اللغة العربية بين الألوسي وماسينيون

الكاتب: رغداء

اللغة العربية بين الألوسي وماسنيون

شيماء الصراف

يجري الحديث بين آونة وأُخرى حول قصور اللغة العربيّة وعدم مواكبتها للتطوّرات والتغيّرات التي يشهدها العالم على مختلف المستويات العلميّة منها والأدبيّة. يحصل هذا بين أنصاف المتعلّمين وبين مُدّعي الثقافة، وبتعبير أعم بين  قليلي الوعي والإدراك، غير القادرين على تحكيم العقل واستخدامه بحياديّة هذا مع افتراض غياب سوء النيّة في هذه الفئة . هناك فئة أخرى ثانية، “مثقّفون” ذوي أسماء لامعة في الغالب يتحدّثون عن موت اللغة العربيّة، ولا أعتقد أنّ هناك دليل أكبر من هذا على عقد وأمراض  نفسيّة تطغي فتشلّ القدرة على نظر أمور وفهم أخرى .

المسألة ليست جديدة ولا طارئة، فهي قديمة قِدم قرار الغرب وتصميمه على غزو مجتمعاتنا واستعمار بلداننا . إنّ أهم وسائل إحكام القبضة والسيطرة علينا كانت ولا تزال في محاولة إحلال لغتهم محلّ لغتنا، أن نقرأ بلغتهم، نتذوّق بها، وبالتالي نفكّر عبرها، نعبّر عن أنفسنا عمّا نريده بواسطتها، هذا هو الإستعمار الحقيقي والدائم. وليست مجتمعات اللغة العربيّة هي الوحيدة في هذا المصاب فنحن نرى هذا في بقاع عديدة من العالم، القارّة الهنديّة، دول عديدة في القارة الأفريقيّة وهذا على سبيل المثال لا غير.

إنّ ضرب اللغة العربيّة معناه خلق حالة من الجهل والتجهيل بكل عطاء الفكر العربي/ الإسلامي التي احتوتها مؤلّفات التراث، والتي كُتبت على الأخص، في القرون الأولى، كتب ظهرت، وقانون الدولة والمجتمع وناسه هو الإسلام، فعرّفت به وعكست مفاهيمه في الإنسان، الحريّة، العلم، الأدب…

لقيت لغات الغرب، الإنجليزيّة والفرنسيّة، ترحيباً يكاد يكون تامّاً من أبناء المجتمعات العربية التي حلّت بها والأسباب عديدة فمنها عامل الإحساس بالنقص والدّونيّة تجاه المتفوِّق ومن ثم التعويض عنه أو معادلته بإتقان لغته لخلق شعور بمضاهاة المغلوب للغالب ، وهذه الحالة لا تتم في العموم إلاّ بتجاهل اللغة الأم وقد يصل الأمر إلى إهمال تعلّمها كما يجب بل وحتى احتقارها والتهوين من شأنها . هناك عامل الفضول والتلهّف لمعرفة عقليّة الغالب وأسباب تفوّقه، وهذا لا يتم إلاّ عبر معرفة لغته واستعمالها  للإطّلاع على علومه ومعارفه، هناك عامل الشعور بأنّ لغة الغالب هي لغة عالم متحضِّر، عالم مدنيّة ومعرفة، عالم  يجب معرفته وعدم التخلّف عنه، وخير وسيلة للّحاق به هو إتقان لغته . في هذه العوامل، كما في غيرها، يكون للهدف والنيّة دوراً مهمّاً فهناك من أقبل على تعلّم لغة الغالب لأجل الإستفادة العلميّة مع الإحتفاظ بحرص على لغته العربيّة  وصيانتها من كل أذى يلحق بها وبالخصوص من أبناءها.

كان لهذه الجماعات امتداداتها في الزمن التي وصلت بها إلى وقتنا هذا مع فارق واحد هو أن ليس هنالك في الوقت الحاضر، أوهام وأمور غامضة تؤدّي إلى فهم خاطئ وبالتالي فإن حسن النوايا يكاد يكون منعدماً . فهناك حوادث حوالي قرنين من الزمن تتناقلها ذاكرة ناس المجتمعات جيل بعد جيل .الذين يحملون لواء الدفاع عن اللغات الأوربيّة ويُنادون باعتناقها، استخدامها بدلاً عن العربيّة سيجدون أنفسهم في عزلة مريرة إن لم تكن قد بدأت، ولن يجري تحرّكهم إلاّ ضمن قطيعهم المُفرز . ذلك ومهما كانت مسألة اللغة العربية مهمّة فيجب أن لا نتوقّف عند حدودها فالأمر أكبر من هذا بكثير؛ إنه صراع حضاري ضخم ومحاولة دائميّة من الغرب لجعل مجتمعاتنا تابع مسحوق لا غير. اللغة العربية هدف كبير لهم فهي تمثّل وتجسّد الإنتماء، الوحدة واللّحمة لناسنا وأهلنا .

منذ البدء أيضاً أدرك بعض الناس حقيقة الأمر على ماهو عليه؛ كانت الرؤية واضحة ولم تكن المسألة تحمل لبساً أو غموضاً ، وهكذا شخّصوا أسباب هذا النفر أو تلك الجماعة على الإقبال على اللغات الأجنبيّة  وتمجيدهامع الإعراض عن العربيّة بل انتقاد طرق التعبير بها . الأمر لا يعدو هشاشة نفسيّة وشعور بالمهانة أمام حضارة مستعمِرة غازية . هناك نفر يفخر بلغته، بعربيّته وأصالتها، إنها تسكن القلب منه والنفس والروح، يصلّي، يناجي ربّه، يعشق ويحلم، يتعلّم ويُعلّم …كل هذا يمر عبر حبيبة هي لغته العربية . وما الإقبال على تعلّم لغة الغازي إلاّ من باب زيادة العلم وهو أمر محمود .

ومن هؤلاء الناس الواضحي الرؤية الذين كتبوا  في هذا الموضوع العلاّمة العراقي محمود شكري الألوسي ( 1857 ـ 1924) (1) . وقد رأيت أن أُثبت لكم ما كتبه، ذلك أنه معاصر وشاهد على البدايات القويّة للوقوف ضد العربيّة ، فلم يقف مكتوف الذراعين بل تصدّى لها فوراً وفي واحد من أهم كتبه:  “بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب”، فهذا الكتاب بالذات كان قد ألّفه إجابة لاقتراح لجنة اللّغات الشرقيّة في استكهولم وفاز بجائزتها. أهميّة الكتاب ـ وهو موسوعة من ثلاثة أجزاء ـ في أنه بيان شامل كامل لحياة العرب قبل الإسلام من كل نواحيها على الإطلاق. من ضمن ماجاء في المقدّمة “…العرب أُمراء الكلام ومعادن العلوم والأحكام…  أحكمتهم التجارب وأدّبتهم الحكمة…يغسلون من العار وجوهاً مسودّة، ويفتحون من الرأي أبواباً منسدّة، كأنّ الفهم منهم ذو أُذنين، والجواب ذو لسانين….” وكل هذا ظهر تصديقاً وشرحاً لما جاء  في الكتاب . يقول أنه بذل جهداً في تأليف الكتاب “..لما يترتّب على ذلك من المصالح العمومية” .

يقول الألوسي في معرض الكلام عن قابلية العرب في البيان :” وقد سمعت بعض من لا خُلُق له من الناس انه ادّعى أن لغات الإفرنج اليوم أوسع من لغة العرب بناء على ماحدث فيها من ألفاظ وضعوها لمعان لم تكن معروفة في القرون الخالية والأزمنة الماضية، فضلاً عن أن تعرفه العرب فتفوه به أو تتخيّله فتنطق به. ولا يخفى عليك أن هذا الكلام يُشعِر بعدم وقوف قائله على منشأ السِّعة، وإنه لم يخض بحار فنون اللغة حتى يعلم أن المزيّة من أين حصلت .وأما ما ذُكر من أنّ مفردات العربية  غير تامّة بالنظر إلى مااستُحدث بعد العرب من الفنون والصنائع ممّا لم يكن يخطر ببال الأوّلين فهو غير شين على العربية، إذْ لا يسوغ لواضع اللغة أن يضع أسماء لمسميات غير موجودة، وإنما الشين علينا الآن أن نستعير هذه الإسماء من اللغات الأجنبية مع قدرتنا على صَوْغها من لغتنا . على أن أكثر هذه الأسماء هو من قبيل اسم المكان أو الآلة، وصوغ اسم المكان والآلة في العربية مطرد من كل فعل ثلاثي . فما الحاجة إلى أن نقول : فبريقة أو كَرْخانة ولا نقول معمل أو مصنع، أو أن نقول بيمارستان ولا نقول مستشفى، أو نقول ديوان  ولا نقول مأمر أو نقول اسطرلاب ولا نقول منظر . والعرب اليوم بخسوا اللغة حقّها؛ فإنهم عدلوا عنها إلى اللغات العجميّة ( وهنا يقصد كلّ اللغات غير العربية) من غير سبب؛ فإن  من يستعير ثوباً من آخر وهو مستغن عنه يُحكم عليه بالزيغ والبطر . وإذا اعترض أحد بأن دخول الألفاظ العجميّة في العربية غير مُنكَر وأن كلّ لغة من اللغات لا بد أن يكون فيها دخيل فاللغة هي بمنزلة المتكلِّمين بها فلا يمكن لأمة أن تعيش وحدها من دون أن تختلط بأُمة أُخرى فإن الإنسان مدني بالطبع، أي محتاج في تمدّنه إلى الإختلاط مع أبناء جنسه، والجواب ان هذا الدخيل إنما يُغضى عنه إذا لم يوجد في أصل اللغة ما يُرادفه أو ما لا يمكن صَوغ مثله، فأما مع وجود هذا الإمكان فالإغضاء عنه بخس لحقّ اللغة لا محالة، وإلاّ لزم المستعربين أن ينطقوا بالباء أو الكاف الفارسيتيْن أو أن يقدِّموا المُضاف إليه على المُضاف.

” وهناك وجه آخر في العربية لصَوغ ألفاظ تسدّ مسدّ  الألفاظ العجميّة التي اضطررنا إليها وهو باب النحت. قال ابن فارس (2) في فقه اللغة : العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الإختصار، وذلك كقولهم :  رجل عَبْشَمِيّ منسوب إلى إسمين وهما عبد شمس .

وأنشد الخليل بن أحمد الفراهيدي (3)

أقولُ لها ودمعُ العين جاري    ألم تحزُنْكِ حيْعَلَة المنادي

من قولهم :” حي َّ على كذا” . وهذا من مذهبنا في أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف أكثرها منحوت، مثل قول العرب للرجل الشديد “ظَبْطَر” من ََضبَط ” و “ضَبَر”، وفي قولهم ” صَهْصَلِق” ( العجوز الصخابة) إنه من “صَهَل” و صَلَق”، وفي ” الصِلْدم” (الأسد، الصلب، الشديد الحافر) إنه من ” الصلْد” و “الصدْم” ، إلى آخر ما قال.

” ولو أن العرب الأولين شاهدوا البواخر وسكك الحديد وأسلاك التلغراف والغاز والبوستة ونحو ذلك مما اخترعه الإفرنج لوضعوا له أسماء خاصة، فهم على هذا غير ملومين، وإنما اللوم علينا حالة كوننا قد ورثنا لغتهم وشاهدنا هذه الأمور بأعيننا ولم ننتبه لوضع أسماء لها على النسق الذي الفته العرب وهو الإختصار والإيجاز” .

يكتب الكاتب الفرنسي فانتيجو كتاباً يسمّيه ” المعجزة العربية”، يتحدّث فيه عن ما يدين به الغرب للعالم العربي، وهذه العبارة مكتوبة على الغلاف في أسفله للتعريف به (4).

يكتب المقدّمة المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون (5). هذان الإثنان يحملان حبّاً دافقاً للعرب وحضارتهم سطّراه سلوكاً وكتابة على الورق . حباً نزيهاً خالي من الشطط، جوهره ضمير حر منصف يملي عليهم مايقولونه ويكتبونه، وغلافه احترام وامتنان .

ولست في صدد الكتابة عن هذا المؤلَّف مع ذلك أريد ذكر أمر واحد ، يقول إذا كان الناس يسمّون عهد الرشيد ب ” أيام عرس”  فعلينا نحن الأوربيّون أن نسمّيه :” قرن هارون الرشيد” . إنه يتحدّث عن العلم والأدب فيه واهتمام ورعاية الخليفة بهما، ثم يقول إنه يأسف لعدم تعليم أولادهم، وهم لايزالون في عمر صغير، معرفة وحب هذا العاهل النبيل، لكي يألفوه….هذا الرجل الطويل القامة، الأبيض البشرة، الرائع في ردائه الأسود، الذي يقف ليصبّ الماء أمام الحاضرين في مجلسه،على يد أحد العلماء إحتراماً للعلم (6).

في المقدّمة يُشيد ماسنيون بلغة العرب وحضارة بناها العرب . يقول في الفقرة الأخيرة : … إن وجود اللغة العربية على المستوى العالمي عامل أساسي في إحلال السلام بين الدول في المستقبل. ثم يضيف بعبارات تحمل حبّاً صوفياً :” .. وللعديد من الفرنسيين النصارى وأنا منهم، كانت اللغة العربية وستبقى لغة الحريّة في ذروتها، في إفشاء الحب، في الشوق الدافع للطلب من الله ، من خلال الدموع، أن يكشف عن وجهه الكريم.

يؤرّخ ماسنيون للمقدّمة بالتاريخ العربي مكتوباً بالحروف اللاتينيّة: عيد الفطر 1368 .

الهوامش

1 ـ محمود شكري الألوسي البغدادي : مؤرِّخ، عالم بالأدب والدين، من الدعاة إلى الإصلاح، حمل على أهل البدع في كتاباته. لعب دوراً إلى جانب العثمانيين في الحرب العالمية الأولى . وعندما احتلّ البريطانيون بغداد عرضوا عليه تولّي القضاء فرفض انقباضاً عن مخالطتهم. له 52 مصنّف بين رسالة وكتاب .

2 ـ أحمد بن فارس القزويني الرازي : من أئمّة اللغة والأدب، درّس البيان لأعيان الشخصيّات والمشهورين به، توفي في مدينة الريّ عام 395 هـ ـ 1004 م . له تصانيف عديدة، وله شعر حسن .

3 ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي :من أئمّة اللغة والأدب . واضع علم العروض، أخذه من الموسيقى وكان عارفاً بها. له تآليف عديدة . وُلد ومات في البصرة 170 هـ ـ786 م.

4 ـ  max  jouxévint تُرجم كتابه إلى العربية رمضان لاوند، نشرته دار العلم للملايين، بيروت 1954

5 ـ  massignon  louis فرنسي من أكابر المستشرقين. كان يتقن : العربية، الفارسية، التركية، الألمانية، الإنكليزية. اشتهر بولعه بالتصوّف الإسلامي والمتصوِّفة وكتب عنهم، وترجم للحلاّج على الأخص .ت 1962

6 ـ جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي :”كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعياد”.

وعن  أبي معاوية الضرير، الحافظ الكوفي إنه أكل مع الرشيد يوماً، وبعد الإنتهاء صُبّ الماء على يديه، سأله الخليفة :” تدري مَن صبّ عليك؟ قلت : لا، قال: أنا، إجلالاً للعلم” .

المصادر

1ـ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، السيد محمود شكري الألوسي البغدادي . الطبعة الثانية، شرح وتحقيق محمد بهجة الأثري، دار الكتب العلمية .

2 ـ تاريخ الخلفاء، الإمام جلال الدين السيوطي

3 ـ الأعلام، الزركلي

4 ـ ” المعجزة العربية” أشرنا إليه أعلاه في “الهوامش” .

منقول عن موقع القرآن من أجل النهضة

24 فبراير 2010 01:10 ص | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

أكتب تعليقاً