تراثنا عزّنا وقوتنا

الكاتب: رغداء

تراثنا عزّنا وقوتنا

عاهد الصفدي

أعزاءنا القراء الكرام: يأتي موضوعي هذا تحت العنوان ( تراثنا : عِزنُا وقوتنا )، وربما يعرف معظمكم أنني أتخذه توقيعا لي وشعاراً أعتز به دائما، وربما قرأ معظمكم مقالاتي التي نشرتها عبر موقعنا الرائع السويدانت، والتي أتناول فيها دائما أو على الأصح غالباً، مواضيع تتعلق بالتراث والقيم والمبادىء، التي تربطنا كلنا دائما بماض يحتوي الكثير من الكنوز التي تحمل تاريخاً مليئاً بالقوانين، التي ترسم وتنظم أنماط الحياة للمجتمعات الإنسانية. واسمحوا لي أن أقتبس هذه الفقرة من موضوع كنت قد نشرته هنا بعنوان ( التراث : حضور الماضي في الحاضر ) وهي :
( كثيرون يحاولون طمس تراثهم وعدم الإعتراف به ويسعون الى تدميره والتخلي عنه، وأيضا يقومون بتشويه صورته وبث الإشاعات ضده، لإظهاره على أنه شيء بالي وعفى عليه الزمن وأنه لم يَعُد يصلح أبدا, ولا يوجد منه أية فائدة, ومن خلال استيراد الثقافة غير المحترمة من مصادر لا تمِّت لنا بصلة, هدفها تحطيم ثقافتنا وإزالتها, ولكن لماذا يحدث ذلك؟ ربما لأنه أي التراث، لا يتناسب مع أهداف ومتطلبات الحياة المادية، التي يسعى أغلب الناس للحصول على ملذاتها واشباع رغباتهم وحاجاتهم منها، وبالتالي فهو يتعارض مع مصالحهم واتجاهاتهم بحيث تتأثر سلبا بهذا التراث الذي يحاربون وجوده .)

– إنتهى الاقتباس.
من هنا سأبدأ الموضوع. ولن أضع نفسي نداً لأحد، وخصوصاً مع وجود الحوارات الحادة أحياناً والهادئة أحياناً أخرى، حول موضوع الساعة على صفحات السويدانت، وهو موضوع (اليوغا والمُهندون )، الذي تناوله أساتذة كبار، وقرأت كل ما ناقشوه من آراء وأفكار وطروحات حوله، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن أتقبل فكرة الإعتداء أو المساس بمفاهيمنا ومبادءنا الخاصة.
أتساءل لماذأ يلجأ البشر إلى الاستيراد دائما؟ ما داموا يتمتعون بالاكتفاء الذاتي، ولديهم مصادر المعلومات، التي توفر لهم الإجابة على معظم تساؤلاتهم واستفساراتهم حول المسائل المتعددة، وخصوصاً المسائل المتعلقة بالدين والكون والطبيعة لمعرفة أسرارهأ وكنهها؟ ربما يقول أحد ما: لماذا تفترض الاكتفاء الذاتي في هذا الموضوع تحديداً علما أنه لا يوجد إكتفاء ذاتي مطلق؟ أجيبه بكل بساطة أنا معك في طرحك وتساؤلك، ولكن أنصحك كما أنصح نفسي، إذا أردت الاستزادة والبحث عن مصدر يزودني بحاجتي ويغطي النقص الذي أشعر به، يجب علينا أن نبحث في مصدر يتعلق بنا، وله علاقة بما تربينا ونشأنا عليه، وورثناه من ثقافة تدل على هويتنا الاجتماعية والدينية والفكرية والعقائدية، فلماذا نلجا إلى كتاب مكتوب بلغة غريبة. وما الداعي لاستخدامها بوجود لغة هي من إرثنا، ولا يوجد مانع من التعرف عليها، ولكن لماذا نسمح لها أن تطمس وتمحو لغتنا وهويتنا، لماذا نستورد طقوساً وممارسات ليست بالجديدة وإنما قديمة منذ آلآف السنين، تخُصُّ شعبها الذي أوجدها، والمؤمن بها، وكانت موجودة أيام أجدادنا القدماء، الذين إطلعوا عليها ودرسوها قبلنا، وأخذوا ما ينفع منها وألقوا جانباً ما لا ينفع ولا أقول ( السيء )، ولا ضرورة لأن يُعاد النظر فيها مرة ثانية من قِبَلِ أشخاصِ يَدَّعون أن بإمكانهم تزويدنا بها لقناعتهم بأنها صالحة لنا في هذه الأيام، لأنها برأي أصحابها تعتبر صالحةً ومناسبة لهم. ويجب علينا الأخذ بها.
وربما يقول آخر “وهذا حدث ويحدث الآن” بأن يتساءل ويقول : إن المصادر التي بين أيدينا غير كافية للحصول على ما أريد من معلومات، ولا تروي ظمأي ولا تسد جوعي الفكري. وبذلك يجب عليَّ أن ابحث عن مصدر يزودني بما أحتاجه، أو يقول إن مصادر المعلومات التي يطالبني أبناء قومي ومجتمعي ومذهبي، أن أتعلم منها ممنوعة عني، ومخبأة في خزائن مقفلة لا يمكن الاطلاع عليها إلا بموافقة أولي الأمر، وأؤلئك الذين يملكون المفاتيح بعد طلب الإذن منهم. أقول إن معظم الذين يدَّعون هذا القول أنهم وللأسف مخطئين، لأنه لم يَعُد خافياً على أحد؛ أن أي فرد فينا يستطيع الحصول على كل الكتب، التي تحتوي تعاليم وشروحات مذهبنا العقلاني، الذي تناقله أجدادنا من الأب إلى الإبن والحفيد، والذي ظهر في فترة تميزت بالعلم والازدهارالفكري والمعرفي والفلسفي، وقام بوضعه جهابذة الفكروالعرفان في ذلك الزمن. وكذلك يوجد الكثير من رجال الدين والفكرالمتميزين، وعندهم الاطلاع الوافر والعلم الواسع، ويمتلكون المقدرة والكفاءة العاليتين في إيضاح وشرح وتفسير معتقدنا وتعاليم مذهبنا، لماذا نلجأ إلى أشخاص لا يَمُتُّون لنا بصلة ولا تربطنا بهم أية رابطة، هدفهم غزونا بفكرهم ونشر تعاليمهم ومعتقداتهم لأنهم يؤمنون أنهم هم الأصح، وهم الذين يمتلكون الحقيقة الكاملة وأسرار هذا الكون، ولماذا نستغل عدم معرفة أبنائنا وجهلهم بما لديهم من معرفة؟ ولماذا لا نحميهم من هذا الغزو عَبْرَ تحصينهم بالعلم والمعرفة.
من حقنا الحفاظ على تراثنا وهويتنا وخصوصيتنا المذهبية والعقائدية، وأن نقف حاجزاً منيعاً أمام الهجمات التي تستهدف تدميرها والقضاء عليها. وأن نعتز بما نمتلك من ثقافة بنيناها عبر مئات السنين، ويجب أن نسعى للحفاظ عليها والاستمرار بها، وعدم السماح لأي كان من محاولة التعدي عليها لإذابتها وطمسها.

المشكلة كلها تكمن في قضية يعاني منها معظم أبناء مجتمعنا وهي: ظاهرة الفراغ الفكري التي نَتَجَتْ عن عدم القراءة والبحث عن المعلومة ومن مصادرها الصادقة. فالفراغ الفكري والبُعد عن القراءة، والمقدرة على تمييز الجيد من الرديء، وتمييز ما هو صحيح وما هو غير صحيح، مشكلة يعاني منها الكثيرون، وحلها يكمن فقط في القراءة. التي تظل دائما الوسيلة المُثْلى، لتزويد الانسان بالمعرفة بكل انواعها، ‏والتي تعود عليه بالنفع والفائدة، ويزيد ‏اهميتها انها تُعَّدُ اساساً لتقدم الشعوب وتحضرها.
حافظوا على ما لديكم واعملوا على توضيحه، وعلموه لأبنائكم، بطريقة عصرية تتلاءم وطبيعة أنماط التفكير كي تتناسب وكافة الأطياف المتعددة فكرياً وعلمباً وثقافياً، في مجتمعاتنا غير المتجانسة. فكل واحد له طريقة تفكيره ورؤيته الخاصة للأمور، ولكن دائما يوجد قاسم مشترك بين الكل مهما اختلفوا وهو التراث الذي يحتوي المباديء والقيم والعادات والإرث الديني غير المخبأ في خزائن فولاذية، وأعتقد أنه يوجد الكثيرين من أبناء مجتمعنا الذين كتبوا وبحثوا ونشروا الكثير من المعلومات المفيدة لنا.
وفي النهاية أقول بحر العلم والدين كبير فَمَنْ، أراد ركوبه في يوم هائج عاصف مظلم فلن يتمكن من صيد، وسيصاب بالذعر والهلع، ولن يحصل على أي شيء ثمين. وأما مَنْ فَضَّلَ الذهاب في رحلة صيفية هادئة، فإنه سيشاهد كل الأشياء الجميلة الموجودة فيه، وسيعود بانطباع جميل ورائع وهو مستمتع ومستفيد.

وتحياتي لجميع الإخوة والأخوات وحيا الله.

موقع السويدانت

27 نوفمبر 2009 11:41 م | مقالات و وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

أكتب تعليقاً