“الرحلة القدسية” للنابلسي وأبواب القدس العشرة

الكاتب: محمد

 بقلم قصي الحسين – طرابلس

يقدّم كتاب “الحضرة الانسيّة في الرحلة القدسية”(•) لعلامة الشام الشيخ عبد الغني النابلسي عرضا شيقا لرحلته الى بلاد فلسطين في شهر جمادى الآخرة 1101 هـ/ آذار 1641 والتي استمرت شهرين. كان سعيه اليها من دمشق، فنام اول ليلة من رحلته في داريا، ثم تجاوزها الى سعسع فالقنيطرة فجسر يعقوب فالمنية فعيون التجار فالناعورة فجنين فنابلس، بلد آبائه واجداده، فمكث فيها بضعة ايام، ثم غادرها الى جمّاعيل فالقدس حيث نزل بالمدرسة السلطانية التي بناها الملك الاشرف قليتباي المملوكي. وكان ذلك في اليوم السادس عشر من ابتداء رحلته والواقع فيه الثاني من رجب / الحادي عشر من نيسان من العام نفسه. ففي صباح الثلاثاء من ذلك التاريخ، وصل الشيخ النابلسي الى قرية “البيرة” فنزل هناك ساعة، ثم ركب وسار، حتى اذا ما صعد العقبة، اشرف على القدس الشريف، فنسي عند رؤيتها كما يقول، ما قطع من تلك العقبات، وابتهج بأنواع الراحة والمسرات لتجاوزه المغاور والمهالك وأنشد:

أتينا بفضل الله نبغي الهدى ………….وقد قطعنا جبالاً شامخات الى القدس

كأنا سلكنا بالرياضة باطناً ………….الى ان دخلنا في ذرى حضرة القدس

ووصل النابلسي الى مزار الشيخ جرّاح، ووقف هناك وقرأ الفاتحة وهو كائن في المدرسة الجراحية، وهي اليوم تضم الزاوية الجراحية في القدس، وتضم مع الضريح مسجداً كتب عليه بالخط النسخي: “هذا قبر الامير حسام الدين الحسين بن عيسى الجراحي توفي في صفر سنة 598 هـ”. وهو احد امراء الملك صلاح الدين الايوبي. ويقول النابلسي انه خرج للقائه في ذلك المكان: السيد خليل إمام الشافعية بالمسجد الاقصى والشيخ محمد بن جماعة خطيب المسجد الاقصى وفقراء الزاوية الادهمية في الطريق الى باب العمود “فحصلت لنا البركة بلقائهم ومصافحتهم هناك”. علما ان الزاوية الادهمية التي يتحدث عنها النابلسي، كانت عبارة عن كهف عظيم تحت مقبرة الساهرة. وقد بنى الزاوية الأدهمية الصوفية هناك، الامير سيف الدين منجك، نائب دمشق المملوكي (ت: 776 هـ)

ودخل الشيخ النابلسي القدس عصر ذلك اليوم الثلاثاء من “باب العمود”، فدهش لمرآه، “فاذا هو عظيم واسع عال، كأنه قطعة من جلمود”. ويقف من باب العمود على سور بيت المقدس، فيصفه فيقول: “سور جديد متين، مشيد قوي الاركان، عظيم البنيان، يحيط بالبلاد كلها، وهدها وسهلها، مبني بالشيد والحجر المنحوت، وفي داخله جميع الاماكن والبيوت”. وهو من بناء السلطان العثماني سليمان خان، كما يقول النابلسي. ويعدد لنا ابواب القدس، فيقول انها عشرة: ففي الشمال اربعة ابواب: باب العمود وباب الداعية الذي يصل الى حارة بني زيد، وباب دير السرب وباب الساهرة. اما من جهة القبلة (الجنوب) فهناك باب المغاربة وباب صهيون المعروف الآن بباب داود. ومن جهة الغرب، باب صغير لصيق بدير الارمن، وباب المحراب المعروف بباب الخليل، وباب الرحبة. ومن جهة الشرق، باب واحد، هو باب الأسباط. وقد ذكر في الموسوعة الفلسطينية (3/517) ان لمدينة القدس سبعة ابواب مستعملة وأربعة مغلقة. وورد فيها ان باب العمود يعرف باسم باب دمشق وقد بناه السلطان سليمان القانوني، وهو في منتصف الحائط الشمالي للسور، وباب الساهرة ويعرف بباب هيرودتس شرقي الاول، وهو عثماني البناء. وباب الأسباط وهو باب القديس اسطفان، في الحائط الشرقي وهو عثماني امام باب الخليل فيعرف بباب يافا في الغرب. بالاضافة الى الباب الجديد الذي فتح سنة 1898 في الجزء الشمالي. اما ابرز الابواب المغلقة، فهو باب الرحمة الذي يعود للعصر الأموي، وهو باب مزدوج يعلوه قوسان، وقد اغلق ايام العثمانيين. ودخل النابلسي اذن القدس من باب العمود فوجد في جانب الشمال مزاراً لصيقاً له مسجد ومحراب، وفيه ضريح الشيخ لؤلؤ غازي، حيث المدرسة اللؤلؤية التي وقفها في حدود سنة 780هـ. ثم انحدر منها الى الحرم الشريف، فدخل من باب القطانين الى الساحة الواسعة.

ثم يتحدث عن المسجد الاقصى، فيقول ان له (14) بابا منها (3) مسدودة هي: باب التوبة وباب الرحمة وباب آخر بقربهما. وهي كلها في السور الشرقي. اما الاحد عشر بابا فهي من جهة الغرب: باب القطانين وباب الغوانمة وباب الناظر وباب الحديد وباب المتوضأ وباب السلسلة وباب السكينة وباب المغاربة وباب البني، ومن جهة الشمال: باب الاسباط وباب حطة وباب شرف الانبياء. الحرم والاقصى والسلطانية من باب القطانين، دخل النابلسي الى المسجد الاقصى، فشاهد السور القبلي الى صدر الرواق الشمالي (669) ذراعاً والسور الشرقي الى الرواق الغربي (406) اذرع وكان قدامه جماعة يقرؤون البرأة الشريفة، وقد وصلوا معه الى الحرم المبارك.

ومن هناك انتقل النابلسي الى المدرسة السلطانية، فوجدها تغص بالمستقبلين. بابها عظيم مصنوع من الاحجار المنحوتة الملونة، وعليه رواق المدرسة مبني بالأعمدة الرخام والاحجار الكبار العظام، والعقد المقبى العالي. والدرج في نحو خمسين درجة، وهو ملفوف مشترك مع درج المنارة، وفي اثنائه شبابيك كبار من النحاس تطل على الحرم، يفضي الى ممشى ينتهي الى جهتين مشتملتين على بابين، واحد الى اليمين، والآخر الى الشمال. فدلف من باب اليمين الى ميدان من ألطف الميادين، مسقوف بالسقوف العجمية يتوسط اربعة ايوانات، جميع جدرانها من الرخام. وفي الايوان الشمالي شباكان كبيران من الجهة الشرقية، مطلان على الحرم وسط الصخرة الشريفة. ومن الجهة الغربية شباكان يطلان على بيت لطيف. ويذكر النابلسي ان بناء المدرسة السلطانية هو من اعمال السلطان المملوكي الاشرف قايتباي انه تحت المدرسة السلطانية، مسجد الحنابلة، وقبالته بحرة كبيرة مربعة الشكل، يجري اليها الماء من نافورة. وبقربها قبة صغيرة تشتمل على الميضأة، يجري اليها الماء بأنابيب. و”بفتل الانابيب، تمسك الماء وترسله” (ص 103).

ومن المدرسة السلطانية، انتقل النابلسي لزيارة مسجد الصخرة. “الصخرة الشريفة ذات الانوار التي بها مطيفة… الصخرة العظيمة والدرة اليتيمة… طولها (10) اذرع وعرضها (5) أذرع، وسمكها من جهة القدم الشريف نحو ذراعين ومن الطرف الذي يقابله أقل من ذلك بكثير” (ص 109) وتحت الصخرة قبالة وجه الذي ينزل من الدرج على جانبه الأيمن، مصطبة متصلة بحائط المغارة الشرقي، كما تتصل بعمود متصل بالصخرة. ويذكر نقلاً عن القدماء أنه يقال إن مقام الخضر عليه السلام، هناك (ص 123). وفي داخل المغارة قناديل كثيرة يوقدونها بين العشاءين، ويفتحون الباب للزائرين كل ليلة من جهة القبلة. ومن هناك توجّه النابلسي لزيارة قبة السلسلة، وهي قبالة الباب الشرقي لجامع الصخرة. وهي قبة بمنزلة الخيمة الكبيرة المثمنة، “مرتفعة على اعمدة الرخام، وفي وسطها سلسلة مدلاة، وعدد أعمدتها 17 عموداً، غير عمودي المحراب، وبين العمود والعمود نحو ذراعين” (ص 136). وقصد النابلسي جهة الغرب فزار قبة المعراج، عن يمين الصخرة الشريفة، في صحن جامعها.؟ وهي قبة مستديرة الجدران، لها باب ومحراب. ومن قبة المعراج، قصد محراب النبي، بجانب قبة المعراج. ومحراب النبي هو موضع صلاته بالأنبياء والملائكة ليلة أسري به. كما يقول النابلسي. وفي صحن جامع الصخرة، قبالة قبة الطومار، مزولة مبنية بالأحجار. وفيها بلاطة كبيرة منصوب عليها لوح من الحديد، يعرف بلسان الكذّاب. ثم توجه الى ابوب المسجد الأقصى، وهي سبعة أبواب على صف واحد قبالة القبلة. والأوسط منها أكبر الابواب. وبظاهر الابواب رواق على سبع قناطر ولتلك القناطر اربعة عشر عموداً من الرخام. وتحت قبة المسجد الأقصى المنبر من الخشب المرصع بالعاج والأبنوس، وبجانبه المحراب وله سبعة عشر ضلعاً من الرخام الملون. ثمانية بيض وأربعة حمر وثلاثة سود واثنان اخضران. وبجانب المنبر، مقصورة معدة لمصلحة الخليفة. ومقابل المنبر والمحراب، دكّة المؤذنين على عمد من رخام في غاية الحسن. مقامات الصالحين

وفي اليوم الثامن عشر لرحلته، يقول النابلسي انه زار بين أزقة بيت المقدس، تربة الشيخ علاء الدين البصير. وكذلك زار قنطرة الخضر، وتربة الشيخ خبير والشيخ السيوفي والشيخ موسى. ثم عزمه احد الوجهاء الى داره للمبيت عنده، فمرّ في طريقه على مزار الشيخ عيد وقرأ الفاتحة لروحه. ثم نزل عنده، فأستأنس بكرمه وجوده. ثم مضى مع الجماعة الى “حمام لطيف البناء ظريف الجوانب والفن” (ص 173). وبعد خروجه من الحمام، زار في الطريق قبر “الشيخ غباين” وقبر الشيخ “ابي الريش”، “من الاولياء الصالحين اصحاب المقامات واليقين” (ص 174).

زيارة قبر النبي داود : وفي اليوم التاسع عشر من الرحلة خرج النابلسي الى خارج المدينة من باب داود، فوصل “الى مزار عظيم ومقام كريم وقبة عالية”… فدخلنا لزيارة قبر داود عليه الصلاة والسلام، وهناك مسجد ومحراب وساحة ومقام، فوجدنا كمال الهيبة وغاية الاحتشام”… ثم يقول “ويقال ان قبر داود في بلاد البقاع في ذيل جبل لبنان” (ص 175). وفي طريقه زار زاوية الشيخ محمد القِرمي. وقد رأى فيها “المقعد اللطيف والمجلس العالي المنيف (ص 185). ثم مرّ على مزار السادة شهداء البدرية ومقامهم المشهور وضريح الشيخ سعد الدين الرصافي. ثم قصد في اليوم التالي المقبرة المشهورة: “ماملا”، وأسمها عند اليهود “بيت ملوا” وعند النصارى “يا بيلا” والمشهد على ألسنة الناس “ماملا” ص 187. ثم كانت زيارة لعين سلوان بظاهر القدس وضريح الشيخ المنسي. ثم كانت زيارات ومواقف في المدرسة القادرية والزاوية البسطامية. وقد وصف النابلسي كل عظيم مما رآه في القدس، ووقف على كل دقيق.

(•) الشيخ عبد الغني النابلسي: “الحضرة الانسية في الرحلة القدسية” – دار العلوم – بيروت 2009.

(استاذ في الجامعة اللبنانية)

27 سبتمبر 2009 10:35 ص | وعي


نسخة الطباعة نسخة الطباعة

تعليق واحد على ““الرحلة القدسية” للنابلسي وأبواب القدس العشرة”

  1. رغداء يقول:

    السلام عليكم

    نشرت وزارة الثقافة السورية ضمن سلسلة آفاق ثقافية عدد آيار 2009م, الكتاب الشهري رقم 73 , كتاباً جميلاً بعنوان “رحلات من دمشق إلى القدس” بقلم أحمد سامح الخالدي, وقد نُشر هذا الكتاب أول مرة سنة 1946م, وفي هذا الكتاب عرض لرحلات ثلاثة وهي:
    1 ـ رحلة الشيخ عبد الغني النابلسي “الحضرة الإلهية في الرحلة القدسية”
    2 ـ ورحلتا مصطفى البكري الصديقي ” الخمرة المحسية في الرحلة القدسية” و”الأنسية للروضة الدانية القدسية”
    3 ـ ورحلة مصطفى أسعد اللقيمي “سوانح الأنس برحلتي لوادي القدس”

    وتجد في هذه الرحلات وصفاً للمزارات وقبور الأنبياء والأولياء والصحابة والصالحين التي قصدها هؤلاء المتصوفة, والقارئ يعجب لكثرة هذه المزارات.
    طبعاً وبسبب كون الثلاثة من شيوخ التصوف فلم يكن قصدهم السياحة بل كان قصدهم الزيارة والتبرك, لذلك فقد انصرف همهم لزيارة الأماكن المقدسة, ولم يقدموا لنا وصفاً موضوعياً أو اجتماعياً, بل إنهم تجنبوا الاتصال بالناس إلا بعضاً من رجال الطرق الصوفية.
    الكتاب جميل أنصح من يهتم بالموضوع بقراءته

    وشكراً

أكتب تعليقاً