حول دور الاستعمار في فكر الأستاذ جودت سعيد-بقلم عماد العبار
الكاتب: محمدالسلام عليكم
أنا أرى أنه من الضروري الفصل – ولو على سبيل التوضيح – بين مدرسة فكرية معينة وبين ما نعتبره معبِّراً عن تلك المدرسة من منتديات حوارية أو من أفكار ومواقف لأشخاص يحسبون على تلك المدرسة، خاصة عندما تكون تلك المدرسة أكثر تحرراً من غيرها فيما يخص العلاقة بين المفكر والتلميذ أو بين الشيخ والمريد ..
وكلامي هنا عن مدرسة جودت والتي تعتبر نوعية مختلفة من المدارس لا ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها ولذلك ينبغي – من وجهة نظري – تحرياً للدقة التنبه إلى مسألة اختلافها، ففيها مثلاً قد يقدم الأستاذ تقديماً لكتابٍ وضع لنقد بعض أفكاره، وهو ما لا يحدث عادةً في أوساطنا الثقافية، معرفة هذه الجزئية تسمح لنا الحفاظ على التفريق بين أفكار الأستاذ وأفكار التلميذ ..
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أراها أكثر أهمية وهي تتعلق بحجب الضوء عن الدور الاستعماري، فإني أرى أن حديث جودت عن تغيير ما في الأنفس والذي يتقاطع مع معالجة فكرة قابلية الاستعمار ” والتي ترتبط بشدة بما يجب تغييره اجتماعياً انطلاقاً من تغيير ما في الأنفس ” قد رجع بالفكرة إلى أصولها القرآنية من خلال سير الأنبياء وتحديداً سيرة الرسول (ص)، ونستطيع في هذا السياق أن نرى تركيز القرآن على هذه الناحية وربطه الدائم للفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وتأكيده الدائم أيضاً على أن الحل يكون من الأنفس ابتداءً ، ولا أظن أن جودت خرج في هذه الفكرة عن هذا الخط – بل ربما أستطيع القول أنه طور المقولة إسلامياً وأبدع في طرحها – ، أما المستعمر أو المستبد، فإن المصطلحات المقابلة أو المتقاطعة معها قرآنياً كانت تنال نصيبها من التوصيف والتذكير بالعقاب، ولا أظن أن عاقلاً يستطيع أن يبرئ المستعمر أو أن يتجاهل دوره ولكن ألا ترون أنه من ” المناسب أو العملي ” طرح ما نستطيع تغييره فعلاً، أليس الإكثار من الحديث عن الاستعمار أحياناً حديث نظري لا فائدة عملية مباشرة منه؟
أنا أؤمن بأن لكل مفكر أولوياته في التركيز فأنتم في هذا الموقع على سبيل المثال تركزون على مجموعة من الأفكار – وأظن أن هذه هي الحالة الطبيعية – فلا يستطيع أي منا الإحاطة بكل شيء دفعة واحدة ولكن من البديهي أن يكون لكل منا أولوياته وكما كان لمالك أولوياته فإن لجودت وغيره أولويات قد تكون مختلفة ولكنها ليست متضاربة بالضرورة إلا إذا تم التصريح بمخالفة فكرة محددة – بالمناسبة أنا لا أستطيع أن أفصل بين المفكر وواقعه المعاش، فطبيعة تجربة مالك في ظل مجتمع يخضع لاستعمار عسكري ” مباشر ” يجعل لأفكاره نسقاً خاصاً، وأظن أنه لو عاش ضمن ظروف أخرة لكنا رأينا تركيزاً من نوع مختلف، فغيره بسبب ظروفهم أيضاً يعتقدون بضرورة الابتداء بالإصلاح الديني وهذا على سبيل المثال لا اكثر …
مسألة التفريق بين المستعمر والآخر الذي يجب الاستفادة من تجاربه، أظنها مسألة معقدة ولا ألوم من يقع في الخلط، لكن معظم المفكرين على سبيل المثال يفرقون بين أمريكا العسكرية وبين أمريكا المجتمع، وقد لا يكون تفريقاً موفقاً مئة في المئة لكنه يبقى أكثر إنصافاً، خاصة في ظل واقع عجيب وغريب فنحن لسنا أمام بيزنطة ذلك العدو الواضح والمعزول أو المعزولين عنه، بل على العكس ترى أن أمريكا المستعمرة هي نفسها امريكا التي تعيش بين حدودها العقول العربية وتسهم في حضارتها، هي نفسها التي يهرب إليها من تضيق بهم الأرض أحياناً، هي نفسها التي يعيش في كنفها أمريكيون يناصرون القضايا الإنسانية، وهي نفسها صاحبة الوجه الامبريالي، وأنا هنا لا أمدح ولا أذم أنا فقط أصف الواقع الذي أراه مختلفاً عن حالة الاستعمار القديم الواضح، ومن هذا المنطلق – وربطاً مع الحديث عن النظري والعملي – فإني أجد أن تبسيط صورة الاستعمار والحديث عن الاستفادة أو عدم الاستفادة من تجارب الأمم بسبب حالة الاستعمار تلك هو حديث نظري في كثير من جوانبه، فالأمور في الواقع شديدة التعقيد …
قد لا نتفق حول ما هو عملي وما هو نظري وبرأيي فإن أي فكر إسلامي هو فكر عملي إن أراد له أصحابه أن يكون كذلك، وبالنسبة للمدرسة المذكورة فإني أشك أنها صاحبة منظور مطلق وبراهين نظرية، لأن أي تأصيل قرآني قد يبدو للوهلة الأولى تنظيراً مطلقاً وغير مناسب، ولكن السيرة بما تمثله من تطبيق عملي تظهر الأمور بعكس هذه الصورة، فمثلاً طرح فكرة ” كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ” قد يبدو تنظيراً مطلقاً بعيداً عن الواقع والنفس، لكن الاستعانة بما صح من السيرة والحديث يعطي نتائج معاكسة، ولكن وبما أنه لكل مقام مقال، فإن هذه الفكرة نفسها ستكون فكرة قاتلة فيما لو تم تطبيقها ضمن صفوف جيش معد للدفاع عن الأوطان، وهنا تظهر ضرورة التأصيل ووضع الأفكار في مكانها السليم، والذي قد يبدو مناسباً من الوهلة الأولى، وقد يبدو عكس ذلك !
فالفكرة نفسها هي صحيحة ولكنها ستكون خاطئة في غير مكانها إن أسأنا فهمها، وكذلك مفهوم الجهاد بمعناه القتالي …
وبالمناسبة أيضاً فإن المقولة التي وردت عن الهنود الحمر مقولة خاطئة بل قد تبدو غير ” إنسانية ” إلا إذاكانت صاحبتها لا تقصد أو لا تعي ما تقول ” إن لم أكن مخطئاً بأن قائلتها إمرأة ”
وبالنسبة لمقولة ” الاستعمار ما دخله ” فهي على ما يبدو تعبير عامي ومتسرع، وغير دقيق ولا اظن أن قائلتها تقصدها بحرفيتها، وسأتأكد من ذلك حين تصلني المحاضرة أو إذا صدف والتقيت بقائلتها يوماً ما، ولكن لا ضير أن أقول اعتماداً على مقولتها بأنها مخطئة في ذلك !
ولكن عموماً كلام جودت أكثر وضوحاً ودقة في التعبير عن مثل هذه الأفكار، مع علمي بأنه كثيراً ما يساء فهمه، ولذلك أسباب عديدة لا مجال للحديث عنها الآن ….
وللحديث بقية .. ربما
ولكم الشكر
09 أغسطس 2010 08:54 ص | مقالات
نسخة الطباعة
12, أغسطس, 2010 - 1:00 م
إنها بحق مدخل مهم لهرمونيطيقا قراءة النص ، أو فقه قراءة النص
اقتباس :
وللحديث بقية .. ربما
يا أخي إحذف ربما
ونحن بشوق للتعلم
مع المحبة
جلال
12, أغسطس, 2010 - 5:12 م
مشكور أخي جلال
هي مجرد أفكار حول هذه المدرسة الفكرية، أحببت مشاركتكم بها.
أما ال ” ربما ” فمسحوبة ..
وأما التواضع فهو خلق أغبطك عليه ..