تغيير القيم في المجتمع العراقي
الكاتب: رغداءتغيير القيم في المجتمع العراقي
مـهدي زايـر جـاسم العكيلي
القيمة سمة اعتقاديَّة تنعكس على سلوك الإنسان، وتنال إعجاب المجتمع، وتلاقي لديه ردود فعل ايجابية اتجاه من يتحلى بها أو يمارسها، وعلى المجتمع أن يشجعها ويدعمها ويحترم من يتسم بها، ومعظمها قديم كالصدق، والأمانة، والإخلاص، والتضحية، ويمكن القول: إنها صفات إنسانية عامة، فقيمة الحياة تواجه قيمة القتل، والكرم للحد من الجشع، والوطنية لمواجهة الفردية وقد تركت هذه القيم أثراً أقوى من القانون الذي يرتبط بزمان محدد، وهو يفرض على الفرد والمجتمع، ويُطاع بالقوة إذ لزم الأمر، في حين إن للقيم الطاعة الذاتية الداخلية، مما ساعد على تطوير الإيجابيات الفردية، فجاءت قيمة الحياة لتواجه القتل،، والكرم للحد من الجشع، والأمانة لتواجه الفساد والخيانة ، فقيم كالأمانة والتضحية لا تُفترَض على الإنسان، من يمتثل لها يحترمه المجتمع، ومن يرفضها يرفضه المجتمع، فالجبان ليس مجرماً بحسب القانون، ولكنه مجرم بنظر المجتمع، والقيمة قد تنعكس على السلوك فغير الأمين ليس لصاً ولكن قد يسرق.
تُعد القيم الإنسانية المعيار الرئيس في بناء شخصية الفرد وعلاقته بالمجتمع، وهي مجموعة الاتجاهات والسلوك أو الفعل وهما محصلة نهائية لتوجهات القيم، وفي ضوء ذلك فقد عرفها بعضهم (بأنها مفهوم يدل على مجموعة من الاتجاهات المعيارية لدى الفرد في المواقف الاجتماعية،فتحدد أهدافه العامة، والتي تتضح من خلال سلوكه العلمي أو اللفظي) وفي تعريف آخر(هي عبارة عن الأحكام التي يصدرها الفرد في التفضيل وعدم التفضيل للموضوعات والأشياء، وذلك في ضوء تقديره وتقييمه لهذه الأشياء والموضوعات) ومن خلال هذين التعريفين تستنتج أن القيم هي الضمير الذي يبعد الإنسان عن الخطأ والإنحراف عن القيم النبيلة كالصدق والإخلاص والأمانة، وبما أن الطفل يُعتبَر صفحة بيضاء وهو عماد المجتمع وعليه تقع مسؤولية بناء الوطن فإن غرس هذه القيم في نفوسهم هو الخيار الأسهل لجعلهم في الطريق الصحيح.
وهناك سؤال يطرح نفسه لماذا تغيرت منظومة القيم في العراق؟ ومتى ؟!
لابد أن نقول : إن المجتمع العراقي مر بحروب لم يشهد مثلها أي بلد على الإطلاق، فهو حالة نادرة لذلك كان تغير القيم لدى الشخصية العراقية مرتبطاً بتغير الظروف التي يمر بها البلد، ولو رجعنا إلى الوراء قليلاً لتذكرنا أن قيمة الشجاعة كانت مقترنة بقيمة السرقة ومنها انطلق المثل الشائع (لما يبوك مو رجال)، ولا يستحق أن (يكعد) بالديوان، وكيف كان ينظر المجتمع لمهنة (الحايك) بنظرة محتقرة حتى وقت قريب، ولا يتشرف أحد بتزويجه إحدى بناته، وكذلك بائع الخضرة البسيط (الحساوي) كان يُنظَر إليه بأنه (مو رجال)، وبمرور الزمن تغيرت هذه القيم وأصبحت من الماضي، وخير من حلَّل شخصية الفرد العراقية هو الاجتماعي الكبير الدكتور (علي الوردي) حيث وصف شخصية الفرد البدوي بأنه وهاب نهاب، يغزو وينهب ويقتل من جهة، ويكرم الضيف ويجزل العطاء من جهة أخرى، وان الموظف الفاسد الذي يبني بيته من سرقة المال العام والاختلاس ينظر له المجتمع نظرة(إنسان ناجح) استطاع أن يكوِّن نفسه في زمن صعب، والإنسان الأمين المخلص في عمله الذي يبحث عن اللقمة الحلال يقولون عليه (مدبر نفسه غشيم) وهذه هي إشكالية المجتمع العراقي وعلينا أن ننمي القيم الجيدة ونحارب القيم الفاسدة.
لذلك تُعتبَر الأسرة من أهم المؤسسات الاجتماعية في إكساب القيم فهي التي تحدد قيمهم لأبنائها، وتقوم الأسرة بدور بارز في عملية تربية الطفل وزرع القيم النبيلة كالصدق والأمانة والإخلاص في العمل، كما إن الطفل في بداية حياته ليس لدية ضمير أو مقياس للقيم، فهو لا يستطيع التمييز بين الخطأ والصواب ،حيث ينمو ميثاقه الأخلاقي من خلال أسرته واختلاطه بأصدقائه وغير ذلك فيُعاقَب على الخطأ ويُكافَأ على الصواب.
وقد أوضحت الدراسات أن تبني الطفل لقيم ومعايير الوالدين يعتمد على مقدار الدفء والحب الذي يُحاط به الطفل في علاقته مع والديه، ويقوي علاقته بهما، وان الطفل الذي يكون قريباً من ولده يكون أسرع في تبني المعايير السلوكية لولده هذا من جهة، ومن جهة أخرى سوف يحافظ على قوة هذه العلاقة ويخشى من فقدانها ؛ لذلك نرى الأثر الكبير الذي تتركه الأسرة على زرع القيم الأصيلة في نفسية الطفل.
يؤثر أسلوب التنشئة الاجتماعية الذي يتبعه الآباء مع الأبناء في تبني قيم معينة مع أخرى فقد توصل العالم (ماكيني) إلى أن هناك ارتباطا ًبين التوجه القيمي للأبناء وتصورهم وإدراكهم لأنماط معاملة الوالدين فالأبناء الذين تكون علاقتهم مع آبائهم (أمرية) يعرفون أباءهم بأنهم أكثر مكافأة وأقل عقاباً وهم يميلون إلى فعل الصواب، والأبناء الذين تكون علاقتهم مع آبائهم ذي التوجهات (الناهية) عن الأفعال السيئة، يعرفون أباءهم أنهم أكثر عقاباً وأقل مكافأة لذلك يحرصون على عدم ارتكاب الأخطاء ، فالفرد يكتسب معظم قيمه من أسرته وجزء من أصدقائه وجزء من مدرسته وجزء من معلمه والفرد يتنازل عن بعض القيم ليأخذ بغيرها من مجتمعه وأصدقائه.
كما بينت الدراسات إن هناك اختلافا في قيم الأبناء باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمون لها،فالإباء من الطبقة المتوسطة يهتمون بغرس قيم معينة كالانجاز والإبداع، والأمهات من الطبقة الاجتماعية المرتفعة يعطين اهتماما لغرس قيم معينة تختلف عن الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة ،أذن تؤثر الثقافات الفرعية تأثيرا كبيرا في زرع القيم داخل نفوس الافراد الذين ينتمون اليها كما كشفت الدراسات عن عدد من الحقائق المهمة ومنها إن مستوى الحكم الأخلاقي يختلف من عمر الى آخر، وان هناك نوعين من الاحكام الأخلاقية : أولهما أحكام مرتبطة بالجانب الاجتماعي والتي تصدر بناء على العرف والتقاليد السائدة،وثانيهما الاحكام المرتبطة بالمثل العليا ويحددها الضمير وان أحكام الطفل تكون في سن مبكرة مبنية على لذة والمنفعة وسرعان ما تتغير هذه الاحكام عندما يكبر.
30 نوفمبر 2009 11:55 م | سلوك و على الأرض
نسخة الطباعة
1, ديسمبر, 2009 - 4:45 م
يبدو أن الأستاذة رغداء بحكم عملها في مجال التربية تحب التركيز على هذا الجانب كثيراً
وهو في الحقيقة من أكثر الجوانب أهمية وحيوية ، وهو لايحتاج في كثير من الأحيان إلى مشقة كبيرة في تغيير فهمنا وسلوكنا المرتبطين بالعملية التربوية ، حيث أن هذا الأمر يقع في متناول كل فرد يقرأ معلومة أو تذكير أو تنبه على خطأ معين ثم يصبح بإمكانه تغيير بعض المظاهر السلبية التي تعج بها حياتنا …
في فترة العيد هذه ، ومع الاجتماع ببعض العائلات ازددت قناعة ً بأن المشكلة تكمن في نفوسنا وأفكارنا وسلوكنا الذي ينعكس على تربية أبنائنا ، فلو أننا نحاول إعادة تقييم أنفسنا تقيماً موضوعياً لوجدنا أننا نتحمّل المسؤولية الأكبر في إنشاء جيل لم تغرس فيه بذور قيم التفاني والانتباه لمشاعر وقيمة كل ماحولنا من أشخاص وأشياء ،.. فلو أظهرنا قليلاً من الممانعة أمام هذا التيار الجارف من اللامبالاة والفردية والمادية لأصبحت حلول كبرى مشاكلنا في متناول أيدينا …
17, أبريل, 2011 - 9:42 ص
في يومنا هذا … تفشي ظاهرة تحرش المحجبات بغير المحجبات في الاماكن العامة وغير العامة … سلوك لااخلاقي ينم عن مضايقات وتصرفات سلبية … اصبح الحجاب موضة في عصرنا الحاضر … كأننا في عرض أزياء … وليس من باب التقوى الايمان ومخافة الله …
18, أبريل, 2011 - 9:04 ص
مع وقوفي ضد تحرش أي كان بأي كان يا “غير مسلمة” لم أفهم علاقة تعليق حضرتك بموضوع المقال.
والمحجبات كونهن الآن في الحقيقة الغالبية الساحقة من نساء مجتمعنا ففيهن كل ما في مجتمعنا من ذكاء وغباء وخير وشر إلى آخره..
ولكن المألوف في حالات كثيرة أن الغبن والظلم يوجه إليهن فلا توجد أمثلة (خارج السعودية) عن منع غير المحجبات من العمل مثلا على حين توجد أمثلة لا حصر لها عن منع المحجبات من العمل وطردهن إن انتقلن من السفور إلى الحجاب من عملهن والتحرش بهن في الشوارع والتمييز ضدهن في أوروبا وبعضهن يمنعن من الدراسة وما إلى ذلك.
ونحن نريد من مجتمعنا أن يتصالح مع نفسه وأن يحترم كلا جانبيه المتدين وغير المتدين بعضهما. علما أنني شخصيا لا أحب الحجاب ولا السفور وأفضل عليهما معا الزي الوطني الذي هو في رأي الزي الإسلامي الحقيقي.