المعطف

الكاتب: رغداء

المعطف

سنا دركل*

كانت السماء ما زالت تمطر بغزارة وكنت جالساً فوق السرير ملتفاً بالمعطف السميك وللمرة العشرين أمسكت بدفتر العلوم دون أن أفتحه.

تردد صوت أمي في مسامعي تصرخ بالأمس غاضبة : لقد دفعنا مبلغاً لا نقدر عليه, بالكاد, لنستطيع إدخالك في المدرسة. ادرس على الأقل من أجلنا.

مازالت تتحدث بصيغة الجمع برغم أنها وحدها, وبرغم أن أبي اتخذ مسكناً جديداً قبل خمسة أيام تحت التراب.

لو كانت النقود التي ذهبت إلى جيب مدير المدرسة قد ادخرت لمرض أبي لكانت صيغة الجمع مناسبة. لم أكن أبداً راغباً في الذهاب إلى المدرسة وأنا أحس أن قلبي سكن مع والدي وبقي يؤانسه هناك. ليتني أستطيع التركيز وأنا أستمع للمعلم المسكين يشرح الدرس ويده ترتعش من شدة البرد دون أن أفكر بالتراب البني ينهال فوق جسد أبي ليدفنه. حتى المعلم أفقرنا جميعاً, حزن علي ولم يؤنبني على علامة الحساب برغم تواضعها.

لشد ما أحس أن هذه العلامة تشابهني وأبي والمعلم. ليتني أقدر على التحدث مع المدير بشأن القسط المدرسي دون أن أتلعثم ويشير إلى الطلاب بسخرية مفعمة بالمرارة. جميعهم مثلي بل هم أحسن حالاً فما زال بعضهم يخرج صباح الجمعة إلى البستان ممسكاً بيد حنونة سمراء تحكي خطوطها حكاية رجل مع هذه الأرض.

ومع ذلك فجميعنا نحلم بأن يأتي العيد والذي لم يبق عليه غير يوم واحد ومعه سكاكر وردية بطعم حياة حلوة نحياها.

جميعنا نحلم بالثلج يهطل وثمة معاطف دافئة تغطينا عندما نلعب به. وجميعنا نحلم بلعبة جديدة من دكان تكون ملونة وجميلة وأن لا نصنع ألعابنا من الثلج والرمل والخيال, وخيالنا هو الشيء الوحيد الغني في قريتنا الهزيلة المسكينة.

معلمنا رجل مسكين, معطفه مهترئ زممزق من ثلاث مناطق ومع ذلك فهو يرتديه كل يوم ويمشي بين الثلوج حتى يصل إلى الغرفة التي نعتبرها نحن المدرسة. يعطينا الدرس بأسلوبه المحبب, ولا يقسو علينا, وبرغم كل ما يلقاه فإنه لا يتلقى من مديرنا إلا مبلغاً زهيداً كل شهر.

أحياناً أتمنى عندما أكون غنياً أن أساعد المعلم لكنني لا أستطيع أن أفعل له شيئاً وأنا هكذا, لا يجب أيضاً أن أقسو على مديرنا بالكلام فهو ليس أحسن حالاً.

دخلت أمي الغرفة ولما رأتني قد التففت بمعطف أبي المرحوم قالت بشفقة ومواساة: قم يا بني سنبيع ثياب والدك إلى المتجر البعيد علنا نكسب شيئاً منها يساعدنا على تحمل النفقات ولا تنس أنك ستبدأ العمل مع جارنا الإسكافي منذ الغد.

قلت بحسم أمي هل أستطيع الاحتفاظ بمعطف أبي فقط؟ نظرت إلي ثم هزت رأسها وخرجت.

وبتصميم كبير خرجت من البيت وتوجهت أسلك دروب القرية الباردة اليتيمة مثلي, حتى وصلت إلى بيت المعلم, وهناك وضعت المعطف, وكتبت على ورقة بخطي المفشكل النحيل: كل عام وأنت بخير يا أستاذ” ثم طرقت الباب وقفلت مهرولاً عائداً إلى البيت.

* سنا دركل: طالبة من طالبات روضة نادي الطفولة, هي الآن في الصف الثاني الثانوي,
وهي تكتب القصة القصيرة والشعر, وتنشر إنتاجها في مجلات مختصة.
لم تترك سنا الروضة فهي مازالت تتردد عليها وتساعد مشرفاتها في عملهن.

22 يونيو 2009 10:21 م | أدب


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

التعليقات: 3 على “المعطف”

  1. mohamad يقول:

    فعلا كتابة رائعةتنبئ عن أديبة كبيرة في المستقبل إن شاء الله.
    وفق الله سنا ووفق معلميها.

  2. mohamad يقول:

    بالمناسبة يا سنا: أين جرت الأحداث؟:) في سوريا يدخل الفقراء على الأغلب مدارس حكومية لا يتلقى مديروها نقودا من الآباء فهل دخل هذا الفقير مدرسة خاصة؟:)
    اعتبريها دعابة من عم لك.
    القصة ممتازة وتدل على استيعاب للشكل الفني للقصة أرجو لك مستقبلاً ككاتبة كبيرة.

  3. سلام يقول:

    قصة جميلة وفقك الله

أكتب تعليقاً