حب ومسؤولية
الكاتب: رغداءحب ومسؤولية
قرأت كتاباً للأديب التركي أورهان باموق, عن مدينته اسطنبول أسماه الذكريات والمدينة. وهو كتاب ذكريات سطره بأسلوب روائي جميل. وقد مرّ معي أثناء القراءة لفتة جميلة ذكرها باموق نقلاً عن دوستويفسكي, وكان يتحدث عن حب الجنيفيين لمدينتهم: “إنهم ينظرون إلى أبسط الأشياء وحتى إلى أعمدة الشارع على أنها جميلة جداً ورائعة. حتى عندما يدل الجنيفيون إلى عنوان بسيط يقولون: بعد عبورك ذلك الصنبور البرونزي الرائع والظريف جداً. مباهين بالبيئة التاريخية التي يعيشون وسطها”.
يعقب باموق قائلاً: “أما في وضع مشابه فيقول الاسطنبولي: انعطف عند ذلك السبيل المقطوع ماؤه, وامشِ في الزقاق على طول الأمكنة المحروقة”!.
قول باموق هذا الذي نسبه للاسطنبولي عندما يريد التحدث عن بلده, نفعله نحن أيضاً في مدننا وقرانا, فعندما نريد أن ندل شخصاً غريباً على مكان ما, قد نقول له ” شايف النهر اللي طالعة ريحته, وراه فيه خرابة فيها زبالة, وورا الخرابة بتشوف بيت مهدم, بتمشي بالشارع المحفوّر اللي جنبه, بعد ميتين متر بتلاقي طلبك!”
هذا الذي نقوله ليس لأننا لا نحب مدننا بل لأن مدننا تبكي مما فعلناه بها, فتبدو حزينة متعبة.
سوريا على امتدادها, تزخر بالحضارة والجمال, وكلما زرت مدينة في سوريا أجد هذا الجمال المغمور بالقذارة, هذا الجمال يشوهه إهمالنا: قذارة في كل مكان, استهتار بالمنشآت العامة, تخريب متعمد في كثير من الأحيان…….
هذه التصرفات المؤذية, تعبّر عن الحالة النفسية للسكان, نوع من الاحتقار للنفس, مغروس في اللاوعي الجمعي, لذلك لا نرى أي خير فيما عندنا, لا نرى جمال طبيعتنا, وعظمة آثارها ولا نشعر بأهمية ما عندنا فنستهين به, نهمله, بل لا نتورع عن إلحاق الأذى به.
وفوق ذلك إحساس بأن هذه المنشآت العامة, وهذه الطبيعة هي “ملك داشر” أي لا صاحب لها, لذلك فهي مشاع, بل إن ترك أثر عليها هو أمر واجب!, وهذا الأثر كما لا يخفى, إما أن يكون كتابة على الجدران, أو حفراً على الأشجار, أو أي نوع من التخريب الذي يترك صاحبه وراءه توقيعه وتاريخ جريمته وكأن في ذلك بطولة (وهو في الحقيقة تعبير عن أمن العقوبة)
بالطبع فإن معظم الناس يلقون بالمسؤولية على الحكومة, التي لا تقوم بواجباتها على أكمل وجه, ونجد الجميع يشتكون, ولكنهم بنفس الوقت لا يكلفون أنفسهم أي عناء.
كم واحد منا يشعر بضرورة عدم رمي ما في يده من أوساخ في الطريق؟
كم واحد منا لا يخرب البيئة عندما يخرج للنزهة, فيحافظ على جمال المكان الذي ذهب إليه للترويح عن نفسه؟
كم واحد منا يتعامل باحترام مع الآثار عندما يزورها, فيلتزم مثلاً بعدم رمي الأوساخ, وعدم التخريب, وعدم تسطير اسمه ونسبه وأحياناً مشاعره على جدرانها؟
كم واحد منا عندما يمر من بردى يتذكر قول الشاعر
بردى هل الخلد الذي وعدوا به………..إلاك بين شوادن وشوادي
فيسأل نفسه لماذا صار بردى هكذا, قذراً, نتناً, متعباً, خاملاً؟ كم وكم وكم …………
إن الإهمال والقذارة التي نراها في كل مكان عام تقريباً ليس دليلاً على عدم الحب فقط, بل هو دليل على عدم الشعور بالمسؤولية, كل واحد فينا يقول لا دخل لي, كل واحد فينا ينتقد ولكنه لا يبدأ بنفسه.
هناك نقص في حبنا لبلدنا, ليس الحب شعارات فقط, هو عمل وسلوك, عندما تحب شيئاً تحافظ عليه, تحميه, تخدمه.
وعلى فكرة, فإن هذه الأمور على بساطتها, مهمة جداً, فهي لا تعبر فقط عن حبنا لبلدنا, ولكنها تعبر عن سلوك نهضوي, مازلنا نراه بعيد التحقيق, ذلك أننا تعودنا أن ننتظر الحل من الأعلى, تعودنا على الاتكالية, واللامسؤولية, فلسان حالنا يقول (هَيْ مو شغلتي)!
هي دعوة لنا جميعاً لنحب بلدنا أكثر, أو بالأحرى لنترجم هذا الحب إلى سلوك دائم نلزم أنفسنا به على الأقل, ونربي عليه أولادنا, فلا نكون سبباً في إلحاق الأذى ببلدنا.
رغداء زيدان
06 يونيو 2009 06:05 م | وعي و وعي ممارس
نسخة الطباعة
20, سبتمبر, 2010 - 1:37 م
كلام الأخت رغداءصحيح و لطيف و شاعري..هذا هو الواقع الذي تريد هي والصديق محمد شاويش و أنا ربما تغييره ولكن لا احد غيركما يبالي الا القليل لأن انساننا العربي قدري..اتكالي..كسول لدرجة التمسحة وكثير كلام و حسب.وهو بلا وعيه يعاني من الشعور بالدونية..ولا عجب فهو مستلب..وربما لديه ميل مستبطن للانتحار…وعملية السلبنة التي خضع لها مرت عبر سنين وقرون وادت ليس فقط لنقص في حبنا لبلادنا وانما لنقص في حبنا لذواتنا.نعم نحن نكره الذات ولا نعرف(ننبسط) ونتقن بحرفية عالية دفن رؤوسنا بالرمال!! والاوهام والقناعات الزائفة فكلنا يزعم او بالاحرى يظن انه مسلم ولكنه بالواقع بعيد عن الاسلام و اخلاقياته بعد عبيدالله بن زياد عنه..نحن ابرياء من النظافة في شوارعنا و مدننا وانفسنا مع انا حريصون على غسيل البدن يوميا كانا نعاني من وسواس او وساوس قهرية!نحن بعيدون عن النظام والتنظيم ونعيش بفوضى منظمة تماما كما قالت يوما سيئة السمعة والشكل كونداليزا رايس!من سنة ولا تعليق واحدعلى مثل هذا المقال؟؟؟(يا عيب الشوم).مع تحياتي للاخت رغداء والصديق محمد
21, سبتمبر, 2010 - 12:17 ص
السلام عليكم
أهلاً بك دكتور بسام.
لماذا كل هذا التشاؤم ؟
قناعتي لم يغيرها كل ما أعيشه وألاقيه في عملي وفي حياتي من منغصات, هذه المنغصات نفسها تجعلني أزداد يقيناً بأن “العملاق” سيستيقظ, لا بد من ذلك, ودائماً أرى نماذج من الناس الفاعلة التي تبعث الأمل في نفسي وتجدد عزيمتي.
فالخير باق ما بقيت السموات والأرض, ولن يموت مهما تعرض لهزات, هناك شيء اسمه فطرة تتبدى بصورة واضحة وقت الأزمات, وفي أوقات الخطر, وقتها انظر حولك وسترى أن هؤلاء الذين تتحدث عن ميلهم للانتحار هم أنفسهم الذين يبعثون الحياة من جديد في الخراب
22, سبتمبر, 2010 - 10:14 م
شكرا ان جاز الشكر على تفاؤلك وصدقيني لست اعتبر نفسي متشائما!وانا لا ازيد على توصيفك لواقعنا فانت التي تقولين (تصرفات مؤذية ونوع من الاحتقار للنفس مغروس في اللاوعي الجمعي).هذا هو الواقع !الفرق بيني و بينك سيدتي اني لا ارى من النماذج(الفاعلة)التي تتحدثين عنها اناسا احياء يدبون على الارض!ربما عاد السبب لضيق وقتي المزمن بسبب طبيعة عملي وربما بسبب عمى البصيرة او ضعف العلاقات الاجتماعية او قلة الحظ!مع اني اعتبر نفسي محظوظا ولكن ربما كنت طماعا احب ان اعمل بجد وان اعيش بحب و فاعلية بعيدا عن التلوث السمعي و البصري و النفسي.اذن لست متشائما ولكن ربما ..عيناي واسعتان او مستقبلاتي العصبية مفرطة الحساسية!سؤالي لك حتى لا اسهب:(وهي اول مرة اكتب التعليقات على ال نت و ما شدني لذلك هو كتابات الاستاذ محمد الذي تجمعني به ذكريات قديمة و معزة واحترام متواصل).: قناعتك التي رغم كل شيء سلبي يحدث معك تزيدك يقينا و تفاؤلا ..من اين اتتك هذه القناعة؟ من بثها فيك و كيف؟هل هي موروثة ام الهام حسب الاخ محمد كمسلمات الهندسة والرياضيات؟ان كانت موروثة فهذا حظك او الهاما فطوبى لك.اني اراها حكرا على بعض الناس الخاصين .وربما هناك حتمية ما لاستيقاظ ذلك المارد..ولكنه الآن يغط في سبات عميق
والخير باق ولا شك لانه الاصل ولكن صدقيني هذه الفطرة التي تتحدثين عنها (وقت الازمات والخطر)..ما هي الا ردات فعل(فطرية:عفوية)سريعة النشاة والزوال.او نوع من العرف الاجتماعي السائد وليس عقيدة او نمط حياة.ثم اليس هذا الوقت الذي نعيشه من اوقات الخطر ؟وما حدث لغزة او ما سيحدث قريبا لها او لنا جميعا ؟الا يشير الىانا نعيش في وسط ازمة خطيرة؟؟.اثناء البث الحي لمجازر العدو الاخيرة لغزة ذهبت الى محيط السفارةالمصرية التي هب شعبها العربي المسلم عن بكرة ابيه يطالب حكامه الحكماء ان يكفوا عن الحكمة ولو قليلا فيفتحوا المعابر!؟نظرت حولي فلم ار الا ثلاث فتيات:الاولى سافرة طويلة والثانيةمحجبة قصيرة والثالثة من كوكب آخر على ما يبدو لم اتبين ملامحها لاني كنت مسرعا في طريقي للعمل؟!اخيرا هناك اخيار كثيرون ولكنهم اناس طيبون وغالبا بسيطون حد السذاجة ولكن غير فاعلين.والسلام.
23, سبتمبر, 2010 - 1:17 ص
لا أعتقد دكتور بسام أن تعليقاً سيكون كفيلاً بشرح وجهة نظر هي في الحقيقة فلسفة حياة بالنسبة لي. لكني أشكرك على وقتك وتعليقك, والشكر موصول لأستاذي محمد لأنه السبب في مشاركتك.
سأجيب فقط على سؤالك من أين لي بهذا التفاؤل: هو فلسفة حياة ببساطة شديدة, فوفق وجهة نظري فإن إنسانية الإنسان تتحقق بالأمل الذي يعطي الدافع للعمل وممارسة الحياة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً, ذلك الأمل الذي يجعل العيون قادرة على رؤية الإيجابيات رغم طغيان السلبيات.
أعرف تماماً أنك لست الوحيد الذي يستغرب من هذا التفاؤل, بل وقد يعتبره نوعاً من البله والبعد عن الواقع, (لا أخفيك هؤلاء هم الغالبية العظمى حولي), لكن هذا لا يؤثر كثيراً في حماسي, فدائماً أجد حولي من يجدد هذا الحماس.
تحياتي