حماتي
الكاتب: رغداءحماتي
رغداء زيدان
يعيش بيننا أفراد رائعون لا نقدرهم حق قدرهم, وكأننا نطبق المثل العربي القائل “مزمار الحي لا يطرب”!. لذلك فقد أردت أن أعرض على القارئ الكريم شخصية من هذه الشخصيات, التي عاشت بيننا, والتي لم يكن لها شهرة تذكر, فهي ليست من الفنانين, ولا من الرياضيين, وليست من السياسيين, ولا من الأثرياء, ولا من المفكرين أو الدعاة الذين تستضيفهم المحطات الفضائية….إلخ (الإعلام اليوم يسلط الضوء على هؤلاء باعتبارهم (نجوم) المجتمع, وهناك قسم كبير من الأخبار التي تركز على فضائحهم أكثر بكثير من تركيزها على أعمالهم المفيدة للمجتمع والإنسانية).
إنها من الناس العاديين, الذين تصادفهم في كل مكان, يميزها صفاتها الفاعلة, التي تستحق أن تكون قدوة لنا جميعاً, هي من أولئك الناس الذين لم يعقهم استبداد مستبد عن فعل الخير, ولم يحبطهم انتشار فساد أو انحطاط, ولم تنشغل أصلاً بكل المناقشات التي تبحث في كيفية العمل المطلوب للنهوض, بل إنها كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب, تعمل بفطرتها, تدفعها نفسها الوقادة التي تأبى الكسل والعجز إلى العمل البناء المثمر بعيداً عن الأديولوجيات الكبيرة, أو الكلام المنمق.
وحتى لا أكثر عليكم سأبدأ بتعريفكم بتلك الشخصية التي كان لها تأثير كبير في حياتي, إنها ببساطة شديدة حماتي رحمها الله:
شاهدتها أول مرة عندما جاءت لبيت أهلي طالبة خطبتي لابنها. امرأة عجوز, في عمر جدتي, تلبس لباسها الشعبي الرائع البسيط, وتسير بخطى ثابتة متحمسة, تشي بفرحة الأم التي جاءت ساعية لتصنع لابنها عائلة سعيدة.
لم أكن أعرفها من قبل, ولم تكن تعرفني أيضاً, ولكن إحساساً غريباً بالألفة وُجد بيننا منذ اللحظة الأولى. شعرت بكبريائها الحنون, وبعزمها الهادئ الرزين, وبعقلها الفطري الأصيل.
عشت معها في بيت واحد, كانت فيه شعلة من النشاط والحيوية رغم سنواتها السبعين, حاولت أنا الشابة مجاراة نشاطها فعجزت.
كانت تحوطني بحنانها, ورعايتها, علمتني كل شيء دون أن تكون وصية على حركاتي وتصرفاتي. علمتني كيف أكون ربة بيت مستقلة في قراراتي رغم وجودي معها في بيت واحد. علمتني كيف أكون أماً أحترم أمومتي ولا أهمل قدري وقيمتي.
علمتني كيف أتعامل بالحكمة مع كل شيء, بالاحترام مع الصغار والكبار, مع الحيوانات والنباتات والأشياء. وقفت إلى جانبي دائماً, داعمة ومساعدة وناصحة.
كانت تمتلك من الصفات ما جعلني أتمنى لو أن في بلادنا مئة مثلها, كنا وقتها لن نشتكي من انحطاط أو عجز أو كسل. تلك الهمة التي لا تعرف المستحيل كانت شيئاً لا يصدق.
كانت تدهشني بأفكارها وعقلانيتها رغم أنها كانت أميّة لا تقرأ ولا تكتب. تمتعني بحكاياها التي كانت ترسم عالماً من الأحلام والخيال الراقي. كانت تمتلك تلك الفطرة السليمة وذلك العقل الوقاد المتفتح الأصيل الذي يعرف الحق والخير والجمال فيما حوله فينميه ويظهره بأوضح صورة. كم مرة صنعت من لا شيء أشياء وأشياء. بقيت هكذا حتى آخر أيام حياتها, رحمها الله.
لم تكن من أولئك النساء اللواتي ينشغلن بأمور تافهة, كانت تبحث عن المفيد دائماً, فبالإضافة إلى أعمال المنزل المعروفة كانت تقضي أوقات فراغها إما في الاهتمام بالحديقة, أو في تحويل أشياء قديمة إلى (مخترعات إن صح التعبير) جديدة, فتصنع منها ألعاباً, وأغطية للنوم, وأرضيات للجلوس, وأثواباً وأشياء أخرى كثيرة, وإذا وجدت في البيت ما يحتاج إلى إصلاح بادرت لإصلاحه إن قدرت, أو سعت لتحقيق ذلك. لم تكن تنشغل بتافه القول أو الفعل, ولم أسمع منها يوماً كلاماً نابياً, كانت حريصة على نشر الود في كل مكان, وعلى مساعدة الجميع دون انتظار لعونهم.
لا يغيب عن ذهني منظرها وهي تكنس الشارع في الصباح الباكر, فتجد باقي الجارات قد خرجن للتنظيف مثلها, فقد كانت تبعث في نفوسهن النشاط وهي أكبرهن سناً وأقلهم صحة وقوة!
عندما ماتت, بكيت عليها وكأنني أبكي على نهضة ماتت, هي من أولئك الناس المعدودين الذين يتركون أثراً فاعلاً أينما ذهبوا. كنت أتذكرها في أيام ضعفي ويأسي لاستمد من سيرتها القوة, مازالت تلك المرأة الفاعلة حتى بعد موتها. أتذكرها ولم تغب عن بالي, لأحتمي بها, لأستمد منها بعض الطاقة حتى أستطيع الاستمرار. انظروا حولكم, فقد ترون أمثالها رغم أن الندرة هي إحدى صفاتها!.
28 سبتمبر 2009 09:00 م | على الأرض
نسخة الطباعة
2, أكتوبر, 2009 - 8:54 ص
السلام عليكم
صدقتِ أختي صدقتِ.
بعيدا عن تعقيدات المتفلسفين توجد الفطرة النقيّة.
بورِكتِ.
2, أكتوبر, 2009 - 11:02 ص
ثمة مقالات صغيرة أولى بالقراءة لعمري من كتب طويلة.
هذا المقال عن هذه الشخصية يغني عن مجلدات في المواعظ عن ما هية السلوك الصحيح المطلوب.
والكاتبة طبعا مشكورة وجزاها الله خيرا على إضاءتها لتلك الشخصية وتعريف القراء بها، ولكن التقدير الأكبر تستحقه تلك المرأة المجهولة التي لا شك أن في مجتمعنا كثيرات جدا مثلها ولكنا لم نتعود على أن نقدر ما عندنا ونظهره للعيان ونجعله في ساحة الوعي لتعزيزه وعده قدوة.
15, أكتوبر, 2009 - 12:10 ص
رحمها الله رحمة واسعة و ليت يوجد منها الكثيرين ، أعتقد أن وجود شخصية كهذه بجانب الفرد تعطيه شعوراً بالأمان .
15, أكتوبر, 2009 - 12:12 ص
رحمها الله رحمة واسعة و ليت يوجد منها الكثيرين ، أعتقد أن وجود شخصية كهذه بجانب الفرد تعطيه شعوراً بالأمان . بالإضافة إلى الشعور بالثقة أن هذا الشخص يمكن أن يساعدك فى حل مشاكلك إذا حكيتها له.
http://monawa3at-blog.blogspot.com