الكون والإنسان ومفاهيم التغيير … من أجواء سورة الرعد
الكاتب: رغداءالكون والإنسان ومفاهيم التغيير … من أجواء سورة الرعد
عماد العبار
ثنائية الكون والإنسان .. الظلمات والنور
حين يحدثنا الله عن الكون، يأتي الحديث عما يحتويه من ظواهر مختلفة كخلق السماوات والأرض وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر وغيرها من المعالم الكونية، والملاحظ أن الكلام عن مثل هذه الظواهر يرافقه في كثير من الأحيان الإشارة لنواحٍ أخرى تخص النفس الإنسانية، فيأتي الكلام عن هذه الظواهر ليس فقط كحديث عنها بذاتها وهي التي أخذت حقها من البحث والملاحظة العلميتين لارتباطاتها مع النظام الكوني ككل ولتعاقبهما بنظام يومي يحدد سير النشاط والحياة لجميع الكائنات على هذه الأرض.
وإن من أهم مظاهر تسخير هذه الحقائق هي مسألة تسخير الشمس والقمر، والتي تذكر بشكل متكرر في سور متفرقة (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى) الرعد 2, ومايتبعهما من تعاقب الليل والنهار اللذين يعبّران بتكرارهما اللفظي في القرآن عن أبعاد رمزية لمقاربة جوانب متعددة للنفس الإنسانية وملامسة تقلباتها.
وإذا تتبعنا مرات تردد اللفظتين في القرآن، نرى أن لفظتي الليل والنهار تتكرران في القرآن في مناسباتٍ عدة، ويتقدم الليل على النهار في الذكر كإشارة لناحية كونية مثبتة وهي أن الليل يغطي معظم أرجاء هذا الكون، كما يسبق الليل النهار عند الحديث عن خلق هاتين الظاهرتين (وهو الذي خلق الليل والنهار)، وفي الحديث عن تقلبهما يبدأ التقلب من الليل أيضاً ( يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) النور:44
كما أن النهار يُسلخ من الليل فتزداد مع هذا الانسلاخ ظلمة الليل وسواده (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ) يس: 37 ..
وبمقاربة نفسية إنسانية لظاهرة انسلاخ النهار من الليل، نجد أن الإصرار على المعصية والخطأ وتعمية العيون عن مثالب النفس وعيوبها وإلقاء اللوم على الآخرين خارج إطار التحليل الموضوعي للمشاكل الاجتماعية، هذه العوامل وغيرها تؤدي تدريجياً إلى انسلاخ ما تبقى من الحق في القلوب لتستحكم ظلمتها وتزداد رسوخاً، فتدخل النفس بذلك تيهاً لا مجال للخروج منه ..
وتأتي الإشارة القرآنية للحالة التفاعلية التبادلية بينهما فقط عند ذكر تداخلهما أو تكورهما بعضهما على البعض (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) لقمان 5.
ألا تشابه تلك الأوصاف حالة النفس في تقلبها بين الظلمات والنور؟، وفي رحلة الشك واليقين من الباطل الواضح الذي لا لبس فيه إلى الحق المبين؟، وربما فيها تلميح آخر إلى المساحة التي يتداخل فيها الباطل والحق أو بكلمة أخرى الإشارة دوماً إلى حالة الصواب الذي يعتوره الخطأ وهي الحالة المصاحبة لنا جميعاً بدون استثناء!
كما أن الليل يغشي النهار بشكل دوري، ويأتي الكلام هنا عن الليل أيضاً فهو يمثل حالة احتجابٍ للنور(يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً) الأعراف: 54، وهو مايحدث في كل مرّةٍ يحاول الظالمون الوقوف في مسار الفكر النيّر الحر محاولين حجبه عن الآخرين، عندها يكون الحق بنوره موجوداً، ويحاول البعض حجب الحقائق والوقوف في مسيرة التغيير خوفاً من انتشار عبق الحرية …
وهذا مشابه لما يحدث أيضاً مع النفس حين تغرق بظلماتها وظلمها، فتحول الرغبات والأهواء بين العقل والحقيقة، ولكنها سنة وقانون كوني ولابد لكل إنسان من المرور ببعض هذه المراحل، فتمرالنفس بحالة مشابهة لإغشاء الليل للنهار وهي حالة من التغطية والحجب المؤقتين فلا وجود لظلمة حقيقية في ذاتها ودائمة في امتدادها الزمني، وحين تشرق الأرض بنور ربها وحقيقته ترى الليل في ظلمات النفس وقد عسعس وولى مدبراً (والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس) التكوير 18 …
إن ظلمة النفس ليست أصيلة أصالة النور حيث جُعل كل منهما خلفة للآخر، فكل غيابٍ للنور سيكون محكوماً بأن يخلفه حلول الظلام والعكس بالعكس، وهذا التعاقب يحتّم تواجدهما معاً فبمجرد غياب أحدهما يجد الآخر الفرصة مواتيةً لظهوره، ثم ينسلخ النهار من الليل ضمن حلقة التعاقب الكوني، وكذلك أيضاً تنسلخ الحقيقة من الوهم والأسطورة في واحدةٍ من أكثر الأزمات الإنسانية تأثيراً في تطور المجتمعات ..
فكرة استحالة التغيير …. هي أول ما يحتاج إلى التغيير !
وأمام معطيات التقلب وقوانينها، وفي ظل حركة التغيّر والتبدل والتعاقب التي يشهدها الكون في كل لحظة، نرى أن الناس لايزالون يشككون بحقيقة حدوث التغيير وإمكانيته (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) الرعد5، وكذلك يستغربون من إمكانية إعادة تكوين هذه النفس لتصبح خلقاً آخر عندما تضع أغلالها وكل مايعيق انطلاقتها من جديد .
إن العجب والتشكيك بالتغيير ينتج عنهما استعجالٌ لرؤية نتائجه (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ)، وإن هذا الاستعجال في حقيقته وضعٌ للأمور في غير مكانها الأصيل، وهو أيضاً حشرٌ للفكر السلبي مكان الإيجابي، وخروجٌ بمنهجية التفكير عن مسارها السليم ويترتب على ذلك تداخل الأفعال الصائبة بالخاطئة واختلاط الحسنة بالسيئة وتبديد الأعمال، وقد خلت من قبل ذلك المثلات، فبنظرة دقيقة للتاريخ نجد أن التغيير السريع هو حالة آنية تترافق بفكر انقلابي قد يصيب الحالة الفكرية كبداية ومن ثم قد يتبعها انقلاب سلوكي غير منضبط، وهنا يذكرنا الله عز وجل بظلم الناس أنفسهم ومن خلال دقة لفظية ودلالية محكمة تجعل من العجب من حدوث التغيير ابتداءً حالةً مرتبطة بعدم وجود إيمانٍ حقيقي بالتغيير وما يمثله من تكوين إنساني جديد، وكانت هذه الحالة مترافقة بشكل واضح أيضاً مع طلب المعجزات في المجتمعات القديمة (لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ) الرعد 7 ….
يذكّرنا القرآن دائماً بظلم الإنسان لنفسه، وتضع الآية هنا هذه التذكرة في حالة قلقة غير مستقرة تتأرجح بين المغفرة والعقاب الشديد، مما يفرض على الإنسان المداومة على تقييم الفكر والسلوك والمحافظة على البصيرة الحيّة التي يستطيع من خلالها الموازنة وتقييم الأمور (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) الرعد 6.
المعقبات الكونية ضمن سياق مفاهيم التغيير .. نظرة مختلفة
وبعد تلك المقدمة في أجواء الحقائق الكونية التي يقدمها القرآن بصفتها خاضعةً لقوانين صارمة، ثم المرور بعد ذلك على بعض ما يحكيه الواقع عن موقف الناس من أجواء التغيير الاجتماعي، يأتي الحديث عن المعقبات كفاتحة للحديث عن القوانين الاجتماعية التي تحكم سير المجتمعات الإنسانية صعوداً وهبوطاً، تماماً كما تحكم القوانين الفيزيائية تحولات المادة في هذا الكون، وإذا كانت كتب التفسير مجتمعة تقريباً على اعتماد تفسير المعقبات على أنها الملائكة التي تحفظ الإنسان من أمر الله، فإني أفهمها على أنها تمثل هنا تلك النواميس الكونية التي تتعقب سير هذا الكون، أو إن صح التعبير تكون ملازمةً له فلا يحيد عنها ولايتاح له ذلك فهي قوانين محكمة ولن تجد لها تبديلاً(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) الرعد 11…
فهذه القوانين هي التي تحكم تحولات النفس البشرية، وما يصاحب هذه التحولات الداخلية من أثر اجتماعي تاريخي، فهي بذلك معقباتٌ للتحولات الاجتماعية في ذات الوقت، أقول أن هذه القوانين متاحة للدراسة كغيرها من الحقائق الكونية وهي قوانين تخضع للقدرة التسخيرية التي منحها الله للإنسان إن عرف كيفية التعامل معها وهذا يستوجب إدرك وجودها ابتداءً، وفي تعبير(من بين يديه ومن خلفه) إشارة إلى مافي الواقع من معطيات يستطيع من خلالها الإنسان استخلاص معالم طريق بناء الحضارة أو إعادة النهوض بها من جديد، ومن خلفه تاريخ إنساني حافل بالعبر والمشاهدات التي يجب أن تكون ركيزة في دراسة الحضارات الإنسانية، فهذه المعقبات أو القوانين يمكن تعقبها وتأصيلها إذن من خلال الواقع والتاريخ، فالقرآن حين يدعونا لدراسة الماضي لا يعني ذلك البقاء تحت أسر التبعية والذهول الماضويين اللذين يفرضهما البون الحضاري الشاسع بين الماضي المجيد والواقع التائه، بل إنه يدعونا للخروج من هذه الحلقة المفرغة بأبعادها العاطفية إلى فضاء القراءة الاستنتاجية اللامتناهية والتي يؤسس عليها وعيٌ اجتماعيٌ للتاريخ …
هذا التاريخ الذي يخبرنا في كل لحظة أن القوانين التغيرية التي يقوم عليها الرقي بالنفس الإنسانية هي وحدها التي تحفظ من أمر الله (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الرعد 11, أي بمعنى أن معرفة التعامل مع مثل هذه القوانين وفهمها وتسخيرها لخدمة المجتمعات كفيل بتحقيق رقي الحضارة وازدهارها ودرأ الهلاك والاندثار عنها، وهي كما أسلفنا محكمةٌ شأنها شأن النظام الكوني ككل، فكما يغشي الليل النهار ويحجبه في لحظة غياب النور أو بالتعبير القرآني خلال لحظات سلخ النهار من الليل، فإن النفس تعيش حالة الظلمة حيث تنسلخ مقومات الخير تدريجياً منها لتعيش حالة الظلام الدامس كلما تضاءلت المراقبة الذاتية، عندها تغرق بذنوبها وتستكين أمام المعيقات فتسقط في شرك الاستبداد والظلم كدأب آل فرعون الذين ضرب الله بهم المثل في سورة الأنفال لتأصيل مبدأ أساسي في التحول والتغيير، الذي قد يصح أن يطلق عليه قانون الإهلاك الذي تخضع له كل المجتمعات حين تتغير موازين العدل والرحمة ليستحكم الظلم والشرك من النفوس (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) )… (الأنفال)
حيث سَبقت آية الإهلاك “أو ما يصّح أن يطلق عليها قانون الاندثار الحضاري” افتتاحيةٌ تربط نتائج الأحوال بمقدماتها الموضوعية، وربط إنكار الحقائق الكونية والآيات البينات “بما في ذلك من تعامي عن قانون الاندثار نفسه الذي نتكلم عنه ومايرافق ذلك الإنكار من أخطاء قاتلة …
ثم تلتها خاتمة تعيد التأكيد على رفع صفة الظلم عن الله وربطها مجدداً بالإنسان بما يملكه من حرية الإرادة والتصرف في هذا الكون، حيث سيكون ذلك حال كل من دأب على تكذيب آيات الله البينات وعبر التاريخ، هذا التاريخ الذي يطل علينا في كل لحظة نقلب فيها أوراقه معلناً بأن الوقوع في الظلم ماهو في أساسه سوى لحظة تغييرية في حياة نفسٍ بشرية فطرت مسبقاً على الكرامة وحرية الإرادة والاختيار، مما استوجب تبديل نعم الله عليها فاستحقت سخطه وعقابه ..
وإذا كانت الآية الواردة في سورة الأنفال تتحدث عن الشق الأول من القانون وهو الضابط لعملية تغيير النعمة إلى سخط يُمحق بعده أقوام وتَبيد مجتمعات، ليبقى مابقي من ذكرها عبرة وتحدياً إلهياً، إلا أن سورة الرعد تعد أشمل وأكثر إحاطة بتفاصيل القانون، حيث أن مقدمة السورة كما رأينا تسلسلها ترسخ مفهوم (السننية والحتمية العلمية) الذي سيأتي ذكره ضمن ناموس التغيير والذي جاء بصيغة مطلقة هذه المرّة (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ) الرعد 11، حيث تشير هذه الصيغة إلى حركة التغيير ضمن اتجاهين دونما تقييد: من اللاحضارة نحو الريادة الحضارية، ومن قمة الحضارة نحو العدم مرة أخرى ..
ثم يتبعها الصيغة المقيدة للقانون والتي تتطابق مع المعنى الموجود في الأنفال (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنوَالٍ) الرعد 11, والذي يعبر بصيغة أخرى عن نتيجة الشق الأول من القانون والذي ورد مدعماً بشواهده في سورة الأنفال (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(53) وهو القانون الذي يضبط حالة الانحدار الحضاري الذي يصييب الأمم والحضارات ..
إذن هي معقبات ملازمة لحالة الرقي والانحطاط الذي يصيب تلك النفس البشرية وما يعكسه من خلل سلوكي يتمثل في ظلم الإنسان لنفسه وللآخرين .. ولايحفظ هذا الكيان البشري من أمر الله سواء كان فرداً أم أمةً إلا وعيه لهذه المعادلة والعمل الدؤوب لتحقيق توازنها، أما عند اختلال هذا التوازن مع الإغراق في الغي والإسراف في تدمير الذات البشرية فإن أمر الله لا مرد له وليس من دون الله وال …
جدلية النعمة والنقمة .. الحق والباطل .. نظرية الزبد كشاهد حيّ على المعقبات المغيّبة ..
يأتي تموضع آيات التغيير السننية ضمن وصف لمظاهر طبيعية كصور متفرقة تهدف إلى تقريب الأفكار وتوضيحها، ففي إشارة لما قد يبدو للإنسان من نعمةٍ ولكنها تشكل في حقيقتها عقباتٍ مقبلة يأتي الكلام عن البرق الذي قد يحمل خيراً وقد يكون شرّه قريب (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَال) الرعد 12، مما يدعوا الإنسان لدراسة مستمرة للحالة الراهنة لاتقتصرعلى المظهر الذي قد يكون خادعاً، وإنما لابد من الغوص في التحليل العميق بدراسة علمية نقدية لكل ما يُحدث تغيراً في الفكر والسلوك الإنساني، فما يبدو للوهلة الأولى رقيّاً تطوّرياً طبيعياً قد يكون بداية انحدار يستوجب عندها البدء في تقييمه وتقويمه، أما ما ذكر من الشق الآخر في التشبيه الذي قدمته الآيات بدقة متناهية فهي حالة الصواعق (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) الرعد 13، التي ترمز لبعض أدوات العقاب الإلهي للمجتمعات الخارجة عن قانونه، وأعتبر أن المعني الأول بهذه الإشارات هي الأمم التي أصيبت بنكباتٍ لكنها تصرّ على تداول فكرة تحيز الله عز وجل ورفعه لها فوق باقي الأمم، ويكثر بين أبنائها الجدال الهدّام، عوضاً عن الالتفات للمشاكل الحقيقية والبحث عن الحكمة التي نستطيع من خلالها إعادة التوازن للمعادلة حيث نستطيع بذلك تغيير النتائج باتباع الطرق العلمية المناسبة .
إن دعوة الحق دعوة أساسها الرغبة في البحث عن هذا الحق دون ادعاء امتلاكه ابتداءً، وفي رحلة البحث هذه يتوجب على الإنسان نبذ كل ماقد يؤثر على النتائج البحثية من مسلمات بديهية، وكذلك عدم وضع نتائج مسبقة يتم من خلالها لي عنق الحقائق لتصبح على قد مقاسه الفكري الذي تعرض للتقزيم بسبب الأزمة الحضارية التي تلقي بظلالها على الفكر (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ) الرعد 14 ..
إن النتائج والأحكام المسبقة كثيراً ما تحجب الحقيقة عن بصائرنا فنبحث عن مشاكلنا في غير مكانها، وهذا أهم مايبدد أمانينا في الوصول إلى حلول ناجعة ويؤدي بالتالي إلى فقدان الأمل بالتغيير الحقيقي ..
ثم إن غياب الحقيقة عن الإنسان سواءً كان ذلك عن جهل أم عن تقصير متعمد منه نتيجة وضعه لأحكام وتوصيفات جاهزة بحكم الثقافة الجمعية المسيطرة، لا يعبر سوى عن عمى هذا الإنسان عن النور، ولكنه لا يلغي ولا يستطيع تغيير الحتمية التاريخية والكونية ولو لساعة واحدة فلكل أمة أجلها (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) يونس 49، وأمام هذه الحقائق والقوانين الإلهية يسجد الكون بسماواته وأرضه للواحد القهار ويسجد المؤمن الواعي لحقيقة هذه النواميس الكونية ببعدها الإنساني سجود الواعي لحتميتها ومصداقيتها، كما يسجد الجاحد والعاصي الجاهل والمنكر ..
فهذه النواميس يخضع لها الإنسان طوعاً أو كرهاً .. سواء كان كياناً حراً أو ظلاً لإنسان (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) الرعد 15، وتسجد الأرض لحتمية دورانها وتعاقب ليلها ونهارها، كما يرضخ الظل لقانون دوران الأرض حول محورها وارتباطها بنظام كوني دقيق ضمن مجموعتها الشمسية ..
حتى أن أعتى البشر فرعون بني إسرائيل والذي لم ينفع معه إبطال السحر وكبرى البينات لم يملك شيئاً يقوله أمام حتمية نتائج أفعاله، فخر أمامها كرهاً (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، وهو مايحدث لجميع الحضارات في كل العصور سواء وعى الناس ذلك أم كانوا في سكراتهم يعمهون …
آمن أعتى البشر في تلك اللحظات بأن العواقب مرتبطة ارتباطاً لصيقاً بمقدماتها، ولايستوي الأعمى والبصير ولايستوي من يزكي نفسه وهو غارق في ظلمات جهله مع من يقر بحقيقة غرقه في الظلمات ويستشعر النهاية ويعمل للخروج منها إلى النور (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّور) الرعد 16، وللتمييز بين الأعمى والبصير ولمعرفة الحد الفاصل بين الظلمات والنور بما يؤذن بظهور فجر جديد يخرج الإنسانية من ليلها الكالح متمثلاً بحضارة تحمل صفات العالمية، لابد إذن من السعي المستمر للتمييز بين الحق والباطل
ومن خلال نظرة موضوعية للاتجاهات الفكرية السائدة، نجد أن منهجية ادعاء الإنسان انحياز الحقيقة لفكره ولذاته، والعمل على إلصاق تهمة الباطل بالآخرين المخالفين فكرياً منهجية غير سليمة وغير متوازنة، فمن غير المعقول وجود فئة تحمل الحق بدون شوائب من الباطل، فالحق حق إلهي وأخذ منه البشر كلٌ بحسب قدرته على التمحيص، وكلٌ بمقدار فهمه لهذا الحق وقدرته على إنزاله إلى واقع التطبيق (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) الرعد17، وهنا نجد أن كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه بحسب فهمه الذي لا يمكن أن يقتصر على فهم الدلالات اللغوية للكلمة، فكلمات القرآن ليست منسلخة عن واقعها سواءٌ كنا نتحدث عن وقائع تاريخية مضت أم كنا نتحدث عن معاصرة تطرح أمامنا العديد من التحديات، هذه التحديات التي تعتبر بمثابة محنة عقلية تختبر مرونتنا الفكرية مع النصوص وبراعتنا في ترجمتها ترجمة واقعية معاصرة تبتعد عن الانسلاخ الفكري والسلوكي عن الحياة الحديثة، وبنفس الوقت تقدم الحلول لمشكلات نواجهها وترتقي بنا للنهوض من جديد لتقديم شكلٍ راقٍ من أشكال الحداثة، مختلف عن الحداثة بمفهومها الحالي والمحاطة بكل أشكال الاستغلال والاستلاب واستعباد الإنسان للإنسان
أقول مجدداً أن الكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يمثل تجسيداً مثالياً للنص القرآني ضمن معطيات واقعية معروفة لمنطقة الجزيرة العربية في ذلك الوقت، وكل من جاء بعده ينطبق عليه المثل القرآني (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، وكان الفاروق عمر من الشخصيات العظيمة ومن أغزر المنابع الاجتهادية في تاريخ الإسلام والذي يضرب به المثل في فهمه للنص، حيث كسر حواجز الفهم الحرفي منطلقاً إلى فضاء المقاصدية الرحب، ففهم معنى الحدود ومقاصديتها ووجد في لحظة تاريخية معينة أن مصلحة الدولة الإسلامية قد تتجاوز مرحلياً حداً معيناً، ولكنها ستبقى تحوم في فلك المعاني الجوهرية التي تأصلها آيات محورية في القرآن نفسه فجسد الفاروق بذلك مثالاً يحتذى للفكر الاجتهادي المسؤول، وبالتأكيد فإن أي محاولة لحصر هذه المنهجية من التعامل المنفتح العقلاني مع النص ضمن دائرة أشخاص معينين ولو كانوا بقامة الفاروق عمر بن الخطاب، فإن ذلك يدور في فلك التعلق المتزايد بعالم التبعية والأشخاص، هؤلاء الأشخاص الذين كانوا من العظمة بحيث أدركوا منذ الأيام الأولى لإسلامهم أن مجدهم (الدنيوي – الأخروي) لايمكن له الاكتمال إلاّ من خلال تحررهم من كل مايمت لتلك التبعيات بصلة، فبقيت عقولهم وضمائرهم حيّة أمام كل الإشكاليات التي اعترضتهم، والأمثلة على اجتهاداتهم واختلافاتهم كثيرة وتدل على أن الإخلاص في البحث عن الحق فضيلةٌ لايكاد يذكر أمامها أي زلة قد يقع فيها الباحث طالما أنه لايدعي شيئاً غير طلب الحق!
كما يعلمنا الله كيف يضرب الحق والباطل، فجدلية الحق والباطل جدلية أزلية وهي ليست جدلية كلامية يمارسها أخصائيو علم الكلام والمناظرة بادعاء كلٍ الحق لنفسه، وإنما هي حالة تفاعل النفوس مع مايصلها من الأفكار والقيم كما تتفاعل الأودية مع المطر فيسيل كل وادٍ بقدره، ويقدم كلٌ فهمه للحقائق ويجتهد فكراً وتطبيقاً، وهنا أرى أن الحق والباطل ليسا دائماً حالتين منفصلتين يمثلهما طرفان متناقضان، أحدهما مصيب والآخر يحتكر الخطيئة دوماً، وإنما قد يحتمل السيل نفسه زبداً ضمن مكوناته، ولا يمحو هذا الزبد إلا الفعل والتأثير الاجتماعي حيث يمكث النفع والفكر الأصيل، وأما الباطل فسيبطله العلم وتنبذه حقائق التاريخ، والشعوب التي لا تستطيع رؤية هذه الحقائق التي وعدنا الله بإظهارها في آيات الآفاق والأنفس لهي شعوب استحكم الباطل من عقولها فأبطل مفعولها ولن تجد لها من الله وآياته من وال (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) فصلت 53 ..
والباطل هو ماسيبطله التاريخ سواء طال أمده أم قصر، وليست المسألةُ مسألة صكوك جاهزة للحق والباطل، فآلية الارتقاء الإنساني الطبيعي التي تعمل من خلال إتاحة الفرصة لجميع الأفكار والاتجاهات ممثلة بمن يعتنقها، ثم ممارسة الدور الاجتماعي هو الطريق الكفيل بفصل وتمييز الحق من الباطل، وهو مايحتاج في بداية الأمر لأرضية مبنية على الحرية والتسامح وإفساح المجال أمام الجميع فيعبر كلٌ عن فهمه وارتقائه في عالم الأفكار، وكذلك حين يضرب القرآن مثال المعادن فهي حين تصهر تطفو شوائبها فيستخلص النافع وتنبذ البقايا (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ) الرعد 17، فكيف سيكون ذلك الانصهار وبأي وسيلة، وهل تصهر الأفكار إلا ضمن بوتقة الواقع الاجتماعي!
ومن نافل القول أنه لن يتاح لهذه الأفكار أن تصهر بشكل مثالي بدون وجود أجواء ملائمة لانصهارها وتفاعلها ضمن الواقع الاجتماعي، فوضع الركود والجمود الفكريين ومايرافقهما من انعدام الحراك على الساحة الاجتماعية وحالة الوهم الإيجابي التي تعيشه مجتمعاتنا لهي حالة مناقضة تماماً للحراك الفكري والاجتماعي التغييري الذي تحمله الآيات، كما أن حالة الجمود والرعب من الأفكار ومايلازمها من ادعاء الحق المطلق والتقوقع خوفاً من أن يتداخل الباطل ضمن هذا الحق المزعوم لهي حالة أقرب ماتكون إلى الحق المزيف الذي يخشى وضعه على المحك أمام التمحيص خوفاً من كشف مثالبه وعيوبه (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) الرعد 17 ..
كما يؤكد القرآن أن من يغلق عيونه عن مشاهد الكون والتاريخ وسننية الزبد والتغيير، لن يستطيع أحدٌ انتشاله من واقعه البئيس، ولو أن الجبال خرّت ساجدةً أمام كلمات هذا القرآن أو استُنهض الموتى على وقع معانيه، لكان ذلك أكثر معقولية من استنهاض همّة أمة كفرت بعبر التاريخ وغيّبت عقول أبنائها، فأصبحت تصيبهم القارعة تلو القارعة ونزلت بهم نكبات الدهر وتكالبت الأمم على مقدّراتهم وهم مع ذلك فرحون بمالديهم مكابرون أمام التاريخ، وأحداثه شاهدةٌ عليهم وكذلك القرآن (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) الرعد 31
فهذا القرآن نزل بالحكمة بلسانٍ عربي مبين، هذه الحكمة التي أضعناها منذ عصور ففقدنا الصلة بين لغته الواضحة التي تؤصل لقوانين النهوض وبين واقعنا الذي نعيش (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ) الرعد 37، فقدنا بذلك أدوات العلم التي بها نستطيع تسخير تلك القوانين، ثم اتبعنا الأهواء والمعبودات الأخرى، فحق علينا مانحن فيه من تيه وذل، وحقت كلمة ربنا علينا في هذه الدنيا ولا عودة لنا إلا بإيجاد ضالتنا من الحكمة ذات الصلة الوثيقة بالعلم والمعرفة كما في الآية السابقة ولابد في البداية من تأسيس وعي للذات والوجود، فبانتهاء عصر المعجزات وُضعت البشرية وجهاً لوجه أمام مصيرها الذي تحكمه تصرفات أبنائها (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) الرعد 40، حيث ذهبت الخوارق وبقي العلم والحكمة ونصبت آيات القرآن شاهدة على سير هذا التاريخ بعد أن بلّغ الرسل وأدّوا الذي عليهم ويجب على من تبعهم السير على منهجهم، وأمام حتميات التاريخ لن ينفع مكر الماكرين فلكل نفس ماكسبت (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) الرعد 42، والخواتيم تعبر عن مقدماتها ولامعقب لحكم الله ومعقباته وقوانينه كما أن تقلبات الحضارات وانحدارها شاهدُ صدقٍ على سرعة الحساب (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) الرعد 41 ..
وهذه هي سورة الرعد بتنوع مشاهدها، عين على الحاضر والآمل في تغييره نحو الأفضل، والأخرى تجوب آفاق الكون وتستحضر عبر التاريخ …
مشهد من التغيير ومايرافقه من نعيم الدنيا والآخرة ، ومشهد من الجمود والانغلاق ومايحوم حوله من جحيمٍ في الدارين ..
ولا عجب أمام كل هذا أن يختلف العلماء في آياتها أمكية هي أم مدنية … والحقيقة التي لاريب فيها أنها آيات كونية، حتمية، تغييرية، لا مكان يحدّها ولا زمان يحاصرها ويأسرها، ولا نفس تستعصي عليها …
طبعاً لازلنا نتكلم عن تلك الأنفس التي تؤمن بضرورة التغيير وتدرك حقيقته !
29 أكتوبر 2009 08:58 م | مقالات و وعي
نسخة الطباعة
29, أكتوبر, 2009 - 9:11 م
السلام عليكم
بدأت السورة بالحديث عن ظاهرة طبيعية مستقرة لم تتغير وهي ظاهرة تعاقب الليل والنهار, لتنتقل إلى عرض شكوك المتشككين بإمكانية التغيير, فثبات الظواهر الطبيعية جعلت عند المتشككين شبه فهم داخلي للثبات بحيث سُحب على الظواهر الأخرى, فصعُب عليهم تصور انتهاء الكون وتغير الأحوال الأرضية, فضلاً عن تغير الأحوال الاجتماعية, ثم يأتي الحديث الآن عن التغيير والمعقبات لتأكيد أو لتوضيح السنن الإلهية التي تربط الاستقرار والنظام بقوانين راسية أوجدها الله عز وجل.
وأريد أستاذ عماد التأكيد على تفسيرك للمعقبات, وهو تفسير يدعمه سياق الآيات, وأعتقد أن من واجبنا التنبه له ومناقشته ونشره لأن كثيراً من الناس لا يربط التغيير بالسنن الإلهية, وإنما يربطها بأمور أخرى بعيدة كل البعد عما أورده القرآن الكريم. (معظمها يرجع للحظ والمعجزات)
وفي الآيات إشارة على غاية من الدقة وهي أن الله تعالى عرض ثبات السنن الإلهية دلالة على إمكانية تغيير الصورة, فالانتقال من الحديث عن ظاهرة كونية ثابتة هي علاقة الليل والنهار إلى الحديث عن السنن الإلهية للتغيير وآلية هذا التغيير فيه رد على المتشككين بإمكانية هذا التغيير نفسه, فالتغيير ممكن ولكن ضمن سنن أوجدها رب العزة, ومهمة البشر هي التعرف على هذه السنن واستخدامها.
تحياتي
رغداء
31, أكتوبر, 2009 - 1:18 م
أخي عماد:
لا شك أني أتفق معك إجمالاً في الأفكار التي تدافع عنها والقيم التي تريد تثبيتها نظرياً في مقالاتك.
ومنها مثلاً: “فكرة استحالة التغيير هي أول ما يجب تغييره”، “إن غياب الحقيقة عن الإنسان سواءً كان ذلك عن جهل أم عن تقصير متعمد منه نتيجة وضعه لأحكام وتوصيفات جاهزة بحكم الثقافة الجمعية المسيطرة، لا يعبر سوى عن عمى هذا الإنسان عن النور، ولكنه لا يلغي ولا يستطيع تغيير الحتمية التاريخية والكونية ولو لساعة واحدة فلكل أمة أجلها”.
فقط أخشى أن هذا المنهج في التأويل للقرآن يقترب تدريجياً من أن يكون نوعاً من “التأويل الإشاري” أو “الرمزي” الذي كان له أمثال في تراثنا عند الصوفيين وغيرهم، ولكنه في كثير من الحالات يعبر عن أفكار المؤول ولا تجد سنداً مثبتا غير متوهم في النص.
وهذا لا يعني أن القرآن بنصه الثابت المعنى هو ضد هذا التفسير، فقط هذه المعاني منتشرة في النص كله وبأشكال واضحة لا إشارية ولا تشبيهية بعيدة.
والفقير لله الذي هو أنا أجد نفسي أقرب لنموذج تفسيري أقرب للنص من نوع ذلك الذي اتبعه المقاصديون مثلاً في استخلاصهم لمقاصد الشريعة من القرآن.
على أن اختلاف المناهج طبعا لا يفسد للود قضية فتقبل ودي الصادق والأهم منه تقبل أني أغبطك بحق على قراءتك المتدبرة المفكرة للقرآن وهو ما لم أفعله مع الأسف منذ مدة طويلة بسبب الانشعالات وتضييع الوقت أحيانا فيما ليس بأولوية.
1, نوفمبر, 2009 - 8:00 ص
السلام عليكم
أعتقد أن أي قارئ للقرآن يستطيع استخلاص ما يريد منه, حتى أصحاب الأفكار المنحرفة يجدون استدلالاتهم من القرآن فيقوّلون النص غير ما يقول حقيقة, وذلك بلي عنق المعاني للتتوافق مع آرائهم.
ولكني هنا أجد أن النموذج التفسيري الذي اعتمده الأستاذ عماد لا يتناقض بحال مع مقاصد الشريعة ولا مع معاني اللغة, وإن كان كما قال الأستاذ محمد فيه نوع من محاولة فهم الإشارات, وهذا برأيي لا ضير فيه طالما أنه لم يخالف منهج الاستدلال الصحيح.
تحياتي
20, نوفمبر, 2009 - 7:04 م
السلام عليكم
أولا وقبل كل شئ أشكركم جزيل الشكر على هذه المعلومات الرائعة وجعلها الله في ميران حسانتكم .
بكل صراحة أنا لم أكن لأعرف شئا عن التغير لو لم أقرأ هذا الموضوع لهذا فأنا جد سعيدة بهذه المعرفة التي اكتسبتها منكم وشكرا موضوع رائعععععععععععععععععععع