تمكين اللغة العربية -ناديا خوست-تشرين

الكاتب: محمد

تمكين اللغة العربية

دمشق
صحيفة تشرين
آفاق
السبت 20 شباط 2010
تكتبها: د. ناديا خوست
نشرت لجنة التمكين للّغة العربية تقريرها في كتيّب تناول مجالات مؤثرة في التعليم والثقافة والمدينة. صدّرته بكلمة السيد الرئيس عن ارتباط اللغة العربية (بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا.. ولاسيما في هذه المرحلة التي يتعرض فيها وجودنا القومي لمحاولات طمس هويته ومكوناته). فالاعتداد بلغتنا ليس (مدعاة للشعور بالدونية).

تدافع الأمم اليوم عن لغاتها القومية, مقومات هويتها. لكن اللغة العربية, إلى ذلك, هي جامع الأمة, وحاملة عمقها الحضاري. ومن فضائل سورية أن الجامعة منذ تأسيسها درّست العلوم والطب باللغة العربية. وأضافت بمرسوم تشريعي سنة 1952 منع استخدام الأسماء الأعجمية على المحال العامة والخاصة. وأكدت ذلك في سنة 1980. ‏

في كتاب (قضايا وحوارات النهضة العربية), الذي جمع مقالات منشورة على امتداد قرن تقريباً, نقرأ قلقنا نفسه على اللغة العربية. ففي أساسه أثر العلاقة بالغرب في القرن الماضي وبالعولمة اليوم, والجهل بالتراث العربي الأدبي والتاريخي والعلمي, واستبعاده من المناهج التعليمية, وأسلوب تعليم اللغة العربية الذي يصور أنها قواعد مقطوعة عن كنوز الحضارة العربية. ‏

لو قدمت الكتب الدراسية شواهد, مثل لقاء ليلى الأخيلية بالحجاج, لرسّخت المفردات, وسحرت ببلاغة اللغة, ونقلت الشعور بأناقتها, وأعادت الروح إلى قواعدها, ووصلت المعاصرين بتاريخهم. وهذا ليس فتحاً فقد مارسه أساتذة جيلنا, ويمارسه معدّو الكتب المدرسية الغربية.

أتت ليلى الأخيلية إلى الحجاج تطلب المساعدة لقومها. قالت: (أتيت لإخلاف النجوم, وقلة الغيوم, وكَلَب البرد, وشدة الجهد). ووصفت الحال: (الأرض مقشعرة, والفجاج مغبرّة, والمقتّر مقلّ, وذو العيال مختلّ, والبائس معتلّ, والناس مُسنِتون, رحمة الله يرجون). ‏

يفترض إذن, أن نتصفح جوانب حياتنا, لنتبين سبب ضعف اللغة العربية اليوم: مستوى المعلمين, وغياب دورات التأهيل السنوية, ونمط الكتب المدرسية والجامعية, وطريقة التعليم البعيدة عن القلب, التي تسلخ دائماً قواعد اللغة عن روحها, وانحسار القراءة, وقد أحاطت اللجنة بأكثر هذه الأسباب, وأسست عليها توصياتها, ومنها ما بدأت بتنفيذه, مثل تعريب إعلانات الشوارع ولوحات المحال. ‏

فالطرقات تلامس الذاكرة العامة. لذلك تُحمى واجهات الأبنية بمعايير دقيقة. وتعطى للشوارع أسماء الشهداء والفنانين وكبار الرجال والأحداث. وتزين المدن بالأشجار. وقد اعتمد على هذه المعايير المرسوم الذي يلزم بكتابة أسماء المحال التجارية باللغة العربية. يضاف إلى ذلك أن دمشق مثّلت دائماً الوجدان العربي, وحملت دورها الوطني في الصراع العربي الصهيوني. ‏

تبيّن من تأمل الإعلانات ولوحات المحال أنها تمس بنية اللغة نفسها عندما تمزج المفردات العربية باللاتينية, وتجعل الصياغة العربية لاتينية. نقرأ مثلاً: سعد سنتر, وحمودة ماركت, ومحمود كوتور. وتكتب الحاء باللاتينية. وتصبح الشمس في بلاد الشمس باللغة العربية: سولي. ونقرأ باللاتينية بيونير. وبالعربية عالم الميديا. وتلتبس حتى اللاتينية عندما تكتب بالعربية, وتتسرّب مع المفردات اللاتينية الوجبات السريعة التي ينبه الغرب اليوم إلى خطرها. ‏

يوهم استخدام اللاتينية, مكتوبة بالعربية أو مكتوبة بلغتها, بأن اللغة العربية ليست لغة العصر. وينشر الترفع على الهوية الوطنية. وإذا أضفنا أن الوجوه والقامات التي نراها في الإعلانات غربية. تبيّنا أن التغريب يمس العادات والملابس والسلوك, وتستكمله اللغة العامية. ذلك في الوقت الذي تهود فيه أسماء القرى والمدن العربية في فلسطين. ‏

لذلك تناولت توصيات لجنة التمكين مساحة الحياة الواسعة وقدمت اقتراحات متكاملة. وإذا نفذ مشروعها غيّر محيط الفرد والجماعة. فاللغة تكتسب وسط المجموعة, وتكتمل بالعمل الفردي خلال إغناء الإنسان نفسه بالثقافة, وإيمانه بأن الكمال في كل المجالات لا يحدد بنقطة نهاية. فالثقافة عمل يستمر طوال عمر الإنسان والجماعة. ‏

اغتنت اللغة العربية, طوال قرون بما أنجزته الحضارة العربية الإسلامية في الفنون والعلوم والعمارة والآداب. فابتكرت مفردات وصيغاً في المجالات التي كانت جديدة آنذاك. ‏

وأغنت بمفرداتها اللغات الأخرى كالقشتالية واللاتينية والتركية والفارسية. وتقترح علينا اليوم أن نتعلمها ونشتقّ منها. وأن يتكامل العمل في الموسوعات والأبحاث التي تنجز في مدى زمني طويل, وتفيد من ثمارها النخبة, وما يستخدم في الحياة اليومية التي يكسب منها المواطن, طفلاً كان أم شاباً, مفرداته وصياغة تعبيره.‏

20 فبراير 2010 01:08 م | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 7 على “تمكين اللغة العربية -ناديا خوست-تشرين”

  1. عماد العبار يقول:

    في الحقيقة هذه مسألة مهمة وشائكة في نفس الوقت … وقد وجدت من خلال تعاملي مع الإخوة المصريين خريجي الجامعات المصرية أن اللغة العربية أصبحت مهددة حقيقة بالضياع فلو اقتصر الأمر على استخدامهم المصطلحات الأجنبية ضمن حديثهم المعتاد لكان الأمر هيناً أو يمكن استيعابه ” فمن خلال تجربتي وجدت أنه يصعب علي أحياناً تعريب بعض المصطلحات العلمية التي يرتبط فهمها بتجربة أو مشاهدة علمية أو تلك التي لا يوجد سند علمي لها في تجربتنا أو لغتنا كالتي تعبر عن اسم تقنية أو اكتشاف حديث ” ، ولكن الأمر يتعدى ذلك إلى اللجوء للتعابير الحياتية المتداولة في البيع والشراء وكل نواحي الحياة ، والأسوأ أيضاً اللجوء إلى ” جعلكة ” الكلمة الإنكليزية لتأخذ طابع ” عامي عربي ” مما يسيء لكل لغات الأرض وأولها لغتنا ، مثل استخدام كلمة ( system ) فتصبح فعلاً عامياً عربياً على الشكل ( يسستم ) :-)
     وربما لهذا الأمر علاقة بشكل كبير بالمدارس العالمية ( international ) التي أعارضها شخصياً والتي ساهمت في تثبيت اللغات الأخرى في وعي ووجدان الاطفال في المراحل المبكرة ، الأمر الذي أجد آثاره أكبر بكثير من تلك التي قد تحدث في المرحلة الجامعية ..

    أقتبس من المقال عبارة :
    اغتنت اللغة العربية, طوال قرون بما أنجزته الحضارة العربية الإسلامية في الفنون والعلوم والعمارة والآداب. فابتكرت مفردات وصيغاً في المجالات التي كانت جديدة آنذاك. ‏
    وهو الأمر الذي أحب التشديد عليه ، فالعربية ازدهرت يوم كانت حضارتنا فاعلة ومؤثرة في مجريات التاريخ ، وأذكر معلومة لست متيقناً من صحتها أن اللغة الفرنسية على سبيل المثال تحتوي أكثر من 2000 كلمة من أصل عربي ، وهذا كان بسبب أن تلك اللغة كانت تحمل في طياتها انجازاتنا وثقلنا التاريخي ، والحفاظ على اللغة يتطلب العودة لذلك الموقع بالتزامن مع مساعي إحياء اللغة كلغة محكيّة ، أما غياب الفاعلية فسيهدد على المدى البعيد ليس فقط لغتنا وإنما وجودنا أيضاً !

    والله أعلم
    عماد

  2. محمد يقول:

    اللغة -أي لغة كانت- يمكن أن يصل مستعملها في ظرف معين إلى الحيرة في التعبير عن شيء لا يعرف اسمه أو حتى عن تجربة لا يستطيع وصفها بكلمات مناسبة.
    وليس هذا بحجة ضد اللغة طبعا ولا هو مبرر لهجرها واستعمال لغة أخرى.
    وحال هؤلاء الببغاوات الذين يرددون كلاما إفرنجيا بلا مناسبة ولا داع ليس حالا طبيعية فهو حال انهيار نفسي وشعور بالوضاعة واحتقار الذات بل يعبر عن حالة من نية الانسلاخ إن استطاع المنسلخ عن أهله ومجتمعه.
    وهو من ناحية أخرى تعبير عن استعدادات العمالة للأجنبي التي تنبني عندنا منذ السبعينات ومنذ أن انهارت المحاولات العربية الأولى للاستقلال الاقتصادي والسياسي والثقافي.

  3. عماد العبار يقول:

    أتفق معك في كلامك إلا أن وصلت إلى عبارة ( العمالة للأجنبي ) والتي أتحفظ عليها بشدة فأنا قصدت الإشارة إلى ظاهرة موجودة عند شريحة واسعة من أبناء الأمة الذين يعيشون ماذكرته أنت من توصيفات الترديد وربما احتقار الذات وما إلى ذلك …
    ولكني لم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى اتهام بالعمالة …
    فأنا أحب أن يعالج المريض لا أن يعدم … إلا إذا كنت تقصد بمعنى العمالة هنا غير المعنى الدارج لها …

  4. محمد يقول:

    المفروض ان يكون واضحا من سياقي توصيف التوجه في مصر وغيرها الذي بدأ في البسعينات لربط البلد بالعجلة الأمريكية من جميع النواحي الاقتصادية والثقافية وأترك السياسية التي اتفقنا في من فتى على أنها ليست للطرح في هذا الموقع بأنه توجه العمالة الثقافية كما يكون لكل شركة عميل فكذلك يكون للثقافات المهيمنة في العالم عملاء محليون يتولون تعديل الثقافة المحلية لتتلاءم مع هدف الهيمنة.

  5. جبر يقول:

    اللغة العربية بخير أنظروا إلى شعبية شاعر المليون وامير الشعراء ، وأظن ان اللغة العربية لا تحوي ماحوته اللغة الفرنسية من مفردات أعجمية ، ومصر ما زالت كما كانت ولادة للعباقرة والمحافظين على الهوية ، ما زالت النكتة تروى بلهجاتنا ، والاخبار على سوءهابالفصحى :( .
    اللغات الاخرى أو الأنكليزية تحديدا لغة تجارة ولغة لها سطوتها ليس على العربية فحسب بل على لغات العالم .

  6. عماد العبار يقول:

    كذلك المفروض أنه واضح من سياقي أخي محمد أنني أتحدث عن طبقة متعلمة من الشعب المصري لا تمت للعمالة بصلة … وربما أستخدم تعابير مختلفة لوصف هذه الظاهرة ذات الأبعاد المتشابكة والمعقدة … ولكني لا أستطيع استخدام لفظة العمالة حتى وإن كانت متبوعة بكلمة ” ثقافية ” فالعمالة عمالة …
    ولا أظن أن من حق أحد إطلاق هذه التهمة إلا بوضعية محددة أمام قاض وشهود وقرائن وأدلة وبعدها فلترفع الجلسة …
    أما هؤلاء الذين تتحدث عنهم فهم يتولون عن سبق إصرار تعديل الثقافة المحلية لتتلاءم مع هدف الهيمنة وهم في الغالب ينتفعون من هذه الحالة … وهؤلاء لم أشر إليهم أنا في كلامي …
    وشكراً

  7. دلشاد مصطفى يقول:

    اللغة العربية بخير وسلامة للتأكد على هذا الكلام انظرو الى امير الشعراء واللغة الفرنسية تقلد اللغة العربية بما تحويه

أكتب تعليقاً