جلال أمين يحدثنا عن حلمي مراد
الكاتب: رغداءجلال أمين يحدثنا عن حلمي مراد
رغداء زيدان
أحد الشخصيات التي تصلح أن تكون قدوة لنا بفعاليتها وأخلاقها هو الدكتور حلمي مراد, الذي حدثنا عنه الدكتور جلال أمين في سيرته الذاتية “ماذا علمتني الحياة” الصادرة عن دار الشروق في القاهرة, في أيار / مايو 2007م. وسأنقل لكم مقتطفات عما كتبه الدكتور جلال أمين عن هذا الرجل الفاعل في كتابه هذا (الطبعة التي عندي هي الطبعة الثالثة من الكتاب, وقد صدرت في تشرين أول / أكتوبر 2007م, والمقتطفات هي من الصفحة 222 إلى الصفحة 227), يقول جلال أمين:
كان الدكتور حلمي مراد من بين كل من عرفتهم في كلية الحقوق عين شمس أقربهم إلى قلبي, وقد تأثرت تأثراً شديداً عندما وصلني خبر وفاته, وشعرت كما لو كنت فقدت أباً أو أخاً………
كان رجلاً وسيماً ذكياً, سليم التقدير للأشخاص والمواقف, وذا ترتيب صحيح في رأيي للأولويات, فلا يبالي بتوافه الأمور, ويعطي الأمور المهمة حقها. كان أيضاً لطيف المعشر مجاملاً, لديه كلمة لطيفة يقولها لكل شخص دون أن يشوبها أي نفاق. كان هكذا مع تلاميذه وزملائه وخدمه وفراشي الكلية على السواء. ولكني رأيته أيضاً صارماً وحازماً مع الرؤوساء والعظماء, لا يهابهم ولا تغره مظاهر مناصبهم. كان يطبق ذلك القول المأثور: ” قل كلمتك وامض” إذ كان ما يهمه فيما لاحظت أن يقول الحق بصرف النظر عن نتائجه. لا ينتظر الحصول على مكافأة على قوله, ومستعد لتحمل نتائج هذا القول ولو كانت قاسية. ولكنه كان أيضاً عذب القول, يستسيغ النكتة اللطيفة ويضحك لها ضحكة قصيرة ولكنها صافية, وكثيراً ما تختلط عبارات المجاملة التي يقولها بخيط رقيق من السخرية التي لا تجرح أحداً.
عرفته لأول مرة عندما كنت مدرساً للاقتصاد والمالية بحقوق القاهرة, وكنت أنا حينئذ تلميذاً صغيراً في السنة الأولى أو الثانية, ولكني لم أكن قط تلميذاً له, ولم أعرفه عن قرب إلا بعد نحو عشر سنوات, عندما عدت في إجازة إلى مصر أثناء بعثتي بانجلترا, وكنت قد حصلت لتوي على درجة الماجستير, وكان هو رئيس قسم الاقتصاد بحقوق عين شمس التي كنت حصلت على بعثتها, ومن ثم كان من المقرر أن أعود للتدريس بها بعد انتهاء دراستي بإنجلترا. ذهبت إلى الكلية أثناء هذه الإجازة للتعرف عليها, ولأخبر من لم يعرف بحصولي على الماجستير من جامعة لندن, فخوراً بنفسي, ولا أعرف بعد مدى جهلي وضآلة شأني. عاملني حلمي مراد معاملة لطيفة للغاية, وكأنه فهم شعور شاب في السادسة والعشرين مليء بالطموح المبالغ فيه, ولا يعرف شيئاً بعد عن حقيقة الجامعة المصرية أو المجتمع المصري. دعاني للعشاء في مطعم هادئ في وسط البلد, كنوع من الاحتفال بحصولي على الماجستير, وصبر عليّ أثناء العشاء إذ رحت أسأله عما إذا كان قد قرأ هذا الكتاب أو ذاك, وأستغرب أنه لم يقرأه…..لم أدرك أيضاً مدى كرمه معي إذ أعطاني ساعتين أو ثلاث ساعات من وقتهوعاملني هذه المعاملة اللطيفة, إذ اعتبرت مثل هذه الدعوة للعشاء عملاً طبيعياً من رئيس للقسم لزميل جديد سوف ينضم للقسم بعد سنوات قليلة. ولم أقدّر هذا الكرم منه إلا بعد أن رأيت كثيرين غيره, من أساتذة الجامعة أو غيرهم, وكيف يعاملون زملاءهم الصغار وغيرهم أيضاً………
كنت ألاحظ عليه, بعكس غيره من الأساتذة, إذا رأيته في كلية الحقوق أو في جمعية الاقتصاد والتشريع, أنه كثيراً ما يضع يده في جيبه ليخرج ورقة نقدية ليدسها في يد هذا الفراش أو ذاك, فيلهج الفراش بالثناء عليه ويدعو له بطول العمر, فإذا جاءه تلميذ يسأله عن كتاب له أعطاه له نسخة كهدية, وإذا همّ بركوب سيارته يجلس بجوار السائق لا في المقعد الخلفي. كما كان كتابه المقرر على الطلبة أصغر الكتب الجامعية حجماً وأقلهم سعراً.
ثم شهدته يتدرج نائباً لرئيس جامعة القاهرة, ثم رئيساً لها, ثم وزيراً للتعليم, في أعقاب هزيمة 1967م, عندما شكّل عبد الناصر حكومة تضم بعض الرجال الذين يتمتعون بسمعة طيبة لدى الناس, من حيث النزاهة واستقلال الرأي. ثم تتبعناه جميعاً وهو يقوم بنشاط غير عادي كوزير ويحاول الإصلاح بالفعل, حيث رضي غيره بترك كل شيء على ما هو عليه ثم يستقيل أو بالأحرى يجبر على الاستقالة عندما يصبح الإصلاح مستحيلاً. ولكنه لمع بوجه خاص عندما بدأ يكتب تلك المقالات الرائعة في جريدة الشعب منتقداً عيباً بعد آخر في سياسة حكومات السادات المتعاقبة, وينبه إلى ضرورة الإصلاح في مجال بعد آخر من مجالات حياتنا السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
كانت تعاودني الدهشة كلما قرأت مقالاً جديداً له, من كل هذه الصلابة التي تكسوها أقصى درجات الهدوء, وهذا الأدب الجم. كان يبدأ المقال هادئاً فيناقش أكثر الموضوعات سخونة مناقشة العالم الرصين. فيعدد الحجج التي تؤيد رأيه, ولا يبدو غاضباً أو ساخطاً وإنما يبدو فقط وكأنه فكر ملياً في الأمر وانتهى إلى هذا الرأي الذي يطرحه, فإذا بك وقد انتهيت من قراءة حججه قد استبد بك الغضب, وغلى الدم في عروقك, وضربت كفاً بكف متعجباً من أن كل هذه الحجج الواضحة كالشمس لم تلفت نظر أولي الأمر. وتعجب أيضاً من أن يؤدي هذا الهدوء التام وهذا التحليل المنطقي الرصين إلى كل هذه المشاعر الفياضة لدى القارئ, وكل هذا السخط على ما آل إليه الحال.
كان يبدو وكأن مجموعة من المبادئ الأخلاقية والقانوينة استقرت في ذهنه, ولا يستطيع أن ينساها. هي في نظره من البديهيات ويدهشه ألا يراها الناس كذلك. من هذه البديهيات مثلاً أن الوزراء جميعاً مسؤولون مسؤولية تضامنية عما يفعله بقية الوزراء ورئيس الوزراء. ليس هناك شخص أكبر من أن يقال له أخطأت إذا أخطأ. لا فائدة من جمع المال إذا جاء عن طريق غير شريف. حاجة الإنسان إلى المال هي في الحقيقة محدودة, فحاجات الإنسان الحقيقية قليلة. لا يمكن أن يرفع المنصب الكبير شخصاً صغيراً ولا الخروج من المنصب يجعل الكبير صغيراً. إذا قمت بعمل لأن هذا هو ما أملاه عليك ضميرك فلن يزيدك شرفاً إشادة الناس بعملك, ولن يقلل من شرفك أن أحداً لم يشد به أو يذكره. لا فائدة من الطنطنة وعلو الصوت في قول الحق لأن الحق واضح بنفسه ولا يحتاج إلى مكبر للصوت.
وهكذا كان يفاجئنا الدكتور حلمي مراد المرة بعد الأخرى بمقال يذكّر فيه الناس بأشياء كانت في الماضي تعامل كبديهيات ثم نسيها الجميع, مثل: أن الجامعة مكان لتلقي العلم وتوصيله للناس وليس لتحقيق الربح, أو أن القرارات المهمة في حياة البلد يجب أن تعرض على الناس للمناقشة قبل اتخاذها, أو أن الوزير الذي يُعطى هدية من دولة أجنبية يجب ألا يحتفظ بهذه الهدية لنفسه, بل عليه أن يسلمها للدولة لأنه لم يحصل عليها لشخصه بل بحكم منصبه, أو أن الوزير النظيف أفضل من الوزير غير النظيف, أو أن الزعم بالتصدي للفساد يتناقض مع تقييد حرية الصحافة…إلى آخر هذه البديهيات التي يراها حلمي مراد واضحة كالشمس, ويرفض القول بأنها من مخلفات الماضي, وأن عليه أن ينساها.
عُرضت عليه الوزارة في وقت عصيب (1968م) فقبلها لأن تقلد الوزارة في رأيه خدمة عامة وفرصة للإصلاح لا يمكن أن ترفض…..والذي عينه وزيراً كان أقوى رجل في مصر, لم تشهد مصر في تاريخها من كان يثير الرهبة والخوف مثله. فرأى حلمي مراد أحد الوزراء وهو وزير العدل يتصرف على نحو لا يرضى حلمي مراد عنه, إذ أخرج الكثير من القضاة من مناصبهم ظلماً وتملقاً لصاحب السلطة. فاعترض حلمي مراد وهو وزير التعليم, فسأله عبد الناصر باستغراب شديد عما يجره إلى التدخل فيما لا يعنيه, على أساس أنه وزير التعليم وهذا أمر يتعلق بالقضاء ووزارة العدل. سمعنا وقتها أن جمال عبد الناصر في هذه المناسبة أو في مناسبة أخرى تكلم فيها حلمي مراد بما لا يعجبه أغلق الملف الذي أمامه وخرج من مجلس الوزراء غاضباً. وفسر حلمي مراد هذا الذي حدث التفسير الصحيح وهو أنه دليل على أن رئيس السلطة التنفيذية الذي اختاره وزيراً لم يعد راضياً عنه, وأن عليه بناء على ذلك, واحتراماً لنفسه أيضاً أن يقدم استقالته, ولكن المسألة لم تكن بهذه البساطة…….الأكثر مدعاة للإعجاب هو تصرف حلمي مراد بعد ذلك, فإنه لم يحاول قط طوال العشرين عاماً التي تلت هذا الحادث أن يستغله لصالحه مع أن هذا كان من أسهل الأمور بعد أن انقلب كل شيء بعد وفاة عبد الناصر…..كان ما صنعه أنه كلما حاول أحد أن يصور هذا الحادث على غير حقيقته رد عليه حلمي مراد بهدوء كامل وإيجاز شديد يتفق مع نفوره الشديد من أن يفاخر بتصرف بدا له بديهياً وطبيعياً تماماً.
كان رجلاً مستقيماً بأجمل معاني هذه الكلمة, وكان ما رأيته من مواقفه من السلطة وحيرة السلطة معه يذكرني بالمثل العامي الجميل “امش دوغري يحتار عدوك فيك” ولكن هذه الاستقامة كانت تبدو لي أيضاً وكأنها لا تكلفه أي جهد, ومن ثم كان يبدو لي دائماً سعيداً وراضياً تماماً عن نفسه, فكيف “لا يحتار عدوه فيه؟” إذ ما الذي يمكن تقديمه لحلمي مراد كوسيلة لإغرائه؟ وما الذي كان يمكن أن يصنع لإخافته؟
29 سبتمبر 2009 12:47 ص | سلوكيات و على الأرض
نسخة الطباعة
29, سبتمبر, 2009 - 6:55 م
حلمي مراد رحمه الله كان نموذجا للرجل “المهم” الحقيقي و”الإنسان المهم الحقيقي” فعلا ليس هو الشخص التافه الذي بمجرد أن يستلم منصبا تعليميا أو رسميا يظن أنه حاز على الحق الإلهي باحتقار الناس وبالترفع عليهم وإذاقتهم الذل بقدر ما يستطيع رغم أنهم هم في الحقيقة من يدفعون راتبه ولكن الجاهلين لا يعلمون!، بل هو الذي يحافظ على ثقته بنفسه ويعبر عن هذه الثقة بالنفس على طريقة الأشجار المثمرة أي بالتواضع.
ونحن نحتاج إلى القدوة الحسنة.
وشكرا للأستاذة رعداء وللكاتب الأصيل جلال أمين مد الله في عمره.
6, يونيو, 2011 - 2:15 م
لقد اسعدني التحليل الجيد و العلمي للدكتر جلال لشخصية موغلة في المثالية مثل د حلمي مراد الذي اعرفه عن قرب حيث كنت تلميذا عليه في كلية حقوق عين شمس و محام له في كثير من قضايا الراي ثم زميلا في عضوية حزب العمل و ثم منفذا لوصيته بعد رحيله رحمه الله و قدتناولت في سلسلة مقالات نشرت بجريدة الشعب تحت عنوان يا فارس الفرسان يرحمك الله بعض جوانب حياته الشخصية و العامة و في يقيني انه يجب و بعد قيام ثورة 25يناير يجب تكريم الرجل الذي جعل العمل السياس اخلاقيا