
السلام عليكم
لا أدري إن كان عليّ أن أعقّب أم لا، فمن الواضح أن الأخ عماد تعامل بطريقة جداً غريبة، ومارس ماإتهمني به من تدخل في النوايا.
على كل يا أخ عماد، أنا لم أحكامك على أي منهج، بل أثبت أن لك منهجاً يختلف عن النقطة التي في ذهني، ولم أقل أو ألمح لكونك على خطأ، وقطعاً لم أطلب منك إعتماد أي منهج، واستغرب أساساً كلامك عن كونك خارج “مشروعي”، ومع تحفظي على هذه الكلمة، أنا أساساً لم أبين ماهو منهج هذا المشروع وأساساً لم أطرحه ولم يره سوى قلة قليلة من الأصدقاء.
طبعاً كان يمكن أن يكون نقاش أعمق وأدق، لكنك أغلقت الباب بتعليقك، وكان يكفي لإثبات سعة الصدر أن ترى التعليقات على المنهج هي محاولة لتحسينه وتأصيله وليس هدمه، كما أنها ليست تهمة.
1, يناير, 2010 - 1:30 م
الأخت رغداء
جواباً على ملاحظتك عن المقارنة بفعل الصحابة، وأن مانفعله قد يكون مختلف، أقول أن المسألة متعلقة بالقضية، هم كانت قضيتهم المعرفة الدينية، والحصول على تشريعات الحلال والحرام ومعاملات البيع، وقطعاً أي افكار يأتي بها المتقدمون في شرح القرآن، كثير منها لم تكن لتخطر في ذهنهم.
مثال آخر، هل قرأت في التاريخ الإسلامي، عن الصحابة أو المشركين أو المنافقين، سؤالهم عن السبع سموات، أين هي مثلاً، وكيف يطلب النبي عليه السلام منهم رؤيتها ومن ثم التصديق بها؟ كيف أن أحداً منهم لم يسأل ذلك؟ ببساطة لم يكونوا ليفكروا في ذلك حينها، لإن المعركة كانت على جبهة أخرى، وعلى قضية أخرى تماماً.
أما أن فقضيتي هنا مختلفة، قضيتي ليست معرفة الحلال والحرام، بل معرفة كيف أصنع أمة تنهض؟
فمقارنتي هي من هذا الباب، مقارنة فعل الصحابة تجاه قضيتهم، وما سافعله أنا تجاه قضيتي، وهذا ماعنيته.
هدانا الله جميعاً
1, يناير, 2010 - 2:40 م
وعليكم السلام والرحمة
أخي أحمد ..
لم أتدخل أبداً في نواياك ولم آت على ذكر شيء من هذا القبيل ، ولكن حديثي عن وجود ادعاء بتثبيت النتيجة ثم البحث عما يناسبها ثم معرفة ماأريد أن أصل إليه والقراءة في ضوء تلك الآلية ، كان ذلك التحليل معتمداً على جملتك وليس الأمر تأويلاً أو دخولاً في النوايا ، بدليل أنني وضعت أمامك تلك الجملة وانطلقت منها وهو الأمر الذي لم تفعله أنت على كل حال … فلا تتهمني بالقيام بأشياء لم أقم بها
أنا لم أغلق باب أي نقاش ولكني كنت أرغب بنقاش فكري نقدي ، بمعنى أنه يضع أفكار وردت ضمن النص ونقاش صحتها أو نقد طريقة الاستدلال الذي قد يكون خاطئاً أيضاً ، ولكن ليس بالضرورة أن يكون سبب خطئه اعتماد أحكام ونتائج مسبقة ، وهو ماصرحتَ به بشكل واضح من خلال تعليقك ” ومرة أخرى هذا من كلامك الصريح وليس خوضاً في النوايا ” !
وبالتأكيد فإن النقد الفكري البناء ” المعتمد على أدلة ” هو ماسيثبت سعة الصدر من ضيقه … وتعرف الأخت رغداء أن المقال قبل أن خروجه للنشر تم تعديل الكثير من النقاط بناءً على نقدها وهو مهئأ أيضاً للتعديل في أية لحظة بعد ذلك بلا شك مع شكر وتقدير لصاحب النقد … فهذه مسألة محسومة
يشرفني أنك وجدتِ في القراءة آفاقاً جديدة أختي العزيزة رغداء ، ولكن ربما لم ألمس النتيجة المرجوة من خلال الانتقادات ، فأنا لازلت بعد ردود كثيرة أسعى لتوضيح حقيقة أني لم أنطلق من نتيجة معينة وذكرت أنه لم يكن لدي أساساً نية مسبقة لجعل القراءة موسعة بهذا الشكل ولكن عادة القصة تأخذني دون معرفة أين ستحط رحالي معها !
وعذراً من الجميع فالحوار أخذ منحى بعيداً عن القصة نفسها …
عماد
1, يناير, 2010 - 7:45 م
السلام عليكم
أخي أحمد ما تفضلت به بخصوص مثال الصحابة هو عين ما قصدته في تعليقي
أما الحوار إخواني الأعزاء فهو ذو فائدة أرجو أن نستفيد منها في المستقبل